icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Youtube
اليمن لا يتحمل الانتظار
اليمن لا يتحمل الانتظار
A destroyed building in the Tawahi district of Aden, 26 March 2019. CRISISGROUP/Peter Salisbury

اليمن لا يتحمل الانتظار

جراح البلاد عميقة – والولايات المتحدة تتحمل جزءاً من المسؤولية

بالنسبة لأميركي شارك في صياغة السياسة الأميركية حيال الشرق الأوسط خلال سنوات إدارة باراك أوباما، فإن القدوم إلى اليمن يبعث فيّ الشعور غير المريح لشخص يزور مشهد مأساة شارك في صنعها.

إنه مشهد لا تكشف أوجهه الأكثر إيلاماً للقلب نفسها بسهولة لزائر. فلا يزال من الممكن السفر شمالاً، إلى العاصمة صنعاء التي أنهكتها الحرب، والتي تسيطر عليها حالياً مجموعة الحوثيين المتمردة، أو إلى ساحل البحر الأحمر، الذي تلوح في أفقه نُذُر صراع كارثي للسيطرة على ميناء الحديدة، لكن ذلك يظل تحدياً. وبالتالي، فعندما غامر أحدنا مؤخراً بزيارة البلد، فإن الرحلة لم تتجاوز عدن، المدينة الساحلية الجنوبية التي استعادت الحكومة المعترف بها دولياً السيطرة عليها في بداية الصراع بمساعدة التحالف الذي تقوده السعودية.

لا تنوء عدن تحت وطأة الجراح التي تثقل كاهل مناطق أخرى؛ مثل انتشار الكوليرا، وحيث يحتاج 80% من السكان إلى المساعدات الإنسانية، بينما تهدد المجاعة عدداً كبيراً من السكان. لكن حتى في عدن، تبرز  آثار الحرب. إن وضع عدن اليوم أفضل من وضع العديد من المدن اليمنية الأخرى، وقد تحسن الوضع الأمني حتى مقارنة بما كان عليه الحال قبل ستة أشهر، لكن هذا سقف منخفض. تعرضت العديد من المباني للقصف في عدن، بينما دمر بعضها بشكل كامل، وأعيد إصلاح عدد قليل جداً منها بعد إخراج الحوثيين من المدينة. وبالإضافة إلى الآثار المادية للحرب، هناك الندوب الأمنية أيضاً. حيث تتنافس قوى وميليشيات على نقاط التفتيش وتسيطر القوات الحكومية على أجزاء من المدينة، بينما تسيطر  على أجزاء أخرى مجموعة مسلحة ذات ميول انفصالية تسمى ’الحزام الأمني‘ مدعومة من الإمارات العربية المتحدة وتتبع اسمياً للحكومة اليمنية. وقد انخرط الطرفان في معركة قصيرة لكنها مريرة قبل أكثر من عام بقليل، انتهت بهدنة مضطربة.

وإلى جانب الندوب المادية والأمنية هناك ندوب سياسية؛ فالانفصاليون الجنوبيون يكبحون جماح غيظهم في ظل حكومة يرون فيها عقبة في وجه تحقيق هدفهم النهائي. وإذا سئلوا عمن  يعتبرونه أخطر عدو لهم على المدى البعيد، من المرجح أن يذكروا حزب الإصلاح، التيار الإسلامي الذي يشكل جزءاً من الحكومة التي يتحالفون معها اسمياً، وليس الحوثيين، الذين يعتبرون رسمياً في حالة حرب معهم. يلمح البعض إلى أن الجنوبيين لا يكترثون إطلاقاً لمن يحكم الشمال طالما تُركوا وشأنهم في الجنوب؛ وبالتالي، إذا مد الحوثيون يدهم بالسلم فإنهم سيجدون من يشد عليها. ينتظر الانفصاليون الفرصة المناسبة، لكن الأمر ليس موضع شك بالنسبة لهم، فهم سيستعيدون الاستقلال الذي تمتع به الجنوب في المرحلة الفاصلة بين إخراج البريطانيين منه في العام 1968 والوحدة مع اليمن الشمالي سلمياً في العام 1990، وإلا فإنهم سيحققونه بالقوة. تتركز معظم أنظار العالم على الصراع الذي تدور رحاه في الشمال، وهذا مبرر؛ فهو الصراع الذي يولد أسوأ كارثة إنسانية اليوم، والذي ما يزال من الممكن أن يدفع بالملايين إلى المجاعة. إلاّ أن إنهاء تلك الحرب لن ينهي حرب اليمن.

تحت الصورة: رئيس مجموعة الأزمات ومديرها التنفيذي روب مالي يستمع إلى هاني بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي متحدثاً في مقر المجلس، التواهي، عدن، 19 آذار/مارس 2019. مجموعة الأزمات/بيتر سالزبوري

لم تساهم الولايات المتحدة عسكرياً في هذه المأساة مباشرة  فمهمة القتال والقصف أنجزتها أطراف محلية: حلفاء أميركا الخليجيون وآخرون دفع لهم التحالف مقابل عنائهم.

لكن مهما كانت مسؤولية الولايات المتحدة عن الكارثة التي حلت باليمن غير مباشرة، فإنها مسؤولة رغم ذلك؛ فجذور فشل البلاد عميقة: من إهمال صنعاء المتكرر للمظالم الحوثية والجنوبية، إلى خيانة النخب اليمنية لوعود انتفاضة العام 2011، إلى إدارة الرئيس عبد ربه منصور هادي الفاسدة وغير الفعالة قبل الحرب، إلى إسقاط الحوثيين للحكومة في أواخر العام 2014 وما تلا ذلك من انتزاعهم السيطرة على باقي أنحاء البلاد، وأخيراً رد فعل التحالف الذي تقوده السعودية على تلك الخطوة بعد ذلك. يمكن القول أن الولايات المتحدة في الكثير من هذه المنعطفات قد أساءت التجاوب. فبتركيزها منذ البداية على الحرب ضد القاعدة، الذي حجب  عنها رؤية أخطاء هادي ومنعها من إدراك حقيقة أنه مهما كان شريكها في محاربة الإرهاب متعاوناً، فقد اعتبر يمنيون على نطاق واسع أنه خذلهم كزعيم للبلاد. ولكن لم يكن أي من الأثمان التي دُفعت عند أي من هذه المنعطفات أعلى من ثمن القرار الأميركي بدعم معركة التحالف.

لماذا تورطت الولايات المتحدة في هذه الحرب – ولماذا علّق رئيس كان مصمماً على إبقاء بلاده بعيدة عن مأزق عسكري آخر في الشرق الأوسط في هذه الورطة؟ إن محاولة الإجابة على هذا السؤال تحمل في طياتها تفاصيل قصة مؤلمة. في آذار/مارس 2015، تقدمت السعودية إلى الولايات المتحدة بطلب الدعم في حملة كانت عازمة على شنها مهما كان الثمن. ورغم أن الأحداث جرت قبل أربع سنوات فقط، فإن الذكريات حيالها مشوشة، ففي أحاديثنا، وجد العديد من المسؤولين الأميركيين السابقين صعوبة في تذكّر ما طلبه السعوديون بالتحديد، وماهية الالتزامات المحددة التي قدمتها الإدارة الأميركية رداً على ذلك، ومتى بدأت أشكال معينة من المساعدة بالتدفق. يتذكر البعض - بمن فيهم أحدنا - والذي كان موجوداً في المداولات، رئيساً متردداً بشدة أعطى الضوء الأخضر للدعم الأميركي لكنه أصر على أن يقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية وألا يمتد إلى الحرب ضد الحوثيين. آخرون يتذكرون سماع تلك التعليمات، ويجاهدون لمطابقة ذلك مع ما قامت به الولايات المتحدة فعلياً خلال الحرب – بما في ذلك إمداد الغارات الجوية للتحالف بالوقود وإعادة ملء مخازن الأسلحة.

تحت الصورة: رئيس مجموعة الأزمات ومديرها التنفيذي روب مالي يناقش الوضع في عدن مع مجموعة من الصحفيين، والنشطاء والأكاديميين الجنوبيين، 20 آذار/مارس 2019. مجموعة الأزمات/بيتر سالزبوري

لكن الجميع يتفقون على أن القرار جاء دون قدر كبير من النقاش. وكان السبب - في المحصلة - واضحاً؛ فهذه شريكتنا (السعودية) تطلب المساعدة في إعادة حكومة (الرئيس هادي) والتي اعتبرتها الولايات المتحدة شرعية وحليفاً مخلصاً في الحرب ضد القاعدة. كان قد أطيح بتلك  الحكومة من قبل مجموعة متمردة (الحوثيون أو أنصار الله)؛ وعلى الرغم أن مدى ارتباط المجموعة بإيران كان موضع نقاش، وقد نوقش، لكن وجودها لم يكن موضع خلاف. إضافة إلى ذلك، حدث كل هذا في وقت كانت فيه العلاقات بين واشنطن والرياض قد تضررت كثيراً بسبب الخلافات حول استجابة إدارة أوباما للربيع العربي، والأكثر من ذلك، تفاوضها على اتفاق نووي مع طهران. من وجهة نظر الرياض، فإن عدم فعل شيء يعني السماح لمنظمة شبيهة بحزب الله بالسيطرة على حدودها الجنوبية، واستبقاء تهديد أبدي. ومن المرجح أن رفض الطلب السعودي في أي وقت كان سيثير أزمة خطيرة في العلاقات الثنائية بين السعودية والولايات المتحدة. أما فعل ذلك والولايات المتحدة تسعى إلى التوصل إلى اتفاق تاريخي مع ألد أعداء المملكة فكان من شأنه أن يوصل تلك العلاقات إلى نقطة الانهيار. كانت تلك مخاطرة لم يكن رئيسٌ متشكك في حكمة السياسات السعودية بالإضافة لاستعداده للتشكيك ببعض عناصر العلاقة، مستعداً لاتخاذها.

لو كان أوباما يعرف كم ستستمر تلك الحرب، وإلى أي حد ستكون مكلفة، لربما توصل إلى قرار مختلف. ومع انتهاء مدة رئاسته، اتخذت الولايات المتحدة خطوة محدودة ومتأخرة للنأي بنفسها، فأوقفت إمداد السعودية بأسلحة معينة. لكن حتى تلك التحفظات الخجولة لم تكن تعني الرئيس الذي خلفه على سدّة الرئاسة. فإذا كان الدعم، خلال رئاسة أوباما، قد اتخذ شكل تمكين الحملة العسكرية، فإنها في ظل رئاسة دونالد ترامب اتخذت شكلاً أكثر كلفة هو تشجيع الذين يشنونها وجعلهم أكثر جرأة، وتصوير الصراع على أنه جبهة أخرى في المعركة ضد إيران. لقد ادعى وزير الخارجية مايك بومبيو أن حالات الوفاة  في اليمن لم تكن "بسبب السعودية". بعد ذلك بأيام قصفت القوات الجوية السعودية مستشفى تدعمه منظمة "انقذوا الأطفال" في شمال اليمن، فقتلت سبعة أطفال.

في حين أن بعض أعضاء الكونغرس انتقدوا إدارة أوباما في البداية لعدم فعلها المزيد لمساعدة التحالف، فإن الكونغرس - منذ ذلك الوقت - قد نفد صبره حيال الحرب. فمع كل تصويت في الكونغرس، كان الصخب لوضع حد للدعم الأميركي للتحالف (الذي يشمل تقاسم المعلومات الاستخبارية، وبيع الأسلحة، وصيانة أنظمة الأسلحة، وتزويد الطائرات بالوقود – حتى تعليقه مؤخراً) يتعالى أكثر فأكثر. لقد مرّر مجلسا الكونغرس بدعم من الحزبين مشروع قرار يطلب من الولايات المتحدة سحب قواتها من الأعمال القتالية في اليمن، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ أصدر الكونغرس قرار صلاحيات الحرب في العام 1973. لكن من شبه المؤكد أن يواجه القرار الفيتو الرئاسي، ولذلك من المرجح ألا يمضي أبعد من هذا. رغم ذلك، يصعب القول إن القرار كان غير ذي أهمية . لقد كانت وجهة نظر الكونغرس سبباً رئيسياً لقيام وزير الدفاع حينذاك جيم ماتيس بالضغط على السعودية والولايات المتحدة لدفع حلفائهما للتوقيع على اتفاق استوكهولم الذي رعته الأمم المتحدة، والذي أوقف ما كان سيصبح هجوما كارثياً يدعمه التحالف لاستعادة ميناء الحديدة من الحوثيين.

تحت الصورة: رئيس مجموعة الأزمات ومديرها التنفيذي روب مالي ونائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا آبريل لونغلي آلي في اجتماع مع رئيس وزراء اليمن معين عبد الملك في عدن في 19 آذار/مارس 2019. مجموعة الأزمات/بيتر سالزبوري

من خلال الأحاديث التي أجريناها في عدن والرياض، يمكن للمرء أن يستنتج أن الرسالة التي بعث بها الكونغرس لم تلقَ استقبالاً حسناً. ففي كلا المدينتين، يتم تجاهلها ببساطة على اعتبار أنها أحد أعراض الحماسة ضد ترامب فيما يتم استنكارها لأنها تحقق أثراً عكسياً. لا يفهم المسؤولون في البلدين كيف أن الأميركيين لا يستطيعون أن يستوعبوا أن مثل تلك الإشارات تجعل الحوثيين وإيران أكثر جرأة، وتقنعهما أن كل ما عليهما فعله هو انتظار الضغط الأميركي لفرض نهاية للجهد العسكري للتحالف، وبذلك يقدمون لطهران انتصاراً في الوقت الذي تقف فيه على شفا هزيمة كبرى. في جلسات القات، يتحدث اليمنيون بغضب عن التهديد الحوثي وعن حماستهم للقضاء عليه. وهم يقولون هذا بهدف إقناع ضيوفهم الأميركيين بالاستمرار على نفس النهج ومساعدتهم على تدمير عدوهم، في حين أن كل كلمة من كلماتهم تستحضر حمام دم يجده معظم الأميركيين كريهاً ومروعاً.

من وجهة نظر المسؤولين السعوديين، فإن السماح بانتصار الحوثيين سيبعث موجات من الصدمة في سائر أنحاء العالم العربي؛ بينما سيتسبب صدّهم في إلحاق هزيمة عسكرية كبرى بإيران. لكنهم لا يستطيعون شرح كيف أن استمرار الحرب سيقربهم من ذلك الهدف، في الوقت الذي لم تؤدِ فيه أربع سنوات من القتال إلا إلى تعزيز وتعميق الشراكة بين طهران والحوثيين. وهم يجدون صعوبة في قبول أنه، بالنسبة لكثير من الأميركيين، فإن المساعدة في تحقيق "النصر" في هذا البلد الذي فقد فيه 20 مليون شخص أمنهم الغذائي وأصبح 80% من سكانه تحت خط الفقر سيبدو وكأنه فرض لمجاعة جماعية. كما يجدون صعوبة في فهم أن عدداً متزايداً من أعضاء الكونغرس لم يعودوا راغبين بالتواطؤ في ذلك.

لم يعد السؤال اليوم يتعلق بكيفية انزلاق الولايات المتحدة إلى هذه الورطة بقدر ما يتعلق بكيفية إنهاء هذه الحرب حتى لو لم تتحقق الطموحات الأصلية للتحالف المتمثلة في إلحاق الهزيمة بالحوثيين والقضاء على النفوذ الإيراني في البلاد. تتمثل الخطوة الأولى في تحاشي المعركة للسيطرة على الحديدة. فلطالما اعتقد التحالف أن السيطرة على المدينة الساحلية سيشكل ضربة حاسمة للمتمردين، حيث سيحرمهم من الأموال التي يجمعونها من الضرائب ومن الأسلحة المهربة. غير أن الضربة الساحقة ستوجه إلى المدنيين اليمنيين، الذين يعتمد عشرة ملايين منهم على السلع التي تصل إلى ذلك الميناء.

في كانون الأول/ديسمبر 2018، وتحت وطأة الضغط الدولي الذي كان فيه التحالف لا يزال يترنح من من مرحلة بعد الصدمة التي أعقبت جريمة اغتيال السعوديين لجمال خاشقجي، فقد  وافق على هدنة؛ حيث فاوض المبعوث الخاص للأمم المتحدة على اتفاق بين الحوثيين والحكومة اليمنية في ستوكهولم، يتفق بموجبه الطرفين على الانسحاب من المدينة الساحلية ومحيطها. اليوم، بات ذلك الاتفاق في غرفة الإنعاش، حيث تستمر جميع الأطراف باستغلال النقاط الغامضة في نصه فيما يتعلق بالطرف الذي سيدير المدينة بعد إخلاء القوات العسكرية. وسيكون هناك حاجة لنفس الضغوط التي استخدمت للتوصل إلى اتفاق استوكهولم في المقام الأول لضمان قيام الأطراف بالتنفيذ الفوري لجزئه الأهم، المتمثل في فرض انسحاب المقاتلين والسماح بتدفق السلع الإنسانية وانحسار خطر المواجهة، وإذا دعت الحاجة لتأجيل مسألة من سيحكم المدينة والميناء إلى وقت لاحق.

تحت الصورة: رئيس مجموعة الأزمات ومديرها التنفيذي روب مالي يتمشى مع صديق في مديرية البريقة في عدن، 21 آذار/مارس 2019. مجموعة الأزمات/بيتر سالزبوري

إن اتفاقاً حول الحديدة سيخفف أثر الحرب، لكنه لن ينهي الصراع بين التحالف والحوثيين. فذلك سيتطلب، أولاً وقبل كل شيء، تفاهماً بين السعودية والمجموعة المتمردة حول المبادئ التي ستحكم علاقتهم المستقبلية. هل هذا ممكن؟ بالاستماع إلى بعض الحوثيين، الجواب نعم. قد يكون جوابهم مخادعاً، لكنهم يتحدثون بنبرة مطمئنة للغاية. فعند سؤالهم عن المخاوف  السعودية بشأن علاقاتهم بإيران وتهديد الأراضي السعودية يجيبون بأن تلك العلاقات هي نتاج للحرب وستتراجع حالما تنتهي الحرب مع الرياض، ويصرون على أن أي هجمات شنت على السعودية كانت رداً مباشراً على العمليات السعودية وستنتهي في نفس اللحظة التي تتوقف فيها الضربات الجوية، وهم يعترفون بالدور الخاص للمملكة بوصفها جاراً لليمن ويقولون إنهم مستعدون لإقامة علاقات متميزة معها.

وعند الاستماع إلى السعوديين، فإن الجواب هو: لا متشككة، على الأقل في الوقت الراهن. فقد سمعوا وعود الحوثيون من قبل - كما يقولون - التي لم يتم الوفاء بمعظمها. ويشعرون بأنه ينبغي أولاً الوصول إلى توازن جديد في القوى – للضغط على الحوثيين سياسياً وعسكرياً؛ وتحويل عدد من أنصارهم ضدهم – قبل أن يصبح ممكناً للمحادثات أن تكون مثمرة.  ويقولون إن الوقت ليس مناسباً.

يتوقع الحوثيون حدوث تصدعات في التحالف، ويتوقع السعوديون حصول تصدعات في أوساط الحوثيين. وكلاهما بمقدورهما أن ينتظرا. بينما اليمن لا يتحمل الانتظار.

ربما يخفي الحوثيون دوافعهم الحقيقية في كيفية رؤيتهم للمملكة، لكن ما يبدو مؤكداً هو أن المستقبل بعيد المدى لمعقلهم الشمالي في اليمن سيعتمد على مساهمة السعودية، وليس إيران. عندما تصمت البنادق، سيكون في حوزة الرياض مزايا الجوار الجغرافي، والموارد المالية الوافرة، والعلاقات القبلية والعائلية. إن حرباً بالوكالة بين إيران والسعودية تصب في مصلحة طهران؛ فبوسعها الاستثمار قليلاً فيها طالما حافظ الحوثيون على بقائهم، كما أن بوسعها أن تتمتع بعائدات مجزية على استثماراتها بينما تراقب الرياض وهي تضحي بالدم، والثروة، والسمعة في صراع طويل.

إلا أن معركة شد الحبال الاقتصادية بين الطرفين ستحسم  لصالح الرياض؛ فهي تستطيع إغراء الحوثيين وقواعدهم الشعبية بآفاق إعادة الإعمار بطريقة لا تستطيعها طهران ببساطة. إذا أراد السعوديون أن يقف الحوثيون البراغماتيون في وجه الحوثيين الأكثر تشدداً، فمن المرجح أن يحققوا ذلك الهدف عبر نفوذهم الاقتصادي أكثر مما يستطيعون فعله عبر شن حرب توحد المجموعة المتمردة في معارضتها. التحالفات تتغير. ففي ستينيات القرن العشرين، ساعدت المملكة حكام اليمن الشمالي الشيعة الزيديين ضد الثوار الذين دعمتهم مصر والذين سعوا لإسقاط حكمهم. تتمتع إيران بميزة في الحرب أما في السلام، فهي لا تستطيع المنافسة.

تحت الصورة: نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات آبريل لونغلي آلي تناقش الوضع الأمني مع المسؤول الأمني في عدن شلال علي شايع، التواهي، عدن 20 آذار/مارس 2019. مجموعة الأزمات/بيتر سالزبوري

بموازاة المسار التفاوضي بين السعوديين والحوثيين ينبغي أن يكون هناك حوار يمني يمني. حيث سيتوجب على الحوثيين التخلي عن سيطرتهم على مناطق يسيطرون عليها الآن مقابل دور سياسي وأمني أكبر من وزنهم الديموغرافي المتواضع. ولا يمكن لتلك المحادثات أن تقتصر على الحكومة اليمنية والحوثيين؛ فالجنوبيون الذين التقاهم أحدنا في عدن مؤخراً والأحزاب السياسية وأفراد المجتمع المدني الذين هُمشوا بعد انتفاضة العام 2011 لن يذهبوا بعيداً. فهم أيضاً ينبغي أن يكونوا جزءاً من مفاوضات سلام شاملة. ومن المرجح أن تكون الصيغة التي يتم التوصل إليها متمثلة بيمن لا مركزي يقوم على شكل فيدرالية مرنة.

ثمة أصداء لأفغانستان في مثل هذه المفاوضات اليمنية المتخيلة، حيث يلعب السعوديون دور الولايات المتحدة ويكون الحوثيون في موقع طالبان. في كلا الحالتين، لا يرغب المتمردون في التفاوض مع حكومة محلية يعتبرونها دمية في يد سيد أجنبي (بصرف النظر عن مفارقة رفض الحوثيين بقوة لفكرة أنهم وكلاء لإيران بينما يصنفون جميع خصومهم اليمنيين بأنهم مجرد أدوات). في كلا الحالتين، يريدون الحديث مع بلد أكثر قوة يدّعون أنه هو الذي يحرك الدمى. لكن وفي كلا الحالتين أيضاً لا يمكن لهذه المحادثات أن تكون بديلاً للمفاوضات بين الأطراف المحلية.

قد يكون أذكى عمل بمقدور السعودية أن تقوم به هو أن تقود هذه العملية، وتتحدث إلى الحوثيين، وأن تعقد نقاشات أوسع بين اليمنيين، بالتعاون مع الأمم المتحدة وآخرين، بينما توجه تلك المحادثات بمحصلتها إلى تسوية. كما أن أذكى عمل يمكن للولايات المتحدة أن تقوم به هو أن تضغط على المملكة للمضي في ذلك المسار وأن توضح لها بجلاء أنها مستعدة للدفاع عنها ضد تهديدات على قدر كافي من الخطورة، لكنها لن تستمر في مشاركتها في هذا الصراع. لن تنتهي الحرب بالطريقة التي تصورتها السعودية، لكن ما يزال من الممكن أن تنتهي بطريقة يمكن للسعودية أن تقبل بها .

وستبقى الولايات المتحدة بمواجهة أسئلة مؤلمة: ما الذي كان يمكن أن يحدث لو أنها رفضت المناشدات السعودية في الأصل، أو وضعت قيوداً أشد صرامة على دعمها، أو فرضت ضغوطاً أكبر وفي وقت مبكر على شركائها؟ مهما كانت الأجوبة، فإنها باتت الآن طرفاً في حرب مروعة، وقد حان الوقت منذ زمن لتفعل الولايات المتحدة كل ما في وسعها لإيقافها.

نشرت هذه المقالة أولاً في مجلة ذي أتلانتك في 5 نيسان/أبريل 2019

Contributors

President & CEO
Rob_Malley
Senior Director for Policy
StephenPomper