الاضطرابات في صنعاء
الاضطرابات في صنعاء
Toward Open Roads in Yemen’s Taiz
Toward Open Roads in Yemen’s Taiz
 Followers of the Shi'ite Houthi movement stand in front of riot police vehicles in Sanaa, on 7 September 2014. REUTERS/Khaled Abdullah
Followers of the Shi'ite Houthi movement stand in front of riot police vehicles in Sanaa, on 7 September 2014. REUTERS/Khaled Abdullah

الاضطرابات في صنعاء

تقف المرحلة الانتقالية في اليمن على مفترق طرق هو الأخطر منذ عام 2011. يحشد الحوثيون، وهم حركة شيعية زيدية تُعرَف أيضاً بحركة "أنصار الله" الجماهير في العاصمة، وتنظّم المظاهرات التي تدعو إلى إسقاط الحكومة وإعادة إقرار الدعم على المحروقات الذي رُفِع في تموز/يوليو. الأكثر إثارة للقلق هو أن أنصارهم القبليون، الذين تربط العديد منهم صلات بالرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي أطيح به في انتفاضة عام 2011، يقيمون مخيمات احتجاجية في محيط المدينة، ما يشكل تهديداً ضمنياً بفرض حصار أو غزو عسكري. الوضع متوتر وثمة احتمال حقيقي باندلاع العنف. يتطلب تجاوز هذا المأزق العودة إلى المبادئ الأساسية التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر الحوار الوطني الذي اختُتم في كانون الثاني/يناير 2014، والمتمثلة برفض الإقصاء السياسي وتسوية الخلافات من خلال المفاوضات السلمية.

لأكثر من عام والحوثيون يقاتلون مختلف الخصوم في أقصى الشمال، ووسّعوا سيطرتهم على الأرض في الوقت الذي كانوا يناقشون فيه مستقبل البلاد في مؤتمر الحوار الوطني. الكثير من اليمنيين، بمن فيهم أعضاء المؤتمر الشعبي العام بزعامة صالح وأنصار الرئيس عبد ربه منصور هادي، هللوا بهدوء لمقاتلة الحوثيين ائتلافاً ضعيف التماسك يضم خصومهم المشتركين والذين يتمثلون في قبيلة آل الأحمر، والسلفيين، والأعضاء القبليين والعسكريين في الحزب الإسلامي السني، الإصلاح. لكن عندما استولى الحوثيين على مدينة عمران، التي تقع على بعد 50 ميلاً شمال صنعاء، واجتاحوا قاعدة عسكرية وقتلوا قائدها، تغيرت الديناميكيات السياسية. تنامت المخاوف الدولية والمحلية من أن الحوثيين ـ الذين أكسبتهم مساهماتهم الإيجابية في مؤتمر الحوار الوطني احترام الكثيرين ـ قد لا يكونون ملتزمين بالتغيير السياسي أو المنافسة السياسية، كما اتهمهم منتقدوهم منذ فترة طويلة من الزمن.

تصاعدت حدة النقاش حول النوايا الحقيقية للحوثيين في أواخر تموز/يوليو بعد أن قامت حكومة الوفاق، الموزّعة مناصفة بين المؤتمر الشعبي العام وكتلة المعارضة السابقة التي تضم حزب الإصلاح، برفع الدعم عن المحروقات. عندما لاحت بوادر الإفلاس في الأفق، لم يكن لدى الدولة العديد من الخيارات، إلاّ أن الطريقة التي نُفّذت بها العملية - أي أنها نفذت بشكل مفاجئ ودون قيام حملة توعية عامة وفي غياب استراتيجية إصلاح اقتصادي شفافة وأكثر شمولية - كانت كارثية من الناحية السياسية. سارع الحوثيون إلى استغلال ذلك، وحشدوا اليمنيين من مختلف أجزاء الطيف السياسي. دعت الاحتجاجات إلى إعادة إقرار الدعم، وتغيير الحكومة وتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، بما في ذلك مكافحة الفساد وإشراك مجموعات وأحزاب أخرى في الحكومة.

تلقى المطالب الحوثية صدىً واسعاً، وإذا تمت معالجتها من خلال التسوية فإنها يمكن أن تعزّز الدعم الشعبي للمرحلة الانتقالية المترنحة في البلاد. ويمثل هذا فرصة لبناء توافق يوضح ترتيبات تقاسم السلطة في أعقاب مؤتمر الحوار الوطني والإطار الزمني لتنفيذ مخرجات المؤتمر. كما كانت مجموعة الأزمات قد حذرت في حزيران/يونيو 2014، فإن غياب مثل هذا الاتفاق يشكل تهديداً للعملية الانتقالية وقد كان أصلاً محركاً أساسياً للنزاع. إلاّ أن استمرار حشودهم حول العاصمة أمر خطير وسيُحدِث آثاراً عكسية ويهدد باندلاع العنف إذا رفضت الحكومة مطالبهم.

في حين أن طموحات الحوثيين غير واضحة ودائمة التغيّر، فإن الاحتجاجات تشكّل جزءاً من عملية مساومة تأمل الحركة من خلالها بأن تفرض سيطرتها على الشمال وتصبح أكثر قوة على المستوى الوطني. حتى مع تقديم قادتهم لمطالب للحكومة المركزية في صنعاء، فإن ميليشياتهم تقاتل رجال القبائل المرتبطين بحزب الإصلاح والوحدات العسكرية في محافظة الجوف فيما يُنظر إليه على نطاق واسع بأنه محاولة لخلق وقائع على الأرض لإجبار الأطراف على إعادة التفاوض بشأن الهيكلية الفيدرالية التي اقترحها مؤتمر الحوار الوطني والمكوّنة من ستة أقاليم.

وضعت الاحتجاجات الرئيس هادي في موقف صعب. في البداية وفّرت له فرصة للدفع نحو إجراء تغييرات في حكومته غير الفعّالة وتعزيز موقعه في مواجهة صالح ومراكز القوى التابعة لحزب الإصلاح. لكن عندما تردد وأخفقت جهود المفاوضات الأوّلية، لجأ الطرفان إلى التصعيد. أقام الحوثيون مخيمات أمام وزارات الحكومة وحول صنعاء، في حين دعم الرئيس "تحالفاً وطنياً" لتنظيم مسيرات مقابِلة.

في 2 أيلول/سبتمبر، أعلن هادي عن تسوية عالجت جزئياً مطالب الحوثيين. اقترحت، بين أشياء أخرى، تشكيل حكومة أكثر تمثيلاً وتخفيض أسعار المحروقات بحوالي 30%، وهو ما تم تنفيذه في اليوم التالي. كانت المبادرة أبعد ما تكون عن الكمال، حيث قُدّمت إلى الحوثيين بوصفها أمراً واقعاً ومنحت الرئيس سلطات استثنائية لتعيين رئيس الوزراء وكذلك وزراء الدفاع، والداخلية، والمالية والخارجية، دون مدخلات تذكر أو إشراف من قبل الأطراف الأخرى. وقّع أعضاء المؤتمر الشعبي العام والإصلاح على المبادرة، إلاّ أن بعض أعضاء الحزب عبّروا عن تحفظاتهم. رفض ممثلو الحوثيين العرض، واعتبروا تخفيض أسعار المحروقات غير كافٍ، وطالبوا بإصلاحات اقتصادية أوسع وانتقدوا الطريقة المقترحة لتشكيل الحكومة. صعّدت الحركة من أنشطتها الاحتجاجية في العاصمة، حيث بدت مقتنعة بأن التصعيد يمكن أن يحقق المزيد. في 7 أيلول/سبتمبر، وفي مؤشر خطير على ما قد يحدث، جرحت القوات الحكومية العشرات وقتلت شخصين على الأقل في محاولتها منع المحتجين من إقامة الخيام وإغلاق طريق رئيسي يؤدي إلى مطار صنعاء.

يمكن لمبادرة الرئيس، مع بعض التعديلات، أن تشكّل أساساً لتسوية شاملة. أما البديل فهو صراع لا يقل خطورة عن ذاك الذي نشأ عام 2011، عندما تَواجَه جناحان في الجيش، أحدهما يدعم صالح والثاني يدعم الانتفاضة، في العاصمة. الوضع اليوم أكثر خطورة، حيث المشهد السياسي المحلي شديد الانقسام ومتعدد الأقطاب. لا تستطيع أي من القوى السياسية الرئيسية ـ الحوثيون، أو المؤتمر الشعبي العام بقيادة صالح، أو الإصلاح أو هادي ـ السيطرة على العاصمة بمفردها، كما أن من غير الواضح أنها ستكون قادرة على ضبط أنصارها إذا ما اندلع القتال. علاوة على ذلك، فإن من شبه المؤكد أن اشتعال الأوضاع في العاصمة سيؤدي إلى محاولة فوضوية لتحقيق الاستقلال في الجنوب الحافل بالصراعات السياسية الداخلية وبأنشطة القاعدة. كما أن المشهد الإقليمي تغيّر أيضاً مع حدوث استقطاب طائفي. إن التفكك الداخلي يمكن أن يجرّ اليمن بشكل أعمق نحو الانقسام.

إن استمرار جهود الوساطة التي يقوم بها المبعوث الخاص للأمم المتحدة، جمال بن عمر، ضرورية للتوصل إلى تسوية، إلاّ أن المسؤولية الرئيسية تقع على عاتق اليمنيين الذين ينبغي أن يعملوا بوحي من مصلحتهم الوطنية. لقد تم أصلاً الاتفاق على العديد من المبادئ المتمثلة في قيام حكومة أكثر تمثيلاً تضم وزراء يكون للحوثيين دور في ترشيحهم، وتوضيح صلاحيات الهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وتحديد الجدول الزمني لتنفيذ مخرجات المؤتمر، وغير ذلك. يشكّل التوصل إلى تسوية حول الدعم والضمانات بإجراء إصلاحات اقتصادية أوسع النقاط العالقة المباشرة. الآن هو الوقت المناسب للتوصل إلى اتفاق حول هذه القضية بحيث يمكن للتراجع عن التصعيد والشروع في مفاوضات حول تفاصيل تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني أن تبدأ. ما لم يحدث ذلك فإن التوتر المتزايد يمكن أن يقوّض التقدّم الذي تم تحقيقه حتى الآن في المفاوضات بل يمكن أن يعطّل التسوية السياسية الناشئة التي تم التوصل إليها من خلال مؤتمر الحوار الوطني.

على الرئيس هادي، من جهته، أن يوحّد جهود المفاوضات، التي تضمّنت حتى الآن عدداً أكبر مما ينبغي من الوسطاء وأقل مما ينبغي من صُنّاع القرار. كما ينبغي على الرئيس هادي أن يتخذ إجراءات إضافية لضمان ألاّ تقوم الأجهزة الأمنية للدولة بعمليات استفزازية تعقّد الوضع المتقلب أصلاً. كما ينبغي على الحوثيين أن يقوموا بدورهم أيضاً. لطالما اتهمهم منتقدوهم بأن لهم نوايا خطيرة تتراوح بين إقامة دولة يحكمها رجال الدين على الطريقة الإيرانية وإقامة دولة داخل دولة على طريقة حزب الله. عليهم الآن أن يثبتوا العكس وأن ينخرطوا بشكل بنّاء في جهود الرئيس، حيث يمكنهم أن يختلفوا معها ويقترحوا تعديلات واضحة والقبول في المحصلة بحلّ لا يحقق جميع مطالبهم. أما البديل فهو صراع لا يكسب فيه أي طرف ويكون فيه اليمن الخاسر الأكبر.

صنعاء/بروكسل

A car travelling from Yemen’s Taiz city to Aden via the Hajjat al-Abd road. This route is prone to car and truck accidents which can be deadly. CRISIS GROUP / Ahmed Basha

نحو فتح الطرق المفضية إلى مدينة تعز اليمنية

تخضع تعز، وهي مدينة في وسط اليمن، لحصار يفرضه المتمردون الحوثيون يعزلها عملياً عن باقي أنحاء البلاد. إن استعادة إمكانية الوصول إلى المدينة سينقذ حياة الناس ويبني الثقة التي من شأنها أن تساعد في تحقيق السلام في اليمن. لكن الوقت قصير.

لقد انقضى أكثر من شهر منذ أعلنت الأمم المتحدة هدنة بين الحكومة اليمنية المدعومة دولياً والمتمردين الحوثيين الذين تقاتلهم منذ سبع سنوات بدعم من تحالف تقوده المملكة العربية السعودية. حتى الآن، صمدت الهدنة نفسها، ولو بشكل هش. لكن الأمم المتحدة تمكنت من تأمين التنفيذ الجزئي لاثنين فقط من إجراءات بناء الثقة التي ربطتها بالصفقة التي أوقفت القتال، وهما: السماح بمرور شحنات الوقود إلى ميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر الذي يسيطر عليه الحوثيون وإعادة فتح مطار صنعاء الدولي الذي يسيطرون عليه أيضاً أمام الرحلات التجارية للمرة الأولى منذ عام 2016. لكن بالكاد تحقق أي تقدم يذكر فيما يتعلق بالإجراء الثالث، وهو إعادة تنشيط الجهود الرامية إلى استعادة إمكانية الوصول عبر الطرق البرية إلى تعز، وهي مدينة تقع في وسط اليمن يحاصرها الحوثيون منذ عام 2016. ومسؤولو الأمم المتحدة في سباق مع الزمن الآن لضمان بقاء مطار صنعاء مفتوحاً على أمل تمديد الهدنة والشروع في مفاوضات سياسية. وبصرف النظر عن أهمية تلك المهمة، فإنهم لا يجب أن ينسوا تعز. إذ إن ما يحدث هناك من شأنه إما أن يسرّع الابتعاد عن المواجهات العنيفة والتوجه نحو المفاوضات السياسية، أو أن يصبح عائقاً يقوض جهود الأمم المتحدة الرامية في النهاية إلى إنهاء الحرب اليمنية.

فرصة هشة

توفر التطورات الأخيرة فرصة مواتية في اليمن. فقد دخلت الهدنة ومدتها شهران حيز التنفيذ في 2 نيسان/أبريل. وهي عبارة عن اتفاق غير رسمي لوقف القتال ينفَّذ ذاتياً من قبل الطرفين. وهي قابلة للتجديد نظرياً. وتعقد الأمم المتحدة الأمل على أن تمديداً للهدنة يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لمفاوضات سياسية على وقف إطلاق نار رسمي وسبيل تفاوضي لإنهاء الصراع.

بعد أقل من أسبوع من إعلان الأمم المتحدة للهدنة، أعلن رئيس اليمن على مدى عشر سنوات، عبد ربه منصور هادي، تخليه عن السلطة لمجلس رئاسي جديد مكوّن من ثمانية أعضاء بقيادة وزير الداخلية السابق، رشاد العليمي. ويذكر أن هادي تنحّى تحت ضغوط من المملكة العربية السعودية كجزء من مبادرة لإعادة تنظيم الكتلة المعادية للحوثيين. فاليمنيون المعادون للحوثيين انتقدوا هادي بشدة لعدم ممارسته دوراً قيادياً في التحالف المشتت المعادي للحوثيين. رفض الحوثيون علناً المجلس الجديد على أنه مجرد "تعديل لتركيبة المرتزقة" يؤكد على ما يرون فيه افتقار الحكومة للشرعية. إلا أن المجلس يمثل طيفاً واسعاً من الفصائل العسكرية والسياسية المعارضة للحوثيين. وقد تم تدشينه في عدن، مع تعيين رئيس للوزراء وحكومة.

تشكل الهدنة وتشكيل المجلس ... فرصة مهمة، وإن تكن محدودة، لإعادة إطلاق عملية سياسية.

تشكل الهدنة وتشكيل المجلس – والتصريحات العلنية للمجلس بأنه سيسعى إلى تحقيق السلام مع الحوثيين – فرصة مهمة، وإن تكن محدودة، لإعادة إطلاق عملية سياسية، خصوصاً بالنظر إلى تراجع هيمنة الحوثيين في ميدان المعركة نتيجة تجدد الدعم الإماراتي للقوات المعادية لهم. قد يكون من قبيل المبالغة القول بإمكانية تحقيق السلام مباشرة، ويرى كثير من اليمنيين في الهدنة فرصة للأطراف المتنازعة لإعادة تجميع قواها بدلاً من وقف الأعمال القتالية. رغم ذلك، فإن آفاق الانتقال من المعارك العنيفة إلى مفاوضات سياسية ذات معنى باتت أفضل الآن مما كانت عليه على مدى سنوات.

ومن أجل الاستفادة من فرصة تمديد الهدنة، يتعين على الطرفين تحقيق تقدم مستمر في جميع الإجراءات الثلاثة المترابطة لبناء الثقة. ويبدو أن الأمم المتحدة تدفع بقوة فعلاً فيما يتعلق بشحنات الوقود وإعادة فتح مطار صنعاء. إلا أن قضية تعز تتطلب اهتماماً أكبر.

شاحنة رباعية الدفع تحمل مسافرين من عدن إلى مدينة تعز على طريق هيجة العبد، وهو طريق غير مباشر وخطير يربط المحافظتين. مجموعة الأزمات / أحمد باشا

تعز والهدنة

حقيقة أن الهدنة صمدت حتى الآن، ولو بشكل هش، تعد إنجازاً بحد ذاتها بالنظر إلى عمق انعدام الثقة بين الحوثيين وخصومهم، حيث تبادلا الاتهامات بشأن التأخر في اتخاذ الخطوات المتفق عليها. لكن يبلغ انعدام الثقة بنوايا الحوثيين أقصاه في تعز، حيث استقبل السكان إعلان الهدنة بالاحتجاج بدلاً من الاحتفال. إذ رأى كثير من السكان أن أحكام الاتفاق بالنسبة لمدينتهم غير واقعية. وبالنسبة للكثيرين في المعسكر المعادي للحوثيين، فإن تعز أصبحت رمزاً لما يرون فيه مقاربة دولية غير متوازنة لا تلقي بالاً لمظالمهم بينما تسعى لإرضاء الحوثيين.

لقد عُزلت محافظة تعز عن باقي أنحاء اليمن منذ أدت المعارك في عام 2015 إلى احتفاظ الحوثيين بالسيطرة الاقتصادية والاستراتيجية على مناطق شمالية مهمة وأحاطوا بمدينة تعز، التي ظل مركزها تحت سيطرة القوات المتحالفة مع الحكومة. لقد قطع القتال جميع الممرات البرية التي تربط تعز بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وتلك الخاضعة لسيطرة الحكومة. وأينما أرادوا الانتقال، يُجبر اليمنيون الذين يعيشون في المدينة على المناورة على طرقات جبلية ذات مسار واحد وذات منعطفات خطرة جداً وعليها نقاط تفتيش تقيمها المجموعات المسلحة.

وقد كانت التداعيات مدمرة للحياة المدنية والتجارة. فقد ازدادت المدة الزمنية التي يستغرقها السفر من وإلى تعز بشكل كبير جداً. فالقيام برحلة من الحوبان التي يسيطر عليها الحوثيون، والمركز الصناعي في محافظة تعز حيث يعمل كثير من السكان، إلى مركز مدينة تعز الخاضع لسيطرة الحكومة كان يستغرق في الماضي من 5 إلى 15 دقيقة بالسيارة. أما الآن فيستغرق نحو 5 إلى 6 ساعات على طريق سيء بمسار واحد. أما السفر من تعز إلى مدينة عدن الساحلية الجنوبية فيستغرق من ست إلى ثمان ساعات بالسيارة؛ بينما كان يستغرق ساعتين إلى ثلاث ساعات قبل عام 2015. ويمكن لنقل السلع الأساسية مثل الأغذية والوقود بالشاحنات بين المدينتين المتحالفتين اسمياً أن يستغرق بين 14 ساعة وعدة أيام. لقد أدى ارتفاع تكاليف النقل والرسوم التي تدفع على نقاط التفتيش، إضافة إلى التكاليف الأخرى المرتبطة بالعمل في اقتصاد حرب، إلى رفع أسعار الأغذية والوقود داخل المدينة بشكل جعل تكاليف المعيشة فيها الأعلى في اليمن. فلم يعد من غير الشائع أن يموت المرضى من سكان تعز في طريقهم إلى عدن أو صنعاء للحصول على الرعاية الطبية العاجلة. حتى الآن، لم يكن لدى الحوثيين حوافز تذكر لتحسين الوصول إلى المدينة عبر الطرق. فهم يسيطرون على المركز الاقتصادي للمحافظة ويبقون خصومهم المحليين محصورين فيها. ما يزيد من تعقيد المسائل هو أن الأجزاء من محافظة تعز التي لا يسيطر عليها الحوثيون تتنازع عليها مجموعات متنافسة داخل الكتلة المعادية للحوثيين، ويتطور النزاع إلى العنف أحياناً.

الحوبان إلى تعز
عدن إلى تعز

سوابق فاشلة

لقد فشلت سلسلة من المبادرات المحلية والدولية في تحسين الوصول إلى مدينة تعز – وهو فشل يرى فيه كثير من السكان نتاجاً للانحياز الدولي وانحياز الأمم المتحدة لصالح الحوثيين. وفي سياق شرح إحباطهم، يشيرون إلى اتفاق ستوكهولم لعام 2018، الذي مكّن فعلياً من تحاشي حدوث معركة للسيطرة على الحديدة، وكان يهدف إلى تحضير الأرضية لمحادثات سلام أوسع. احتوى ذلك الاتفاق اتفاقا فرعياً غامضاً بشأن تعز؛ فقد دعا كلا الطرفين إلى اختيار ممثلين إلى لجنة مشتركة تعمل لتحقيق هدف إعادة فتح الممرات الإنسانية إلى مركز المدينة. كما نص على أن تقدم اللجنة تقريراً واحداً بشأن التحرك نحو تحسين الوصول عبر الطرق إلى المدينة خلال فترة الاستعداد لمشاورات مستقبلية.

إلا أن الاتفاق الفرعي لم يحقق تقدماً ذي معنى بشأن استعادة وصول سكان تعز إلى باقي أنحاء البلاد. ورغم أن الأمم المتحدة عقدت اجتماعات فردية مع ممثلي كلا الطرفين، فإن الوفود لم تجتمع بشكل مشترك كلجنة، ناهيك عن التوصل إلى اتفاق حول كيفية تحقيق الأهداف التي وضعت في السويد. انتقد اليمنيون المعادون للحوثيين الأمم المتحدة لعدم بذل نفس الجهود لإعادة فتح تعز - والتي يرى فيها السكان قضية إنسانية – التي بذلتها بشأن إنهاء حصار الحديدة. كثير من اليمنيين الذين عملوا على قضية الطرق المفضية إلى تعز منذ بداية الحرب يعتقدون أنه ما كان ينبغي للأمم المتحدة جعل هذه القضية جزءاً من اتفاق ستوكهولم بل كان يتعين أن تتفاوض على الوصول إلى المدينة على مسار منفصل. ومن وجهة نظرهم، فإن وضع تعز في إطار ستوكهولم جعل من السهل جداً على الحوثيين جعل التقدم بشأن هذه القضية مشروطاً بتنفيذ أوجه أخرى في الاتفاق. كما أن ثمة تصوراً على نطاق واسع بأن الأمم المتحدة استسلمت بسرعة أكبر مما ينبغي عندما تعثرت المفاوضات بشأن الطرق وحظيت قضايا ملحة أخرى بالأولوية.

يسهم وضع تعز في التوترات السائدة بين المكونات المختلفة للكتلة المعادية للحوثيين

ويسهم وضع تعز في التوترات السائدة بين المكونات المختلفة للكتلة المعادية للحوثيين، والتي حاولت الرياض توحيدها تحت مظلة واحدة. الكثير من سكان تعز يعتقدون أن التحالف الذي تقوده السعودية – وخصوصاً الإمارات العربية المتحدة، التي لديها أجندة محلية وإقليمية معادية للإسلاميين بشكل صريح – ترغب بإبقاء تعز معزولة من أجل إبقاء حزب الإصلاح، وهو مجموعة إسلامية مهيمنة في تعز، ضعيفاً. ويشير اليمنيون في هذا المعسكر إلى قدرة القوات المدعومة من الإمارات على حشد قوات واستعادة مناطق في أجزاء أخرى من البلاد، كما فعلت في ثلاث مناطق في جنوب شبوة ومأرب في وقت سابق من عام 2022. ويعتقدون أنه بإمكان التحالف الذي تقوده السعودية إذا رغب، توفير مساعدة عسكرية أكبر للقوات المعادية للحوثيين في تعز لإبعاد الحوثيين عن الطرق المحيطة بالمدينة على الأقل. كما يعتقد بعض اليمنيين المعادين للحوثيين بأن الهدنة علامة على أن السعودية تريد إخراج نفسها من الحرب. ويعتقدون أن السعوديين وافقوا على جعل تحقيق التقدم بشأن القضايا المتعلقة بتعز إحدى إجراءات بناء الثقة الثلاثة فقط لتهدئة حكومة هادي، التي يُذكر أنها قاومت الاتفاق.

لكن هذه المشاعر المعادية للسعودية، والشعور بأن الرياض كانت القوة الدافعة لتشكيل المجلس الرئاسي الجديد، يمكن أن تعمل لصالح تعز. فالمجلس، ورئيسه نفسه من تعز، يواجه ضغوطاً لإظهار أنه يأخذ مصلحة اليمنيين العاديين بعين الاعتبار على الأقل كما يأخذ رغبة الرياض بالانتهاء من قضية اليمن. وهكذا من الممكن أن يسعى المجلس للتأكيد على حسن نواياه بجعل الوصول إلى تعز عبر الطرق البرية مكوناً محورياً في استراتيجيته التفاوضية بنفس الطريقة التي اتبعها الحوثيون فيما يتعلق بميناء الحديدة ومطار صنعاء، أي برفض تحقيق تقدم في المحادثات بشأن قضايا أخرى دون تحقيق تقدم بشأن الطرق في تعز.

لكن حتى الآن لم يتم تحقيق تقدم يذكر من أي نوع كان. كجزء من اتفاق الهدنة، فإن الحوثيين والحكومة ملتزمان بتشكيل لجنة تفاوض مشتركة لمعالجة قضية طرق تعز، كما فعلا سابقاً بموجب اتفاق ستوكهولم. مسؤولو الحكومة اليمنية يقولون إنهم سمّوا مرشحيهم للجنة وقدموا مقترحات بشأن إعادة فتح طرق تعز–الحديدة، وتعز–صنعاء وتعز–عدن. ويدّعون أن الحوثيين لم يسمّوا مفاوضيهم حتى الآن، وبالتالي يصورون المتمردين على أنهم العقبة الرئيسية أمام تحقيق التقدم. في الواقع، فإن الحوثيين تقدموا بمطالب جديدة لإعادة فتح الطرق في تعز، أولها وقف القتال في المحافظة وسحب العتاد العسكري من شرايينها الرئيسية.

طريق الحوبان المغلق حالياً والذي كان يربط مدينة تعز الواقعة تحت سيطرة الحكومة والحوبان الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. مجموعة الأزمات / أحمد باشا

بناء الثقة طريق باتجاهين

مهما كان ما سيحدث تالياً، فإن قضية الوصول إلى تعز عبر الطرق من المرجح أن تصبح سجالية على نحو متزايد، خصوصاً مع مضاعفة الأمم المتحدة جهودها للمحافظة على التقدم المحرز في إجرائَي بناء الثقة الآخرين في محاولة لتوسيع وتمديد الهدنة. حتى الآن، وطبقاً لمسؤول في الحكومة اليمنية تحدث إلى مجموعة الأزمات، فإن إحدى عشرة سفينة تحمل الوقود وصلت إلى ميناء الحديدة. علاوة على ذلك، فإن أول رحلة تجارية خرجت من مطار صنعاء منذ ست سنوات غادرت إلى عمّان بعد وقت قصير من إعلان الحكومة أنها ستسمح للأشخاص الذين يحملون جوازات سفر صادرة عن الحوثيين بالسفر. رغم هذا التقدم، تنتشر شائعات تفيد بحدوث حشد عسكري مع استعداد الطرفين لاحتمال انهيار الهدنة أو انتهاء مفعولها.

تتمثل المخاطرة في أن الهدنة قد لا تستمر بعد انقضاء إطارها الزمني ومدته شهران إذا لم يحدث تقدم ذي معنى في جميع إجراءات بناء الثقة الثلاثة. وتهميش قضية تعز من شأنه أن يعرّض آفاق تجديدها للخطر. كما لاحظنا أعلاه، فإن البعض في معسكر الحكومة قد يؤيد جعل المفاوضات بشأن إعادة الفتح الكامل لمطار صنعاء مشروطاً بتحقيق التقدم بشأن تعز، وبذلك تتقوض إمكانية توسيع الهدنة إذا استمر الحوثيون في المماطلة بشأن القضية الثانية. أما الحوثيين، من جانبهم، فيستمرون في تجاهل قضية الطرقات المفضية إلى تعز ويظهرون علامات على القيام بمفاوضات بطيئة، ما يعطي الحكومة مبرراً مثالياً لإعاقة جهود التحرك نحو المفاوضات.

وهكذا فإن تسوية قضية طرق تعز مرتبطة بشكل وثيق بمصير الهدنة بشكل عام، وكذلك بأي مفاوضات مستقبلية بين الطرفين المتحاربين. لذلك، ينبغي على القوى الخارجية اتباع مقاربة من شقين للتوصل إلى تسوية. أولاً، وكجزء من اندفاعة دبلوماسية أوسع مع الحوثيين في صنعاء، ينبغي أن تركز اهتمام المتمردين على الحاجة لتحقيق تقدم بشأن تعز، وأن تشير إلى أن القضية تحظى بالأولوية على جدول أعمالها. إن غياب دبلوماسية جادة ومستمرة بشأن قضية تعز من شأنها فقط أن تكون قد أسهمت بعدم حدوث أي تقدم حتى الآن. ثانياً، ومع الأخذ بعين الاعتبار مخاطر خلط ملف الوصول عبر الطرق بقضايا سياسية وعسكرية أخرى، يتعين على الدبلوماسيين طرح قضية تعز في نقاشاتهم مع السعودية، بالنظر إلى أن المملكة لديها قنواتها الخاصة مع الحوثيين. يمكن لإشراك السعودية في دعم إعادة فتح مدينة تعز أن يعزز مصداقية المملكة، بالنظر إلى أن الكثير من اليمنيين يعتقدون (ومستاؤون من) أنها ترغب بإبقاء حزب الإصلاح في موقف دفاعي في أحد أهم المناطق اقتصادياً في البلاد. كما أن ذلك سيساعد في تحقيق هدف الرياض المتمثل في المساعدة على إنهاء الحرب.

ينبغي على الأطراف عدم إضاعة هذه الفرصة لتحقيق تقدم. لقد أعاد فتح مطار صنعاء جزئياً إحياء الأمل بين اليمنيين بأنهم سيتمكنون مرة أخرى من السفر خارج البلاد. وعلى نحو مماثل، فإن إعادة فتح طرقات تعز سيحقق مزايا كبيرة لسكان المدينة الذين قيدت حرية حركتهم لمدة أطول مما ينبغي. إذا لم يتم التحرك بشأن تعز، فإن فرص تمديد الهدنة بما يتجاوز إطارها الزمني وهو شهران، وتحقيق السلام في اليمن، ستصبح أكثر ضآلة. رغم التشكك واسع النطاق، فإن الهدنة، وهي أول توقف للقتال على مستوى البلاد منذ عام 2016، صمدت حتى الآن. لا ينبغي جعل اليمنيين ينتظرون ست سنوات أخرى لظهور فرصة أخرى لتحقيق السلام.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.