icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
قضية اليمن الجنوبي: تَجَنُّب الفشل
قضية اليمن الجنوبي: تَجَنُّب الفشل
ما وراء إعلانَ الهدنة والمجلس الرئاسي في اليمن
ما وراء إعلانَ الهدنة والمجلس الرئاسي في اليمن
Report 145 / Middle East & North Africa

قضية اليمن الجنوبي: تَجَنُّب الفشل

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

يعيش اليمن لحظة مفصلية في تاريخه. كان ينبغي للحوار الوطني أن ينتهي في 18 أيلول/سبتمبر، لتنطلق بعده عملية كتابة الدستور، وإجراء استفتاء عليه ومن ثم إجراء انتخابات. لقد تم تجاوز الجدول الزمني؛ ورغم أنه لم يتم تحديد موعد نهائي، إلا أن ثمة رغبة مفهومة لدى العديد من اللاعبين الدوليين وبعض اللاعبين المحليين بالالتزام بشكل صارم بالمواعيد المحددة، واختتام مفاوضات مؤتمر الحوار الوطني واستكمال قائمة الأمور التي ينبغي إنجازها في المرحلة الانتقالية.

لكن رغم التقدم الذي تم تحقيقه، لم يتم التوصل إلى اتفاقية تستند إلى قاعدة واسعة وقابلة للتطبيق حول البنية المستقبلية للدولة، وبالتالي حول وضع اليمن الجنوبي. الأسوأ من ذلك، من غير المرجّح أن يفضي الحوار الحالي إلى مثل تلك النتيجة، حتى لو تم تمديده لفترة قصيرة. إن الاندفاع لإعلان النصر وإكمال قائمة تحقق العملية الانتقالية يمكن أن يعني فرض حصيلة معينة لا تحظى بالشرعية أو المشاركة الضرورية. سيكون من الأفضل الاتفاق على تأجيل محدود للاستفتاء، ووضع اتفاقيات انتقالية معدّلة وضمان إجراء الجولة التالية من المفاوضات بالتزامن مع إجراءات بناء الثقة وإشراك مجموعة أوسع وأكثر تمثيلاً من الأصوات الجنوبية.

يمكن المجادلة بأن تحديد بنية الدولة قد أصبح القضية السياسية الأكثر تعقيداً وتسبباً في الانقسام، و يجب أن يشكّل مكوّناً رئيسياً في أي دستور جديد وفي أي تسوية سياسية دائمة. لقد قدّمت الأطراف جملة واسعة من الخيارات: من نظام الوحدة الحالي، إلى نظام فيدرالي متعدد الأقاليم، إلى فيدرالية تتكون من إقليمين (إقليم في الشمال وآخر في الجنوب). حتى هذا الطيف الواسع لا يشمل ما أصبح يشكّل في الجنوب دعوة جذابة تكتسب الكثير من الأنصار وتتمثل بالمطالبة بالاستقلال الفوري.

بالفعل فإن مسألة بنية الدولة ترتبط حتماً بما يسمى بالقضية الجنوبية، والتي تختصر المطالب السياسية، والاقتصادية والاجتماعية الصادرة من الجنوب، الذي كان دولة مستقلة قبل عام 1990. في الجنوب، هناك خليط رخو من المنظمات والنشطاء الذين يربطهم تحالف غير وثيق، يُعرف بالحراك الجنوبي، يدعو إلى الانفصال، أو في الحد الأدنى، إلى فيدرالية مؤقتة مكوّنة من ولايتين يتبعها استفتاء على مستقبل الجنوب. ثمة عاطفة قوية نحو الانفصال ويبدو أنها تعززت خلال المرحلة الانتقالية.

لقد حقق مؤتمر الحوار الوطني تقدماً إلى حد ما؛ فقد ساعد في إطلاق نقاش علني، كان ينبغي أن يجري منذ وقت طويل، حول جذور المشكلة الجنوبية وبدأ بالنظر في النتائج المحتملة. إلا أن المؤتمر واجه قيوداً حادة؛ فالنقاش في صنعاء بعيد جداً عن الشارع الجنوبي الذي ينحى منحى انفصالياً على نحو متزايد. وداخل مؤتمر الحوار الوطني، حُشرت النقاشات المتعلقة بالحلول، والتي تفتقر إلى التفاصيل، في الشهرين الأخيرين من المفاوضات. رغم أن إجماعاً بدأ بالتشكل حول بنية فيدرالية، فإن ثمة عناصر جوهرية لا تزال دون تسوية: كيفية تحديد الحدود الإدارية؛ وتوزيع السلطة السياسية؛ وكيفية تقاسم الموارد. حتى الاتفاق العام سيكون من الصعب تحقيقه. سيتطلب مثل ذلك الاتفاق جَسر الفجوة المتزايدة بين موفدي الحراك، الذين يطالبون بمرحلة انتقالية لمدة ثلاث سنوات في فيدرالية تتكون من إقليمين لإعادة بناء الدولة الجنوبية قبل إجراء الاستفتاء الذي لم يتم تعريفه بشكل كامل بعد حول الوضع المستقبلي للجنوب، ودعاة الوحدة المتعصبون الذين يرفضون هذا الخيار بقوة.

سيشكل حشد الدعم الشعبي حول اتفاق نهائي تحدياً أكبر. علّق وفد الحراك مشاركته لحوالي ثلاثة أسابيع متذمراً من أن المفاوضات كانت منحازة ضده؛ وحتى ذلك الوفد نفسه بالكاد يمثل عواطف الحراك الأكثر اتساعا وأكثر تشدداً. شريحة صغيرة من الحراك ـ يتمتع العديد من أعضائها بعلاقات وثيقة مع الرئيس عبد ربه منصور هادي ـ وافقت على الانضمام إلى مؤتمر الحوار الوطني. أما الجزء الأكبر من الحراك ففضل البقاء على هامش المفاوضات التي اعتبرها غير شرعية.

ربما كان انعدام ثقة الجنوب في مؤتمر الحوار الوطني محتوماً لكن ما فاقم منه كان غياب الإجراءات الحقيقية لتحسين الظروف الأمنية والاقتصادية في المنطقة.

رغم وعود الحكومة، لم يتغير الكثير، وهو ما أضعف أولئك الجنوبيين المستعدين للتفاوض ووفّر ذخيرة لأولئك الذين يعتقدون بأن الحل الوحيد يتمثل في الانفصال.

مع اقتراب أجل التوصل إلى اتفاق، تبدو جميع الأطراف أكثر تشبثاً بمواقفها. يطالب وفد الحراك في مؤتمر الحوار الوطني بتنازلات كبيرة، مجادلاً أن أي شيء يقل عن فيدرالية تتكون من إقليمين أو وعد بتنظيم استفتاء على الوضع المستقبلي للجنوب أمر غير مقبول؛ في حين يرفض قادة في الحزب الحاكم السابق، المؤتمر الشعبي العام، وفي الحزب الإسلامي المهيمن، الإصلاح، رفضاً مطلقاً أياً من الاحتمالين، ويتمسكون بفكرة نموذج فيدرالي يتكون من وحدات إدارية متعددة. لقد راهن كل طرف من الأطراف على أثر الضغوط السياسية المتعارضة: يعتقد الطرف الأول أن قواعده الأكثر تشدداً ستجبر الشمال على الاقتراب من موقفها، في حين يراهن الطرف الثاني على أن مصلحة هادي في الإشراف على مرحلة انتقالية ناجحة ستدفعه لفرض تسوية على حلفائه في الحراك. لا يمكن للطرفين أن يكونا على حق، وفي الوقت نفسه يبدو التوصل إلى أرضية مشتركة أمراً صعب التحقق.

ثم هناك أولئك الذين ظلوا خارج العملية. معظم أعضاء الحراك يراهنون على فشل المفاوضات، بسبب عدم القدرة على التوصل إلى تسوية ذات معنى أو، إذا تم التوصل إليها، بسبب عدم تنفيذها على الأرض. ويتعهدون بتصعيد الاحتجاجات وتصعيد حملة العصيان المدني، بصرف النظر عن قرارات مؤتمر الحوار الوطني، حتى يتمكنوا من تحقيق الاستقلال. سيشكل الاستفتاء الدستوري نقطة استقطاب لمعارضتهم، ما سيدفع إلى المقاطعة وربما إلى اندلاع العنف. وستؤدي النتيجة إلى المزيد من تقويض شرعية المرحلة الانتقالية.

إذا كان اليمن يأمل بصياغة مستقبل أكثر استقراراً فإنه سيكون بحاجة ماسة إلى الاتفاق على القضية الأساسية المتمثلة في بنية دولته. هذا أمر واضح. لكن هذا لا يعني فرض تسوية نهائية في ظروف يغيب فيها الحد الأدنى من الثقة، والشرعية والإجماع. وسيكون ذلك أكثر مما تستطيع دولة هشة، وبلد مجزأ وطبقة سياسية منقسمة أن تعالجه. من المرجح أن ذلك سيضعف من مصداقية العملية، ويعزز الآراء الجنوبية الأكثر تشدداً ويدفع إلى ممارسات خطيرة تقترب من حافة الهاوية وإلى إراقة الدماء. بدلاً من ذلك، ينبغي أن يكون الهدف هو التوصل إلى اتفاق ذو قاعدة واسعة يمكن للمفاوضات الشاملة في سياق ظروف أمنية واقتصادية أفضل وحسب أن تحققه.

صنعاء/بروكسل، 25 أيلول/سبتمبر 2013

Image grab taken from Yemen TV early on April 7, 2022 shows Yemeni President Abedrabbo Mansour Hadi during a televised speech. AFP / YEMEN TV

ما وراء إعلانَ الهدنة والمجلس الرئاسي في اليمن

The UN has brokered a surprise truce in Yemen’s long-running war, while the country’s internationally recognised president has handed over his powers to an eight-man council. In this Q&A, Crisis Group expert Peter Salisbury explains the significance of these developments.

ما الذي حدث في اليمن؟

أعلن مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبيرغ، في الأول من نيسان/أبريل أنه كان قد توصل إلى هدنة لمدة شهرين بين "الطرفين" في الحرب الدائرة في البلاد منذ سبع سنوات. ودخل الاتفاق حيز التنفيذ الساعة السابعة  مساءً بتوقيت اليمن في اليوم التالي. تستمر وسائل الإعلام المحلية والإقليمية في وضع تقاريرها حول استمرار القتال، خصوصاً حول مدينة مأرب المحاصرة، لكن بشكل عام يبدو أن إيقاع الحرب يتباطأ.

المقصود "بطرفي" حرب اليمن، في البيان الذي أصدره مكتب غروندبيرغ المتمردون الحوثيون، الذين يُعرفون أيضاً باسم أنصار الله، والحكومة المعترف بها دولياً، التي كانت وقت توقيع الهدنة برئاسة الرئيس عبد ربه منصور هادي. لم يذكر الإعلام التحالف الذي تقوده السعودية، الذي يدير حرباً جوية مكثفة على الحوثيين دعماً للحكومة اليمنية، أو الإمارات العربية المتحدة، التي كانت لديها حتى مطلع عام 2020 قوات تقاتل في اليمن كجزء من هذا التحالف. لقد أطلق الحوثيون، الذين يتمتعون بدعم إيراني، ضربات صاروخية على السعودية والإمارات على حد سواء. إلا أن التحالف صادق على الهدنة، التي تشمل تجميداً للضربات الجوية التي يشنها التحالف – وهو أحد الشروط الرئيسية للحوثيين لوقف القتال. وأشاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالتحالف لفعله ذلك. في هذه الأثناء، وفي 7 نيسان/أبريل، سلّم هادي صلاحياته إلى مجلس رئاسي سيكون مسؤولاً عن تنفيذ بنود الهدنة من جانب الحكومة.

ما الذي اتفق عليه الطرفان؟

لقد حرص مسؤولو الأمم المتحدة على التأكيد على أن الهدنة تختلف عن وقف إطلاق النار. فالهدنة اتفاق غير رسمي على وقف القتال. وهي خطوة لا ترقى إلى وقف إطلاق نار رسمي، فالأخير لا ينطوي على وقف الأعمال القتالية وحسب بل يتضمن آليات متفق عليها للمراقبة وخفض التصعيد.

تحدد الهدنة التي أعلن عنها أخيراً إجراءين مهمين لبناء الثقة. فالحكومة اليمنية والتحالف سيخففان حصارهما على الوقود الداخل إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين وسيسمح بالرحلات الجوية التجارية من وإلى العاصمة صنعاء، التي يسيطر عليها المتمردون أيضاً، للمرة الأولى منذ عام 2016. كما التزم الطرفان بإعادة إطلاق المحادثات بشأن الوصول عبر الطرق البرية إلى تعز، المدينة الموجودة في وسط اليمن، والتي يحيط بها الحوثيون منذ عام 2016، وإلى أجزاء أخرى من البلاد.

لم تقم الأمم المتحدة بعد بنشر جميع التفاصيل، إلا أن المسؤولين الحوثيين والحكوميين أكدوا محتويات النص الذي اتفقوا عليه، وقدموا معلومات محددة. بموجب الاتفاق، ستسمح الحكومة والتحالف بدخول ثماني عشرة شحنة من الوقود إلى ميناء الحديدة على مدى الهدنة ومدتها شهران، إضافة إلى رحلتين جويتين أسبوعيتين إلى صنعاء من مقصدين هما القاهرة وعمّان.

هل كانت الهدنة متوقعة؟

لا، بل كانت مفاجئة. حقيقة أن الأمم المتحدة كانت تبذل جهوداً للتفاوض على هدنة تتزامن مع بداية شهر رمضان كانت سراً معلناً. لكن كان هناك الكثير من الأسباب التي تبرر التشاؤم حيال إمكانية نجاحها. فقد كانت الخطوط العريضة للاتفاق، أي وقف القتال، والسماح بمرور شحنات الوقود إلى الحديدة وإعادة فتح مطار صنعاء، في محور جهود الوساطة التي تقوم بها الأمم المتحدة منذ مطلع عام 2020. وقد سعى سلف غروندبيرغ، مارتن غريفيث، للتوسط من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار يشمل هذه العناصر لمنع حدوث معركة للسيطرة على مأرب في عام 2020 وأيضاً في عام 2021. لكن حتى الآن، تناوبت الحكومة والحوثيون على إعاقة التوصل إلى مثل هذا الاتفاق.

وقد تكون المفاجأة الأكبر، إذا كانت بنود الاتفاق الواردة أعلاه دقيقة، هي اقتصار الطرفين على مثل هذه المجموعة من الشروط المحدودة. فقد سعى الحوثيون طويلاً لرفع جميع القيود المفروضة على التجارة الداخلة إلى ميناء الحديدة، وأن يتم فتح مطار صنعاء أمام الرحلات الجوية التجارية من سائر أنحاء العالم. والثماني عشرة شحنة من الوقود والرحلتين الجويتين أسبوعياً بعيدة جداً عن هذا الهدف.

علاوة على ذلك، فقد كان الحوثيون والحكومة على حد سواء سعيا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار يكون بشكل رئيسي لصالح طرفيهما. على سبيل المثال، أرادت الحكومة أن ينسحب الحوثيون من مواقعهم حول مأرب. فالمدينة تشكل آخر معاقل الحكومة في الشمال، وأكبر منشآت استخراج النفط والغاز في البلاد تقع في محيطها. الحوثيون، من جهتهم، والذين يصورون الحرب على أنها معركة تشنها قواتهم "الوطنية" ضد "العدوان" السعودي، سعوا لأن يقتصر وقف إطلاق النار على الهجمات عبر الحدود. بعبارة أخرى، وقف إطلاق نار أو هدنة بين الحوثيين والتحالف، وليس الحكومة؛ الأمر الذي يترك خصومهم عرضة لهجوم بري مستمر في مأرب ومناطق أخرى. لكنهم في هذه الحالة وافقوا على ما يرقى فعلياً إلى تجميد عسكري في المكان وبرقابة ذاتية.

ما الذي ينبغي أن نستنتجه من تشكيل المجلس الرئاسي وهل سيؤثر على الهدنة؟

في 7 نيسان/أبريل، أعلن هادي الرئيس اليمني، المؤقت منذ عشر سنوات، إقالة نائب الرئيس الموجود في منصبه منذ خمس سنوات، علي محسن الأحمر، والأكثر أهمية من ذلك، التخلي عن صلاحياته التنفيذية لمجلس رئاسي. ويبدو أن الأعضاء الثمانية في المجلس قد اختيروا من قبل موفدين إلى المحادثات التي عقدها في الرياض مجلس التعاون الخليجي، المنظمة الحكومية التي تضم الملكيات العربية الست في الخليج. لكن هادي هو الذي عين المجلس رسمياً بواسطة إعلان رئاسي "لا رجعة فيه". سيرأس المجلس رشاد العليمي، وزير الداخلية اليمني السابق. وهو يجمع بشكل غير مسبوق قادة الفصائل العسكرية والسياسية المعادية للحوثيين والتي تسيطر على مناطق وقوى على الأرض. وهو مقسم بشكل متساوٍ بين الشماليين والجنوبيين.

لقد سرت شائعات منذ وقت طويل بحدوث تغيير في قمة الهرم. ففي منتصف عام 2021، كان قد ظهر إجماع واسع في الكتلة المعادية للحوثيين على أن الوضع السياسي الراهن غير قابل للاستدامة. وكان هناك إقرار على نطاق واسع بأن هادي لا يفرض سيطرة أو نفوذاً يذكر على معظم المجموعات الرئيسية المعادية للحوثيين والممثلة الآن في المجلس. كما لم يوفر قيادة تذكر؛ وكانت القوى المعادية للحوثيين تمزقها النزاعات الفصائلية. في أيلول/سبتمبر 2021، حقق الحوثيون اختراقات في وسط وشمال اليمن سمحت لهم بالإحاطة بشكل كامل تقريباً بمدينة مأرب. وحده تدخُّل القوات المتحالفة مع الإمارات العربية المتحدة في محافظتي شبوة ومأرب منع دفاعات الحكومة من الانهيار. وكانت هذه الهجمات، التي استمرت على مدى الأشهر القليلة الماضية، المرة الأولى التي يخسر فيها الحوثيون مناطق على مدى أربع سنوات تقريباً. إلا أن القوات التي تقودها الحكومة فشلت لاحقاً في البناء على هذه المكاسب، خصوصاً وأنها أثبتت عدم قدرتها على السيطرة على مدينة واحدة في شمال اليمن. وأشار اليمنيون إلى هذه الصعوبات، وإلى الضائقة الاقتصادية الشديدة في المناطق الخاضعة اسمياً لسيطرة الحكومة، بوصفها دليلاً على أن هادي ومحسن كانا أضعف من أن يقودا الحكومة.

من غير الواضح ما الذي أقنع هادي بالتنحي ... لكن يُعتقد على نطاق واسع أن السعوديين ... أجبروه على فعل ذلك.

في الساعات التي تلت تشكيل المجلس، أعلنت الرياض والإمارات عن تقديم ثلاثة مليارات دولار كمساعدات لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد اليمني المتداعي. وكجزء من قراره تشكيل المجلس، عيّن هادي أيضاً لجنة اقتصادية جديدة. لكن من غير الواضح ما الذي أقنع هادي بالتنحي بعد سنوات عدة من المناورات لتفادي التخلي عن السلطة، لكن يُعتقد على نطاق واسع أن السعوديين، الذين استضافوه على مدى السنوات السبع الماضية، هم الذين أجبروه على فعل ذلك.

لكن السؤال المهم هو ما إذا كان المجلس قد شُكل لتعزيز جانب الحكومة في الحرب أو للسعي من أجل السلام. في قراءته لملاحظات مكتوبة خلال الجلسة الختامية لاجتماع مجلس التعاون الخليجي، قال رئيس الوزراء اليمني معين عبد الملك سعيد، الذي احتفظ بمنصبه رئيساً للحكومة، إن الموفدين كانوا قد اتفقوا على أنه ليس هناك حل عسكري للحرب، وتوصلوا بدلاً من ذلك إلى إجماع على السعي لتحقيق السلام مع الحوثيين. ويشير عدة أشخاص شاركوا في محادثات الرياض إلى لغة استخدمت في المرسوم الرئاسي تفوّض المجلس بالتفاوض على وقف إطلاق نار دائم والتوصل إلى حل سياسي شامل للصراع. ويقول هؤلاء ومسؤولو مجلس التعاون الخليجي إن المفاوضات ستكون أولوية. كما أن الرياض ستأخذ بالاعتبار أيضاً أن المجلس يشمل فصائل متنافسة، وبالتالي فإنها ستتحرك بسرعة على الأرجح قبل أن تخرج التوترات الداخلية إلى السطح. لكن البعض في المعسكر المعادي للحوثيين يجادل أصلاً بأنه ينبغي على المجلس الرئاسي أن يعمل على توحيد الجهود العسكرية بدلاً من التقدم بمبادرات سلام.

لماذا تحدث هذه الأمور الآن؟

من المرجح أن تكون الهدنة وتعيين المجلس نتيجتان لتغيرات في ديناميكيات الصراع على مدى عامي 2021 و2022. ففي أواخر عام 2021، كان الحوثيون مقتنعين بأنهم سيدخلون مأرب، وبالتالي اعتبروا أن الهدنة تضر بآفاق سيطرتهم على المدينة والمحافظة التي تحمل اسمها. الحكومة وحلفاؤها، من جهتهم، اعتبروا شروط الحوثيين لوقف إطلاق النار، أي رفع جميع القيود عن ميناء الحديدة ومطار صنعاء، اعتداء على السلطة السيادية للحكومة. كما أن الرياض أيضاً لم ترغب بتقديم التنازلات للحوثيين دون مقابل ذي معنى، يرتبط على الأرجح بمطلبها بقطع علاقات الجماعة بإيران.

على أي حال، فإن سيطرة الحوثيين الكاملة على مأرب – التي بدت ممكنة تماماً قبل بضعة أشهر – لم تتحقق. كان سقوط مأرب في أيدي الحوثيين سيمنحهم إمكانية الوصول ليس فقط إلى حقول النفط الرئيسية في اليمن بل أيضاً إلى شريط صحراوي على حدود السعودية. يسيطر المتمردون أصلاً على مناطق تحاذي المملكة، خصوصاً في معقلهم الجبلي الشمالي في صعدة، لكنهم لو سيطروا على هذه المنطقة الصحراوية، لتوفرت لهم قاعدة انطلاق لهجمات جديدة واسعة محتملة عبر الحدود. تغير الوضع في مطلع عام 2022. فكما ذُكر أعلاه، في كانون الثاني/يناير، حققت قوات متحالفة مع الإمارات أول مكاسب عسكرية مهمة ضد الحوثيين على مدى نحو أربع سنوات، الأمر الذي عقّد جهود الحوثيين في السيطرة على مدينة ومحافظة مأرب. رد الحوثيون على خسائرهم بإطلاق ضربات بالطائرات المسيرة والصواريخ على الإمارات. كانت تلك الهجمات، التي قتلت وجرحت عدة أشخاص، أول هجمات تعترف بها أبو ظبي علناً (بينما أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجومين سابقين على مطار أبو ظبي لم تعلّق عليهما الإمارات). ومنذ ذلك الحين، حثت الإمارات الولايات المتحدة على إعادة تصنيف الحوثيين تنظيماً إرهابياً أجنبياً. إدارة بايدن ألغت هذا التصنيف، الذي كانت الإدارة السابقة قد وضعته قبل انتهاء مدتها بقليل.

كما زاد الحوثيون من تواتر هجماتهم على السعودية، التي ضرب آخرها خزاناً لتخزين النفط في جدة مباشرة قبل انطلاق سباق فورميولا 1 في المدينة. ردت الرياض بالمزيد من الضربات الجوية على صنعاء والمناطق المأهولة الأخرى زادت من مخاطر وقوع أعداد كبيرة من القتلى المدنيين، الأمر الذي سيتسبب بالمزيد من الإدانات الخارجية. أوجدت هذه الأحداث توازناً عسكرياً واسعاً للمرة الأولى على مدى عدة سنوات. في هذه الأثناء، تأثر الاقتصاد بشكل سيء في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة والحوثيون على حد سواء بارتفاع الأسعار في أسواق السلع العالمية والذي تسبب به الغزو الروسي لأوكرانيا والعقوبات التي أثارها. وقد أصبح نقص الوقود في مناطق الحوثيين أكثر وأكثر حدة، جزئياً بسبب الحصار.

في الوقت الذي توسطت فيه الأمم المتحدة للتوصل إلى هدنة، كان الطرفان يشعران بالألم وشعرا بأنهما سيستفيدان من توقف مؤقت على الأقل في القتال.

بعبارة أخرى، ففي الوقت الذي توسطت فيه الأمم المتحدة للتوصل إلى هدنة، كان الطرفان يشعران بالألم وشعرا بأنهما سيستفيدان من توقف مؤقت على الأقل في القتال. لقد قالت الرياض منذ وقت طويل إنها تريد حلاً تفاوضياً للحرب، وتعرضت لضغوط من الولايات المتحدة لإيجاد طريقة لإنهاء الصراع. لكن كان من الواضح أن الحل لن يكون ممكناً وهادي في الرئاسة. من حيث المبدأ، ينبغي أن يوفر تشكيل المجلس شريكاً تفاوضياً ذي مصداقية للحوثيين، رغم أنه ليس من الواضح نهائياً ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى إجراء محادثات جدية. حتى الآن، سخر المتمردون من المجلس ويقولون إنهم سيتفاوضون مع السعوديين وحسب.

ما رأي اليمنيين بالهدنة والمجلس؟

الردود مختلطة. بالنظر إلى استنزافهم في الحرب، فإن معظم اليمنيين العاديين يريدون أن يعتقدوا أن الهدنة يمكن أن تصمد. فكثير من الناس الذين تحدثت إليهم مجموعة الأزمات، حتى أولئك الذين كانوا معادين بشدة للحوثيين، يشعرون بالحماسة حيال فكرة أن مطار صنعاء سيعاد فتحه وكذلك الطرق الرئيسية والسريعة. من شأن تشغيل المطار أن يسمح بسفر المرضى إلى الخارج لتلقي العلاج الطبي، في حين أن درجة أكبر من حرية الحركة ستسمح بإعادة شمل الأسر وتحسين الوضع الاقتصادي والإنساني، خصوصاً بالنسبة للعالقين في مدينة تعز المحاصرة. والريال اليمني، الذي انهارت قيمته مقابل الدولار، حقق تحسناً هامشياً منذ إعلان الهدنة.

غير أن التشاؤم يبقى طاغياً. فكثير من الناس يعتقدون أن الطرفين وافقا على الهدنة كتوقف تكتيكي وحسب وأنهما ليسا مستعدين لإجراء محادثات سلام جدية من شأنها أن تفضي إلى وقف إطلاق نار رسمي ويدوم ربما لمدة أطول. ويشاع على نطاق واسع بأن السعوديين أجبروا الحكومة على التوصل إلى اتفاق. إذا كانوا قد فعلوا، فإن الاتفاق قد لا يصمد مع سعي الحكومة لإعاقة تنفيذه. أما بالنسبة للحوثيين، فإن خصومهم يدّعون أن التنظيم يوافق على الهدنات أو المحادثات فقط عندما يعود ذلك بالفائدة عليهم، من أجل إعادة التجمع وشن هجمات مستقبلية. كثيرون في المعسكر المعادي للحوثيين يعتقدون بأن الأخيرين سينتهكون الهدنة قريباً من أجل تجديد هجومهم على مأرب، أو سيستعملون الهدنة للتحضير لهجوم آخر بعد انقضاء الشهرين بقليل.

ثمة لازمة شائعة بين المعلقين على وسائل التواصل الاجتماعي مفادها أن الهدنة هي "ستوكهولم 2.0"، في إشارة إلى اتفاق ستوكهولم التي توسطت الأمم المتحدة للتوصل إليه عام 2018. منع ذلك الاتفاق ما كان سيشكل معركة شرسة للسيطرة على الحديدة، حيث كانت القوات المتحالفة مع الإمارات على أعتاب المدينة الساحلية حينذاك، لكن لم يبصر جزء يذكر من محتوى الاتفاق النور. فقد اتهم الطرفان بعضهما بعضاً مراراً وتكراراً بانتهاك وقف إطلاق النار حول الحديدة وتجادلا باستمرار بشأن شروط تبادل مقترح للأسرى وآلية تقاسم عائدات الميناء. ومن المرجح أن تحدق مشاكل مماثلة باتفاق الهدنة الجديد.

حتى الآن، حظي تشكيل المجلس الرئاسي باستقبال إيجابي في أوساط المجموعات المعادية للحوثيين، التي تعبت منذ وقت طويل من حكم هادي المتصلب الذي يخدم مصلحته الشخصية ووجدت في التغيير الحكومي حاجة ملحة. إلا أن الترحيب ليس إجماعياً. فبعض فصائل الإصلاح، الحزب الإسلامي السني الرئيسي في اليمن، والتي تلعب دوراً بارزاً في الدفاع عن مدينتي مأرب وتعز، عبرت عن قلقها من أن المجلس مصمم للتقليل من نفوذ مجموعتها وجادلت بأن قرار هادي بتأسيس المجلس غير دستوري. ويشكو أنصار مختلف فصائل الإصلاح أيضاً من أن دورها أصغر مما ينبغي مقارنة بأدوار الفصائل الأخرى. أما الحوثيون، فكما ذكرنا، يرفضون المجلس على أنه استمرار لما قبله، أي أنه جبهة يسيطر عليها السعوديون من أجل استمرار "عدوان" الرياض.

هل ستثبت الهدنة؟

ما تزال هناك فجوة واسعة بين الطرفين لجهة الشكل الذي ستكون عليه التسوية السياسية وكيفية التوصل إليها. وحتى اتفاق الهدنة المحدودة سيكون من الصعب المحافظة عليه. لن تضطلع الأمم المتحدة رسمياً بمراقبة الهدنة، وقد اتهمت السلطات في مأرب أصلاً الحوثيين بانتهاكها. من السهل على الحكومة والتحالف السماح بمرور شحنات الوقود إلى الحديدة. لكن إعادة فتح مطار صنعاء أمام الرحلات الجوية الدولية من المرجح أن يكون حافلاً بالصعوبات التقنية، خصوصاً إذا اختارت الحكومة والحوثيون جعله كذلك من خلال الاختلاف على مسائل مثل مسارات الرحلات وسلطة الجوازات، وهو أمر من شبه المؤكد أنهم سيفعلونه. إذا لم تصل أية رحلات قريباً إلى صنعاء، قد يتهم الحوثيون الأمم المتحدة بالسماح بفشل الهدنة؛ فالمتمردون يتهمون الأمم المتحدة بانتظام بالتحيز لصالح خصومهم.

في السياق نفسه، إذا لم يتحقق أي تقدم بشأن تعز، فإن كثيرين في المعسكر المعادي للحوثيين من المرجح أن يتهموا الأمم المتحدة بالتوسط في اتفاق مصمم ليعود بالفائدة على المتمردين. كما قد يقولون إن الدبلوماسيين الدوليين يكترثون أكثر لأمر المدنيين في صنعاء الذين يعانون من نقص الوقود وعدم وجود مطار مما يكترثون لأمر أولئك المحاصرين من قبل الحوثيين في تعز. كما يمكن للقتال على الأرض أن يقضي على الاتفاق. وقد بدأ مسؤولون في تعز أصلاً بالإبلاغ عن حشد لقوات الحوثيين على خطوط جبهة رئيسية في سائر أنحاء المحافظة. ويحذرون من وقوع هجوم قادم يستغل توقف الضربات الجوية السعودية.

قراءة أكثر تفاؤلاً تتمثل في أن السعوديين – الذين من الواضح أنهم لعبوا دوراً رئيسياً في جعل الهدنة ممكنة، حتى لو لم يكونوا طرفاً رسمياً فيها – والحوثيين وافقا على الهدنة بشكل مستقل عن بعضهما بعضاً وفعلا ذلك لأنهما وجداها مفيدة وليس لأنهما تعرضا لضغط خارجي. لقد تم التوصل إلى اتفاق ستوكهولم بشكل أساسي بسبب الضغط الأميركي على الرياض في أعقاب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في اسطنبول، ولأن الحوثيين كانوا يخشون أنهم قد يخسرون الحديدة. لقد تراجع الضغط الدولي على السعوديين منذ ذلك الحين، رغم أن الولايات المتحدة دفعت الرياض لتحقيق بعض شروط الحوثيين لجعل وقف إطلاق النار ممكناً. وقد زادت عمليات التدقيق في نشاط الحوثيين، خصوصاً منذ الهجمات على أبو ظبي.

الضغط منصبٌّ الآن على الأمم المتحدة كي تثبت أن بوسعها تثبيت الهدنة.

مع وجود هذا التوازن في الصراع، ليس هناك نقطة ضغط واحدة من شأنها أن تكون لصالح أحد الطرفين بشكل غير متناسب ضد الطرف الآخر. بالنسبة لكلا الطرفين، فإن فوائد وقف الصراع واضحة، وبوسع أي منهما استئناف القتال في أي وقت يريده. إن إشراف السعوديين على تشكيل المجلس الرئاسي وتحديد لهجة اجتماع الرياض، بما في ذلك بيان رئيس الوزراء اليمني، يشير إلى رغبتهم بالتفاوض على إنهاء الحرب وقدرتهم على توحيد الجهود الحربية ضد الحوثيين. في الواقع، فإن الضغط منصبٌّ الآن على الأمم المتحدة كي تثبت أن بوسعها تثبيت الهدنة. إذا فشلت في ذلك، من المرجح أن تحمّل الرياض وصنعاء على حد سواء المسؤولية لغروندبيرغ، وأن تعودا إلى الحجج القديمة بأنه لا يمكن الوثوق بخصومهما.

ما الذي ينبغي أن يحدث تالياً؟

ينبغي على الأمم المتحدة أن تتحرك بسرعة لإدخال شحنات الوقود إلى الحديدة وتسيير الرحلات الجوية من وإلى صنعاء. كما يتعين عليها إثبات جديتها بشأن إعادة فتح تعز. وأخيراً، يترتب عليها محاولة جمع المجلس الرئاسي الجديد مع الحوثيين. من المرجح أن ينفد صبر اليمنيين مع حلول نهاية الشهر الأول من هدنة الشهرين. من شأن عودة الرحلات الجوية إلى صنعاء التي تسمح بلم شمل العائلات بحلول عيد الفطر، في نهاية رمضان، أن تشكل رمزاً قوياً لقيمة التفاوض، الأمر الذي يمكن أن يعزز الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة. أما كلفة الفشل فستكون درجة أعمق من انعدام الثقة في أوساط اليمنيين بأن الأطراف المتحاربة قادرة على التوصل إلى تسوية أو أن الأمم المتحدة قادرة على التوسط في وضع حد للصراع. لقد مرت ثلاث سنوات ونصف منذ توسطت الأمم المتحدة في اتفاق ستوكهولم، ومن المرجح أن تحدث فجوة أوسع في حال لم تدم هذه الهدنة إلى ما بعد انتهاء صلاحيتها. فمن غير المرجح التوصل إلى وقف لإطلاق النار وإجراء محادثات سياسية – وكلاهما ضروريان – إذا لم يكن بالإمكان المحافظة على الهدنة وتوسيعها. في هذه الأثناء فإن المعسكر المعادي للحوثيين سيعرف بأن المجلس الجديد يخاطر بالتمزق نتيجة الاقتتال الداخلي كلما استمر لوقت أطول، وينبغي أن يدفع في الحد الأدنى إلى تسوية سياسية مؤقتة تنهي القتال وتسمح للفصائل اليمنية المتنافسة بأن تحاول تسوية خلافاتها عبر المفاوضات.