icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Youtube
تحذير بشأن الصراع في اليمن: الفرصة الأخيرة لمنع معركة مدمرة في الحديدة
تحذير بشأن الصراع في اليمن: الفرصة الأخيرة لمنع معركة مدمرة في الحديدة
السلام ممكن في اليمن
السلام ممكن في اليمن
Yemeni pro-government forces gather at the south of Hodeida airport, in Yemen's Hodeida province on 15 June, 2018. AFP

تحذير بشأن الصراع في اليمن: الفرصة الأخيرة لمنع معركة مدمرة في الحديدة

مصير الحديدة على المحك مع استعداد القوات اليمنية المدعومة من الإمارات العربية المتحدة لما سيكون معركة طويلة ومدمرة لطرد المتمردين الحوثيين. ثمة فرصة حقيقية لكن لن تدوم طويلاً لتحاشي حدوث كارثة من خلال حل تتوسط فيه الأمم المتحدة ويصون مصالح جميع الأطراف.

باتت المعركة من أجل الحديدة على وشك الوصول إلى نقطة اللاعودة. تستعد القوات اليمنية المدعومة من الإمارات العربية المتحدة لبدء عمليات لاستعادة هذه المدينة-الميناء على البحر الأحمر التي يقطنها 600,000 نسمة من المتمردين الحوثيين. هذه هي اللحظة الأخيرة الهشة التي قد يكون ما يزال من الممكن فيها للمفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة أن تمنع معركة مدمرة من المرجح أن تؤدي إلى تفاقم الظروف الإنسانية المتردية وفرض المزيد من التأجيل على المفاوضات الأوسع لإنهاء الحرب.

المتمردون الحوثيون الذين يسيطرون على الحديدة والتحالف الذي تقوده السعودية والذي يدعم الهجوم الرامي لانتزاعها منهم كلاهما يقولان إنهما يريدان تجنب معركة للسيطرة على الميناء ومركز المدينة، إلا أن مواقفهما التفاوضية ما تزال متباينة جداً. تكمن الآمال الآن في المبعوث الخاص للأمم المتحدة الذي عين حديثاً، مارتن غريفيث، الذي يحاول العثور على أرضية وسطى بين الطرفين. أمام غريفيث فرصة حقيقية لكن محدودة للنجاح بسبب ثلاث ديناميكيات متلاقية. أولاً، الحوثيون، الذين يتعرضون لضغوط عسكرية، عبّروا للمرة الأولى عن انفتاحهم على إدارة الأمم المتحدة لميناء الحديدة، الذي يشكل أكبر بوابة للواردات اليمنية. ثانياً، الإمارات العربية المتحدة، التي تقود الاندفاعة العسكرية نيابة عن التحالف الذي تقوده السعودية، تفضل تحاشي حصول معارك مدن من شبه المؤكد أن تلحق بقواتها خسائر كبيرة وتدفع إلى مراقبة دولية مكثفة لتفاقم وضع إنساني متردٍ أصلاً. ثالثاً، ثمة مخاوف متنامية لدى المعنيين الدوليين، بمن فيهم الولايات المتحدة، من أن معركة ضارية للسيطرة على الميناء والمدينة ستكون لها تبعات مدمرة بعيدة المدى إنسانياً وسياسياً.

إن العثور على حل يعني تقريب المواقف المتعارضة للجانبين. السعوديون والإماراتيون يتهمون حركة المتمردين باستخدام الميناء لتهريب الأسلحة إلى اليمن وتحويل العائدات الجمركية إلى مجهودهم الحربي. إنهم يريدون خروج الحوثيين بشكل كامل. الحوثيون من جهتهم عرضوا تكليف الأمم المتحدة بإدارة الميناء وأن يديروا هم الأمن بشكل مشترك، لكنهم قالوا إنهم لن ينسحبوا كلياً من الحديدة. ينبغي على الحوثيين والتحالف كليهما أن يقدما التنازلات. كما ينبغي على حلفاء كل منهما الضغط عليهما بقوة للقبول بتسوية تفاوضية للميناء والمدينة بوصفها الخيار الأفضل والممكن القبول به.

لا يمكن للرهانات أن تكون أعلى مما هي الآن. يمكن لوساطة الأمم المتحدة للتوصل إلى حل مقبول من الجميع يضمن المصالح الحيوية لجميع الأطراف فيما يتعلق بالحديدة أن يشكل الأساس لتسوية ليس فقط للميناء، بل أيضاً للصراع الأوسع بين الحوثيين والتحالف. بالمقابل، فإن الفشل لن يؤدي فقط إلى تقويض خطير لآفاق مثل تلك المفاوضات، بل أيضاً – حالما يبدأ القتال داخل المدينة – سيجعل التوصل إلى اتفاق إجماعي حول وجود الحوثيين في الميناء ومسألة كيفية إدارته مستحيل تقريباً. يمكن للحديدة أن تثبت أنها إما بداية نهاية حرب اليمن أو بداية مرحلة جديدة أكثر تدميراً فيها.

الطريق إلى الحديدة

أطلقت الإمارات العربية المتحدة حملتها للسيطرة على الحديدة بعد شعورها المتزايد بالإحباط حيال المأزق المستمر منذ ثلاث سنوات لم تتغير خطوط الجبهة خلالها إلا بشكل طفيف. من وجهة نظر الإماراتيين، فإن الحوثيين – الذين سيطروا على العاصمة، صنعاء، في أيلول/سبتمبر 2014، بدعم من الرئيس السابق علي عبد الله صالح – عززوا مواقعهم أكثر فأكثر في مرتفعات البلاد، مستفيدين بشكل خاص من اقتصاد الحرب الناشئ. لطالما رأى المسؤولون الإماراتيون في السيطرة على الحديدة تطوراً محورياً لتغيير الوضع الراهن وإجبار الحوثيين على القبول بالتسوية التي يريدها التحالف، أي الانسحاب من المدن اليمنية؛ وتقديم ضمانات بالأمن عبر الحدود؛ وتسليم الأسلحة الثقيلة، خصوصاً الصواريخ البالستية التي دأب الحوثيون على إطلاقها على السعودية؛ وقطع علاقاتهم بإيران، التي تدعم الحوثيين، مقابل المشاركة في حكومة وحدة وطنية.

خطط شن هجوم على الحديدة تتخمر على الأقل منذ العام 2016. تعززت هذه الخطط بحدوث الانقسام الذي نشأ في كانون الأول/ديسمبر 2017 داخل التحالف الذي يجمع طرفين متنافرين هما الحوثيون وصالح. قتال الشوارع في صنعاء انتهي بمقتل صالح على يد الحوثيين، بينما نجا ابن شقيقه والرمز العسكري القائد طارق محمد صالح الذي انقلب فوراً على التحالف. منذ أيار/مايو، حققت "قوى المقاومة الوطنية" – "المقاومة التهامية"، التي تقودها قوى قبلية من ساحل البحر الأحمر، و"لواء العمالقة"، الذي يقوده مقاتلو المقاومة الجنوبية؛ والحرس الجمهوري بقيادة طارق صالح – تقدماً سريعاً على الساحل، بمساعدة من الدعم الجوي الإماراتي. في حزيران/يونيو، حققوا تقدماً كبيراً وسريعاً نحو الميناء والمدينة، وباتوا الآن على مشارفها، معتزمين السيطرة على الحديدة بإلحاق الهزيمة بالحوثيين مباشرة أو بإجبارهم على القبول باتفاق يسمح لهم بالخروج شرقاً إلى صنعاء.

يعتقد الإماراتيون أن بإمكانهم السيطرة على الحديدة بنفس الفعالية التي أظهروها في عدن في أواسط العام 2015 والمُكلا، الميناء الشرقي الذي كان قد أصبح معقلاً للقاعدة، في نيسان/أبريل 2016. في كلتا الحالتين قدموا الدعم العسكري لقوى تم تجنيدها من السكان المحليين. في الحديدة أيضاً يراهنون على ما يشيرون إليه بالمقاومة المحلية داخل المدينة لإقامة نقاط تفتيش داخلية وعلى قوات أمن الأحياء عندما  تعطي أبو ظبي الإشارة لهذه المجموعات بأن تنشط.

لقد حرص التحالف على الإعلان عن خططه لحماية المدنيين وضمان الوصول الإنساني، بينما حذر من أنه من المرجح أن يستخدمهم الحوثيون كدروع بشرية. الحقيقة هي أن الحوثيين والتحالف أظهرا كلاهما تجاهلاً صارخاً لحماية المدنيين طوال الحرب. ما تزال الوكالات التي تقدم المساعدات قلقة بعمق من أن القتال في الميناء يمكن أن يمنع الوصول إلى أهم مصادر البلاد من الطعام، الوقود والمواد الإنسانية، في حين أن هجوماً على المدينة يمكن أن يعرض للخطر حياة سكان المدينة الذين يقدر عددهم بـ 600,000 نسمة. الأمم المتحدة قلقة من أن القتال يمكن أن يجعل أسوأ أزمة إنسانية في العالم تزداد سوءاً وأن تدفع البعض من بين أكثر من  8.4 مليون يمني يعيشون على حافة الجوع إلى المجاعة. إذا كانت حملة الحديدة، كما يبدو مرجحاً، أصعب قتالاً وأطول مدة مما تتوقع الإمارات، من الصعب رؤية كيف يمكن للوصول الإنساني أن يتحسن، في حين أن من المؤكد أن حياة أكثر من نصف مليون شخص ستتأثر بعمق.

اجتمع مجلس الأمن لمناقشة موضوع اليمن مرتين في حزيران/يونيو مع بدء العملية لكنه أخفق في التوصل إلى موقف موحد يتجاوز اللغة العامة حول حماية المدنيين. الولايات المتحدة من جهتها، وفي حين حذرت الإمارات في البداية مشككة في الحكمة من شن هجوم على الحديدة، ومشيرة إلى احتمال أن تكون الحصيلة العسكرية غير مؤكدة وبكلفة إنسانية مرتفعة، يبدو أنها خففت الضغط على التحالف. المسؤولون الإماراتيون يعتقدون أن الولايات المتحدة لا تعارض هجوماً على الميناء والمدينة، رغم أنهم يضيفون أن نظراءهم الأمريكيين حذروهم من أنهم سيكونون مسؤولين عن النتائج.

في 20 حزيران/يونيو، بعد أسبوع من انطلاق "عملية النصر الذهبي"، أعلنت القوات المدعومة من الإمارات أنها أحكمت سيطرتها الكاملة على مجمّع المطار الواسع الذي يقع على الطرف الجنوبي لمدينة الحديدة. رغم أن الحوثيين ينفون هذا الزعم، ورغم استمرار المعارك المتفرقة، من الواضح أن التحالف اكتسب اليد العليا في الصراع المستمر منذ أسبوع على هذه المنشأة المهمة استراتيجياً. لقد وصل القتال الآن إلى المناطق السكنية على الأطراف الجنوبية للمدينة. وتجري الإمارات الاستعدادات للتحرك نحو  الميناء في المرحلة المقبلة من المعارك.

تسوية ممكنة، وضرورية

معظم المحللين العسكريين الذين يتابعون الحملة يقولون إن ما من فرص أمام الحوثيين للتمسك بالميناء والمدينة إذا مضت الحملة التي تدعمها الإمارات قدماً. يبدو أن الحوثيين يدركون هذا أيضاً؛ ففي حين حافظوا على خطابهم العنيف، فإنهم أشاروا مؤخراً إلى استعدادهم لتسليم السيطرة على الميناء للأمم المتحدة ومناقشة انسحاب جزئي على الأقل من المدينة – وهي أفكار كانوا قد رفضوها رفضاً قاطعاً قبل عام فقط. في خطاب متلفز ألقاه في 20 حزيران/يونيو قال عبد الملك الحوثي، زعيم المتمردين، للمرة الأولى إن الحوثيين مستعدون للتخلي عن السيطرة على الميناء.

هذا مهم، لكنه لا يستجيب للموقف العلني لقادة التحالف الذين يستثمرون في الزخم العسكري الذي حققوه ويدعون إلى انسحاب حوثي كامل وتسليم الميناء والمدينة لقوات المقاومة الوطنية، بينما يقدمون للحوثيين معبراً آمنا إلى صنعاء. لكن قد يتبين أن هذا المطلب مرن. دبلوماسيون ومسؤولون في التحالف مطلعون على المفاوضات الجارية في الغرف الخلفية يدّعون أن قادة التحالف ألمحوا إلى أنهم قد يقبلون بتسوية من أجل تجنب معركة طويلة للسيطرة على الميناء والمدينة سيكون من شبه المؤكد أن آثارها الإنسانية ستكون مدمرة.

وسيكون لديهم أسباب قوية لفعل ذلك؛ فبالنظر إلى التحذيرات الواضحة حول التبعات المحتملة لشن هجوم عسكري، فإن أي تردٍ في الوضع الإنساني سيثير انتقادات دولية كثيفة وإدانة للإمارات وحلفائها في وقت يتعرضون فيه أصلاً لتدقيق علني كثيف. لذلك، وكخطوة فورية، ينبغي على غريفيث أن يعلن حقيقة أن الطرفين أخبراه أن التسوية ممكنة وأنهما أظهرا مرونة لم تكن موجودة من قبل؛ وهذا سيحد من مخاطرة أن يدّعي أي من الطرفين أن الطرف الآخر غير مستعد للتنازل ويستخدم ذلك ذريعة لعرقلة المفاوضات.

 

الخطوط العامة لتسوية محتملة من شأنها أن تحترم المصالح الحيوية لكلا الطرفين باتت واضحة. سيوافق الحوثيون على جدول زمني قصير وصارم للانسحاب من الميناء والتخلي عن أي دور في إدارته. وسيسلمون إدارة الميناء للأمم المتحدة، مع استمرار الموظفين المدنيين الحاليين بإدارته بشكل يومي. سيقود عدد من الأعضاء في الأمم المتحدة عملية لنزع الألغام في الميناء وفي المياه المحيطة به لضمان سلامته للعمليات بالتعاون مع التحالف. في السيناريو الأمثل، ستقوم الأمم المتحدة، مدعومة بالحكومة اليمنية والدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتنفيذ تحديثات تقنية لتعزيز قدرة الميناء على الاستيعاب.

في حين يمكن تصور قيام الحوثيين بدور في إدارة الأمن داخل المدينة لفترة انتقالية فإنه يترتب عليهم في المحصلة تسليم العمليات الأمنية لقوات الشرطة المحلية ووظائف الحكم إلى أعضاء المجلس المحلي. ويمكن القيام بذلك من خلال عملية تدريجية لكن مرسومة بوضوح، تشرف عليها لجنة مشتركة تتكون من قادة عسكريين من المعسكر الحوثي، والتحالف ومختلف القوات اليمنية على الأرض في الحديدة، وبمساعدة خبراء الأمم المتحدة وخبراء دوليين. إذا جرت العملية بنجاح، فإن مثل هذا الانسحاب المنسق على مراحل وتسليم المنطقة لإدارة محلية حيادية فعلياً يمكن أن يكون نموذجاً للمناطق الأخرى التي يسيطر عليها الحوثيون.

بالمقابل تحتفظ القوات المدعومة من الإمارات بوجود عسكري في مطار الحديدة لكنها تمتنع عن إرسال قواتها إلى المدينة والميناء. كما ستنسحب أيضاً من الطريق السريع المتجه شرقاً والذي يربط الحديدة بصنعاء، التي يمكن لقوات الحوثيين الانسحاب من خلالها إلى المرتفعات.

ثمة مجال لمثل هذا الحل الوسط طالما أنه لم يتم الهجوم على المدينة. لكن الوقت بدأ ينفد. الأمر الأكثر إلحاحاً الآن هو دعم دولي قوي لجهود غريفيث للتوصل إلى مثل هذا التسوية، بالتوازي مع ضغوط دولية قوية على الطرفين للقبول بها. ولتحقيق هذه الغاية:

  • ينبغي على مجلس الأمن إصدار بيان رئاسي يعبر فيه عن الدعم القوي لتسوية تفاوضية حول الحديدة برعاية الأمم المتحدة وطبقاً لمقترحات غريفيث، وتذكير الحوثيين وقوى التحالف بصرامة بالتزاماتهما بموجب القانون الدولي الإنساني بحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية؛
  • ينبغي أن تضطلع الولايات المتحدة بدور قيادي في الدعوة إلى اتفاق من شأنه أن يمنع نشوب معركة للسيطرة على المدينة والميناء. كما ينبغي على الدول الأخرى الأعضاء في مجلس الأمن (ولا سيما المملكة المتحدة وفرنسا اللتان دعمتا التحالف سياسياً وعسكرياً) أن تجتمع خلف هذه الدعوة وأن توضح أيضاً أن قاعدة "مخزن الفخار" – إذا كسرتها، ستمتلكها – ستطبق دون شك على التحالف الذي تقوده الإمارات في الحديدة.
  • على جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تدعم الحوثيين أو لديها خطوط تواصل مفتوحة معهم – إيران، وعمان، وروسيا والاتحاد الأوروبي على سبيل المثال – أن تضمن بقاء المجموعة تحت الضغط الدائم للموافقة على حل وسط والوفاء بالتزاماتها في حال التوصل إلى اتفاق. للحوثيين سجل حافل من استخدام المفاوضات كفرصة لإعادة التموضع أو لمنح الشرعية لأفعالهم. لا يمكن السماح بحدوث هذا مرة أخرى.

على مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت اللازمة الدولية أنه ما من حل عسكري لحرب اليمن بل هناك حل سياسي، حتى مع استمرار الحرب دون هوادة.

ما يحدث في الحديدة في الأيام القادمة يمكن إما أن يؤكد صحة هذا المبدأ والتزام المجتمع الدولي به، وأن يشكل جسراً يوصل إلى المزيد من المفاوضات، أو تقويض المبدأ إذا تصاعد القتال وتضاءلت آفاق تحقيق السلام. توفر الحديدة فرصة لمجلس الأمن لإظهار قدرته على السعي نحو حلول تفاوضية للصراعات في وقت تسود فيه الشكوك المتزايدة حول فعاليته وفائدته. كما أنها توفر للطرفين المتحاربين مخرجاً يحفظ ماء الوجه ويحمي مصالحهما الحيوية بعد سنوات من المخاطرة المتهورة بتلك المصالح. كما أنها توفر للشعب اليمني فرصة لتجنب تصعيد مدمر واستمرار إراقة الدماء دون جدوى وإلى ما لا نهاية.

 

 

السلام ممكن في اليمن

Originally published in Foreign Affairs

Out of a Moment of Crisis, a Chance for a Solution.

نشرت هذه المقالة أصلاً باللغة الإنكليزية في مجلة فورين أفيرز على هذا الرابط.

قبل أقل من شهرين، كانت الحرب الأهلية في اليمن تهدد بالتوسع لتشمل الشرق الأوسط برمته. وكانت المواجهة - التي وصلت إلى طريق مسدود - بين المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران والقوى المدعومة من قبل التحالف الذي تقوده السعودية قد أدت أصلاً إلى مقتل ما يقدر بمئة ألف شخص وتسببت فيما اعتبرتها الأمم المتحدة أسوأ أزمة إنسانية في العالم. وكأن ذلك لم يكن سيئاً بما يكفي، فإن انقساماً حدث في آب/أغسطس داخل التحالف الهش المعادي للحوثيين خاطر بإشعال حرب أهلية داخل الحرب الأهلية. بالإضافة إلى أن هجوماً أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنه على منشآت نفط شركة أرامكو السعودية في أيلول/سبتمبر قد أثار تهديدات بالرد ضد إيران من قبل الرياض وواشنطن. وبدا أن المزيد من إراقة الدماء أمرٌ لا مفر منه داخل حدود اليمن أو في المنطقة بأسرها.

لكن في تطور غير متوقع للأحداث، فإن فورات العنف هذه فتحت مساراً نحو السلام. ففي 5 تشرين الثاني/نوفمبر، وقّع الخصمان ضمن الكتلة المعادية للحوثي – حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي – اتفاقاً لتقاسم السلطة عُرف باتفاق الرياض، توسطت في التوصل إليه المملكة العربية السعودية، التي اتخذت خطوات متوازية لتخفيف حدة الصراع مع الحوثيين عبر حدودها، ووسّعت دائرة الحوار مع المتمردين وقلصت ضرباتها الجوية في اليمن، فيما أوقف الحوثيون جميع هجماتهم على السعودية، وذُكر  أن ثمة مبادرة أوسع لخفض التصعيد بين السعودية والحوثيين يجري نقاشها الآن. إذا تمكّن اتفاق الرياض والمبادرة السعودية – الحوثية من الصمود، وتمكّن وسطاء الأمم المتحدة من إدماج هذه التطورات في مسار تفاوضي واحد، فإن تسوية سياسية وطنية تصبح في إطار الممكن.

لكن هذه "إذا" كبيرة؛ حيث إن التوصل إلى تسوية سياسية وطنية في اليمن سيتطلب إنهاء التدخل العسكري الذي تقوده السعودية وجَسر الانقسامات الكبيرة بين العديد من المجموعات المسلحة والفصائل السياسية في البلاد. ومن الممكن تماماً أن تتوقف المفاوضات الراهنة أو تنهار. وإذا حدث ذلك من المرجح أن يتعمق الصراع ويتوسع؛ إذ ستكثّف السعودية وإيران صراعهما على النفوذ، وسيتفكك اليمن أكثر فأكثر ويتحول إلى دويلات متحاربة لكل منها داعمها الدولي.

فرصة للسلام

بدأ انزلاق اليمن إلى الحرب الأهلية في العام 2014، عندما سيطر المتمردون الحوثيون على العاصمة صنعاء مجبِرين حكومة هادي على الانسحاب إلى مدينة عدن الساحلية ومن ثم إلى الرياض في العام التالي. رأت السعودية في الحوثيين مشروعاً إيرانياً، وقادت تدخلاً عسكرياً إقليمياً لمواجهتهم وعكس مكاسبهم. لكن سرعان ما اكتسب الصراع أبعاداً محلية وإقليمية معقدة. فقد كان تحالف القوى اليمنية الذي ساعدت السعودية على تشكيله كان موحداً نظرياً فقط، أما عملياً فإن أعضاءه كانوا يتصرفون بشكل مستقل، وفي كثير من الأحيان من أجل تحقيق أهداف متعارضة.

أدى تقسيم الأدوار بين السعودية والإمارات إلى نشوء مشكلات؛ ففي مطلع العام 2016، اتفقت الدولتان الملكيتان الخليجيتان على أن تعمل الرياض مع حلفائها في شمال اليمن على محاربة الحوثيين، في الوقت الذي تقوم فيه الإمارات -التي كانت قد ساعدت المقاتلين اليمنيين على إخراج الحوثيين من عدن في صيف 2015 - على بناء قوات جديدة في الجنوب (الذي كان دولة مستقلة في العام 1990). لكن على الرغم من أن الإماراتيين كانوا يدعمون هادي اسمياً، فإنهم لم يكونوا راغبين بالعمل مع الإصلاح، الحزب الإسلامي السني الذي تربطه صلات مع الإخوان المسلمين والعضو في تحالف هادي. بدلاً من ذلك، دعم الإماراتيون المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو جماعة جنوبية معادية للحوثيين ترى في أعضاء الإصلاح "غزاة" شماليين لا يختلفون عن الحوثيين.

تصدعت قشرة الوحدة بشكل كامل في آب/أغسطس، عندما وجه المجلس الانتقالي الجنوبي بنادقه صوب القوات المدعومة سعودياً الموالية لهادي، وأجبرها على الانسحاب من عدن. وفّر هذا الانقسام ميزة عسكرية للحوثيين، مهدداً بالمزيد من إراقة الدماء. لكن الرياض، ورغبة منها في منع انهيار الجبهة المعادية للحوثيين، جمعت المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة هادي للتوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة. إذا صمد اتفاق الرياض، فإنه لن يؤدي فقط إلى منع المزيد من الاقتتال بين الفصائل المعادية للحوثيين، بل إنه سيفضي إلى حكومة يمنية أكثر تمثيلاً يمكن للسعوديين أن يدفعوها باتجاه اتفاق سلام على المستوى الوطني.

لقد تحسنت العلاقات بين الحوثيين والسعوديين أيضاً؛ فبعد الهجوم على أرامكو السعودية ذُكر أن البراغماتيين داخل التيار الحوثي تخوفوا من الانجرار إلى حرب إقليمية يقفون فيها إلى جانب طهران. ومع حدوث هذه الهزة في الرياض، وجدوا في ذلك فرصة لتغيير مسارهم. في 20 أيلول/سبتمبر، أعلن الحوثيون عن تعليقهم من جانب واحد للضربات بالصواريخ والطائرات المسيرة على السعودية، وطلبوا من السعوديين تعليق ضرباتهم وتخفيف القيود المفروضة على الواردات إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، والتي عانت من نقص في الغذاء والوقود بسبب الحصار الذي تفرضه السعودية.

ردت الرياض بشكل إيجابي، فقلّصت هجماتها عبر الحدود على مناطق معينة، وسهلت دخول الواردات من الوقود، وأعادت فتح قناة خلفية للحوار ذُكر أنها تطورت إلى محادثات مباشرة. من الواضح أن السعوديين صدمهم الرد الأميركي على الهجمات على منشآت أرامكو في السعودية، الذي كشف عدم إمكانية الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية. كما أنهم يدركون بعمق الأثمان المحتملة لصراع مفتوح مع إيران. ونتيجة لذلك، ربما تحاول الرياض ضمان ألا يصبح اليمن بؤرة أكثر قابلية للانفجار على حدودها الجنوبية. يبدو أن السعوديين استنتجوا أنهم حتى لو لم يكن باستطاعتهم إلحاق الهزيمة العسكرية بالحوثيين، فإنهم ينبغي على الأقل أن يدقوا إسفيناً بين المتمردين وداعميهم الإيرانيين من خلال تقديم حوافز مالية وسياسية لهم. لكن كي ينجحوا في ذلك، سيترتب عليهم استمالة الصقور ضمن الحوثيين أو تقليص نفوذهم، وفي الوقت نفسهم تعزيز قوة الحوثيين البراغماتيين عبر تقليص حدّة العنف، وتقديم المكاسب الاقتصادية، وفي النهاية إنهاء الأعمال القتالية عبر الحدود.

وقد يكون اهتمام السعودية بإعادة إحياء المحادثات مع الحوثيين قد تأثر على الأرجح بالقرار الذي اتخذته الإمارات العربية المتحدة مؤخراً بتقليص قواتها في اليمن. بدأ الإماراتيون بسحب قواتهم في وقت سابق من هذا العام لأنهم لم يجدوا مبرراً للاستمرار في القتال بعد أن أوقف اتفاق السلام السابق الذي تم التوصل إليه بوساطة من الأمم المتحدة تقدمهم على ميناء الحديدة الحيوي على البحر الأحمر، كما كان قرارهم بالانسحاب مرتبطاً على الأرجح بارتفاع حدة التوترات مع إيران والحاجة للتركيز على أمنها هي. وتقوم السعودية الآن بتولي قيادة التحالف عوضاً عنها في عدن، حيث تقوم بإرسال أعداد كبيرة من القوات البرية إلى الجنوب.

تشكل هذه التطورات مجتمعة مساراً نحو تسوية سياسية في اليمن، مساراً يقول دبلوماسيون ومسؤولو الأمم المتحدة إنه الأكثر مدعاة للأمل منذ سنين. في أفضل السيناريوهات المحتملة، سيلتزم المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة هادي باتفاق الرياض. وفي الوقت نفسه، سيحوّل السعوديون والحوثيون عملية خفض التصعيد بينهما إلى مسار رسمي ويتفقان على كيفية الحد من نفوذ طهران. وكلا الخطوتان ستعززان من موقع الحوثيين البراغماتيين وتطمئن السعودية بأنها تستطيع دعم عملية سلام في اليمن دون تعريض مصالحها للخطر. وأخيراً، يمكن للأمم المتحدة، بدعم من القوى الإقليمية، وخصوصاً السعوديين، أن تتوسط في محادثات بين حكومة هادي التي باتت أكثر تمثيلاً من جهة وبين الحوثيين من جهة أخرى. وسيكون الهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار ومن ثم إلى تسوية سياسية على المستوى الوطني.

ما يزال الطريق طويلاً

لكن ما يزال هناك الكثير مما قد يُفشل كل هذا؛ فصاروخ حوثي يطلَق على السعودية ويقتل مدنيين، أو ضربة جوية سعودية تقتل مدنيين يمنيين، من شأنها أن تعيد تدوير حلقة العنف من جديد. كما أن ثمة مخاطرة في أن تستعمل السعودية الاتفاق بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة هادي ليس للسعي نحو محادثات سلام بل للتعزيز من مجهودها الحربي ضد الحوثيين، وهذا ما يخشاه العديد من الدبلوماسيين والمحللين، وما تتمناه بعض المجموعات المعادية للحوثيين والمسؤولين في حكومة هادي.

الاتفاق الذي توسطت فيه السعودية بين حكومة هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي هش أيضاً؛ فالعداء بين الفصيلين ما يزال مستعراً، والمسؤولون من كلا المعسكرين يعبرون عن تشاؤمهم حيال صمود الاتفاق واستمراره. لقد تأجل حفل توقيع الاتفاق بشكل متكرر، وفي إحدى المرات بسبب اندلاع القتال بين القوات الحكومية وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي. المجلس يريد جنوباً مستقلاً وسيحاول استخدام الاتفاق مع حكومة هادي لتقوية موقعه الداخلي وإعطاء دفعة لمكانته الدولية. حكومة هادي من جهتها ستعمل على تقويض الطموحات السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي وإضعاف قدراته العسكرية.

كما أن الاتفاق مصاغٌ بلغة مبهمة لا توفر الكثير من التوجيهات حول تنفيذه. كما أنه يضع إطاراً زمنياً غير واقعي لإدماج القوات العسكرية والأمنية المتنافسة، ويترك السؤال المتعلق بكيفية حدوث هذا الإدماج دون جواب، وهي أوجه قصور تشكل تكراراً لاتفاقات يمنية داخلية فشلت في الماضي. لقد صورت كل من الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي الاتفاق بأنه انتصار لهما؛ في الوقت الذي لم يظهر أي من الطرفين استعداداً للتنازل عن السلطة للآخر. كما أن ثمة مخاوف حيال قدرة الرياض على إدارة عملية تنفيذ الاتفاق. وبالنظر إلى استمرار دعم الرياض لهادي، فإن البعض في معسكر الرئيس يمكن أن يستنتج بأنه باتت له اليد الطولى. إذا تنامت ثقة حكومة هادي أكثر مما ينبغي، فإنها قد تدفع إلى تجدد القتال مع المجلس الانتقالي الجنوبي.

وحتى لو صمد اتفاق تقاسم السلطة في الجنوب وظلت عملية خفض التصعيد بين السعوديين والحوثيين على مسارها، فإن الطريق نحو السلام الدائم في اليمن سيكون طويلاً ومتعرجاً. لقد أزاحت خمس سنوات من القتال أجزاء كبيرة من النظام القديم وغيَّرت المشهد السياسي في البلاد. في بداية الحرب، كان الحوثيون والمجلس الانتقالي الجنوبي قوتان ناشئتان؛ أما الآن فإنهما أصبحا قطبين مهيمنين يتمتعان بنفوذ كبير، الأول يسيطر على شمال غرب البلاد والثاني يسيطر على عدن ومحيطها المباشر. أما مركز القوة الثالث، فيتكون من حكومة هادي وحلفائها، بما في ذلك حزب الإصلاح والفصائل الجنوبية المعادية للمجلس الانتقالي الجنوبي التي تسيطر على محافظات إلى الشرق من مناطق الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي.

سيعتمد الكثير على قدرة السعودية على تسوية وإدارة مسارات تفاوضية مختلفة، والتمكن في النهاية من إقناع حكومة هادي بأن عليها السعي إلى تحقيق السلام مع الحوثيين. لكن حتى لو يسَّر السعوديون المفاوضات الداخلية اليمنية، فإن اليمنيين أنفسهم هم الذين سيقررون حصيلتها. يمكن المجادلة بأن تسوية لدوامة الصراعات في اليمن باتت الآن أقرب من أي وقت مضى خلال السنوات الخمس الفائتة، لكن ذلك لا يعني أن السلام بات في المتناول؛ حيث إن بعض القضايا التي لم تسوَّ في البلاد – مثل ما إذا كان الجنوب سينفصل أم لا – قد تؤدي إلى المزيد من العنف بصرف النظر عما يحققه الدبلوماسيون. رغم ذلك، ثمة فرصة نادرة الآن للشروع بنزع فتيل الحرب في هذه اللحظة بالذات، ولا ينبغي تفويتها.

Contributors

Deputy Program Director, Middle East and North Africa
Senior Analyst, Yemen
peterjsalisbury