Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Twitter Video Camera Youtube
الانتقال المعطّل في تونس: فساد مالي ونعرات جهوية
الانتقال المعطّل في تونس: فساد مالي ونعرات جهوية
Table of Contents
  1. Executive Summary
Demonstrators hold flares during a demonstration against a bill that would protect those accused of corruption from prosecution on Habib Bourguiba Avenue in Tunis, Tunisia on 13 May 2017. REUTERS/Zoubeir Souissi
Report 180 / Middle East & North Africa

تونس: محاصرة النزعة نحو التسلط

 

تطغى على الذكرى السابعة للانتفاضة التونسية التي انطلقت في 14 كانون الثاني/يناير 2011 أخطار الاستقطاب السياسي وحنين خادع لحكومة مركزية قوية. من أجل إنقاذ العملية الانتقالية العربية الوحيدة، ينبغي على الائتلاف الحاكم تنفيذ الإصلاحات الموعودة، وتأسيس محكمة دستورية وإجراء انتخابات محلية تأجلت كثيراً.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

أدت الجهود المكثفة للحفاظ على الائتلاف البرلماني والحكومي بين نداء تونس (ذا التوجه "القومي"[fn]تحيل عبارة "قومي" عادة إلى القومية العربية إلا أن المقصود هنا هو القومية التونسية.Hide Footnote ) والنهضة (ذات المرجعية الإسلامية) إلى تأخير تطبيق الدستور وإلى هشاشة المؤسسات. وفي ظرف اقتصادي يتسم بالركود انتشر الحنين إلى دولة قوية، كتلك التي كان النظام السابق يدّعي الدفاع عنها. لكن، وحتى تتم تقوية الدولة ومواجهة الأحداث الطارئة، التي منها حصول هجمات جهادية واسعة أو انتفاضات يصعب التحكم فيها أو حصول شغور مؤقت أو نهائي في مؤسسة رئاسة الجمهورية، فإن البلاد مجبرة في نفس الوقت على تدعيم مؤسساتها ووضع دستور واحترامه. وبذلك فإن حظوظ الانحراف الاستبدادي الذي نشاهده اليوم، والمتمثل في تركيز نظام مشابه لذاك الذي وضعه بن علي، ضئيلة بسبب تعدد الانقسامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ وترسّخت حرية التعبير في وسائل الإعلام على امتداد سبع سنين. وبالتالي فإن كل محاولة لإرساء الخوف لدى السكان ستصاحبها مقاومة شديدة. كما أن الحوكمة لن تكون أكثر فاعلية والصراعات المكبوتة ستبرز من جديد بشكل أكثر عنفاً.

منذ الانتخابات التشريعية الحاصلة في أواخر 2014، نجح التحالف البرلماني والحكومي المكوّن من النهضة ونداء تونس في التخفيف من حدّة الاستقطاب الذي شهدته الساحة السياسية. لكن التحديات الواجب التصدي لها من قبل هذين الحزبين المحوريين للحفاظ على التحالف بينهما كثيرة. يواجه كل من الشريكين الذين كانا متعاديين، صعوبات في الحفاظ على هويته السياسية وانسجامه الداخلي. فسرعان ما تنشأ الصراعات بينهما كلما ازدادت أو ضعفت سلطة التفاوض بشكل واضح لدى أحدهما في صلب الائتلاف. وهو أمر يترتب عنه بروز توترات حادة، يغذيها ضعف الثقة المتبادلة بينهما، ويؤدي إلى تأخير الإصلاحات المنصوص عليها في الدستور والمتمثلة في إرساء المحكمة الدستورية والهيئات الدستورية المستقلة والمجالس الجهوية المنتخبة وتعزيز دور مجلس نواب الشعب.

بالمقابل، عندما تكون العلاقات طيبة بين الطرفين يسعى نداء تونس والنهضة إلى هيكلة الحياة السياسية بتكوين قطب ثنائي على حساب استقلالية البرلمان والهيئات الإدارية المستقلة الموجودة. ويشخصن كلّ من راشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة، والباجي قائد السبسي رئيس الدولة ومؤسس نداء تونس الذي يواصل ظرفياً لعب دور قائد لهذا الحزب، قنوات الحوار السياسي وإدارة الأزمة. يسعى قائد السبسي بالأخص إلى إرساء نظام رئاسي ويمنح الشرعية للأصوات المنادية بتعديل دستور 2014 بهدف توسيع صلاحياته.

وفي الأثناء، يتأجل تنفيذ العناصر المحورية في دستور 2014. فالمحكمة الدستورية التي تلعب دوراً أساسياً في حال حدوث أزمة سياسية أو مؤسساتية لم ترَ النور بعد. كما تغيب الهيئات الدستورية المستقلة المجسدة لمبادئ النزاهة وعدم التحيز والحيادية والتي اعتبرت في سياق انتفاضة 2010-2011 وسيلة ناجعة لمواجهة مساوئ الإدارة العمومية أما الهيئات الإدارية الموجودة فتشكو نقص الاستقلالية. أما الانتخابات البلدية التي من شأنها وضع الائتلاف على المحك (عدد الأصوات المحتمل لكلا الحزبين المهيمنين ونسبة الامتناع عن التصويت وإمكانية بروز قوى سياسية جديدة.) والزيادة الملموسة في عدد النواب المنتخَبين، فقد وقع تأجيلها أربع مرات. كما يتسم مسار اللامركزية بالتعثر. ذلك أن هذا المسار المؤدي بالخصوص إلى تكوين مجالس جهوية منتخَبة يثير مخاوف العديد من المسؤولين السياسيين والموظفين الكبار الذين يرون فيه إضعافاً للسلطة المركزية.

وفي ظل تعمّق الفارق بين المبادئ الدستورية وواقع اللعبة السياسية، فإن إطلاق حوار حول مراجعة الدستور كما ذكر ذلك رئيس الجمهورية المدعوم من قبل العديد من الوجوه السياسية، يعني فتح باب العداوات. ويتزامن هذا الوضع مع ظرف وطني وعالمي يزدهر فيه المدافعون عن الأنظمة الاستبدادية. ففي حال اعتراض الحزب الإسلامي، وهو التشكيلة الأولى الممثلة في البرلمان، على كلّ تعديل دستوري يمسّ بطابع برلمانية النظام فمن المرجح حصول استقطاب أكثر عنفاً من ذلك الذي عرفته البلاد التونسية في سنة 2013. وفي حال الموافقة، فإن إعادة تركيز السلطة بين يدي رئاسة الجمهورية قد يؤدي إلى تصلّب النظام بصورة ملموسة وخلق مشاكل أكثر من الحلول.

تدخل البلاد التونسية في مرحلة الضبابية الانتخابية - انتخابات بلدية مزمع إجراؤها في 2018 وانتخابات تشريعية ورئاسية في 2019. فالائتلاف الحاكم اليوم، الذي يستطيع نظرياً ترك المكان لصالح أغلبية جديدة، مطالب بتسريع الإصلاحات المنصوص عليها في الدستور وتدعيم ظروف التداول السياسي السلمي. وتبقى المسائل ذات الأولية هي الآتية:

  •  إجراء الانتخابات البلدية في 2018 وعلى الفور ضمان حسن اشتغال "الهيئة العليا المستقلة للانتخابات" المكلفة بتنظيم هذه الانتخابات وكذلك انتخابات 2019 التشريعية والرئاسية.
     
  • إرساء المحكمة الدستورية في أقرب الآجال.
     
  • إنشاء هيئات دستورية مستقلة دون إفراغها من مضامينها.
     
  • تدعيم استقلالية البرلمان المالية والإدارية.


بروكسيل/تونس، 11 كانون الثاني/ يناير 2018
 

Tunisians wave their national flag as they take part in a general strike against marginalisation and to demand development and employment, in Tataouine, south of Tunisia, on 11 April 2017. AFP/Fathi Nasri

الانتقال المعطّل في تونس: فساد مالي ونعرات جهوية

Corruption and clientelism are undermining democratic transition in Tunisia, a unique success story after the 2011 Arab uprisings. To put the country back on track, the government should launch a national economic dialogue including established business elites and emerging provincial business leaders.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report
الملخص التنفيذي

لقد نجح التوافق السياسي الذي أعقب الانتخابات التشريعية والرئاسية أواخر سنة 2014 في تحقيق استقرار المشهد السياسي في تونس، لكنه بلغ حدوده القصوى. ورغم تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم أهم الأحزاب السياسية، فإن الإحساس بالإقصاء الاجتماعي والجهوي وكذلك بضعف الدولة ما انفك يتوسّع، يغذيه انتشار مظاهر الاتّجارية والزبونية. ويتوقّف استمرار الانتقال الديمقراطي، شأنه شان الانتعاش الاقتصادي على تعميق التوافق إلى أبعد من التفاهم الدوري بين قيادات حزبية ونقابية. ولا شك أن توخّي منهاج جريء ومبتكر سوف يمكن من إدماج الشخصيات الأكثر تأثيراً في عالم الأعمال، بمن فيهم أولئك المنحدرين من الجهات المهمشة، الذين اكتسبوا سلطة خفية في الحياة السياسية والاجتماعية.

وفي الوقت الذي تختل فيه التوازنات الكبرى، يتعمّق الاستقطاب داخل مجال الأعمال بين أصحاب المشاريع، وحتى بين هؤلاء وأباطرة الاقتصاد الموازي، وخاصة المشتغلين منهم في التهريب. توجد، من ناحية، نخبة اقتصادية تقليدية منحدرة من الساحل (المنطقة الساحلية الموجودة في شرق البلاد) وكذلك من المناطق الحضرية الكبيرة، وهي تتمتع بآليات تنظيمية وامتيازات لا تريد التفريط فيها. ومن ناحية أخرى، تبرز طبقة جديدة من رجال الأعمال المنحدرين من الجهات المحرومة، بعضهم مرتبط بالتجارة الموازية ويساند الاحتجاجات العنيفة ضد السلطة المركزية. وتتطلع هذه الطبقة في نفس الآن إلى أن تجد لها مكاناً ضمن النخبة القائمة، وحتى إلى تعويضها.

لقد أصبح التنافس الاقتصادي والسياسي غير سليم، بسبب هذا الصراع العميق الذي يسعى فيه كل طرف للاستحواذ على المناصب الرئيسية في الإدارة كي يمكنه التحكم في النفاذ إلى التمويل المصرفي والاقتصاد المنظم. وهذا ما يساهم في توسيع و"دمقرطة" الفساد المالي وشلّ الإصلاحات. ومن شأن هذا الأمر كذلك أن يعمّق التفاوت الجهوي الذي أدامه التمييز ضد المواطنين في الجهات المهمشة. وهذا التمييز أتاحه أمران: حرية التصرف المجحفة للمسؤولين الإداريين وغياب المرونة في النظام المصرفي.

وبينما تبدي حكومة الوحدة الوطنية التي يترأسها يوسف الشاهد تصميمها على محاربة الفساد والنهوض بالاقتصاد، فإن مجهودها يُلاقي عرقلة متواصلة. فالإصلاحات التي يقترحها يصعب تجسيدها، في غياب مبادرة سياسية تهدف إلى الحد من القوة الخفية لهؤلاء الفاعلين الاقتصاديين.

ولئن سبق أن أعلنت الحكومة عن إجراءات هامة، مدعومة في ذلك من طرف شركاء دوليين، فان إجراءات أخرى ذات أولوية يجب أن تُتخذ حتى تتحسّن الأخلاق العامة، وتتحقق حماية الدولة من شبكات الزبونية ويتسنى البدء في معالجة الإقصاء الاجتماعي والجهوي، الذي يهدد استقرار البلاد على المدى المتوسط:

  • ينبغي على الحكومة أن توفر للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الموارد المالية والبشريّة الضرورية لتفعيل استراتيجيتها.
     
  • على البرلمان والحكومة أن يعملا على صياغة قوانين تمكن من تـأطير عمليات السمسرة وتحويل الأموال للحدّ من الرّشوة واستغلال النفوذ المستشري في أعلى مواقع السلطة السياسيّة.
     
  • على البرلمان أن يحدّ من السلطة التقديريّة للمسؤولين الإداريّين لما يعنيه ذلك من تأبيد للفساد والمحسوبيّة وهي من أسباب غلق المنافذ أمام المستثمرين للحصول على القروض ودخول الأسواق في المناطق المحرومة. وعلى البرلمان أن يبسّط قدر المستطاع الإجراءات الإداريّة في المجال الاقتصادي وأن يتخلّى نهائيّا عن ترسانة القوانين الزجرية والسالبة للحرية.
     
  • على الحكومة والبرلمان أن يسعيا لإجبار الأحزاب السياسيّة على تقديم تقاريرها المالية السنويّة إلى دائرة المحاسبات، كما أن التصريح بالمداخيل الذي يشمل – حاليّاً - أعضاء الحكومة وكبار الموظفين يجب أن يُعمّم على النوّاب (البرلمانيين) وأعضاء ديوان رئاسة الجمهورية بغاية إضعاف شبكات الزبونيّة.
     

حتى يتسنى إنجاز هذه الإصلاحات، ينبغي أن يرافقها حوار اقتصادي متواصل وعميق بين رئاسة الجمهوريّة والحكومة والقوى السياسيّة الرئيسيّة والنقابات والجمعيّات، وخاصّة نساء ورجال الأعمال المتنفذين، إن كانوا من المقرّبين من النظام السابق أو الضالعين في شبكات الاقتصاد الموازي. هذا الحوار، رغم المقاومة الأكيدة التي سيلقاها، يهدف إلى استيعاب الوافدين الجدد من داخل البلاد في الدورة الاقتصاديّة وتقوية الإرادة السياسيّة لمكافحة الفساد لأنّه سيجمع على قاعدة عناصر موضوعيّة ومُحددة شخصيّات من عالم الأعمال معارضة في الأصل لهذا التوجّه.

من المحبذ أن يؤدّي هذا الحوار إلى إعادة النّظر في الأحكام الجزائية وإلى العفو عن الجرائم المصرفيّة عن طريق نصوص قانونيّة شديدة الإحكام. كما ينبغي السعي إلى تركيز صناديق استثمار مختلطة بين القطاعين العام والخاص تُخصّص مواردها لتنمية الجهات المحرومة وتعزّز بشكل خاص قطاعات تشغيليّة ذات قيمة مضافة عالية وفي نفس الوقت العمل على تطبيق سياسة أكثر زجريّة للفساد والتهريب.

على الأحزاب السياسيّة الرئيسيّة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني الوطنية والدولية أن تدعم هذه المبادرة فكلّها مكسب للبلاد. وعلى النخبة الاقتصاديّة القائمة وطبقة المستثمرين الصاعدة الخروج من منطق الخسارة المتبادلة التي ساقتهم إلى إفشال بعضهم البعض حتى يتم تلافى صراعات عنيفة مستقبلاً.

إن التوافق السياسي الحالي مبني على مجرد اتفاق شرف يحول دون عودة الاستقطاب السياسي بين الإسلاميّين ومعارضيهم. وفي غياب حلّ أمثل، لا تؤدي الصيغة التوافقية الحالية إلاّ إلى اقتسام زبوني لموارد الدولة. يتوجب إذن تطوير هذا الوفاق حتى يرتقي إلى مستوى عقد اجتماعي وجهوي يقي البلاد من الاستقطاب العنيف أو من العودة إلى الدكتاتوريّة.

تونس/بروكسل، 10 أيار/مايو 2017