الحاجة إلى موقف دولي موحّد لمنع انقسام ليبيا
الحاجة إلى موقف دولي موحّد لمنع انقسام ليبيا
Libya's security forces parade at the Martyrs' Square in the capital Tripoli on February 17, 2022, as Libyans commemorate the 11th anniversary of the uprising that toppled longtime strongman Muammar Kadhafi. Mahmud Turkia / AFP

الحاجة إلى موقف دولي موحّد لمنع انقسام ليبيا

مرة أخرى، في ليبيا إدارتان متنافستان تدّعي كل منهما أنها الحكومة الشرعية. ولكلا الطرفين أنصار مسلحون. ولذلك، ينبغي على القوى الخارجية أن تتوحد للمساعدة على منعهما من الاصطدام مرة أخرى.

تقف ليبيا مرة أخرى على مفترق طرق خطير. ففي 1 آذار/مارس، صوّت برلمان البلاد الذي يتخذ من طبرق مقراً له، مجلس النواب الليبي، بالمصادقة على حكومة مؤقتة جديدة يرأسها وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، ليعطيها بذلك الضوء الأخضر لتولي السلطة بدلاً من رئيس الوزراء الحالي، عبد الحميد الدبيبة. يصر أنصار التصويت أن الإجراء كان سليماً، بينما تقول فصائل في العاصمة طرابلس إنه كان حافلاً بالتزوير. وترفض هذه الفصائل الحكومة الجديدة وتعارض تعيين سلطة تنفيذية جديدة بشكل مطلق. ومع تصلب موقف المعسكرين، باتت نُذُر تجدد القتال واضحة للمرة الأولى منذ أنهى وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2020 ست سنوات من النزاعات السياسية والصراعات المتقطعة. لقد قامت مجموعات مسلحة متحالفة مع الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها فعلاً بإغلاق المجال الجوي الليبي لمنع الوزراء الحاليين من السفر إلى طبرق للمشاركة في مراسم أداء اليمين لباشاغا. ومع استعداد فصائل أخرى للمواجهة، فإن ما سيحدث تالياً سيعتمد إلى حد بعيد على رد فعل القوى الأجنبية. إذ إن رداً دولياً منقسماً من شأنه أن يشجع على الانقسام المؤسساتي والتعبئة العسكرية. في حين أن إدانة دولية موحدة لاستخدام القوة، مصحوبة بدعوة الليبيين للتوصل إلى مسارٍ توافقي إلى الأمام بمساعدة الأمم المتحدة من شأنها أن تجنبهم هذا السيناريو.

يخاطر تصويت 1 آذار/مارس بتقسيم الحكومة المؤقتة الموحدة التي تشكلت في الأشهر التي تلت وقف إطلاق النار الذي أعلن في تشرين الأول/أكتوبر 2020. جمعت تلك الحكومة مركزي القوى المتنافسين في البلاد، ذاك الموجود في طرابلس والآخر الموجود في طبرق، اللذان تَشكلا بعد أن أدت انتخابات برلمانية طُعن بنتائجها إلى انقسام البلاد إلى قسمين في عام 2014. ولقد بُذلت جهود لتنصيب حكومة جديدة منذ مطلع عام 2022، لكن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أجّلت انتخابات رئاسية كان من المقرر إجراؤها في 25 كانون الأول/ديسمبر إلى أجل غير مسمى، متذرعة بوجود خلافات قانونية تتعلق بالمرشحين لأعلى منصب في البلاد.

طرح المعسكران السياسيان المتنافسان الرئيسيان أفكاراً متعارضة للخروج من المأزق.

ومنذ ذلك الحين، طرح المعسكران السياسيان المتنافسان الرئيسيان أفكاراً متعارضة للخروج من المأزق. المجموعة التي تتخذ من طبرق مقراً لها، والتي تضم رئيس البرلمان عقيلة صالح، والمشير خليفة حفتر (الذي قاد القوات التي حاصرت طرابلس عام 2019) والفصائل التي تتخذ من طرابلس مقراً لها والتي تريد إسقاط الدبيبة، قالت إنه ينبغي على السياسيين تشكيل حكومة جديدة وتعديل مسودة للدستور قبل الانتخابات الجديدة. أما المجموعة الأخرى، التي تضم الكتل السياسية الرئيسية في غرب ليبيا، فتريد إبقاء الدبيبة في السلطة إلى أن يتم انتخاب هيئة تشريعية جديدة تستطيع اختيار سلطة تنفيذية جديدة. حتى الشخص الذي يسعى للوصول إلى الرئاسة، سيف الإسلام القذافي، ابن الديكتاتور الراحل، المختلف تاريخياً مع المعسكر الثاني، عبّر عن الحاجة إلى إبقاء حكومة الدبيبة في منصبها والمضي قدماً في إجراء انتخابات تشريعية.

تعمق الاستقطاب بين هذين المعسكرين الواسعين بعد 10 شباط/فبراير، عندما عين المجلس باشاغا رئيس وزراء مكلفاً بتشكيل حكومة بحلول نهاية الشهر. وأتى هذا التعيين نتيجة لاتفاق بين باشاغا، وصالح، وحفتر وحلفاء كل منهم في المجلس. في البداية، حظي الاتفاق بموافقة خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، وهو المجلس الخصم الذي يتخذ من طرابلس مقراً له. إلا أن المشري سحب دعمه في أواخر شباط/فبراير، فيما يبدو تحت ضغوط من عدة أعضاء في المجلس الرئاسي الذي يرأسه، الذين عارضوا التحرك نحو تنصيب حكومة جديدة. رد المعسكر الموالي للدبيبة على مناورات المجلس بإعلان أن الحكومة كانت تعمل بموجب خارطة طريق خاصة بها لإجراء انتخابات تشريعية في حزيران/يونيو. وقالوا إنه لا يحق لبرلمان طبرق تعيين سلطة تنفيذية جديدة وإن الدبيبة سيسلم السلطة فقط لخليفة يحظى بالتأييد في انتخابات شعبية.

وقد عكست الانقسامات بين الجهات الفاعلة الخارجية الانقسامات الليبية. فالقاهرة وموسكو منحتا مباركتهما الأولية لجهود المجلس في تنصيب حكومة جديدة، اعتقاداً منهما على ما يبدو بأن ليبيا ستستفيد من وجود تحالف بين أعداء سابقين مثل باشاغا وحفتر. وبداية بمطلع عام 2022، دعم المسؤولون المصريون بشكل فعال التوصل إلى تفاهم بين المعسكرين والمضي إلى تنفيذ الخطة استناداً إلى اتفاقهما. تركيا، وفي حين أنها تحتفظ بعلاقات ودية مع باشاغا، تمسكت بالدبيبة ودعت إلى إجراء انتخابات جديدة، معوّلة على أن تشكل الانتخابات ضمانة أفضل للاستقرار طويل الأمد. الإمارات العربية المتحدة دعمت الدبيبة، في حين أن خصمها الخليجي، قطر، أجرت اتصالات حذرة مع باشاغا بينما استمرت في تقديم الدعم المالي لحلفائها التقليديين المتحالفين مع الدبيبة. في الواقع، فإن تحالفات الأنظمة الملكية الخليجية تغيرت؛ فقبل ما لا يزيد عن عام، كانت أبو ظبي تدعم حفتر عسكرياً، في حين كانت الدوحة تقدم دعماً دبلوماسياً ومالياً للسلطات التي تتخذ من طرابلس مقراً لها. وسط هذه التغيرات السريعة، تبنت الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى موقف: 'لننتظر ونرى'.

لم تعارض الأمم المتحدة محاولة استبدال الحكومة. لكن المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفاني ويليامز، فرضت شروطاً للقبول بهذا التحرك. أولاً، قالت إنه ينبغي أن يكون تعيين الحكومة الجديدة "توافقياً" وأن يشارك فيه المجلس الأعلى للدولة. ثانياً، ينبغي أن يكون التصويت بمنح الثقة برئيس الوزراء الجديد شفافاً وأن يحقق المتطلبات القانونية – رغم أن مكتبها لم يوضح ماهية هذه المتطلبات. وقال دبلوماسيون أجانب إن التصويت سيكون شرعياً فقط إذا دعم 50% من أعضاء المجلس زائداً واحداً الحكومة الجديدة. لكن أعضاء المجلس قدموا تفسيراتهم الخاصة. نقطة أخرى تفتقر إلى الوضوح كانت العدد اللازم من أعضاء المجلس لتحقيق النصاب. فالكثير من أعضائه الأصليين البالغ عددهم 200 كانوا قد انشقوا والتحقوا بالسلطات التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، وقالوا إنهم سيقاطعون الإجراءات أو كانوا قد استُبدلوا أصلاً. وقدم المشرعون تقديرات متناقضة للأمم المتحدة بشأن العدد المتبقي من البرلمانيين، حيث يتراوح بين 164 و188. ونتيجة لذلك، تراوحت تقديرات النصاب اللازم للتصويت بمنح الثقة بين 82 و94. وبعد أن سحب المجلس الأعلى للدولة دعمه، عرفت وليامز أن شرطها الأول لن يتحقق ولم تكن متأكدة من أن شرطها الثاني سيتحقق أيضاً.

التصويت البرلماني الذي جرى في 1 آذار/مارس لمنح الثقة جعل الأمور أسوأ. طبقاً للعد الذي أجراه رئيس المجلس، بلغ عدد الحاضرين 101 عضواً، صوّت 92 منهم لصالح الحكومة. كان هذا العدد قريباً من التقديرات السابقة للنصاب أو أعلى منها. إلا أن مقطع فيديو أظهر أن عدد الحاضرين كان أقل من 101، وتمت قراءة 88 اسماً فقط خلال المناداة بالأسماء من أجل التصويت. ولم يكن عدد البرلمانيين الذين لفظوا كلمة "ثقة" واضحاً لأنهم لم يتحدثوا في الميكروفونات. في 2 آذار/مارس، أوضح البرلمان أن التباين في الأعداد كان ناجماً عن أن ثمانية أعضاء في البرلمان كانوا قد اتصلوا من مواقع بعيدة لأسباب أمنية أو صحية، في حين فضّل آخرون التصويت دون إعلان أسمائهم بعد تلقيهم تهديدات من مجموعات مسلحة داعمة للدبيبة. كما غيّر المجلس العدد الكلي لأولئك الذين صوتوا لصالح الحكومة الجديدة فرفعه إلى 96، ما أضاف إلى عدم الوضوح. قال باشاغا إن التصويت كان "واضحاً وشفافاً" وتعهد بمباشرة مهام منصبه في طرابلس "بطريقة سلمية". لكن في اليوم التالي، وصف الدبيبة التصويت بمحاولة "انقلاب" جرت من خلال التزوير. في 3 آذار/مارس، أدى باشاغا ومعظم وزرائه اليمين لاستلام مناصبهم في طبرق. وفي تلك المناسبة، ذكر رئيس المجلس أسماء النواب الـ 96 الذين كانوا قد أيدوا الحكومة الجديدة، في محاولة أخيرة لتبديد الشكوك بشأن التصويت بمنح الثقة.

[هذا الصراع على السلطة] يخاطر بتقويض جهود إعادة الإعمار والاقتصاد بشكل عام.

يمكن لهذا الصراع على السلطة أن يعطل الهدوء الذي تمتعت به ليبيا منذ وقّعت الفصائل على اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2020. ويخاطر بتقويض جهود إعادة الإعمار والاقتصاد بشكل عام. كما أن الخصوم السياسيين باتوا أكثر اعتماداً على الولاءات المسلحة. إذ يُذكر أن المسلحين المتحالفين مع حكومة طرابلس احتجزوا وزيرين، ومنعوهما من القيام بواجباتهما. ومن غير الواضح كيف سترد القوات التي يقودها حفتر، والتي تسيطر على شرق البلاد والمتحالفة مع حكومة باشاغا. فخطر الحرب يعتمد على الإجابة على هذا السؤال وعلى ما يقرر الداعمون الخارجيون للطرفين فعله. حتى الآن، يبدو من غير المرجح أن يحمل الخصوم في الحرب الأهلية السلاح من جديد بسبب الإعياء العام من الحرب. ولا يبدو أن القوى الخارجية راغبة بتجدد الصراع. رغم ذلك، فإن العداء المتزايد بين الحكومتين يمكن أن يغير هذه الحسابات.

كما يمكن للتحولات الجيوسياسية أن تؤثر أيضاً في التوترات في ليبيا. فالتوازن القلق بين تركيا وروسيا، ولكلتيهما طواقم عسكرية في ليبيا، يمكن أن يتغير بسرعة. تركيا متحالفة مع حكومة طرابلس. وروسيا نشرت طائرات مقاتلة ومتعاقدين عسكريين خاصين من مجموعة فاغنر لدعم القوات التي يقودها حفتر في الحرب التي دارت بين عامي 2019 و2020، وفي حين أنها نقلت لاحقاً بعض أصولها إلى مناطق أخرى، فإنها تحتفظ بوجود على الأرض إلى جانب حفتر. ومع اشتداد حدة القتال في أوكرانيا، يصبح ثمة خطر من امتداد الصراع وجر ليبيا إلى حرب جديدة بالوكالة. حتى الآن، فإن موسكو هي العاصمة الأجنبية الوحيدة التي رحبت رسمياً بحكومة باشاغا. إن مواجهة الكرملين مع الغرب بشأن أوكرانيا تجعل من استراتيجيته في ليبيا غير قابلة للتنبؤ.

أما العواصم الأخرى فقد احتفظت بصمت يصم الآذان، ربما بانتظار معرفة طبيعة ردّ الأمم المتحدة. في 2 آذار/مارس، قال الأمين العام للأمم المتحدة إن التصويت "لم يحقق المعايير المتوقعة في الشفافية والإجراءات وشمل أعمال تخويف قبل انعقاد الجلسة". ومن المرجح أن تدفع هذه الصياغة القوى الأجنبية باتجاه رفض الاعتراف بالحكومة الجديدة، الأمر الذي من شأنه أن يشكل ضربة لداعمي الاتفاق بين باشاغا وحفتر.

رغم انقسامات الجهات الفاعلة الأجنبية، فإنها ينبغي أن تتحدث بصوت واحد في الضغط على جميع الأطراف الليبية لإظهار ضبط النفس وإدانة الاحتجاز القسري لأنصار الحكومة الجديدة. ينبغي أن يكون هذا الحد الأدنى من التوافق الدولي قابلاً للتحقق، بالنظر إلى أن القوى الخارجية لها مصلحة مشتركة في منع العودة إلى ليبيا مقسمة أو الانزلاق إلى حرب أهلية في لحظة تشهد اضطرابات جيوسياسية كبيرة. ينبغي على الطرفين في ليبيا القبول بوساطة الأمم المتحدة للخروج من مأزقهما والعودة إلى التفاوض على خارطة طريق سياسية واقعية للتقدم إلى الأمام. ولا بد من الإقرار بأن التوصل إلى التوافق بين الحكومتين المتنافستين ليس سهلاً، لكن لدى كل منهما أسباب ودوافع تجعلهما يقبلان الوساطة الخارجية. فحكومة باشاغا لن تعمر طويلاً إذا لم تحظَ باعتراف دولي واسع أو تتمكن من الوصول إلى أموال الدولة (وكلا الأمرين سيكون صعباً دون دعم الأمم المتحدة). وتخاطر حكومة الدبيبة بالخسارة إذا بدأت الدول الأعضاء بمنح اعترافها للحكومة الجديدة. ينبغي على مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني ويليامز دعوة الطرفين للامتناع عن ممارسة العنف وحثهما على القبول بمسعاها للوساطة. وعلى الحكومات الأجنبية أن تحذو حذوها في الدعوة إلى المفاوضات.