icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
الجائزة: الصراع على ثروات الطاقة الليبية
الجائزة: الصراع على ثروات الطاقة الليبية
El-Sharara oil field, Libya, 24 March 2015. CRISIS GROUP/Claudia Gazzini
Report 165 / Middle East & North Africa

الجائزة: الصراع على ثروات الطاقة الليبية

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

يهدد الوضع الاقتصادي في ليبيا بالتحوّل دون سابق إنذار نحو الأسوأ، في ظل تناحر أطراف النزاع من أجل السيطرة على الثروات الوطنية، التي ما فتئت تتقلص بوتيرةٍ سريعةٍ. ويؤثر هذا الصراع على عمل حقول النفط والأنابيب التي يمر عبرها والمحطات التي يُصدَّر منها، علاوة على ما له من وقع على السير العادي لمجالس إدارات المؤسسات المالية الوطنية. حيث يواجه الوضع المالي للبلاد، الذي يتسم بالإنفاق المفرط بسبب الفساد وانكماش الإيرادات بسبب انخفاض الصادرات وهبوط أسعار الطاقة، خطر الانهيار، كما يهدد مستوى عيش المواطنين، في سياق الأزمة السياسية العميقة والمعارك المحتدمة بين الميليشيات المختلفة وانتشار الجماعات المتطرفة، بما فيها تنظيم الدولة الإسلامية. وفي حال تدهورت الأحوال المعيشية للسكان ولم يحصل أفراد الميلشيات على رواتبهم، فإن الحكومتين المتنافستين على الشرعية ستفقدان الدعم الشعبي، وستدخل البلاد في موجة من التمرد وحكم الرعاع والفوضى. فبدلاً من انتظار تشكيل حكومة وحدة وطنية، ينبغي على الفاعلين السياسيين والعسكريين معاً، وبدعم من القوى الدولية الداعمة للحل السياسي، معالجة مسألة الإدارة الاقتصادية على نحو عاجل، في إطار المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة.

تعاني ليبيا، منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، من هجمات متكررة على منشآت النفط والغاز، ومن إضرابات العاملين فيها والاستيلاء المسلح عليها، خاصة من قبل الميليشيات التي تسعى للحصول على موارد مالية من الحكومة المركزية الناشئة. وقد تحولت تدريجياً هذه الحوادث، التي كانت في البداية قصيرة الأمد وتتم تسويتها عادة عن طريق تقديم تنازلات من قبل الحكومة، إلى ظاهرة قائمة ودائمة، وباتت مؤشراً مرعباً على احتمال انفجار السلطة السياسية، والاقتصادية والعسكرية في البلاد. وتظهر هذه الحوادث القوة التي اكتسبتها الميليشيات خلال ثورة عام 2011 وبعدها وإخفاق الجهود الرامية إلى إدماجها في القطاع الأمني الوطني، في وقت يشكل فيه النظام الهش لحماية البنية التحتية للنفط والغاز، هدفاً مغرياً لمقاتلي تنظيم الدولة، كما كان جلياً خلال الهجمات التي استهدفته خلال عام 2015.

كما يشكل الصراع على النفط والغاز تحدياً للنموذج المركزي للإدارة السياسية والاقتصادية التي تم تطويرها حول موارد النفط والغاز، والذي كان يشكّل عصب سلطة النظام القديم. ولازال الفساد، الذي كان يتيح عمل شبكات الرعاية والمحسوبية، في صلب هذا النموذج، بل وتنامت الممارسات المرتبطة به في قطاع الطاقة بشكل مطّرد. وهناك اليوم حركة واسعة النفوذ، يعتبرها البعض انفصالية، تسيطر على العديد من منشآت تصدير النفط الخام الكبرى وتستغل الوضع الراهن من خلال إيجاد قنوات بيع خاصة بها، وهو ما يؤدي إلى تنامي القوى الطاردة التي تمزّق ليبيا وتفتتها.

ويؤدي هذا الوضع إلى تعقيد الجهود الرامية إلى تسوية الصراع السياسي، الذي بلغ ذروته في تموز/يوليو 2014، بعد انقسام السلطة إلى برلمانين وحكومتين وائتلافين عسكريين متناحرين، يتخذ الأول من العاصمة طرابلس مقراً له، في حين يتمركز الثاني في الشرق، ويحظى كلاهما بدعم من قوى إقليمية متنافسة. ونظراً لاقتناع كل من الطرفين بشرعيته، فإن كلاً منهما يصارع للسيطرة على المؤسسات الرئيسة ومنها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، التي تقع تحت سيطرة طرابلس، بينما يحاول البرلمان المعترف به دولياً في طبرق والحكومة المنبثقة عنه في البيضاء إنشاء مؤسسات موازية. كما يتنازع الطرفان على أصول المؤسسة الليبية للاستثمار (الصندوق السيادي الليبي) أمام المحاكم الدولية. ومع ترقب تشكيل حكومة وحدة وطنية، فإن معظم الفاعلين الإقليميين والدوليين المعنيين بالشأن الليبي لا يزالون ملتزمين بوجود مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة الليبية للاستثمار، لأنهم يعون أن هذه المؤسسات تمثل مجتمعة أكثر من 130 مليار دولار وتحتوي خبرات تكنوقراطية رفيعة وحيوية لإعادة بناء الدولة.

إلاّ أن كل يوم يمر في ظل تعطّل المفاوضات، يزيد من احتمال أن تتمكن سلطات طبرق/البيضاء (التي تعتبر مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط منحازان للطرف الآخر) من إنشاء مؤسسات بديلة ومنافسة تضعف المؤسسات القائمة. وفي هذه الأثناء، فإن ثروات ليبيا التي كانت كبيرة ذات يوم (والمستمدة بشكل كامل تقريباً من مبيعات النفط والغاز) تشهد نزيفاً مستمراً بسبب الفساد وسوء الإدارة. إذا أضيف كل هذا إلى تراجع صادرات النفط الخام، بسبب الأضرار التي لحقت بمواقع الإنتاج والتصدير وإغلاق الأنابيب وغيرها من منشآت وبنيات تحتية والانخفاض الحاد في الأسعار العالمية، فإن اتخاذ تدابير علاجية بات أمراً ملحّاً. لقد تسبب سوء الإدارة الاقتصادية أيضاً بنقص في الوقود والسلع الأساسية، مما يهدد بانفجار أزمة اقتصادية أوسع يمكن أن تتجلى آثارها بانخفاض مفاجئ وغير منضبط لقيمة الدينار، قد تلحق الضرر بملايين الليبيين. ومن المرجح أن يؤدي كل هذا لأزمات أمنية جديدة ويفاقم من السلوك الافتراسي للميليشيات التي تدفع الدولة رواتب أفرادها، علاوة على بروز اقتصاد موازٍ (خصوصاً من خلال التهريب) وحدوث تدفقات جديدة من اللاجئين.

حتى مع استمرار المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وفاق وطني، ينبغي اتخاذ عدة خطوات، تتضمن كحد الأدنى ما يلي:

التأكيد من جديد على تصميم المجتمع الدولي على أن يكون هناك مصرف مركزي ليبي واحد ومؤسسة نفط وطنية واحدة ومؤسسة استثمار ليبية واحدة تقوم حكومة الوفاق الوطني بتعيين كبار المدراء فيها، وأنه لن يتم التساهل حيال عمليات بيع النفط أو إبرام العقود خارج القنوات الرسمية؛

منح الأولوية للإدارة الاقتصادية في المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة من أجل ضمان الموافقة على السياسة الاقتصادية قصيرة الأمد والإدارة المؤقتة للمؤسسات الرئيسة. وينبغي القيام بذلك في مسار تفاوضي منفصل، يشارك فيه ممثلو كلا السلطتين وبدعم من المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛

التوسط من أجل التوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق نار محلية، بالتوازي مع المسار الأمني في المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة، أو من خلال قنوات أخرى كلما كان ذلك مناسباً، من أجل زيادة المداخيل على المدى القصير، وذلك من خلال السماح بإعادة فتح حقول النفط والأنابيب ومنشآت التصدير المغلقة. كما ينبغي التفاوض على الترتيبات الأمنية لإصلاح وإعادة فتح المنشآت المتضررة على المدى البعيد؛

إعطاء الأولوية في المسار الأمني لموضوع الجماعات المسلحة التي تقوم بحراسة المنشآت النفطية والتي تمتلك بعضها ترسانات كبيرة من الأسلحة ولها حلفاء في سائر أنحاء ليبيا، كما أنها تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية، وبالتالي لا يمكن تجاهلها. ويمكن أن يساعد إشراك هذه الجماعات في تحسين حماية البنية التحتية للنفط والغاز ضد هجمات المجموعات المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية.

ولا ينبغي لبطء وتيرة المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة فيما يتعلق بالمسائل السياسية أن يثني الأطراف المتنازعة ولا الفاعلين الدوليين عن تشجيع مثل هذه الخطوات المؤقتة. إن ليبيا تمكنت، رغم التحديات الجسيمة، من الحفاظ على حد أدنى من الإدارة الاقتصادية وتمكنت لفترة قصيرة من زيادة الصادرات النفطية، مما يؤكد أن وضع ترتيبات اقتصادية مؤقتة أمر ممكن؛ بل إنها يمكن أن تؤدي إلى تحقيق مكاسب سياسية من خلال بناء الثقة وإظهار أن الحلول الوسط يمكن أن تعود بالنفع على الجميع. إلاّ أن هذا يتطلب تشجيعاً من الخارج وإرادة من قبل الفاعلين المحليين والدوليين على حد سواء للمحافظة على سلامة المؤسسات المالية. ينبغي أن يأتي هذا التشجيع على نحو خاص من القوى الإقليمية التي تذبذبت بين دعم الحل السياسي وتقديم الدعم لأحد طرفي الصراع.  كما يتطلب المثابرة من قبل المفاوضين. والأهم من ذلك هو إقناع الطرفين بأنهما يتصارعان للحصول على جائزة تتقلص قيمتها بسرعة وأنه من الأفضل لهما الاتفاق على هذه الخطوات بحيث يتمكن كلاهما من تقاسم جائزة أكبر.

طرابلس/بروكسل، 3 كانون الأول/ديسمبر 2015

UN acting envoy to Libya Stephanie Williams speaks at the opening of the Libyan Political Dialogue Forum hosted in Gammarth on the outskirts of the Tunisian capital, with the attendance of Tunisian President Kais Saied (C), on 9 November 2020. FETHI BELAID / AFP

التحديث رقم 1 لمجموعة الأزمات بشأن ليبيا

This Briefing Note provides up-to-the-minute analysis of attempts to end Libya’s almost decade-long civil war through talks focused on reunifying the country’s government, oil-based economy and security forces. It is the first in a series of twice-monthly updates.

توقفت المفاوضات بشكل يهدد بمواجهة مأزق سياسي واقتصادي

ما يزال وقف إطلاق نار هش وُقِّع الاتفاق عليه في تشرين الأول/أكتوبر قائماً في ليبيا، وتم حتى الآن تحاشي تجدد الصراع. إلا أن التوترات تبقى مرتفعة، خصوصاً مع اقتراب نهاية العام دون حصول تقدم كبير في المفاوضات السياسية والاقتصادية التي كان من المفترض أن تمهد الطريق لإعادة توحيد بلدٍ انقسم إلى نصفين، مع وجود حكومتين متنافستين ومؤسسات مالية وعسكرية متوازية منذ عام 2014. وتقف المحادثات التي تجري بوساطة من الأمم المتحدة لتعيين حكومة وحدة وطنية مترنحة، حيث أخفقت الوفود المشاركة فيها حتى الآن في الاتفاق على كيفية اختيار المرشحين للمناصب العليا. مكَّن اتفاق مؤقت بشأن العائدات النفطية في أيلول/سبتمبر من استئناف الإنتاج والتصدير وساعد على خفض تصعيد التوترات العسكرية في وسط ليبيا. إلا أن الاتفاق يتداعى، ويمكن لمشاكل مالية جديدة وحتى أكثر خطورة أن تنشأ. ومع ما يبدو من تلاشي فرصة التوصل إلى مصالحة سياسية واقتصادية، فإن ثمة مخاطرة في أن تصل المفاوضات إلى مأزق غير مستقر من شأنه أن يفضي إلى جولة جديدة من العنف.

توقف المحادثات السياسية

لقد انقضى أكثر من شهر منذ عقدت الأمم المتحدة منتدى الحوار السياسي الليبي، وهو تجمع لخمسة وسبعين موفداً يمثلون المجلسين التشريعيين المتنافسين وبعض المستقلين الذين اختارتهم الأمم المتحدة. شكل الحدث خطوة إيجابية تهدف إلى تشكيل إجماع وراء حكومة مؤقتة جديدة وخارطة طريق تفضي إلى انتخابات برلمانية ورئاسية. حدد المنتدى موعداً لتلك الانتخابات – كانون الأول/ديسمبر 2021 – وتوصل إلى اتفاق حول الحاجة لوجود مجلس رئاسي واحد يتكون من ثلاثة أشخاص ورئيس وزراء يعيَّن بشكل منفصل. ويحل هؤلاء محل المجلس الرئاسي في حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقراً لها ورئيس الوزراء فايز السراج، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس المجلس. إلا أن هذا أقصى ما توصل إليه المنتدى. فهو لم يتمكن من التوصل إلى اتفاق حول العملية التي يقوم من خلالها الموفدون الخمسة والسبعين بالتصويت على المرشحين لهذه المناصب.

الجولة الأولى من المحادثات التي جرت وجهاً لوجه في تونس بين التاسع والخامس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر بدأت بداية مبشرة، فأنتجت وثيقة إجماع بعنوان "المرحلة التحضيرية لحل شامل". لكن في الأسبوعين التاليين، توقفت الاجتماعات – التي استمرت عبر الإنترنت – عند المسألة المتعلقة بآلية التصويت التي ينبغي للمنتدى تبنيها لانتخاب أعضاء المجلس الرئاسي ورئيس الوزراء. اقترح الموفدون اثني عشر خياراً مختلفاً، يمكن تصنيفها في ثلاثة تصنيفات واسعة.

لم يتمكن المنتدى من التوصل إلى اتفاق حول العملية التي يقوم من خلالها الموفدون الخمسة والسبعين بالتصويت على المرشحين لهذه المناصب.

عرضت المجموعة الأولى من المقترحات، والتي يبدو أنها تتمتع بأكبر قدرٍ من الدعم بين المشاركين في المنتدى، تقسيم الموفدين إلى ثلاثة مكونات مناطقية (شرق، وغرب وجنوب ليبيا) وتكليف كل مجموعة باختيار ممثلها في المجلس الرئاسي. أما اختيار رئيس الوزراء فسيكون من صلاحية المنتدى بمجمله، مع وجود خيارين بديلين رئيسيين هنا: يتمثل أحدهما في أن تصوت الكتل المناطقية على مرشحها المفضل أولاً ويفتح التصويت العام فقط في المرحلة الأخيرة؛ والخيار الثاني يكون بترك الاختيار مفتوحاً للتصويت العام منذ البداية.

مجموعة ثانية من الأفكار اقترحت تقسيم أعضاء المنتدى طبقاً للخطوط الفاصلة بين الدوائر الانتخابية الثلاث عشرة في ليبيا، حيث تكلف كل مجموعة باختيار مرشح واحد للمجلس الرئاسي، ومن ثم فتح التصويت النهائي أمام جميع الموفدين. وبموجب هذه المقترحات، سيكلف أعضاء كل دائرة انتخابية أيضاً بالمصادقة على مرشح لرئاسة الوزراء من دائرتهم، ويتركون اختيار المرشح الفائز النهائي للتصويت العام.

أما المجموعة الثالثة من الخيارات فاقترحت إجراء تصويت عام على قوائم موضوعة مسبقاً لأعضاء المجلس الرئاسي الثلاثة ورئيس الوزراء، شريطة أن يحظى كل من المرشحين على ما لا يقل عن مصادقة 15 عضواً من أعضاء المنتدى قبل طرحه للتصويت. قدمت جميع المقترحات آليات مختلفة لتحديد عضو المجلس الرئاسي الذي سيحظى بلقب الرئيس وضمان أن يكون الرئيس ورئيس الوزراء من منطقتين مختلفتين.

يوضح غياب الإجماع حول أي من الخيارات الواردة أعلاه الصعوبات التي تواجه دفع هذه العملية إلى الأمام. علاوة على ذلك، يبدو أن مفسدي العملية موجودون داخل المنتدى، وحريصون على تخريب عملية تعيين هيئة تنفيذية جديدة لأسباب مختلفة: بعضهم يريد بقاء السراج في منصبه، لأنهم مستفيدون من الوضع الراهن؛ وآخرون يعتقدون أن تعيين حكومة مؤقتة جديدة سيؤجل، ربما إلى ما لا نهاية، الانتخابات المقررة في نهاية عام 2021. وبالنظر إلى أن الممثلة الخاصة للأمم المتحدة بالإنابة ستيفاني ويليامز، المهندسة الرئيسية للمنتدى، ستغادر منصبها في نهاية كانون الأول/ديسمبر، فإن فرصة اختيار حكومة جديدة يمكن أن تتبدد مع رحيلها، ما لم يقرر خلفها إعطاء العملية فرصة أخرى، وهو أمر ليس مؤكداً بأي حال. إن فشل المحادثات السياسية يمكن أن يؤدي إلى لعبة تقاذف المسؤوليات بين الفصائل المتنافسة وربما تعريض وقف إطلاق النار الهش للخطر.

مخاطرة بانهيار إنتاج النفط من جديد

في الوقت نفسه يتلاشى التفاؤل حيال الاستئناف السريع بشكل مفاجئ لإنتاج ليبيا للنفط منذ اتفاق أيلول/سبتمبر. فقد وصل الإنتاج إلى 1.3 مليون برميل يومياً في مطلع كانون الأول/ديسمبر. إلا أن المخاوف تتزايد من أن الإنتاج يمكن أن يتوقف مرة أخرى نهاية العام، إذا ظل النزاع حول إدارة العائدات النفطية دون تسوية.

ويتركز النزاع حول إجراءات الدفع الإشكالية مقابل مبيعات النفط والتي وضعتها الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها والمؤسسة الوطنية للنفط التي تملكها الدولة في أيلول/سبتمبر كجزء من الاتفاق. كانت هذه الترتيبات المدعومة من الولايات المتحدة والأمم المتحدة، والتي ظهرت إلى العلن في الأسابيع الأخيرة فقط، تهدف إلى إنهاء الحصار الشامل على قطاع النفط الذي فرضه المشير خليفة حفتر - قائد التحالف العسكري الذي شن في عام 2019 حرباً ضد الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها - منذ كانون الثاني/يناير 2020. وبموجب هذا الاتفاق، عدلت حكومة طرابلس والمؤسسة الوطنية للنفط كيفية إدارة العائدات النفطية، مبتعدة عن الإجراءات المعيارية التي كانت سائدة خلال حكم نظام معمر القذافي، والتي كانت شركات النفط الدولية تدفع بموجبها للمصرف الليبي الخارجي، الذي كان يحول الأموال تلقائياً إلى خزائن مصرف ليبيا المركزي. بدلاً من ذلك، يفترض أن تأمر المؤسسة الوطنية للنفط الآن بالاحتفاظ بعائدات الصادرات "مؤقتاً" في حسابها لدى المصرف الليبي الخارجي، بانتظار تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة وإعادة توحيد المصرف المركزي، الذي انقسم منذ عام 2015 إلى مصرف معترف به دولياً في طرابلس وفرع موازٍ غير معترف به دولياً في المنطقة الشرقية متحالف مع خصوم طرابلس. ما لم يتم تحقيق تقدم بشأن هذه النقاط، يفترض أن تتراكم الأموال دون أن يمس بها أحد في حساب المؤسسة الوطنية للنفط. شكل الاتفاق تنازلاً لمعسكر حفتر وداعميه الخارجيين، الذين اتهموا المصرف المركزي في طرابلس بإساءة استخدام الأموال العامة.

الآلية الجديدة إشكالية لعدد من الأسباب. أولاً، لا يوجد مرسوم رئاسي أو وثيقة قانونية تفوض المؤسسة الوطنية للنفط بتغيير آلية الدفع. ثانياً، كان يفترض أن ينتهي مفعول هذه الآلية بعد 120 يوماً، ما يعني عند نهاية كانون الأول/ديسمبر. لكن دون تحقيق تقدم ذي معنى في المفاوضات السياسية لتشكيل حكومة جديدة أو إعادة توحيد المصرف المركزي، من غير الواضح ما إذا كان سيتم إلغاء هذا الترتيب واستعادة آلية الدفع السابقة في نهاية العام. المصرف المركزي في طرابلس يريد استعادة الآلية القديمة، لكن اتخاذ تلك الخطوة من شأنه أن يؤدي إلى فرض حصار نفطي جديد من قبل قوات حفتر. بدلاً من ذلك، يمكن أن تبقى ترتيبات الدفع الراهنة قائمة، كما تفضل المؤسسة الوطنية للنفط، كطريقة لضمان عدم حدوث انقطاع في إنتاج النفط. إلا أن ذلك سيثير مشكلة الكيفية التي يمكن للمصرف المركزي من خلالها، وفي غياب تلقيه للعائدات، أن يغطي مدفوعاته الإلزامية بموجب الموازنة. في سيناريو ثالث، أكثر مدعاة للتفاؤل، يمكن تعديل آلية الدفع من خلال تسوية جديدة، لكن حتى الآن لم يقم أي طرف بوضع مقترح ملموس لذلك الغرض.

يدور هذا الصراع على عائدات النفط على خلفية نزاع بشأن السيطرة على المصرف الليبي الخارجي، وهو المصرف التجاري والاستثماري الخارجي الوحيد للبلاد والمملوك بشكل كامل من قبل المصرف المركزي، والذي ليس له مدير حالياً. ويدور نزاع داخلي على إدارة المصرف منذ سنوات، لكن في تشرين الثاني/نوفمبر دخل مرحلة أكثر خطورة عندما ادعى كل من المدير السابق للمصرف، والمصرف المركزي وحكومة طرابلس أن من حقه إدارة المصرف. ويطرح المأزق احتمال قيام المؤسسات النقدية الدولية بإنهاء أو تقييد علاقاتها مع هذا المصرف في إجراء يُعرف بـ "نزع المخاطرة". من شأن مثل ذلك التحرك أن يكون له تبعات مدمرة على القطاع المالي الليبي، بالنظر إلى أن هذه المؤسسة تلعب دوراً حيوياً في إدارة عائدات ليبيا النفطية وأيضاً نظام الاستيراد والتصدير فيها.

تعد تسوية النزاع الدائر حول السيطرة على المصرف الليبي الخارجي أمراً عاجلاً، وكذلك التوصل إلى تسوية حول كيفية إدارة عائدات النفط الليبية. ومن أجل تحقيق الهدف الثاني، سيترتب على الطرفين التوصل إلى اتفاق جديد – اتفاق يحقق التوازن بين تقديم ضمانات لحفتر وداعميه الخارجيين، من جهة، بأن عائدات مبيعات النفط مضمونة، ومن جهة أخرى، الوصول إلى العائدات النفطية لتغطية النفقات العامة في سائر أنحاء ليبيا.

تعد تسوية النزاع الدائر حول السيطرة على المصرف الليبي الخارجي أمراً عاجلاً، وكذلك التوصل إلى تسوية حول كيفية إدارة عائدات النفط الليبية.

ينبغي على المسؤولين الأميركيين، الذين كانوا الوسطاء الرئيسيين في اتفاق أيلول/سبتمبر، المساعدة في وضع الخطوط العامة لمثل هذا الاتفاق بالتشاور مع وزارة الخزانة الأمريكية والحكومات الأجنبية المعنية. أما البديل فسيكون إما فرض حصار جديد على قطاع النفط أو تصعيد للنزاعات المالية. وكلا الخياران سيفاقمان الأحوال المعيشية السيئة أصلاً لليبيين ومن شأنهما أن يتسببا في تجدد القتال في المناطق الغنية بالنفط.