تحذير من مخاطر الصراع في اليمن: اغتنموا الفرصة لإنهاء الصراع
تحذير من مخاطر الصراع في اليمن: اغتنموا الفرصة لإنهاء الصراع
Toward Open Roads in Yemen’s Taiz
Toward Open Roads in Yemen’s Taiz
A Southern Resistance fighter is pictured through a damaged door glass in Yemen's southern port city of Aden on 24 July 2015. REUTERS/Faisal Al Nasser
A Southern Resistance fighter is pictured through a damaged door glass in Yemen's southern port city of Aden on 24 July 2015. REUTERS/Faisal Al Nasser

تحذير من مخاطر الصراع في اليمن: اغتنموا الفرصة لإنهاء الصراع

لقد تحوّل المدّ العسكري ضد المقاتلين الحوثيين في اليمن. لقد بدأ التحالف الذي تقوده السعودية، مدفوعاً بانتصاراته الأخيرة، بالتقدّم نحو مركز البلاد من عدن، المدينة الجنوبية التي تم الاستيلاء عليها في أواسط تموز/يوليو، وقد يحاول الاستيلاء على العاصمة، صنعاء، متجهاً إلى الشمال. من أجل تجنّب مرحلة جديدة من الصراع يمكن أن تكون أكثر فتكاً من سابقاتها، على الحوثيين الالتزام بالتنازلات التي قدّموها للأمم المتحدة من خلال جهود الوساطة في مسقط في الثامن والتاسع من آب/أغسطس، بما في ذلك انسحاب الميليشيات من المدن طبقاً لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2216 (14 نيسان/أبريل). بالمقابل، على خصومهم القبول بتسوية تسمح بالتوصل إلى وقف إطلاق نار فوري، والشروع في مفاوضات حول تفاصيل انسحاب منظّم للميليشيات من المدن والعودة إلى العملية السياسية اليمنية لتسوية المسائل العالقة.

المقاتلون الحوثيون، مدعومين بوحدات عسكرية تابعة للرئيس السابق علي عبد الله صالح، جنوباً، ما أجبر الرئيس عبد ربه منصور هادي على الهروب إلى الرياض. وفي الحال، أطلقت السعودية، التي تعتبر الحوثيين وكلاء لإيران، حملة من الغارات الجوية وفرضت، بحكم الأمر الواقع، حصاراً جوياً وبحرياً لعكس تقدّم الحوثيين وإعادة حكومة هادي إلى البلاد. بحلول نهاية حزيران/يونيو، كان التحالف الذي تقوده السعودية، والذي يضم تسع دول أخرى معظمها عربية، قد أبطأ تقدم الحوثيين في الجنوب والشرق، حيث المعارضة المحلية للحوثيين في أقوى حالاتها.

في تموز/يوليو، تم كسر حالة الجمود حين قامت مجموعات جديدة من القوات البرية (المكوّنة من قوات يمنية إضافة إلى قوات التحالف)، مدعومة بدفعة جديدة من العربات المصفّحة المصنّعة في الغرب، وضربات جوية مكثفة، بإنهاك الحوثيين الذين كانوا قد وزّعوا قواهم في مناطق أوسع مما يستطيعون السيطرة عليه في عدن. في 15 تموز/يوليو، استولى المقاتلون الذين يحاربون الحوثيين على مطار عدن الدولي، وخلال أسبوعين كانوا قد عززوا سيطرتهم على معظم أجزاء المدينة. ومنذ ذلك الحين توسّعوا أكثر وانتزعوا السيطرة على المحافظات المحيطة بعدن من الحوثيين الذين أنهكتهم الحرب، والذين نشروا قواتهم على مناطق أوسع مما يمكنهم السيطرة عليه ولم يكونوا في وضع سهل في المناطق البعيدة عن مناطقهم الأصلية في الشمال. لقد غيّرت هذه المكاسب من الوضع النفسي للمحاربين وألهمت قوات المعارضة لتكثيف معاركها ضد الحوثيين في مناطق الشمال في محافظات تعز، وإب، وصنعاء ومأرب.

ثمة مخاوف مشروعة الآن من أن يشعر التحالف الذي تقوده السعودية بإغراء التخلّي عن التسوية السياسية والسعي بدلاً من ذلك إلى نصر عسكري أكثر حسماً في سائر أنحاء البلاد، بما في ذلك في العاصمة. أفعال التحالف تشير إلى أنه يخطط لذلك، إلاّ أن حملة عسكرية في المرتفعات الشمالية، وخصوصاً في صنعاء، ستدشن على الأرجح مرحلة عسكرية أكثر خطورة، مصحوبة بأزمة إنسانية كارثية، وستدفع اليمن بعيداً عن أي فرصة للتوصل إلى حل سياسي دائم.

يوشك التحالف على تكرار نفس الخطأ الرئيسي الذي ارتكبه الحوثيون وهو التوسع بسرعة إلى مناطق لا ترحب به، سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، السيطرة عليها والاحتفاظ بها. معظم انتصارات التحالف حتى الآن هي في المناطق الجنوبية والشرقية، ذات الأغلبية الشافعية (السنية) حيث المقاومة ضد الحوثيين في أقوى حالاتها. أما المرتفعات الشمالية فهي مختلفة جداً، فلدى الحوثيين هناك قاعدة شعبية ومناطق جبلية مألوفة تمكّنهم من الاستمرار في حرب عصابات طويلة. كما أن لديهم أعداء كثيرين بالطبع، خصوصاً بين العائلات القبلية مثل آل الأحمر وأعضاء حزب الإصلاح الإسلامي السني. غير أن المعارضة الكامنة للحوثيين لدى المجموعات الأخرى، مثل حزب المؤتمر الشعبي العام بزعامة صالح، والوحدات العسكرية التابعة له، يخفف منها الاستياء الواسع من الحملة العسكرية التي تقودها السعودية، ومن الرئيس هادي وحزب الإصلاح. ان محاولات التحالف لدعم المقاتلين الذين يحاربون الحوثيين في هذه البيئة المعقدة من المرجح أن تؤدي إلى تغذية اقتصاد حرب مزدهر أكثر مما ستؤدي إلى إحراز نصر عسكري حاسم ضد ميليشيا محلية متجذرة في مناطقها.

بدلاً من التسبب في مزيد من أعمال العنف، يمكن للمكاسب الأخيرة التي حققها التحالف أن تشكل، بل ينبغي أن تشكل، محوراً لحل سياسي. لقد سبق للمبعوث الخاص للأمم المتحدة الاجتماع مع ممثلين عن الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام بزعامة صالح في مسقط لمناقشة رزمة من الحلول من شأنها أن تيسّر التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم والتحرّك نحو المفاوضات السياسية. لقد تم تحقيق تقدم كبير، وللمرة الأولى أظهر الحوثيون استعدادهم للتعامل بجدية مع مطالب الطرف المعارض لهم، بما في ذلك الانسحاب من المدن والعمل في إطار قرارات مجلس الأمن. يبدو أن التحوّل في ميزان القوى على الأرض وفّر فرصة لتسوية، لكن هذا سيتحقق فقط إذا تمكنت الحكومة اليمنية في الرياض وداعميها السعوديين من اغتنام هذه الفرصة.

ينبغي اتخاذ عدة خطوات كي لا تضيع هذه الفرصة:

  • على الحكومة اليمنية في الرياض والتحالف الذي تقوده السعودية دعم التقدم الذي تم إحرازه في مسقط والعمل مع مبعوث الأمم المتحدة للتوصل إلى خطة إطارية تؤدي، بين أشياء أخرى، إلى وقف إطلاق نار فوري، وانسحاب الميليشيات من المدن والعودة إلى العملية السياسية، وأن يتم ذلك كله طبقاً لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2216.
     
  • بعد ذلك، على الجانبين أن يوافقا علناً على الإطار الذي توصلت إليه الأمم المتحدة. بعض مكوّنات الخطة ستستغرق وقتاً أطول من غيرها، من حيث التفاوض والتنفيذ، لكن بوسع الطرفين المتحاربين القيام بأمرين في آن واحد من أجل بناء الثقة:
    • إطلاق سراح السجناء السياسيين؛
    • سحب الميليشيات من مدينة تعز الجنوبية طبقاً لخطة تم التوصل إليها محلياً لإعادة السيطرة على المدينة للجنة الأمنية المحلية. خطة تعز جاهزة ويمكن أن تشكل نموذجاً لمدن أخرى، بما في ذلك صنعاء؛
       
  • حالما يتم التوصل إلى وقف إطلاق النار، على الحوثيين أن يسحبوا فوراً الأسلحة الثقيلة من الحدود السعودية وأن تسرّع السعودية من إيصال المساعدات إلى محافظة صعدة شمال اليمن.
     
  • على الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وخصوصاً الولايات المتحدة التي دأبت على تقديم الأسلحة وأشكال أخرى من الدعم للمجهود الحربي للتحالف، أن يدعموا بوضوح جهود مبعوث الأمم المتحدة للتوصل إلى حل سياسي ينسجم مع قرار مجلس الأمن رقم 2216 وأن يكونوا مستعدين لإصدار قرار لاحق يدعم العملية السياسية وينتقد أي طرف يرفض تسوية مدعومة من قبل مبعوث الأمم المتحدة.

يشكل الاختراق الأخير في مسقط، والذي يعود الفضل الكبير في التوصل إليه إلى عُمان، فرصة حقيقية لوقف التدهور المتسارع في اليمن. لقد أحدثت الحرب انقساماً عميقاً في النسيج الاجتماعي في البلاد، وفاقمت وعسكرت الانقسامات السياسية والطائفية والإقليمية القائمة بشكل يجعل التوصل إلى حل سياسي أكثر صعوبة. لقد قتل أكثر من 4,000 شخص في المعارك وباتت البلاد على شفا المجاعة بسبب الحرب. إذا لم يتم اغتنام هذه الفرصة، فإن الجولة الجديدة من العنف ستكون أكثر تدميراً، ليس فقط في الشمال، بل أيضاً في الجنوب والشرق حيث باتت مجموعات من المقاتلين المعادين للحوثيين، (بداية بالانفصاليين الجنوبيين وانتهاء بالقاعدة) مسلحة تسليحاً كبيراً ومن المحتمل أن تتحوّل إلى مقاتلة بعضها بعضاً.

بروكسل

A car travelling from Yemen’s Taiz city to Aden via the Hajjat al-Abd road. This route is prone to car and truck accidents which can be deadly. CRISIS GROUP / Ahmed Basha

نحو فتح الطرق المفضية إلى مدينة تعز اليمنية

تخضع تعز، وهي مدينة في وسط اليمن، لحصار يفرضه المتمردون الحوثيون يعزلها عملياً عن باقي أنحاء البلاد. إن استعادة إمكانية الوصول إلى المدينة سينقذ حياة الناس ويبني الثقة التي من شأنها أن تساعد في تحقيق السلام في اليمن. لكن الوقت قصير.

لقد انقضى أكثر من شهر منذ أعلنت الأمم المتحدة هدنة بين الحكومة اليمنية المدعومة دولياً والمتمردين الحوثيين الذين تقاتلهم منذ سبع سنوات بدعم من تحالف تقوده المملكة العربية السعودية. حتى الآن، صمدت الهدنة نفسها، ولو بشكل هش. لكن الأمم المتحدة تمكنت من تأمين التنفيذ الجزئي لاثنين فقط من إجراءات بناء الثقة التي ربطتها بالصفقة التي أوقفت القتال، وهما: السماح بمرور شحنات الوقود إلى ميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر الذي يسيطر عليه الحوثيون وإعادة فتح مطار صنعاء الدولي الذي يسيطرون عليه أيضاً أمام الرحلات التجارية للمرة الأولى منذ عام 2016. لكن بالكاد تحقق أي تقدم يذكر فيما يتعلق بالإجراء الثالث، وهو إعادة تنشيط الجهود الرامية إلى استعادة إمكانية الوصول عبر الطرق البرية إلى تعز، وهي مدينة تقع في وسط اليمن يحاصرها الحوثيون منذ عام 2016. ومسؤولو الأمم المتحدة في سباق مع الزمن الآن لضمان بقاء مطار صنعاء مفتوحاً على أمل تمديد الهدنة والشروع في مفاوضات سياسية. وبصرف النظر عن أهمية تلك المهمة، فإنهم لا يجب أن ينسوا تعز. إذ إن ما يحدث هناك من شأنه إما أن يسرّع الابتعاد عن المواجهات العنيفة والتوجه نحو المفاوضات السياسية، أو أن يصبح عائقاً يقوض جهود الأمم المتحدة الرامية في النهاية إلى إنهاء الحرب اليمنية.

فرصة هشة

توفر التطورات الأخيرة فرصة مواتية في اليمن. فقد دخلت الهدنة ومدتها شهران حيز التنفيذ في 2 نيسان/أبريل. وهي عبارة عن اتفاق غير رسمي لوقف القتال ينفَّذ ذاتياً من قبل الطرفين. وهي قابلة للتجديد نظرياً. وتعقد الأمم المتحدة الأمل على أن تمديداً للهدنة يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لمفاوضات سياسية على وقف إطلاق نار رسمي وسبيل تفاوضي لإنهاء الصراع.

بعد أقل من أسبوع من إعلان الأمم المتحدة للهدنة، أعلن رئيس اليمن على مدى عشر سنوات، عبد ربه منصور هادي، تخليه عن السلطة لمجلس رئاسي جديد مكوّن من ثمانية أعضاء بقيادة وزير الداخلية السابق، رشاد العليمي. ويذكر أن هادي تنحّى تحت ضغوط من المملكة العربية السعودية كجزء من مبادرة لإعادة تنظيم الكتلة المعادية للحوثيين. فاليمنيون المعادون للحوثيين انتقدوا هادي بشدة لعدم ممارسته دوراً قيادياً في التحالف المشتت المعادي للحوثيين. رفض الحوثيون علناً المجلس الجديد على أنه مجرد "تعديل لتركيبة المرتزقة" يؤكد على ما يرون فيه افتقار الحكومة للشرعية. إلا أن المجلس يمثل طيفاً واسعاً من الفصائل العسكرية والسياسية المعارضة للحوثيين. وقد تم تدشينه في عدن، مع تعيين رئيس للوزراء وحكومة.

تشكل الهدنة وتشكيل المجلس ... فرصة مهمة، وإن تكن محدودة، لإعادة إطلاق عملية سياسية.

تشكل الهدنة وتشكيل المجلس – والتصريحات العلنية للمجلس بأنه سيسعى إلى تحقيق السلام مع الحوثيين – فرصة مهمة، وإن تكن محدودة، لإعادة إطلاق عملية سياسية، خصوصاً بالنظر إلى تراجع هيمنة الحوثيين في ميدان المعركة نتيجة تجدد الدعم الإماراتي للقوات المعادية لهم. قد يكون من قبيل المبالغة القول بإمكانية تحقيق السلام مباشرة، ويرى كثير من اليمنيين في الهدنة فرصة للأطراف المتنازعة لإعادة تجميع قواها بدلاً من وقف الأعمال القتالية. رغم ذلك، فإن آفاق الانتقال من المعارك العنيفة إلى مفاوضات سياسية ذات معنى باتت أفضل الآن مما كانت عليه على مدى سنوات.

ومن أجل الاستفادة من فرصة تمديد الهدنة، يتعين على الطرفين تحقيق تقدم مستمر في جميع الإجراءات الثلاثة المترابطة لبناء الثقة. ويبدو أن الأمم المتحدة تدفع بقوة فعلاً فيما يتعلق بشحنات الوقود وإعادة فتح مطار صنعاء. إلا أن قضية تعز تتطلب اهتماماً أكبر.

شاحنة رباعية الدفع تحمل مسافرين من عدن إلى مدينة تعز على طريق هيجة العبد، وهو طريق غير مباشر وخطير يربط المحافظتين. مجموعة الأزمات / أحمد باشا

تعز والهدنة

حقيقة أن الهدنة صمدت حتى الآن، ولو بشكل هش، تعد إنجازاً بحد ذاتها بالنظر إلى عمق انعدام الثقة بين الحوثيين وخصومهم، حيث تبادلا الاتهامات بشأن التأخر في اتخاذ الخطوات المتفق عليها. لكن يبلغ انعدام الثقة بنوايا الحوثيين أقصاه في تعز، حيث استقبل السكان إعلان الهدنة بالاحتجاج بدلاً من الاحتفال. إذ رأى كثير من السكان أن أحكام الاتفاق بالنسبة لمدينتهم غير واقعية. وبالنسبة للكثيرين في المعسكر المعادي للحوثيين، فإن تعز أصبحت رمزاً لما يرون فيه مقاربة دولية غير متوازنة لا تلقي بالاً لمظالمهم بينما تسعى لإرضاء الحوثيين.

لقد عُزلت محافظة تعز عن باقي أنحاء اليمن منذ أدت المعارك في عام 2015 إلى احتفاظ الحوثيين بالسيطرة الاقتصادية والاستراتيجية على مناطق شمالية مهمة وأحاطوا بمدينة تعز، التي ظل مركزها تحت سيطرة القوات المتحالفة مع الحكومة. لقد قطع القتال جميع الممرات البرية التي تربط تعز بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وتلك الخاضعة لسيطرة الحكومة. وأينما أرادوا الانتقال، يُجبر اليمنيون الذين يعيشون في المدينة على المناورة على طرقات جبلية ذات مسار واحد وذات منعطفات خطرة جداً وعليها نقاط تفتيش تقيمها المجموعات المسلحة.

وقد كانت التداعيات مدمرة للحياة المدنية والتجارة. فقد ازدادت المدة الزمنية التي يستغرقها السفر من وإلى تعز بشكل كبير جداً. فالقيام برحلة من الحوبان التي يسيطر عليها الحوثيون، والمركز الصناعي في محافظة تعز حيث يعمل كثير من السكان، إلى مركز مدينة تعز الخاضع لسيطرة الحكومة كان يستغرق في الماضي من 5 إلى 15 دقيقة بالسيارة. أما الآن فيستغرق نحو 5 إلى 6 ساعات على طريق سيء بمسار واحد. أما السفر من تعز إلى مدينة عدن الساحلية الجنوبية فيستغرق من ست إلى ثمان ساعات بالسيارة؛ بينما كان يستغرق ساعتين إلى ثلاث ساعات قبل عام 2015. ويمكن لنقل السلع الأساسية مثل الأغذية والوقود بالشاحنات بين المدينتين المتحالفتين اسمياً أن يستغرق بين 14 ساعة وعدة أيام. لقد أدى ارتفاع تكاليف النقل والرسوم التي تدفع على نقاط التفتيش، إضافة إلى التكاليف الأخرى المرتبطة بالعمل في اقتصاد حرب، إلى رفع أسعار الأغذية والوقود داخل المدينة بشكل جعل تكاليف المعيشة فيها الأعلى في اليمن. فلم يعد من غير الشائع أن يموت المرضى من سكان تعز في طريقهم إلى عدن أو صنعاء للحصول على الرعاية الطبية العاجلة. حتى الآن، لم يكن لدى الحوثيين حوافز تذكر لتحسين الوصول إلى المدينة عبر الطرق. فهم يسيطرون على المركز الاقتصادي للمحافظة ويبقون خصومهم المحليين محصورين فيها. ما يزيد من تعقيد المسائل هو أن الأجزاء من محافظة تعز التي لا يسيطر عليها الحوثيون تتنازع عليها مجموعات متنافسة داخل الكتلة المعادية للحوثيين، ويتطور النزاع إلى العنف أحياناً.

الحوبان إلى تعز
عدن إلى تعز

سوابق فاشلة

لقد فشلت سلسلة من المبادرات المحلية والدولية في تحسين الوصول إلى مدينة تعز – وهو فشل يرى فيه كثير من السكان نتاجاً للانحياز الدولي وانحياز الأمم المتحدة لصالح الحوثيين. وفي سياق شرح إحباطهم، يشيرون إلى اتفاق ستوكهولم لعام 2018، الذي مكّن فعلياً من تحاشي حدوث معركة للسيطرة على الحديدة، وكان يهدف إلى تحضير الأرضية لمحادثات سلام أوسع. احتوى ذلك الاتفاق اتفاقا فرعياً غامضاً بشأن تعز؛ فقد دعا كلا الطرفين إلى اختيار ممثلين إلى لجنة مشتركة تعمل لتحقيق هدف إعادة فتح الممرات الإنسانية إلى مركز المدينة. كما نص على أن تقدم اللجنة تقريراً واحداً بشأن التحرك نحو تحسين الوصول عبر الطرق إلى المدينة خلال فترة الاستعداد لمشاورات مستقبلية.

إلا أن الاتفاق الفرعي لم يحقق تقدماً ذي معنى بشأن استعادة وصول سكان تعز إلى باقي أنحاء البلاد. ورغم أن الأمم المتحدة عقدت اجتماعات فردية مع ممثلي كلا الطرفين، فإن الوفود لم تجتمع بشكل مشترك كلجنة، ناهيك عن التوصل إلى اتفاق حول كيفية تحقيق الأهداف التي وضعت في السويد. انتقد اليمنيون المعادون للحوثيين الأمم المتحدة لعدم بذل نفس الجهود لإعادة فتح تعز - والتي يرى فيها السكان قضية إنسانية – التي بذلتها بشأن إنهاء حصار الحديدة. كثير من اليمنيين الذين عملوا على قضية الطرق المفضية إلى تعز منذ بداية الحرب يعتقدون أنه ما كان ينبغي للأمم المتحدة جعل هذه القضية جزءاً من اتفاق ستوكهولم بل كان يتعين أن تتفاوض على الوصول إلى المدينة على مسار منفصل. ومن وجهة نظرهم، فإن وضع تعز في إطار ستوكهولم جعل من السهل جداً على الحوثيين جعل التقدم بشأن هذه القضية مشروطاً بتنفيذ أوجه أخرى في الاتفاق. كما أن ثمة تصوراً على نطاق واسع بأن الأمم المتحدة استسلمت بسرعة أكبر مما ينبغي عندما تعثرت المفاوضات بشأن الطرق وحظيت قضايا ملحة أخرى بالأولوية.

يسهم وضع تعز في التوترات السائدة بين المكونات المختلفة للكتلة المعادية للحوثيين

ويسهم وضع تعز في التوترات السائدة بين المكونات المختلفة للكتلة المعادية للحوثيين، والتي حاولت الرياض توحيدها تحت مظلة واحدة. الكثير من سكان تعز يعتقدون أن التحالف الذي تقوده السعودية – وخصوصاً الإمارات العربية المتحدة، التي لديها أجندة محلية وإقليمية معادية للإسلاميين بشكل صريح – ترغب بإبقاء تعز معزولة من أجل إبقاء حزب الإصلاح، وهو مجموعة إسلامية مهيمنة في تعز، ضعيفاً. ويشير اليمنيون في هذا المعسكر إلى قدرة القوات المدعومة من الإمارات على حشد قوات واستعادة مناطق في أجزاء أخرى من البلاد، كما فعلت في ثلاث مناطق في جنوب شبوة ومأرب في وقت سابق من عام 2022. ويعتقدون أنه بإمكان التحالف الذي تقوده السعودية إذا رغب، توفير مساعدة عسكرية أكبر للقوات المعادية للحوثيين في تعز لإبعاد الحوثيين عن الطرق المحيطة بالمدينة على الأقل. كما يعتقد بعض اليمنيين المعادين للحوثيين بأن الهدنة علامة على أن السعودية تريد إخراج نفسها من الحرب. ويعتقدون أن السعوديين وافقوا على جعل تحقيق التقدم بشأن القضايا المتعلقة بتعز إحدى إجراءات بناء الثقة الثلاثة فقط لتهدئة حكومة هادي، التي يُذكر أنها قاومت الاتفاق.

لكن هذه المشاعر المعادية للسعودية، والشعور بأن الرياض كانت القوة الدافعة لتشكيل المجلس الرئاسي الجديد، يمكن أن تعمل لصالح تعز. فالمجلس، ورئيسه نفسه من تعز، يواجه ضغوطاً لإظهار أنه يأخذ مصلحة اليمنيين العاديين بعين الاعتبار على الأقل كما يأخذ رغبة الرياض بالانتهاء من قضية اليمن. وهكذا من الممكن أن يسعى المجلس للتأكيد على حسن نواياه بجعل الوصول إلى تعز عبر الطرق البرية مكوناً محورياً في استراتيجيته التفاوضية بنفس الطريقة التي اتبعها الحوثيون فيما يتعلق بميناء الحديدة ومطار صنعاء، أي برفض تحقيق تقدم في المحادثات بشأن قضايا أخرى دون تحقيق تقدم بشأن الطرق في تعز.

لكن حتى الآن لم يتم تحقيق تقدم يذكر من أي نوع كان. كجزء من اتفاق الهدنة، فإن الحوثيين والحكومة ملتزمان بتشكيل لجنة تفاوض مشتركة لمعالجة قضية طرق تعز، كما فعلا سابقاً بموجب اتفاق ستوكهولم. مسؤولو الحكومة اليمنية يقولون إنهم سمّوا مرشحيهم للجنة وقدموا مقترحات بشأن إعادة فتح طرق تعز–الحديدة، وتعز–صنعاء وتعز–عدن. ويدّعون أن الحوثيين لم يسمّوا مفاوضيهم حتى الآن، وبالتالي يصورون المتمردين على أنهم العقبة الرئيسية أمام تحقيق التقدم. في الواقع، فإن الحوثيين تقدموا بمطالب جديدة لإعادة فتح الطرق في تعز، أولها وقف القتال في المحافظة وسحب العتاد العسكري من شرايينها الرئيسية.

طريق الحوبان المغلق حالياً والذي كان يربط مدينة تعز الواقعة تحت سيطرة الحكومة والحوبان الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. مجموعة الأزمات / أحمد باشا

بناء الثقة طريق باتجاهين

مهما كان ما سيحدث تالياً، فإن قضية الوصول إلى تعز عبر الطرق من المرجح أن تصبح سجالية على نحو متزايد، خصوصاً مع مضاعفة الأمم المتحدة جهودها للمحافظة على التقدم المحرز في إجرائَي بناء الثقة الآخرين في محاولة لتوسيع وتمديد الهدنة. حتى الآن، وطبقاً لمسؤول في الحكومة اليمنية تحدث إلى مجموعة الأزمات، فإن إحدى عشرة سفينة تحمل الوقود وصلت إلى ميناء الحديدة. علاوة على ذلك، فإن أول رحلة تجارية خرجت من مطار صنعاء منذ ست سنوات غادرت إلى عمّان بعد وقت قصير من إعلان الحكومة أنها ستسمح للأشخاص الذين يحملون جوازات سفر صادرة عن الحوثيين بالسفر. رغم هذا التقدم، تنتشر شائعات تفيد بحدوث حشد عسكري مع استعداد الطرفين لاحتمال انهيار الهدنة أو انتهاء مفعولها.

تتمثل المخاطرة في أن الهدنة قد لا تستمر بعد انقضاء إطارها الزمني ومدته شهران إذا لم يحدث تقدم ذي معنى في جميع إجراءات بناء الثقة الثلاثة. وتهميش قضية تعز من شأنه أن يعرّض آفاق تجديدها للخطر. كما لاحظنا أعلاه، فإن البعض في معسكر الحكومة قد يؤيد جعل المفاوضات بشأن إعادة الفتح الكامل لمطار صنعاء مشروطاً بتحقيق التقدم بشأن تعز، وبذلك تتقوض إمكانية توسيع الهدنة إذا استمر الحوثيون في المماطلة بشأن القضية الثانية. أما الحوثيين، من جانبهم، فيستمرون في تجاهل قضية الطرقات المفضية إلى تعز ويظهرون علامات على القيام بمفاوضات بطيئة، ما يعطي الحكومة مبرراً مثالياً لإعاقة جهود التحرك نحو المفاوضات.

وهكذا فإن تسوية قضية طرق تعز مرتبطة بشكل وثيق بمصير الهدنة بشكل عام، وكذلك بأي مفاوضات مستقبلية بين الطرفين المتحاربين. لذلك، ينبغي على القوى الخارجية اتباع مقاربة من شقين للتوصل إلى تسوية. أولاً، وكجزء من اندفاعة دبلوماسية أوسع مع الحوثيين في صنعاء، ينبغي أن تركز اهتمام المتمردين على الحاجة لتحقيق تقدم بشأن تعز، وأن تشير إلى أن القضية تحظى بالأولوية على جدول أعمالها. إن غياب دبلوماسية جادة ومستمرة بشأن قضية تعز من شأنها فقط أن تكون قد أسهمت بعدم حدوث أي تقدم حتى الآن. ثانياً، ومع الأخذ بعين الاعتبار مخاطر خلط ملف الوصول عبر الطرق بقضايا سياسية وعسكرية أخرى، يتعين على الدبلوماسيين طرح قضية تعز في نقاشاتهم مع السعودية، بالنظر إلى أن المملكة لديها قنواتها الخاصة مع الحوثيين. يمكن لإشراك السعودية في دعم إعادة فتح مدينة تعز أن يعزز مصداقية المملكة، بالنظر إلى أن الكثير من اليمنيين يعتقدون (ومستاؤون من) أنها ترغب بإبقاء حزب الإصلاح في موقف دفاعي في أحد أهم المناطق اقتصادياً في البلاد. كما أن ذلك سيساعد في تحقيق هدف الرياض المتمثل في المساعدة على إنهاء الحرب.

ينبغي على الأطراف عدم إضاعة هذه الفرصة لتحقيق تقدم. لقد أعاد فتح مطار صنعاء جزئياً إحياء الأمل بين اليمنيين بأنهم سيتمكنون مرة أخرى من السفر خارج البلاد. وعلى نحو مماثل، فإن إعادة فتح طرقات تعز سيحقق مزايا كبيرة لسكان المدينة الذين قيدت حرية حركتهم لمدة أطول مما ينبغي. إذا لم يتم التحرك بشأن تعز، فإن فرص تمديد الهدنة بما يتجاوز إطارها الزمني وهو شهران، وتحقيق السلام في اليمن، ستصبح أكثر ضآلة. رغم التشكك واسع النطاق، فإن الهدنة، وهي أول توقف للقتال على مستوى البلاد منذ عام 2016، صمدت حتى الآن. لا ينبغي جعل اليمنيين ينتظرون ست سنوات أخرى لظهور فرصة أخرى لتحقيق السلام.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.