الدور المصري - الليبي في أزمة دارفور
الدور المصري - الليبي في أزمة دارفور
Op-Ed / Africa 4 minutes

الدور المصري - الليبي في أزمة دارفور

تستطيع كل من مصر وليبيا توفير الدعم للمساعي الدولية الهادفة إلى تحقيق السلام في السودان، وألا تسمحا بانتشار نزاع دارفور في المنطقة. فقد جنّدت الديبلوماسية المصرية جهودها كافة لدعم الحكومة السودانية، فيما حاولت ليبيا مراراً أن تؤدي دور الوسيط في نزاع دارفور، إنما من دون دفع عملية السلام في هذا الاقليم قدماً

في المقابل، فشلت كلا الحكومتين في توفير الدعم لعملية نشر قوات مختلطة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور، علماً بأن نجاح مساعي تحقيق الاستقرار يصب في مصلحة الحكومتين. فهذه المساعي تشكل الأدوات الفضلى المتوافرة لحل نزاع دارفور والحؤول دون امتداده إلى أجزاء أخرى من السودان والمنطقة

ولطالما أبدت مصر قلقها بشأن أزمة دارفور لأنها أدركت سريعاً إمكانية أن يؤدي هذا النزاع إلى تفكيك السودان. وقد صرّح أخيراً وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، وتحديداً في 12 تشرين الأول (أكتوبر)، أن أزمة دارفور تهدد الأمن القومي في مصر. وإذ ذاك، تتلهّف مصر لمنع أي تطورات من شأنها أن تؤدي إلى تفكك جارتها في الجنوب أو إلى قيام نظام معادٍ في الخرطوم، وضمناً احتمال عودة نظام يلتزم بمشروع إسلامي متطرف. وانطلاقاً من اهتمام مصر على وجه الخصوص بالحفاظ على سبل الإفادة من حصتها في نهر النيل، فقد أبدت على الدوام دعمها لحزب المؤتمر الوطني في السودان مقابل تأمين مصالحها المائية. وعلى غرار ليبيا، تخشى مصر انتشار القوات الدولية على حدودها الجنوبية، وتؤيّد بالتالي موقف حزب المؤتمر الوطني السوداني الحاكم والرافض لهذا الانتشار. لكن هل تدرك مصر أن انتشار هذه القوات يشكل جزءاً رئيسياً من الحل الهادف إلى الحؤول دون امتداد نزاع دارفور إلى مناطق أخرى في السودان؟

فضلاً عن ذلك، عارضت مصر فرض عقوبات على السودان، وعزت العنف المستمر في دارفور في جزء كبير منه إلى المتمرّدين الذين لم يوقعوا الاتفاق. وقد حاولت مصر مرات عدة - وإن كانت محاولاتها هذه لم تحقق سوى نجاح محدود - أن تفعّل مبادرات توحيد المتمرّدين عبر دعوة قادتهم إلى القاهرة والاتصال بقادة جيش تحرير السودان. وأخيراً، حاولت مصر تنظيم اجتماع لقادة المجموعات المتمرّدة في القاهرة في مطلع شهر تشرين الأول الماضي

ولا بد من الإشارة إلى أن مصر اضطلعت بدور لجهة حمل الخرطوم على القبول بنشر قوة مختلطة لحفظ السلام، وتحديداً من خلال مساعي الوساطة التي قامت بها بين واشنطن والخرطوم. وتواصل مصر تقديم هذه الخدمة عندما يدعوها إلى ذلك أي من الطرفين. هذا وتمدّ مصر بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان بالقوات، وقد ساهمت أخيراً في القوة المختلطة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور بنحو 2100 جندي، وضمناً بجنود وعناصر شرطة ومراقبين عسكريين. لكنها دعمت أيضاً معارضة حكومة السودان للقوات غير الأفريقية المنضوية في القوة المختلطة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة. وجدير بالذكر أن فصائل المتمرّدين تبدي رد فعل شديد على المشاركة المصرية الكبيرة في هذه القوات، مدّعية أنها قريبة جداً من الخرطوم. أضف إلى ذلك أن تأثير مصر على المتمرّدين، وبالتالي قدرتها على الاضطلاع بدور مهم في العملية السياسية، يبدوان محدودين لأنها في الواقع لم تقدّم لهم في الماضي دعماً فاعلاً

أما ليبيا، فقد اضطلعت، منذ بداية النزاع في دارفور، بدور بالغ الأهمية، وإن لم يكن متسقاً على الدوام، وتوّجت هذا الدور باستضافة الجولة الأخيرة من محادثات السلام. وفي أوقات مختلفة، أظهرت ليبيا مقدرة رئيسية على التأثير في مجموعات الثوار في دارفور ودفعتها إلى المشاركة في عملية سياسية أوسع نطاقاً. لكنها في الوقت نفسه، وفّرت لحزب المؤتمر الوطني غطاءً ديبلوماسياً يسمح بمقاومة الضغوط والمساعي الدولية الهادفة إلى تعزيز عملية حفظ السلام. وكما هي الحال في مناطق أخرى من أفريقيا، كان الدافع وراء المساعي الليبية يتمثل جزئياً برغبة القذافي في أن يكون لاعباً ووسيطاً إقليمياً قوياً. ولكن قرب النزاعات في تشاد ودارفور من ليبيا وتأثيراتها المحلية جعلت المساعي المبذولة هنا مستدامة أكثر منها في أي مكان آخر

والواقع أن ليبيا استضافت العديد من الاجتماعات حول دارفور واضطلعت بدور الوسيط في الاتفاقات بين تشاد والسودان. كما سعت إلى الحد من مشاركة القوات غير التابعة للاتحاد الأفريقي، لكن مساعيها أعاقت بشكل كبير عملية السلام التي يقودها الاتحاد الأفريقي. وفي شباط (فبراير) 2006، عملت ليبيا على تسهيل اتفاق طرابلس بين الخرطوم ونجامينا. لكن هذا الاتفاق لم يحدث أي تغيير هام في العداء بين الجهتين أو يضع حداً نهائياً للدعم الذي يتم توفيره لمجموعات المتمرّدين الأخرى. وجدير بالذكر أن اتفاق طرابلس تضمن آلية لمراقبة الحدود بدعم من قوات عسكرية ليبية، إلا أن هذه الآلية لم توضع قط موضع التنفيذ واعتُبرت بكل بساطة محاولة ليبية لدرء احتمال نشر قوات الأمم المتحدة على حدودها

أما استضافة محادثات دارفور، فشكلت خبطة ديبلوماسية بالنسبة إلى القذافي. وكانت الخيارات الأخرى تشمل إجراء المحادثات في تنزانيا أو كينيا أو جنوب أفريقيا. لكن كثيرين في المجتمع الدولي وبين فصائل المتمرّدين نظروا بعين مشككة إلى إجراء المحادثات في ليبيا. وقد شكك العديد من فصائل المتمرّدين في مدى حيادية ليبيا. لكن على الرغم من ذلك، يبدو أن الوساطة المشتركة التي قامت بها الأمم المتحدة مع الاتحاد الأفريقي كانت تعتمد على قدرتها على جمع العديد من مجموعات المتمرّدين، وهو أمر جعلته المشاركة الضعيفة في اجتماع سرت موضع تشكيك. أضف إلى ذلك أن القذافي استعدى المتمرّدين عندما وصف أزمة دارفور بـ «شجار على جمل»

في المقابل، لا شك في أن ليبيا اضطلعت في بعض الأوقات بدور إيجابي في دارفور. فالاجتماعات التي نظمتها في أواخر عامي 2004 و2005 لقادة المجتمع المدني وشيوخ القبائل تبقى اجتماعات فريدة باعتبار أنها شكلت منتدىً مستقلاً يسمح للجهات المستقلة في دارفور بالاجتماع ومناقشة النزاع بعيداً عن حزب المؤتمر الوطني. أما الجولات اللاحقة من المحادثات، التي شملت المجموعات المتمردة وحزب المؤتمر الوطني على حد سواء، فكانت قيمتها محدودة، والسبب في ذلك يُعزى على وجه الخصوص إلى مقدرة حزب المؤتمر الوطني على الحد من الحوار المستقل. وعندما يتم استئناف محادثات السلام، ينبغي ألا يغيب عن الأذهان أن اجتماع طرابلس في كانون الأول (ديسمبر) 2005، الذي حضره مئات المشاركين من الطيف السياسي والقبلي في دارفور، قد خلص إلى ضرورة إعادة توحيد دارفور كمنطقة واحدة بحدودها المرسّمة في العام 1956

والخلاصة ان لكل من مصر وليبيا مصلحة قوية في ما يحدث في محادثات السلام في دارفور، وأيضاً في آليات القوة المختلطة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور. وصحيح أن الوساطة المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي قد حرصت على أن تشمل المفاوضات مصر وليبيا، إلا أنه يُفترض بهذه الوساطة أن تعمل معهما أكثر، لا سيما في ظل المناخ المسيطر حالياً حيث يمكن للنزاع بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب المؤتمر الوطني أن يؤثّر على الحسابات كافة

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.