الأردن بمنأى عن الربيع العربي؟
الأردن بمنأى عن الربيع العربي؟
Op-Ed

الأردن بمنأى عن الربيع العربي؟

مع أن تسونامي الانتفاضات العربية لم يضرب الأردن كما ضرب جيرانه، إلا أنه لن يمر مرور الكرام دون أن يترك أثر عليه. إذ بدأت التصدعات تظهر في ركائز النظام، ما يحتم إجراء تغييرات شاملة أو مواجهة اضطرابات مماثلة

مع أن الحركة الاحتجاجية لا تزال حتى اللحظة ضيقة النطاق نسبياً، إلا أن ما يثير القلق هو انخراط شرائح من المجتمع الأردني عادة ما كانت محسوبة على النظام

لطالما شكل الشرق أردنيون، الذين يعتبرون أنفسهم السكان الأصليين للبلاد، قاعدة الدعم لنظام لعبَ على مخاوفهم من الأغلبية ذات الأصل الفلسطيني. ويُرجع دعم الشرق أردنيين للملك إلى تمثيلهم المفرط في القطاع العام والأجهزة الأمنية وحتى البرلمان بفضل توزيع الدوائر الانتخابية لصالحهم. وعلى العكس، فإن الأردنيين من أصل فلسطيني يعانون من التهميش والإقصاء من المناصب الرئيسية في الدولة. وحتى أنهم يعاملون كخائنين في بعض الأحيان، كما أن ذاكرة أيلول الأسود الدامي تهيمن على نظرتهم إلى السلطات المركزية وتزيد من شدة احساسهم بالتهميش

إلا أن المصدر التقليدي لنفوذ الشرق أردنيين المتمثّل في علاقتهم بالدولة تعرّض لضرر كبير جرّاء موجة الخصخصة واستفحال الفساد وتركيز الموارد في أيدي نخبة جديدة وضيّقة في القطّاع الخاص تتمتع بامتيازات خاصة وبسهولة الوصول إلى القصر الملكي. ونتيجة لذلك، فقد خلص العديد من الشرق أردنيين إلى استنتاج مفاده أن معالجة مظالمهم الاقتصادية يتطلّب إصلاحات سياسية، بما في ذلك إصلاحات دستورية وانتخابية جذرية. وتزامن ذلك مع إظهار الحركة الاسلامية نفسها على أنها أكثر واقعية في مطالبها

وفي حين كان من السهل نسبياً فيما مضى أن يستغل النظام الملكي الانقسامات التي تفصل الشرق أردنيين عن الأردنيين الفلسطينيين، إلا أنه بات من الصعب على النظام احتواء الاحتجاجات من خلال تقسيم المحتجين، إذ نشأت تحالفات عابرة للمجموعتين حول مطالب محددة بالإصلاح السياسي، مما يشكّل تحديّاً لهيمنة الممارسات المستندة إلى سياسة الهوية. ومع أن معظم الشرق أردنيين والأردنيين الفلسطينيين ليسوا موحدين في غضبهم، إلا أن غضب كلا الشريحتين مؤجج حالياً، ما يمكن أن يكون بداية لما هو أعظم

وحتى اللحظة، ردَّ النظام بالطريقة التي دأب عليها تاريخياً والمتمثلة في إجراء الملك للتعديلات الوزارية وتكليف اللجان باستكشاف إصلاحات محتملة، في وقت تبدو فيه السلطات وكأنها تسعى لمفاقمة العداوة بين المجتمعين. وفيما يمكن المحاججة بأن هذا المزيج من التكتيكات قد نجح حتى الآن، حيث أن الاحتجاجات أخفقت في الوصول إلى مرحلة الكتلة الحرجة على غرار بعض ثورات الربيع العـــربي، إلا أنها ما هي سوى بدائل واهية لمعالجة أسباب الغضب

ثمة بعض المؤشرات المشجعة كإقرار مجلس النواب مشروع قانون الهيئة المستقلة، بالإضافة إلى إعلان حكومة الخصاونة تقديم مشروع قانون الانتخابات في ابريل/نيسان المقبل. من غير الحكمة أن تؤجل الانتخابات وخاصة وسط ضغوط متزايدة لحل البرلمان بعد جلسة الاستماع بشأن قضية الكازينو، ومؤخرا عملية خصخصة الفوسفات التي أقنعت الكثيرين بعدم جدية البرلمان الحالي في استئصال الفساد. ويُظهر اعتقال ناشطي حراك الطفيلة المطالبين بالإصلاح مؤخرا أن الحكومة لاتزال تنظر إلى الحركة الاحتجاجية من منظور أمني في المقام الأول. هذا الواقع، فضلاً عن عدم مساءلة المسؤولين عن سلسلة من الهجمات ضد المتظاهرين منذ بداية العام الماضي، يُظهر أنه ما زال أمام الأردن شوط طويل لصون الحريات السياسية والمدنية التي لا غنى عنها في أي عملية إصلاح سياسية حقيقية

تقضي الحكمة باتباع معالجة جديّة للقضايا التي توحّد شرائح المجتمع الأردني التي بدأ صبرها ينفذ على نحو متنام. يتعين إحداث إصلاحات ذات مصداقية في النظام الانتخابي توفّر تمثيلاً أكثر إنصافاً للمراكز الحضرية، بالإضافة إلى بذل المزيد من الاهتمام الحكومي بالاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للمناطق الريفية. كما أن ثمة خطوات أخرى من شأنها أن تحدث أثراً واسعاً، مثل تضييق صلاحيات محكمة أمن الدولة؛ وضمان المساءلة عن الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان؛ ومنح صلاحيات حقيقية للبرلمان؛ وإنشاء مجلس أعيان منتخب؛ ووضع حد أو على الأقل تقليص دور الهيئات غير المنتخبة، وعلى رأسها أجهزة الأمن

لا يزال النظام يحتفظ ببعض الأوراق الرابحة في يده كالخوف الشعبي من زعزعة الاستقرار، والدعم السياسي والمادي الذي يتلقاه من الولايات المتحدة ودول الخليج، والانقسامات الدائمة داخل المعارضة. إلا أنه من التهور الاعتقاد بأنه بمنأى عن التغيرات الجذرية والاضرابات التي تجوب المنطقة الزلزالية. فعاجلاً أم آجلا، سيتوجب على النظام أن يتعظ من دروس غيره أو يواجه مصيرا مشابها. لطاما كان التسويف مصدر إغراء له، غير أن الاستياء المتنامي في أوساط قاعدة الدعم الرئيسية له، مصحوباً بالجهود الهادفة إلى تجاوز الانقسامات المٌنهكة بين مجتمعي الأردن، يمكن أن ينذر بكتابة فصل جديد في فصول دراما الربيع العربي، وعندها سيكون قد فات الأوان

' محللة في شؤون الأردن لدى مجموعة الأزمات الدولية 

More for you

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.