icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Youtube
هجوم الحديدة في اليمن الذي كان من الممكن تحاشيه في الماضي بات وشيكاً الآن
هجوم الحديدة في اليمن الذي كان من الممكن تحاشيه في الماضي بات وشيكاً الآن
تحذير بشأن الصراع في اليمن: الفرصة الأخيرة لمنع معركة مدمرة في الحديدة
تحذير بشأن الصراع في اليمن: الفرصة الأخيرة لمنع معركة مدمرة في الحديدة
Workers inspect damage at the site of an air strike on the maintenance hub at the Hodeida port on 27 May, 2018. Abduljabbar Zeyad/REUTERS

هجوم الحديدة في اليمن الذي كان من الممكن تحاشيه في الماضي بات وشيكاً الآن

عندما انهارت خطة المشاورات بين الأطراف المتحاربة في اليمن، والتي كان من المقرر أن تبدأ في جنيف في 8 أيلول/سبتمبر، استؤنفت المعركة المجمدة للسيطرة على ميناء الحديدة على البحر الأحمر. قد تثبت هذه المعركة أنها مهلكة لعدة ملايين من البشر الذين يعيشون أصلاً على حافة المجاعة.

على مدى الأسبوعين الماضيين، انهارت آخر المحاولات لوضع اليمن على مسار السلام، الأمر الذي أطلق ما قد يصبح أكثر المعارك دموية في حرب تقترب من سنتها الرابعة. في رسالة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 14 أيلول/سبتمبر، أعلنت الإمارات العربية المتحدة أنها تخطط لتجديد حملتها لانتزاع الحديدة، المدينة ذات الميناء على ساحل البحر الأحمر، من سيطرة حركة الحوثيين المتمردة. أتى هذا بعد أسبوع من الموعد الذي كان محدداً لإجراء محادثات سلام تمهيدية في جنيف. لقد تعهد الحوثيون بمحاربة القوات المدعومة من الإمارات العربية المتحدة حتى آخر رجل فيهم.

رغم أن الانهيار السريع لجهود السلام لم يكن غير متوقع، فإنه يشكل خيبة أمل عميقة. في حزيران/يونيو، وافقت القوات اليمنية المدعومة من الإمارات العربية المتحدة على وقف حملتها للسيطرة على الحديدة، أولاً من أجل السماح بإجراء مفاوضات حول انسحاب حوثي ومن ثم السماح لمبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث بقيادة المشاورات بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. أتى وقف القتال بعد ضغوط متزايدة من الكونغرس الأميركي – الذي هدد بوقف إمدادات السلاح الأميركية إلى التحالف الذي تقوده السعودية – وأيضاً من إدارة ترامب، التي كانت قادرة على استخدام التهديد بإجراء يتخذه الكونغرس كوسيلة للضغط على شركائها في الخليج. لكن مأساة كان من الممكن تحاشيها باتت تبدو محتومة الآن في غياب تدخل سريع وحازم من قبل الدول الأعضاء في مجلس الأمن، والولايات المتحدة بشكل خاص.

في 8 أيلول/سبتمبر، أخبر ممثلو الحوثيين الذين كان من المزمع أن يسافروا إلى جنيف لإجراء مشاورات، أو "محادثات تسبق المحادثات"، أخبروا فريق غريفيث بأنهم لن يذهبوا. في اللحظة الأخيرة، طلبوا أن يتم نقلهم من العاصمة صنعاء على متن طائرة عُمانية بدلاً من طائرة تابعة للأمم المتحدة وأن ينقلوا مقاتلين جرحى معهم. السعودية، التي تسيطر على المجال الجوي اليمني وتمنع أي رحلات لا تُسيّرها الأمم المتحدة من الهبوط في مطار صنعاء، اعترضت على ذلك. سعت الأمم المتحدة لإيجاد حل وسط، قائلة إنها ستصادق على بيان ركاب طائرة عُمانية – لكن الحوثيين بدورهم رفضوا السماح بأي عملية تفتيش. ومع تبادل التحالف والحوثيين للاتهامات، كان غريفيث قد أجل المشاورات واستؤنفت المعركة للسيطرة على الحديدة.

"يبدو أن استراتيجية التحالف هي محاصرة الحوثيين في الحديدة وخنقهم".

من الواضح أن الإمارات العربية المتحدة كانت مستعدة لحدوث هذا. مع تراجع احتمال إجراء المحادثات، فإن القوات المدعومة من الإمارات العربية المتحدة – والتي كانت قد استخدمت توقّف القتال لتحسين مواقعها على الأرض بعد سلسلة من الانتكاسات العسكرية على طول ساحل البحر الأحمر في وقت سابق من العام – شنت هجوماً للسيطرة على الطريق المتجه شرقاً من الحديدة والذي يربطها بصنعاء والمراكز السكنية الأخرى في المرتفعات الوسطى في البلاد. في 12 أيلول/سبتمبر، أعلنوا أنهم أحكموا السيطرة على الطريق، رغم أن الحوثيين أعلنوا أيضاً منذ ذلك الحين أنهم استعادوه. في هذه الأثناء، أبلغت الإمارات العربية المتحدة مجلس الأمن خطياً بأنها تعتقد أن السبيل الوحيد لإجبار الحوثيين على التفاوض بجدية يتمثل في استئناف حلفائها المحليين للحملة العسكرية للسيطرة على الحديدة. يبدو أن استراتيجية التحالف تتمثل في محاصرة الحوثيين في الحديدة وخنقهم. لكن فعل ذلك سيحرم ملايين الناس في المناطق الداخلية من البلاد، وكثيرون منهم على حافة المجاعة، من الوصول إلى الطعام والسلع الأساسية التي تصل إليهم عبر الميناء.

لقد قضى السعوديون والإماراتيون الأسابيع الأخيرة في تعزيز جبهة مهمة أخرى في واشنطن دي سي. في 12 أيلول/سبتمبر، أعلن وزير الخارجية الأميركي مارك بومبيو أنه سيوقع شهادة تشكل أحد بنود قانون تفويض الدفاع الوطني، لاستمرار الولايات المتحدة بتزويد الأسلحة للسعودية والإمارات العربية المتحدة. نصت الشهادة على أن دول الخليج كانت تعمل لتخفيض مخاطر إلحاق الضرر بالمدنيين والبنية التحتية المدنية، وتقوم بجهود نوايا حسنة لدعم المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة وتعمل على تخفيف الأزمة الإنسانية في اليمن. صدرت الشهادة بعد أسابيع فقط من حادثين أدت فيهما عمليات القصف السعودية إلى مقتل عشرات المدنيين، ما يشير إلى أن القوات الجوية السعودية لم تتخذ مثل تلك الإجراءات.

الكلفة الإنسانية الهائلة

  كانت مجموعة الأزمات قد حذرت في الماضي،  إن معركة للسيطرة على الحديدة سيكون لها كلفة هائلة؛ حيث إن معارك المدن – إذا وصلت الأمور إلى ذلك النوع من المعارك – وحشية ودموية، وسيحاصَر سكان الحديدة المدنيين البالغ عددهم 600,000 نسمة في تقاطع النيران. لم يظهر لا الحوثيين ولا التحالف الذي تقوده السعودية أي اهتمام حقيقي بحماية الناس العاديين خلال المعارك السابقة. وجد تقرير لمجموعة من خبراء الأمم المتحدة البارزين لشؤون اليمن نشر في آب/أغسطس أن الضربات الجوية للتحالف تسببت بشكل مباشر بمقتل المدنيين في اليمن وأن القيود التي يفرضها التحالف على الوصول البحري والجوي إلى اليمن يشكل انتهاكات للقانون الإنساني الدولي. كما يدين التقرير الحوثيين لاستخدامهم أسلحة تحدث آثاراً على مساحات واسعة في حرب المدن (الأسلحة التي لا تميز بطبيعتها بين المقاتلين والمدنيين)، وبسبب إطلاقهم للصواريخ البالستية على السعودية والقيود التي يفرضونها على الوصول الإنساني حول مدينة تعز بشكل خاص.

مع تقدم القتال، فإن سكان الحديدة سيصبحون أكثر عرضة للأمراض سريعة الانتشار مثل الكوليرا. تقدر الأمم المتحدة أن مئات آلاف الأشخاص يمكن أن يموتوا نتيجة لذلك. ومن الصعب القول إن القتال لن يمنع دخول السلع الأساسية إلى ميناء الحديدة ونقلها إلى مناطق أخرى من البلاد. بالنسبة لنحو 18 مليون نسمة يعيشون في مناطق اليمن التي يسيطر عليها الحوثيون، فإن 70% من جميع الواردات الغذائية إلى اليمن تدخل عبر ميناء الحديدة الذي يشكل خط حياة إنسانياً وتجارياً. إن أي تعطيل لسلسلة الإمدادات بسبب القتال في الميناء أو حوله، أو على الطرق الذي يصل المدينة بباقي أنحاء البلاد، يمكن أن يكون مهلكاً. لقد وُصف اليمن بأنه على حافة الانهيار منذ أكثر من عقد من الزمن، إلا أن خسارة الحديدة كممر للواردات ستشكل على الأرجح نقطة التحول فيما تصفها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم.

الجميع يتحملون مسؤولية الكارثة المنتظر وقوعها. كان ينبغي على الأمم المتحدة أن تعرف أن نفس القضايا اللوجستية التي ظهرت في كل مرة أجرت فيها محادثات في الماضي ستظهر مرة أخرى، وكان ينبغي عليها معالجة التفاصيل مقدماً؛ حيث كان ينبغي استشارة الحوثيين بشأن موضوع الرحلات الجوية وإحضارهم إلى جنيف في وقت مبكر لمنع التلاعب في اللحظة الأخيرة. الحوثيون، الذين يحبون أن يلعبوا دور الضحية ويقولون إنهم مستعدين للانخراط في عملية سلام إذا كانت شروطها منصفة، بعثوا برسالة واضحة أنهم غير جادين. وبفعلهم ذلك، أكدوا شكوك التحالف، الذي كان قد جادل بأنه ينبغي أن يسيطر على الحديدة لإجبار الحوثيين على تقديم تنازلات، ويعتبر الانتقادات الموجهة إليه بالتعنت غير منصفة. (على النقيض من ذلك، فإن ممثلي حكومة عبد ربه منصور هادي وصلوا إلى جنيف، بدعم من التحالف). الولايات المتحدة، بمصادقتها على أن السعوديين والإماراتيين يحققون المتطلبات الواردة في قانون تفويض الدفاع الوطني دون أي تحفظات، بعثت برسالة خاطئة في اللحظة الخاطئة تماماً، أي أن بوسع التحالف الاستمرار بالعمل دون خشية من العقاب مع تقدمه للسيطرة على الحديدة.

إن معركة للسيطرة على الحديدة ستكون كارثية. لا يزال موقف مجموعة الأزمات هو أن الحل الأفضل يتمثل في تسوية لموضوع الميناء من خلال الوساطة من النوع الذي كانت تجري دراسته في حزيران/يونيو. حينذاك، عرض الحوثيون تسليم الميناء، وإزالة التعزيزات من المدينة والتعاون مع الأمم المتحدة بشأن الأمن الداخلي في المدينة. لكن التحالف رفع مطالبه من تسليم الميناء إلى انسحاب الحوثيين بشكل كامل من ساحل البحر الأحمر. في غياب مثل هذه الصفقة، ينبغي على الحوثيين إثبات قدرتهم على التصرف بنية طيبة وتسليم الميناء لموظفين يمنيين تكنوقراط حياديين وللأمم المتحدة. سيقلص هذا بشكل كبير مبررات الإمارات العربية المتحدة لمهاجمة الميناء والمدينة ويمكن أن يسمح لغريفيث باستئناف المشاورات.

السماح بمرور المساعدات

إذا لم يكن بوسعهم التوصل إلى حل وسط، ينبغي على الحوثيين والتحالف الالتزام من جديد بالسماح بمرور السلع الأساسية عبر الحديدة إلى المناطق الأكثر كثافة سكانية في اليمن حتى ولو اندلع القتال في المدينة. في حزيران/يونيو، كرر مسؤولو المساعدات الدولية طرح قضية طريق صنعاء – الحديدة على الكونغرس، والحكومة الأميركية والتحالف. وتلقوا تطمينات متكررة من التحالف أنه سيبقي الطريق مفتوحاً، طبقاً لمسؤول رفيع لشؤون المساعدات. بعد أقل من ثلاثة أشهر، أصبح الطريق الجبهة الرئيسية في القتال بين القوات المدعومة من الإمارات العربية المتحدة والحوثيين مع محاولة التحالف الإحاطة بالمدينة.

في أيار/مايو 2018 كرر مجلس الأمن قراره بأن الأزمات الإنسانية وأزمات الجوع يمكن أن تعتبر جرائم حرب. ينبغي على مجلس الأمن ومفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشليه، أن يوضحا بجلاء أن لجنة خبراء الأمم المتحدة ومجموعة الخبراء البارزين العاملتين تحت رعاية كل منهما على التوالي، واللتان وجهتا انتقادات لكل من الحوثيين والتحالف، ستراقبان بشكل وثيق معركة الحديدة. وفي الوقت نفسه، ينبغي على غريفيث وأعضاء مجلس الأمن العمل بشكل وثيق مع وكالات الأمم المتحدة الإنسانية – مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، بشكل خاص – ومع التحالف والحوثيين على اتفاق لاعتبار الميناء والطريق المتوجه شمالاً من الحديدة، والخالي حالياً من القتال، مناطق حيادية وأن توضع هذه الممرات والميناء تحت إشراف الأمم المتحدة. وينبغي على مجلس الأمن إصدار بيان رئاسي أو قرار بضمان هذه الاتفاقية وبشكل ينص على عقوبات واضحة لأي انتهاكات تصل إلى عقوبات بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي يستهدف أي طرف يعمل بطريقة تقوض السلم والأمن في اليمن بعقوبات مالية وعقوبات أخرى.

كما ينبغي تحميل الحوثيين مسؤولية إدخال عملية السلام في حالة من الاضطراب. سيكون تحقيق التوازن بين توجيه اللوم للجماعة في بيانات علنية وفي الوقت نفسه إبقاء الباب مفتوحاً أمام عملية السلام – والمفاوضات بشأن الحديدة – أمراً صعباً. ينبغي على غريفيث، الذي زار صنعاء في 17 أيلول/سبتمبر للاجتماع مع القيادة الحوثية، إعادة بناء درجة من الثقة بين الجماعة والأمم المتحدة وكذلك بينهم وبين خصومهم في التحالف. إن الانتقادات الموجهة من الولايات المتحدة والتحالف، وهما الطرفان اللذان يعتبرهما الحوثيون خصومه، من غير المرجح أن تغير في موقف قيادة المتمردين. ينبغي على دول الاتحاد الأوروبي التي تقيم علاقات أكثر دفئاً مع الجماعة، وكذلك عُمان، التي تستضيف ممثلي الحوثيين، أن تبعث برسائل قوية بأن الحوثيين يلحقون الضرر بقضيتهم عندما يمارسون ألاعيب اللحظة الأخيرة وأن يهددوا بالتوقف مؤقتاً عن التواصل مع قادة الجماعة المعزولين أصلاً. كما ينبغي على روسيا، التي قدمت نفسها كميسر حيادي، أن تفعل الشيء ذاته.

وينبغي أيضاً كبح جماح التحالف. والولايات المتحدة في موقع يمكنها من فعل ذلك. للأسف، فإن بومبيو بمصادقته على قانون تفويض الدفاع الوطني كما فعل، تخلى عن النفوذ الذي كان الكونغرس قد منحه إياه. أثبت متطلب المصادقة أنه أضعف من أن يتمكن من تقييد إدارة ترامب العازمة على منح السعوديين والإماراتيين مجالاً واسعاً. عضو الكونغرس رو كانا قال إنه مستعد لقيادة محاولة لفرض تصويت على مشاركة الولايات المتحدة في عملية تبادل المعلومات الاستخبارية وعملية التزويد بالوقود، وهما العمليتان الحيويتان لعمليات التحالف. إذا سيطر الحزب الديمقراطي على مجلس النواب بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر، يمكنه أن يحول تشريعاً أكثر صرامة إلى واقع. إذا لم تتصرف الإمارات العربية المتحدة والسعودية بحذر، فإنهما قد يجدا تحالفهما مع الولايات المتحدة – وحملتهما في اليمن – مقيدان بقيود جديدة يفرضها الكونغرس. وإذا مضى الهجوم المرجح شنه على الحديدة قُدماً، ستتحمل الولايات المتحدة المسؤولية عن إخفاقها في استخدام نفوذها الكبير لمنع وقوع كارثة إنسانية. وتلك النتيجة يمكن لواشنطن أن تتحاشاها، بل ينبغي أن تتحاشاها.   

Yemeni pro-government forces gather at the south of Hodeida airport, in Yemen's Hodeida province on 15 June, 2018. AFP

تحذير بشأن الصراع في اليمن: الفرصة الأخيرة لمنع معركة مدمرة في الحديدة

The fate of Hodeida hangs in the balance as UAE-backed Yemeni forces poise for what will be a prolonged and destructive battle to expel Huthi rebels. A real but fleeting opportunity exists to avert catastrophe through a UN-mediated solution that safeguards all sides’ interests.

باتت المعركة من أجل الحديدة على وشك الوصول إلى نقطة اللاعودة. تستعد القوات اليمنية المدعومة من الإمارات العربية المتحدة لبدء عمليات لاستعادة هذه المدينة-الميناء على البحر الأحمر التي يقطنها 600,000 نسمة من المتمردين الحوثيين. هذه هي اللحظة الأخيرة الهشة التي قد يكون ما يزال من الممكن فيها للمفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة أن تمنع معركة مدمرة من المرجح أن تؤدي إلى تفاقم الظروف الإنسانية المتردية وفرض المزيد من التأجيل على المفاوضات الأوسع لإنهاء الحرب.

المتمردون الحوثيون الذين يسيطرون على الحديدة والتحالف الذي تقوده السعودية والذي يدعم الهجوم الرامي لانتزاعها منهم كلاهما يقولان إنهما يريدان تجنب معركة للسيطرة على الميناء ومركز المدينة، إلا أن مواقفهما التفاوضية ما تزال متباينة جداً. تكمن الآمال الآن في المبعوث الخاص للأمم المتحدة الذي عين حديثاً، مارتن غريفيث، الذي يحاول العثور على أرضية وسطى بين الطرفين. أمام غريفيث فرصة حقيقية لكن محدودة للنجاح بسبب ثلاث ديناميكيات متلاقية. أولاً، الحوثيون، الذين يتعرضون لضغوط عسكرية، عبّروا للمرة الأولى عن انفتاحهم على إدارة الأمم المتحدة لميناء الحديدة، الذي يشكل أكبر بوابة للواردات اليمنية. ثانياً، الإمارات العربية المتحدة، التي تقود الاندفاعة العسكرية نيابة عن التحالف الذي تقوده السعودية، تفضل تحاشي حصول معارك مدن من شبه المؤكد أن تلحق بقواتها خسائر كبيرة وتدفع إلى مراقبة دولية مكثفة لتفاقم وضع إنساني متردٍ أصلاً. ثالثاً، ثمة مخاوف متنامية لدى المعنيين الدوليين، بمن فيهم الولايات المتحدة، من أن معركة ضارية للسيطرة على الميناء والمدينة ستكون لها تبعات مدمرة بعيدة المدى إنسانياً وسياسياً.

The Huthis and the coalition will both have to compromise [...] The stakes are about as high as they could be.

إن العثور على حل يعني تقريب المواقف المتعارضة للجانبين. السعوديون والإماراتيون يتهمون حركة المتمردين باستخدام الميناء لتهريب الأسلحة إلى اليمن وتحويل العائدات الجمركية إلى مجهودهم الحربي. إنهم يريدون خروج الحوثيين بشكل كامل. الحوثيون من جهتهم عرضوا تكليف الأمم المتحدة بإدارة الميناء وأن يديروا هم الأمن بشكل مشترك، لكنهم قالوا إنهم لن ينسحبوا كلياً من الحديدة. ينبغي على الحوثيين والتحالف كليهما أن يقدما التنازلات. كما ينبغي على حلفاء كل منهما الضغط عليهما بقوة للقبول بتسوية تفاوضية للميناء والمدينة بوصفها الخيار الأفضل والممكن القبول به.

لا يمكن للرهانات أن تكون أعلى مما هي الآن. يمكن لوساطة الأمم المتحدة للتوصل إلى حل مقبول من الجميع يضمن المصالح الحيوية لجميع الأطراف فيما يتعلق بالحديدة أن يشكل الأساس لتسوية ليس فقط للميناء، بل أيضاً للصراع الأوسع بين الحوثيين والتحالف. بالمقابل، فإن الفشل لن يؤدي فقط إلى تقويض خطير لآفاق مثل تلك المفاوضات، بل أيضاً – حالما يبدأ القتال داخل المدينة – سيجعل التوصل إلى اتفاق إجماعي حول وجود الحوثيين في الميناء ومسألة كيفية إدارته مستحيل تقريباً. يمكن للحديدة أن تثبت أنها إما بداية نهاية حرب اليمن أو بداية مرحلة جديدة أكثر تدميراً فيها.

الطريق إلى الحديدة

أطلقت الإمارات العربية المتحدة حملتها للسيطرة على الحديدة بعد شعورها المتزايد بالإحباط حيال المأزق المستمر منذ ثلاث سنوات لم تتغير خطوط الجبهة خلالها إلا بشكل طفيف. من وجهة نظر الإماراتيين، فإن الحوثيين – الذين سيطروا على العاصمة، صنعاء، في أيلول/سبتمبر 2014، بدعم من الرئيس السابق علي عبد الله صالح – عززوا مواقعهم أكثر فأكثر في مرتفعات البلاد، مستفيدين بشكل خاص من اقتصاد الحرب الناشئ. لطالما رأى المسؤولون الإماراتيون في السيطرة على الحديدة تطوراً محورياً لتغيير الوضع الراهن وإجبار الحوثيين على القبول بالتسوية التي يريدها التحالف، أي الانسحاب من المدن اليمنية؛ وتقديم ضمانات بالأمن عبر الحدود؛ وتسليم الأسلحة الثقيلة، خصوصاً الصواريخ البالستية التي دأب الحوثيون على إطلاقها على السعودية؛ وقطع علاقاتهم بإيران، التي تدعم الحوثيين، مقابل المشاركة في حكومة وحدة وطنية.

خطط شن هجوم على الحديدة تتخمر على الأقل منذ العام 2016. تعززت هذه الخطط بحدوث الانقسام الذي نشأ في كانون الأول/ديسمبر 2017 داخل التحالف الذي يجمع طرفين متنافرين هما الحوثيون وصالح. قتال الشوارع في صنعاء انتهي بمقتل صالح على يد الحوثيين، بينما نجا ابن شقيقه والرمز العسكري القائد طارق محمد صالح الذي انقلب فوراً على التحالف. منذ أيار/مايو، حققت "قوى المقاومة الوطنية" – "المقاومة التهامية"، التي تقودها قوى قبلية من ساحل البحر الأحمر، و"لواء العمالقة"، الذي يقوده مقاتلو المقاومة الجنوبية؛ والحرس الجمهوري بقيادة طارق صالح – تقدماً سريعاً على الساحل، بمساعدة من الدعم الجوي الإماراتي. في حزيران/يونيو، حققوا تقدماً كبيراً وسريعاً نحو الميناء والمدينة، وباتوا الآن على مشارفها، معتزمين السيطرة على الحديدة بإلحاق الهزيمة بالحوثيين مباشرة أو بإجبارهم على القبول باتفاق يسمح لهم بالخروج شرقاً إلى صنعاء.

The truth is that both the Huthis and the coalition have displayed a blatant disregard for the protection of civilians throughout the war.

يعتقد الإماراتيون أن بإمكانهم السيطرة على الحديدة بنفس الفعالية التي أظهروها في عدن في أواسط العام 2015 والمُكلا، الميناء الشرقي الذي كان قد أصبح معقلاً للقاعدة، في نيسان/أبريل 2016. في كلتا الحالتين قدموا الدعم العسكري لقوى تم تجنيدها من السكان المحليين. في الحديدة أيضاً يراهنون على ما يشيرون إليه بالمقاومة المحلية داخل المدينة لإقامة نقاط تفتيش داخلية وعلى قوات أمن الأحياء عندما  تعطي أبو ظبي الإشارة لهذه المجموعات بأن تنشط.

لقد حرص التحالف على الإعلان عن خططه لحماية المدنيين وضمان الوصول الإنساني، بينما حذر من أنه من المرجح أن يستخدمهم الحوثيون كدروع بشرية. الحقيقة هي أن الحوثيين والتحالف أظهرا كلاهما تجاهلاً صارخاً لحماية المدنيين طوال الحرب. ما تزال الوكالات التي تقدم المساعدات قلقة بعمق من أن القتال في الميناء يمكن أن يمنع الوصول إلى أهم مصادر البلاد من الطعام، الوقود والمواد الإنسانية، في حين أن هجوماً على المدينة يمكن أن يعرض للخطر حياة سكان المدينة الذين يقدر عددهم بـ 600,000 نسمة. الأمم المتحدة قلقة من أن القتال يمكن أن يجعل أسوأ أزمة إنسانية في العالم تزداد سوءاً وأن تدفع البعض من بين أكثر من  8.4 مليون يمني يعيشون على حافة الجوع إلى المجاعة. إذا كانت حملة الحديدة، كما يبدو مرجحاً، أصعب قتالاً وأطول مدة مما تتوقع الإمارات، من الصعب رؤية كيف يمكن للوصول الإنساني أن يتحسن، في حين أن من المؤكد أن حياة أكثر من نصف مليون شخص ستتأثر بعمق.

اجتمع مجلس الأمن لمناقشة موضوع اليمن مرتين في حزيران/يونيو مع بدء العملية لكنه أخفق في التوصل إلى موقف موحد يتجاوز اللغة العامة حول حماية المدنيين. الولايات المتحدة من جهتها، وفي حين حذرت الإمارات في البداية مشككة في الحكمة من شن هجوم على الحديدة، ومشيرة إلى احتمال أن تكون الحصيلة العسكرية غير مؤكدة وبكلفة إنسانية مرتفعة، يبدو أنها خففت الضغط على التحالف. المسؤولون الإماراتيون يعتقدون أن الولايات المتحدة لا تعارض هجوماً على الميناء والمدينة، رغم أنهم يضيفون أن نظراءهم الأمريكيين حذروهم من أنهم سيكونون مسؤولين عن النتائج.

في 20 حزيران/يونيو، بعد أسبوع من انطلاق "عملية النصر الذهبي"، أعلنت القوات المدعومة من الإمارات أنها أحكمت سيطرتها الكاملة على مجمّع المطار الواسع الذي يقع على الطرف الجنوبي لمدينة الحديدة. رغم أن الحوثيين ينفون هذا الزعم، ورغم استمرار المعارك المتفرقة، من الواضح أن التحالف اكتسب اليد العليا في الصراع المستمر منذ أسبوع على هذه المنشأة المهمة استراتيجياً. لقد وصل القتال الآن إلى المناطق السكنية على الأطراف الجنوبية للمدينة. وتجري الإمارات الاستعدادات للتحرك نحو  الميناء في المرحلة المقبلة من المعارك.

تسوية ممكنة، وضرورية

معظم المحللين العسكريين الذين يتابعون الحملة يقولون إن ما من فرص أمام الحوثيين للتمسك بالميناء والمدينة إذا مضت الحملة التي تدعمها الإمارات قدماً. يبدو أن الحوثيين يدركون هذا أيضاً؛ ففي حين حافظوا على خطابهم العنيف، فإنهم أشاروا مؤخراً إلى استعدادهم لتسليم السيطرة على الميناء للأمم المتحدة ومناقشة انسحاب جزئي على الأقل من المدينة – وهي أفكار كانوا قد رفضوها رفضاً قاطعاً قبل عام فقط. في خطاب متلفز ألقاه في 20 حزيران/يونيو قال عبد الملك الحوثي، زعيم المتمردين، للمرة الأولى إن الحوثيين مستعدون للتخلي عن السيطرة على الميناء.

هذا مهم، لكنه لا يستجيب للموقف العلني لقادة التحالف الذين يستثمرون في الزخم العسكري الذي حققوه ويدعون إلى انسحاب حوثي كامل وتسليم الميناء والمدينة لقوات المقاومة الوطنية، بينما يقدمون للحوثيين معبراً آمنا إلى صنعاء. لكن قد يتبين أن هذا المطلب مرن. دبلوماسيون ومسؤولون في التحالف مطلعون على المفاوضات الجارية في الغرف الخلفية يدّعون أن قادة التحالف ألمحوا إلى أنهم قد يقبلون بتسوية من أجل تجنب معركة طويلة للسيطرة على الميناء والمدينة سيكون من شبه المؤكد أن آثارها الإنسانية ستكون مدمرة.

وسيكون لديهم أسباب قوية لفعل ذلك؛ فبالنظر إلى التحذيرات الواضحة حول التبعات المحتملة لشن هجوم عسكري، فإن أي تردٍ في الوضع الإنساني سيثير انتقادات دولية كثيفة وإدانة للإمارات وحلفائها في وقت يتعرضون فيه أصلاً لتدقيق علني كثيف. لذلك، وكخطوة فورية، ينبغي على غريفيث أن يعلن حقيقة أن الطرفين أخبراه أن التسوية ممكنة وأنهما أظهرا مرونة لم تكن موجودة من قبل؛ وهذا سيحد من مخاطرة أن يدّعي أي من الطرفين أن الطرف الآخر غير مستعد للتنازل ويستخدم ذلك ذريعة لعرقلة المفاوضات.

Time is running out. What is most needed now is strong international backing for Griffiths’ efforts to reach such a compromise, coupled with powerful international pressure on the two sides to accept it.

 

الخطوط العامة لتسوية محتملة من شأنها أن تحترم المصالح الحيوية لكلا الطرفين باتت واضحة. سيوافق الحوثيون على جدول زمني قصير وصارم للانسحاب من الميناء والتخلي عن أي دور في إدارته. وسيسلمون إدارة الميناء للأمم المتحدة، مع استمرار الموظفين المدنيين الحاليين بإدارته بشكل يومي. سيقود عدد من الأعضاء في الأمم المتحدة عملية لنزع الألغام في الميناء وفي المياه المحيطة به لضمان سلامته للعمليات بالتعاون مع التحالف. في السيناريو الأمثل، ستقوم الأمم المتحدة، مدعومة بالحكومة اليمنية والدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتنفيذ تحديثات تقنية لتعزيز قدرة الميناء على الاستيعاب.

في حين يمكن تصور قيام الحوثيين بدور في إدارة الأمن داخل المدينة لفترة انتقالية فإنه يترتب عليهم في المحصلة تسليم العمليات الأمنية لقوات الشرطة المحلية ووظائف الحكم إلى أعضاء المجلس المحلي. ويمكن القيام بذلك من خلال عملية تدريجية لكن مرسومة بوضوح، تشرف عليها لجنة مشتركة تتكون من قادة عسكريين من المعسكر الحوثي، والتحالف ومختلف القوات اليمنية على الأرض في الحديدة، وبمساعدة خبراء الأمم المتحدة وخبراء دوليين. إذا جرت العملية بنجاح، فإن مثل هذا الانسحاب المنسق على مراحل وتسليم المنطقة لإدارة محلية حيادية فعلياً يمكن أن يكون نموذجاً للمناطق الأخرى التي يسيطر عليها الحوثيون.

بالمقابل تحتفظ القوات المدعومة من الإمارات بوجود عسكري في مطار الحديدة لكنها تمتنع عن إرسال قواتها إلى المدينة والميناء. كما ستنسحب أيضاً من الطريق السريع المتجه شرقاً والذي يربط الحديدة بصنعاء، التي يمكن لقوات الحوثيين الانسحاب من خلالها إلى المرتفعات.

ثمة مجال لمثل هذا الحل الوسط طالما أنه لم يتم الهجوم على المدينة. لكن الوقت بدأ ينفد. الأمر الأكثر إلحاحاً الآن هو دعم دولي قوي لجهود غريفيث للتوصل إلى مثل هذا التسوية، بالتوازي مع ضغوط دولية قوية على الطرفين للقبول بها. ولتحقيق هذه الغاية:

  • ينبغي على مجلس الأمن إصدار بيان رئاسي يعبر فيه عن الدعم القوي لتسوية تفاوضية حول الحديدة برعاية الأمم المتحدة وطبقاً لمقترحات غريفيث، وتذكير الحوثيين وقوى التحالف بصرامة بالتزاماتهما بموجب القانون الدولي الإنساني بحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية؛
  • ينبغي أن تضطلع الولايات المتحدة بدور قيادي في الدعوة إلى اتفاق من شأنه أن يمنع نشوب معركة للسيطرة على المدينة والميناء. كما ينبغي على الدول الأخرى الأعضاء في مجلس الأمن (ولا سيما المملكة المتحدة وفرنسا اللتان دعمتا التحالف سياسياً وعسكرياً) أن تجتمع خلف هذه الدعوة وأن توضح أيضاً أن قاعدة "مخزن الفخار" – إذا كسرتها، ستمتلكها – ستطبق دون شك على التحالف الذي تقوده الإمارات في الحديدة.
  • على جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تدعم الحوثيين أو لديها خطوط تواصل مفتوحة معهم – إيران، وعمان، وروسيا والاتحاد الأوروبي على سبيل المثال – أن تضمن بقاء المجموعة تحت الضغط الدائم للموافقة على حل وسط والوفاء بالتزاماتها في حال التوصل إلى اتفاق. للحوثيين سجل حافل من استخدام المفاوضات كفرصة لإعادة التموضع أو لمنح الشرعية لأفعالهم. لا يمكن السماح بحدوث هذا مرة أخرى.

على مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت اللازمة الدولية أنه ما من حل عسكري لحرب اليمن بل هناك حل سياسي، حتى مع استمرار الحرب دون هوادة.

ما يحدث في الحديدة في الأيام القادمة يمكن إما أن يؤكد صحة هذا المبدأ والتزام المجتمع الدولي به، وأن يشكل جسراً يوصل إلى المزيد من المفاوضات، أو تقويض المبدأ إذا تصاعد القتال وتضاءلت آفاق تحقيق السلام. توفر الحديدة فرصة لمجلس الأمن لإظهار قدرته على السعي نحو حلول تفاوضية للصراعات في وقت تسود فيه الشكوك المتزايدة حول فعاليته وفائدته. كما أنها توفر للطرفين المتحاربين مخرجاً يحفظ ماء الوجه ويحمي مصالحهما الحيوية بعد سنوات من المخاطرة المتهورة بتلك المصالح. كما أنها توفر للشعب اليمني فرصة لتجنب تصعيد مدمر واستمرار إراقة الدماء دون جدوى وإلى ما لا نهاية.