ليبيا: التوصل إلى وقف إطلاق النار، والسعي نحو حكومة شرعية
ليبيا: التوصل إلى وقف إطلاق النار، والسعي نحو حكومة شرعية
Peacemaking After Ukraine: A Look at Nagorno-Karabakh and Libya
Peacemaking After Ukraine: A Look at Nagorno-Karabakh and Libya

ليبيا: التوصل إلى وقف إطلاق النار، والسعي نحو حكومة شرعية

كلما طال أمد الصراع العسكري، كلما تعرضت الأهداف المعلنة للمعسكر المناهض للقذافي للخطر أو التقويض.  أعداد الضحايا واللاجئين بين المدنيين في ارتفاع مستمر.  ومع تعمّق الانقسامات بين الشرق الذي تهيمن على معظمه المعارضة والغرب الذي يسيطر على معظمه النظام، فإن البلاد تنقسم فعلياً إلى عالمين مختلفين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً .

ونتيجة لذلك، يستحيل على تيار الرأي العام المطالب بالديمقراطية في المناطق الحضرية في معظم غرب ليبيا (وطرابلس على وجه الخصوص) التعبير عن نفسه وأن يرمي بثقله في الميزان السياسي.  سيشكل كل هذا، بالإضافة إلى ازدياد المرارة لدى كلا الجانبين، تركة ثقيلة لأية حكومة في مرحلة ما بعد القذافي.

وعلى نحو مماثل، تمثّل الحملة العسكرية طويلة الأمد وحالة عدم الاستقرار الملازمة لها تهديدات استراتيجية للدول المجاورة لليبيا.  فبالإضافة إلى تفاقم أزمة اللاجئين على نطاق واسع، فإنها تزيد من مخاطر تسلل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، التي تملك شبكات من الناشطين في الجزائر، ومالي، والنيجر، والتي تتقاسم حدوداً طويلة مشتركة مع ليبيا.  إن الإصرار على رحيل القذافي كشرط مسبق لأية مبادرة سياسية يعني إطالة أمد الصراع العسكري وتعميق الأزمة.  بدلاً من ذلك، ينبغي أن تعطى الأولوية لضمان التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار والتفاوض بشأن الانتقال إلى نظام سياسي لمرحلة ما بعد القذافي.

وعلى عكس الأحداث في تونس ومصر المجاورتين لليبيا، تحولت المواجهة التي بدأت في منتصف شباط /فبراير بين حركة الاحتجاج الشعبية ونظام القذافي إلى حرب أهلية في مرحلة مبكرة جداً.  ويعزى هذا بشكل كبير إلى تاريخ البلاد، خصوصاً الطابع الفريد للنظام السياسي الذي أقامه العقيد القذافي ورفاقه في سبعينيات القرن المنصرم.

وفي حين كانت مصر وتونس دولتين راسختين قبل تسلم الرئيسين مبارك وزين العابدين بن علي مقاليد السلطة في 1981 و 1987 على التوالي، وكان في كلا الحالتين للدولة وجود مستقل عن حكمهما الشخصيين، وتمكنت من الاستمرار بعد رحيلهما، فإن العكس كان صحيحاً في الحالة الليبية.  ونتيجة لذلك، اتخذ الصراع طابع الصراع العنيف من أجل الحياة أو الموت.

بعد ثماني سنوات من الإطاحة بالنظام الملكي في عام 1969، وضع القذافي أسس الجماهيرية، أو "دولة الجماهير" – وهي اختراع شخصي أُخرج على عجل ويعتمد إلى حد كبير على دوره هو.  يتمثل المبدأ التأسيسي للجماهيرية في القاعدة البديهية التي ينص عليها الكتاب الأخضر الذي وضعه القذافي عام 1975 وهي أن "التمثيل تدجيل"، وأن أي تمثيل رسمي سياسي ممنوع.

في حين أن جميع الدول الأخرى في شمال أفريقيا كانت تدعم لفظياً على الأقل الحق في التمثيل السياسي، وسمحت بشكل ما من الأحزاب السياسية، وإن كان على نحو غير مرضٍ، فإن الجماهيرية لا تحتوي إطلاقاً على مثل هذه الأحزاب، بل وتعتبر أية محاولة لتأسيسها عملاً من أعمال الخيانة.

و نتيجة لهذا الرفض القاطع لمبدأ التمثيل، فقد أعيق نمو أي شيء يشبه المؤسسات الرسمية الفعالة أو المجتمع المدني.  وقد حظر في ليبيا التعبير عن رؤى أيديولوجية وتشكيل تيارات رأي سياسية، مما سمح به في دول أخرى في شمال أفريقيا، إلى حد ما على الأقل.   

وكانت النتيجة الطبيعية لهذا المستوى المتدني من المؤسساتية اعتماد النظام على التضامن القبلي لتأمين قاعدة سلطته. لقد سيطر أعضاء من عائلة وعشيرة وقبيلة القذافي وغيرها من القبائل المتحالفة مباشرة معها على المناصب الاستراتيجية في بنية السلطة، لاسيما وحدات قوات الأمن الموثوقة.  وفي الوقت نفسه، وخصوصاً بدءاً من أواخر الثمانينيات، أبقي على القوات المسلحة النظامية ضعيفة ينقصها التجهيز والموارد البشرية وموضع عدم ثقة من قبل القذافي.

تساعد الخصائص المتعددة لنظام القذافي السياسي في تفسير سبب ترسخ منطق الحرب الأهلية بسرعة بعد المظاهرات الأولى.  من المؤكد أن مطلب حركة الاحتجاج في وقت مبكر برحيل القذافي لا يعني مجرد رحيله وتغيير النظام، وإنما إسقاط أو انهيار النظام الذي أسسه بأسره.  فالتمييز بين الدولة من جهة والنظام من جهة أخرى، الأمر الذي كان حاسماً في تمكين الجيشين التونسي والمصري من لعب دور عازل محايد ووسيط في النزاع بين الشعب والرئاسة، كان مستحيلا في الحالة الليبية.

ليس هناك أدنى شك في أن الجاهيرية تحتضر، وأن شكلاً مختلفاً تماماً للدولة فقط -- دولة تتيح الحريات السياسية والمدنية – من شأنها أن تبدأ في تلبية الرغبة العارمة في أوساط الليبيين في تشكيل حكومة تمثيلية وخاضعة للقانون.  ولكن لن يكون إيجاد طريقة للخروج من المأزق التاريخي الذي صنعته أيدي القذافي مسألة سهلة أبداً.

ينشأ طابع الأزمة الليبية اليوم من التأثير المعقد، والذي لا يبدو حاسماً حتى الآن، للتدخل العسكري الذي فرضته الأمم المتحدة، والذي يقوده حلف شمال الأطلسي رسميا الآن، فيما أصبح فعلياً حرباً أهلية.  لقد أنقذ تدخل الحلف المعسكر المناهض للقذافي من هزيمة فورية، ولكنه لم يحسم بعد الصراع لصالحه.  ونظراً لتصاعد كلفته السياسية والبشرية فإن التقييمات المتراخية التي تقول بأن استمرار الحملة العسكرية الحالية أو رفع وتيرة الضغوط سيفضي إلى تنحية القذافي بالقوة وخلال وقت قصير تعكس رفضاً لإعادة النظر في الاستراتيجية الحالية أو لوضع البدائل.

وعلى أية حال، سيكون من قبيل التهور تجاهل احتمال، في حال واجه النظام هزيمة عسكرية سريعة، أن لا تكون النتيجة تحولاً إلى الديمقراطية، بل فراغاً طويلاً يمكن أن يكون له تداعيات سياسية وأمنية خطيرة على جيران ليبيا وأن يفاقم أيضاً الأزمة الإنسانية الخطيرة أصلاً.

لقد كانت الثورة وجهودها العسكرية اللاحقة مسألة غير منظمة نسبياً.  في حين أن المجلس الوطني الانتقالي المؤقت -- المؤسسة المصممة للحكم في الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة -- أحرز بعض التقدم في تطوير الهياكل السياسية والعسكرية في الشرق، إلاّ أنه من غير المحتمل أن يكون قد اكتسب، أو أنه سيكتسب في المستقبل المنظور، القدرة على الاضطلاع بمسؤولية إدارة وحكم البلاد بأكملها.  

إن الافتراض بأن الوقت في صالح المعارضة، وأن ذخيرة أو وقود أو أموال النظام ستنفد قريباً (أو ستتم الإطاحة به من خلال انقلاب من داخل الدائرة المحيطة به) ما هو إلاَ إحلال للتمني مكان الصياغة الجدية للسياسات.  على الرغم من أن مثل هذه التوقعات قد تكون صحيحة -- ومن الصعب تقدير ذلك  نظراً لعدم وجود تقديرات موثوق بها  لموارد القذافي --  فإن من شبه المؤكد أن الوقت ليس في مصلحة الشعب الليبي.

وفيما تطول المواجهة العسكرية، تتعاظم أعداد الضحايا وحجم الدمار، وتتعمق انقسامات البلاد، كما يزداد خطر تسلل المسلحين الجهاديين.  تزداد الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في أجزاء ليبيا التي لازالت تحت سيطرة النظام سوءاً. كما لا ينبغي إغفال تكلفة حالة عدم الاستقرار والفوضى طويلة الأمد على البلدان المجاورة لليبيا.

إن لم يتم العثور على وسيلة لحث طرفي النزاع المسلح على التفاوض على تسوية تفضي إلى انتقال منظّم إلى مرحلة ما بعد القذافي وإلى دولة ما بعد الجماهيرية، فإن الآفاق المستقبلية لن تكون مبشّرة، ليس بالنسبة لليبيا وحسب وإنما أيضاً لشمال أفريقيا ككل، ولبلدان الساحل (تشاد، ومالي والنيجر) كذلك.

إن تحقيق اختراق سياسي يمثّل أفضل السبل للخروج من الوضع المكلف الذي سببه المأزق العسكري.  و يتطلب هذا وقفاً لإطلاق النار ووصول المساعدات الإنسانية دون قيود إلى جميع المناطق داخل البلاد، وأن يخضع تطبيق ذلك إلى مراقبة قوات حفظ سلام دولية بتفويض من الأمم المتحدة.  كما يجب أن يكون ذلك مصحوباً بمفاوضات مباشرة بين ممثلي النظام والمعارضة للتوصل إلى اتفاق على الانتقال السلمي إلى نظام سياسي جديد أكثر شرعية.

كما تتطلب مثل هذه النتيجة أيضاً مشاركة طرف ثالث موثوق به من قبل الطرفين – حتى الآن يبقى عدد اللاعبين محدوداً.  إن مقترحاً سياسياً مشتركاً من الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي – تحظى الأولى بقبول أكبر لدى المعارضة، فيما يفضل النظام الطرف الثاني – يمثل أحدى السبل التي من شأنها أن تفضي إلى مثل هذا الاتفاق.  ولكن لا يمكن تحقيق ذلك قبل أن تعيد قيادة الثورة ومنظمة حلف شمال الأطلسي النظر في موقفهما الحالي.

إن المطالبة المتكررة "بوجوب رحيل القذافي" تخلط بين هدفين مختلفين تماماً.  فالإصرار على أنه لا يمكن أن يكون له أي دور في النظام السياسي في مرحلة ما بعد الجماهيرية شيء، ومن شبه المؤكد أنه يعكس رأي غالبية الليبيين وكذلك العالم الخارجي.  لكن الإصرار على وجوب رحيله  كشرط مسبق لأية مفاوضات، بما في ذلك وقف إطلاق النار، يجعل وقف إطلاق النار ضرباً من المستحيل ويزيد من احتمال استمرار الصراع المسلّح.

كما أن الإصرار على أن يغادر البلاد وأن يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية يعني عملياً ضمان بقائه في ليبيا حتى آخر رمق.  وفي نهاية المطاف يمثّل الوقف الفوري لإطلاق النار الإجراء الوحيد الذي يتفق مع الغرض المرجو من تدخل حلف الناتو المتمثل بحماية المدنيين.

إن الادعاء بأن القذافي فشل في تحقيق وقف لإطلاق النار يتجاهل حقيقة أنه لا يمكن المحافظة على أي وقف لإطلاق النار إن لم يلتزم به الجانبان.  أما الشكوى بأنه لا يمكن الوثوق بالقذافي فهي شكوى يمكن توجيهها إلى أي عدد من القادة في أي طرف في حالة الحرب الأهلية.  الطريقة المثلى للتعامل مع هذه القضية تتمثل في إيجاد الظروف السياسية -- من خلال التعبئة للتوصل إلى توافق دولي قوي لصالح وقف إطلاق النار الفوري وغير المشروط وإجراء مفاوضات جدية وعن طريق الجهود الدبلوماسية المتضافرة – التي من شأنها زيادة احتمال أن يلتزم بتعهداته.

يجسّد الصراع الحالي بوضوح عذاب سكرات الموت التي تعانيها جماهيرية القذافي.  أما مسألة ما إذا كان ما سيأتي بعدها سيحقق آمال الليبيين بالحرية والحكومة الشرعية، فستعتمد إلى حد كبير على متى وكيف سيرحل القذافي.

يعتمد هذا بدوره على متى سيفضي النزاع المسلح إلى مفاوضات سياسية تسمح للاعبين السياسيين في ليبيا -- بما في ذلك الرأي العام الليبي ككل – بمعالجة المسائل الحاسمة التي ينطوي عليها تحديد المبادئ التأسيسية لدولة ما بعد الجماهيرية والاتفاق بشأن شكل المرحلة الانتقالية ومؤسساتها.

ستكون مسؤولية المجتمع الدولي في المسار الذي ستأخذه الأحداث كبيرة جداً.  بدلاً من المحافظة على السياسة الحالية بعناد والمخاطرة في أن تعم الفوضى الخطيرة في أعقاب الأحداث الحالية، ينبغي أن يتحرك المجتمع الدولي الآن لضمان التوصل إلى إنهاء الحرب الأهلية وتسهيل الشروع في حياة سياسية جديدة في ليبيا.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.