الحوار السياسي الليبي: إجماع لم يكتمل
الحوار السياسي الليبي: إجماع لم يكتمل
Peacemaking After Ukraine: A Look at Nagorno-Karabakh and Libya
Peacemaking After Ukraine: A Look at Nagorno-Karabakh and Libya

الحوار السياسي الليبي: إجماع لم يكتمل

لقد كان الاتفاق السياسي الأوّلي الذي تمخضت عنه المحادثات التي قادتها الأمم المتحدة بين الفصائل الليبية المتحاربة في حفل توقيع جرى في مدينة الصخيرات الساحلية المغربية الأسبوع الماضي خطوة أولى ومحورية نحو إنهاء الحرب الأهلية في ليبيا. إلاّ أن رفض أحد الأطراف التوقيع على الاتفاق دون إجراء المزيد من التعديلات على النص يعني أن الاتفاق سيولد ميتاً. ولذلك، ينبغي على اللاعبين الليبيين، والإقليميين والدوليين، وبقيادة الممثل الخاص للأمم المتحدة برناندينو ليون، مظافرة جهودهم للتوصل إلى إجماع أوسع على النص قبل الانطلاق إلى الخطوات التالية على خارطة الطريق السياسية، والتي يأتي في مقدمتها تشكيل حكومة وحدة وطنية، إضافة إلى إجراء الترتيبات الأمنية الداعمة لها. في 11 تموز/يوليو 2015، وقّع 18 من أصل 22 مشاركاً في الحوار السياسي الليبي الذي جرى برعاية الأمم المتحدة اتفاقاً إطارياً أوّلياً في الصخيرات، في المغرب، يمهّد الطريق للخروج من صراع قسم ليبيا إلى برلمانين، وحكومتين وتحالفين عسكريين متنافسين منذ تموز/يوليو 2014. يشمل الحوار السياسي أربعة ممثلين من كل برلمان ـ مجلس النواب المعترف به دولياً في طبرق والبرلمان الذي سبقه، المؤتمر الوطني العام في طرابلس ـ إضافة إلى أعضاء قاطعوا الحوار من كلا الطرفين وعدد من المستقلين، بشكل أساسي مسؤولين إداريين سابقين. لم يشارك وفد المؤتمر الوطني العام في المفاوضات النهائية في الصخيرات ورفض التوقيع على الاتفاق، مطالباً بإجراء المزيد من التغييرات استناداً إلى تصوّره بأن النص يهمّش معسكره فعلياً عن الترتيبات السياسية المقترحة.

يضع اتفاق الصخيرات تصوّراً لتشكيل حكومة وحدة وطنية قائمة على الإجماع ("حكومة توافق وطني") تتمتع بسلطات واسعة للحكم من مقرها في طرابلس، بما في ذلك الاضطلاع بالسياسيتين الخارجية والأمنية والإشراف على التمويل الحكومي ومؤسسات الدولة. ويمدد الاتفاق عمر مجلس النواب، البرلمان الذي انتخب في حزيران/يونيو 2014 ويتخذ حالياً من مدينة طبرق الشرقية مقراً له، على الأقل لمدة عام آخر ويجعله السلطة التشريعية الوحيدة. وينص على إنشاء هيئة منفصلة هي مجلس الدولة، لاستيعاب أعضاء المؤتمر الوطني العام. وقد كان الغموض المحيط بسلطات مجلس الدولة ودوره في الترتيبات الجديدة هو ما دفع المؤتمر الوطني العام لرفض التوقيع على الاتفاق.

منح الأمل لليبيين

في ضوء الفوضى والانقسام المتناميين في ليبيا، فإن حتى هذا الإجماع الناقص الذي تمخضت عنه اجتماعات الصخيرات يعد إنجازاً، رغم أنه إنجاز محدود جداً؛ إذ إنه يمنح الليبيين الأمل بأن صراعاً امتد لعام كامل بات قريباً من نهايته. لقد كان حضور 6 رؤساء بلديات، بما في ذلك من المدن الثلاث الرئيسية (طرابلس وبنغازي ومصراته)، وممثلين عن الحزبين السياسيين الرئيسيين، تحالف القوى الوطنية، ذو الميول الليبرالية، وحزب العدالة والبناء الذي يقوده الإخوان المسلمون، في مراسم التوقيع دليلاً إضافياً على أن العديد من المكوّنات تدعم الاتفاق. كما أن المسارات التفاوضية الأخرى، التي تمثل المجالس البلدية، والأحزاب السياسية والنساء، عبّرت عن دعمها، إضافة إلى جيران ليبيا والمجتمع الدولي الأوسع.

رغم هذا الإجماع المتنامي، فإن اعتراضات المؤتمر الوطني العام ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد ـ سواء لأن المؤتمر الوطني العام يمثل مكوّنات مهمة لها مخاوف يمكن فهمها أو لأن لديه القوة التي تمكّنه من عرقلة تنفيذ الاتفاق. يتمثل مصدر القلق الرئيسي بالنسبة للمؤتمر الوطني العام في انعدام اليقين حول كيفية تعيين أعضاء مجلس الدولة وما هي الصلاحيات التي سيحصلون عليها، إذا مُنحت لهم أية صلاحيات. على عكس النسخة السابقة (التي وضعت في 8 حزيران/يونيو والتي اعترض عليها مجلس النواب)، فإن النص الذي تم اعتماده في 11 تموز/يوليو لا يمنح مجلس الدولة أية صلاحيات، وهو بالفعل غامض فيما يتعلق بالدور المحدّد الذي سيلعبه المجلس. من المفهوم أن ينزعج المؤتمر الوطني العام من هذا التغيير، حيث إن المسودة التي وضعت في 8 حزيران/يونيو رفعت توقعاته بأنه سيلعب دوراً مهماً في النظام الجديد، دوراً يمكنه الدفاع عنه أمام داعميه السياسيين والعسكريين.

لقد أشار المؤتمر الوطني العام إلى أنه يريد أن يكون لمجلس الدولة وزن مماثل لمجلس النواب في الموافقة على التشريعات والتعيينات في المناصب الرئيسية في الدولة، بما في ذلك مدراء المؤسسات المالية والنفطية في ليبيا والنائب العام. كما يطالب بإلغاء القرارات التي اتخذها مجلس النواب منذ آب/أغسطس 2014. يتمثل جوهر هذا الطلب في التخوّف من أن مجلس النواب لن يلغي تعيينه للواء خليفة حفتر، الخصم العسكري الرئيسي لمعسكر المؤتمر الوطني العام، قائداً للقوات المسلحة الليبية. ومخاوفهم ليست في غير مكانها. في مقابلة أجراها في 15 تموز/يوليو، ألمح حفتر إلى احتمال أن يعارض الاتفاق إذا وجد أنه يقوّض سلطته والاعتراف الرسمي بالقوات المسلحة التي يقودها، وقال إنه يدعم الحوار السياسي ـ الذي قال إنه " ان كان في مصلحة ليبيا" ـ لكن إذا كان الاتفاق النهائي ليس في "مصلحة الشعب الليبي، فإنه لا يمكن أن ينجح".

كان بعض أعضاء وفد المؤتمر الوطني العام (والعديد من أطراف المعسكر المؤيد للمؤتمر الوطني العام بشكل أوسع) مستعدّين للقبول باتفاق 11 تموز/يوليو مع تحفظات، أي على أساس أنه بعد التوقيع، ستؤخذ مخاوف المؤتمر الوطني العام حيال مجلس الدولة بعين الاعتبار وستتم معالجتها في ملاحق الاتفاق. إلاّ أن فصيلاً متشدداً قوياً في المؤتمر الوطني العام يرى أن الاتفاق يهدف إلى تهميش المؤتمر الوطني العام ولذلك فإنه لن يوقّع حتى يحصل على ضمانات قوية بأن المؤتمر الوطني العام (مثله مثل مجلس النواب) سيكون له على الأقل صلاحية الاعتراض على منح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية المستقبلية أو سحب الثقة منها. لدى المتشددين في المؤتمر الوطني العام حليف رئيسي هو رئيس المجلس نوري أبو سهمين، الذي يتمتع بصلاحية اتخاذ القرار بأن يعرض مشروعاً على التصويت أو لا يعرضه. على سبيل المثال، فقد رفض أبو سهمين السماح بالتصويت على مسودة اتفاق في مطلع تموز/يوليو، كما رفض تفويض وفد المؤتمر الوطني العام بالمشاركة في الاجتماع النهائي في الصخيرات، وهو ما أدى إلى توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى في 11 تموز/يوليو.

يبدو أن لدى المشاركين في الحوار السياسي وجهات نظر مختلطة حول ما إذا كان لا يزال بالإمكان تعديل النص قبل اعتباره نهائياً. موفدو مجلس النواب يقولون إنه بعد مراسم التوقيع أصبح النص ملزماً. إلاّ أن بعض المستقلين المقربين من دوائر المؤتمر الوطني العام يقولون إنهم وقّعوا الوثيقة على أساس أنه سيكون هناك مجال لبعض التعديلات. وفد الأمم المتحدة ظل غامضاً حول هذه المسألة. حقيقة أن النص الفعلي جاء مرفقاً بصفحتي التوقيعات التي جمعت في الصخيرات يشكل دليلاً على هذا الغموض.

ينبغي أن يكون من الممكن تعديل اتفاق 11 تموز/يوليو لتلبية بعض مطالب المؤتمر الوطني العام على الأقل دون تقويض السلطة التشريعية لمجلس النواب. كلا الطرفان مدينان للشعب الليبي ومستقبل البلاد بإظهار المرونة الضرورية للتوصل إلى نص نهائي مقبول من جميع الأطراف للاتفاق الإطاري. قد تتمثل إحدى الطرق لاستيعاب بعض مخاوف المؤتمر الوطني العام في تحديد بنية ومسؤوليات مجلس الدولة الجديد في ملحق بالاتفاق الإطاري بدلاً من المتن الرئيسي للنص.

 مجالات للتسوية

ينبغي أن يفهم المعسكر المؤيد لمجلس النواب، الذي يعارض إجراء تعديلات أخرى، أن مزايا تبنّي خط أكثر مرونة حيال خصومهم في طرابلس تفوق مساوئ رفض تعديل الاتفاق. دون مشاركة المؤتمر الوطني العام، فإن المفاوضات حول تشكيل حكومة وحدة وطنية لا معنى لها. علاوة على ذلك، دون دعم شخصيات رئيسية في المؤتمر الوطني العام للاتفاق، سيكون هناك مخاطرة حقيقية في حدوث تصعيد عسكري في العاصمة. إن استمرارهم في المشاركة أمر جوهري لضمان دعم الميليشيات النشطة في طرابلس للاتفاق أيضاً. في الوقت الراهن، تسيطر قوات الأمن في طرابلس على طرق الوصول إلى جميع مؤسسات الحكومة والدولة، مثل البنك المركزي وشركة النفط الوطنية. ولذلك فإن معارضة المؤتمر الوطني العام للاتفاق يمكن أن تعني أن الحكومة المستقبلية لن تكون قادرة على استخدام هذه المباني ما لم تستولي عليها المجموعات المسلحة المؤيدة للاتفاق. الحسابات التي يبدو أن بعض المشاركين من مصراته يستندون إليها: أن تحالفاً مكوَّناً من المليشيات المؤيدة للاتفاق من مصراته والزنتان ستكون قادرة على انتزاع العاصمة من معارضي الاتفاق تتسم بقصر النظر وتقلل من شأن قدرة بعض القوات الأمنية الموجودة هناك على المقاومة والصمود.

من جهته، فإن المعسكر المؤيد للمؤتمر الوطني العام ـ خصوصاً رئيس المؤتمر نوري أبو سهمين ـ ينبغي أن يظهر النوايا الطيبة حيال المفاوضات، وأن يضع حداً للخطاب المتشدد وأن يتوقف عن اتخاذ قرارات أمنية أحادية. بينما كان النقاش جارياً حول أحدث مسودة اتفاق في مطلع تموز/يوليو، همّش أبو سهمين رئيس أركان الجيش الذي يتخذ من طرابلس مقراً له عندما أجرى إعادة هيكلة داخلية لوحدات الجيش المتحالفة مع المؤتمر الوطني العام وصعد إلى المنبر في عرض عسكري وسط العاصمة وتعهّد بمقاومة أي محاولة للمجموعات المسلحة المتحالفة مع مجلس النواب لدخول العاصمة.) ينبغي على قيادة المؤتمر الوطني العام أن تفهم بشكل نهائي أن المجتمع الدولي لن يمنح الشرعية للمؤتمر الوطني العام كما هو، وبالتالي فإن عليه أن يغتنم الفرصة للاحتفاظ بالنفوذ من خلال مجلس الدولة وحكومة الوحدة الوطنية.

بعض مطالب المؤتمر الوطني العام ـ أن يكون لمجلس الدولة وزن مساوٍ لمجلس النواب في الموافقة على التشريعات وإلغاء القرارات التي اتخذها مجلس النواب منذ آب/أغسطس 2014 ـ غير واقعية، بالنظر إلى أن مجلس النواب وداعميه سيرفضون قبولها بشكل قطعي. إلاّ أنه يمكن تعديل دور مجلس الدولة بحيث يتم ضمان المصالح الجوهرية لكلا الطرفين والتوصل إلى اتفاق. في حين ينبغي أن يكون لمجلس الدولة صلاحية مراجعة التشريعات التي يضعها مجلس النواب وإبداء المشورة بشأنها، فإن مسؤوليته ينبغي أن تكون ذات طبيعة استشارية حصراً. رغم ذلك، ففي المسائل السياسية الحيوية، مثل الموافقة على حكومة جديدة أو التعيينات في مؤسسات الدولة الرئيسية كجزء من المرحلة الانتقالية، ينبغي أن يتوصل مجلس النواب ومجلس الدولة بشكل مشترك إلى إجماع، وبالتالي إعطاء كل منهما حق النقض. بالنسبة لبنية المجلس، ينبغي أن يكون للمؤتمر الوطني العام الحق بانضمام 90 من أعضائه إلى المؤسسة الجديدة.

دفع العملية التي تقودها الأمم المتحدة إلى الأمام

من أجل إحراز التقدم، ستستفيد العملية التي تقودها الأمم المتحدة من التعديلات أيضاً. على المشاركين في المفاوضات، والأمم المتحدة واللاعبين الدوليين الإقرار بأن الاندفاع للتوصل إلى الاتفاق الأولي في 11 تموز/يوليو اتسم بقصر النظر، إذا كان هدفهم تحقيق الاستقرار في ليبيا من خلال وضع ترتيبات حكم قائمة على الإجماع. لقد كانت صيغة المفاوضات جزءاً من المشكلة. نظراً إلى أن مجلس النواب رفض المفاوضات المباشرة مع المؤتمر الوطني العام، فإن كل المجموعات الخمس المشاركة بالحوار السياسي عقدت جلسات كل على حدة مع فريق الأمم المتحدة الذي وضع صيغة وعرضها عليهم للموافقة. من منظور المشاركين، فإن هذه المقاربة انطوت على عدد كبير من المفاجآت وبالتالي تسببت في تأجيلات غير ضرورية. علاوة على ذلك، فإن المسودات المتتالية بدت وكأنها تميل لصالح المعسكر المؤيد لمجلس النواب مرة، ثم لصالح معسكر المؤتمر الوطني العام مرة أخرى، وفي كل مرة يتهم الطرف الخاسر الأمم المتحدة بالانحياز.

إذا استمرت المفاوضات حول نص مقبول للطرفين، فإن الطريقة المثلى للقيام بتلك العملية هي أن يتفق المشاركون على عقد مفاوضات مباشرة وجهاً لوجه، وقيام الأمم المتحدة بدور الميسّر. ولكي تكون المفاوضات فعالة، ينبغي على كل طرف أن يخوّل وفده بالتفاوض بدلاً من أن يجعله مجرد ناقل للمقترحات التي تتطلب موافقته في كل مرحلة. من شأن مثل هذا التغيير في العملية التفاوضية أن يسرّعها ويختصر الوقت اللازم للتوصل إلى تفاهم حول جميع القضايا العالقة وتقليص مخاطر إثارة ردود فعل تصعيدية هدّامة على كل تعديل.

ثمة أسباب مقنعة تدعو إلى السرعة، بالنسبة لليبيين واللاعبين الإقليميين والدوليين القلقين من المسار الذي تتخذه الأحداث في ليبيا. لقد انتشر تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من المجموعات الجهادية وتوسّع وجودها في ليبيا بشكل دراماتيكي منذ عام 2014، حيث استولت على عدة بلدات في خليج سرت وشنّت سلسلة من الهجمات ضد العمال الأجانب، والبنية النفطية التحتية والأهداف العسكرية والمدنية في المناطق التي يسيطر عليها أحد المعسكرين، وضربت مؤخراً مرتين في مصراته. وجيران ليبيا، وخصوصاً مصر، باتوا قلقين من أن المزيد من التأخير في التوصل إلى اتفاق سياسي سيزيد من التهديدات الأمنية لمصالحهم. كما أن أزمة المهاجرين واللاجئين في حوض المتوسط ورغبة الاتحاد الأوروبي (مدعوماً بضغوط سياسية قوية من بعض الدول الأعضاء) بإيجاد شريك ليبي لمحاربة تهريب الأشخاص جعلت المسألة أكثر إلحاحاً. كما أن الموعد النهائي المتمثل في تشرين الأول/أكتوبر 2015 ـ التاريخ الذي ينتهي عنده تفويض مجلس النواب إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يمدد هذا التفويض ـ يقترب، وهو ما يدفع البعض في المعسكر المؤيد للمؤتمر الوطني العام للمماطلة وكسب الوقت على أمل أنه بعد تشرين الأول/أكتوبر، يمكن أن يمنحه المجتمع الدولي الاعتراف. أخيراً، فإن اقتراب نهاية تفويض ليون، المحددة حالياً في أيلول/سبتمبر، يضيف المزيد من الضغوط، حيث إنه كان مهندس المفاوضات.

ستكون الإجراءات المتّبعة لاختيار رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية ونائبيه الخطوة الأكثر محورية في تنفيذ الاتفاق. هذه المناصب الثلاثة معاً ستشكل مجلس الرئاسة، حيث لكل من شاغليها سلطة الاعتراض على القرارات الرئيسية للحكومة، وأهمها في القطاع الأمني. ومن ثم سيكلّفون باقتراح تشكيلة الحكومة. لا يقدم اتفاق الصخيرات إجراءَ متفقاً عليه حول كيفية اختيار الشخصيات الرئيسية. في حين أن وسطاء الأمم المتحدة لديهم تصوّر عن هذا الإجراء، فإن المشاركين الليبيين لديهم الكثير من وجهات النظر المختلفة ـ والمتصارعة في كثير من الأحيان. سيترتب على الوسيط الأممي إقناع المؤتمر الوطني العام أنه بالإمكان تشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة. يمكن للمفاوضات حول اختيار الأشخاص الذين ستضمهم حكومة الوحدة الوطنية وتعيين مدراء مؤسسات الدولة المتنازع عليها، مثل شركة النفط الوطنية وصندوق الثروة السيادية الليبي أن تنجح فقط إذا اتفق مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام كلاهما على بعض الترتيبات الفعّالة لتقاسم السلطة.

من غير المرجح أن يتم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق ما لم يتواصل فريق الأمم المتحدة مع اللاعبين الإقليميين الذين يتمتعون ببعض النفوذ على الأطراف الليبية ويشركهم في العملية، مثل مصر والإمارات العربية المتحدة بالنسبة لمجلس النواب، وتركيا وقطر بالنسبة للمؤتمر الوطني العام. ينبغي أن يكون إيجاد مسار إقليمي أولوية بالنسبة للوسيط الأممي.

كما أن من المُلِح تسريع النقاشات حول الإجراءات الأمنية اللازمة لتنفيذ الاتفاق. يتمثل أحد النواقص الرئيسية للعملية التي تقودها الأمم المتحدة في غياب مسار أمني موازٍ كان من شأنه أن يشكل منصة تجمع المجموعات المسلحة المتنافسة. في حين تم تحقيق بعض التقدم في إيجاد نقاط اتصال بين الفصائل المسلحة المتعارضة في شمال غرب ليبيا، بفضل إشراك زعماء القبائل وطيب نوايا القادة العسكريين المحليين، فإن حواراً أوسع بين التحالفات العسكرية في الشرق والغرب لم يتمكن من الانطلاق. بالنسبة للجنوب، لم يكن هناك أي محاولة حتى للشروع بالتواصل مع المجموعات المسلحة هناك. تمثلت الصعوبة جزئياً في الانقسام التدريجي للكتلتين العسكريتين الرئيسيتين ـ عملية الكرامة في الشرق وفجر ليبيا في الغرب ـ وتدهور بنية القيادة والتحكم الذي أدى إلى غياب محاورين واضحين يمكن للمجتمع الدولي أن يستخدمهم كنقاط اتصال من أجل الحوار. كما أن افتقار فريق الأمم المتحدة للخبرة بالقطاع الأمني (وهو ما تمت معالجته مؤخراً بإضافة فريق أمني من الاتحاد الأوروبي)، والأكثر أهمية من ذلك عدم القدرة على دخول ليبيا، شكّل عقبة إضافية. ينبغي على البلدان الداعمة للأمم المتحدة تقديم موارد أكبر للمسار الأمني.

ينبغي ألاّ تساور المفاوضين في المغرب، واللاعبين الإقليميين والدوليين الذي يدعمون العملية أية أوهام بأن الاتفاق الذي يبدو قريب المنال هو مجرد بداية. لا تزال القضايا الأكثر صعوبة دون علاج: كيفية تخفيف حدة الصراع، وتنفيذ الإجراءات الأمنية وتشكيل حكومة وحدة وطنية فعالة. حتى مع استعداد هؤلاء المفاوضين لمعالجة هذه القضايا الصعبة، فإن المجموعات المسلحة في ليبيا تحضّر أسلحتها استعداداً للانقضاض على خصومها إذا انهار المسار السياسي ـ أو من أجل إفشاله إذا طال أمده. ولذلك فإن من الجوهري أن يوفر جميع المشاركين في العملية أفضل الظروف التي تمكّنهم من المضي قدماً وألاّ تبدأ العملية تحت غيمة من تبادل الاتهامات يفرزها اتفاق يستند إلى إجماع ناقص.

طرابلس/بروكسل 

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.