عباس ومناورة الأمم المتحدة
عباس ومناورة الأمم المتحدة

عباس ومناورة الأمم المتحدة

دخل مصطلح «استحقاق أيلول» إلى القاموس الدبلوماسي لتوصيف ذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة للحصول على اعتراف رسمي بدولتهم والإجراءا الإسرائيلية والأميركية الانتقامية التي ستتبعه. ومع أن ثمة مخاوف مشروعة حيال هذه التداعيات، فإن الهوس بما سيحدث في الأمم المتحدة والجهود المبالغ بها المبذولة لإحباط هذه المحاولة باتت تعوق التفكير السليم. من شأن هذه المحاولة أن تنتج علاجا أشد فتكا وضررا من المرض نفسه. إذا إن تراجع الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيقوض قيادته، ويقوي أعداءه ويثير الإضرابات في أوساط شعبه. كما أن العودة بسرعة لاستئناف محادثات السلام كبديل لذلك من شأنها أن تُفضي إلى انهيار هذه المحادثات مع ما سيسببه ذلك من تبعات أكثر خطورة من أي شيء يمكن لهذا الجهد أن ينتجه. كما أنه من الصعب فهم كيف يمكن للمفاوضات أن تساعد على إخراج الطرفين من المأزق وهي التي أوصلتهما إلى ذلك المأزق في المقام الأول 

وبناء على ما تقدم ينبغي أن تتركز الجهود على تحقيق نتيجة في الأمم المتحدة تُقدّم مكاسب ملموسة للفلسطينيين في مسعاهم للحصول على الدولة، وفي الوقت نفسه تقديم بعض التطمينات للإسرائيليين، والحد من مخاطر اندلاع العنف أو انهيار السلطة الفلسطينية وترسيخ المبادئ الجوهرية لحل الدولتين. ومع ضيق الزمن المتبقي، فإن العبء تحول إلى الاتحاد الأوروبي كي يسعى للتوصل إلى هذه التسوية. فلطالما ابتغى الاتحاد الأوروبي ذلك الدور؛ وينبغي أن يلعبه بمسؤولية الآن 

الطريق إلى الأمم المتحدة معبّد بسوء الإدارة الجماعية؛ فقد قام القادة الفلسطينيون، وبسبب مزيج من عدم الدراية والانقسامات الداخلية واتباع سياسة حافة الهاوية، بالترويج بشكل مفرط لما يمكن أن يحققوه من خلال المنظمة الدولية، وهم يحاولون الآن أن يفعلوا أي شيء لتجنب خسارة مصداقيتهم داخليا. أما إسرائيل، التي تبالغ بشكل درامي في أثر هذا التحرك في الأمم المتحدة، ومصممة على وقفه، فقد هددت بكل أشكال الإجراءات العقابية، انطلاقا من حجز عائدات الضرائب مرورا بإعلان موت اتفاق أوسلو، وانتهاء بإجراءات أسوأ من ذلك. ولعدم قدرة الإدارة الأميركية على توجيه الأحداث، ولسأمها من كلا الطرفين، ولخوفها من الكونغرس الذي سيفرض ثمنا غاليا لأي تحرك فلسطيني في الأمم المتحدة، فإن جل ما تريده الإدارة هو اختفاء وتلاشي الأمر برمته 

تسيء المحاولات الهادفة إلى إقناع عباس أو الضغط عليه للتخلي عن التحرك في الأمم المتحدة قراءة واقع السياسة الفلسطينية. فإذا أجّل عباس هذا التحرك أو إذا قبل بقرارٍ أممي رمزي ومن ثم عاد إلى المحادثات الثنائية دون تجميد المستوطنات، فمن المرجح أنه سيواجه تحديا داخليا سيشلّ حركته. وسيأتي هذا التحدي من شعبه الذي فقد أي ثقة بالمفاوضات منذ وقت طويل. ومع أن معظم الفلسطينيين لا يدعمون خيار الأمم المتحدة بقوة، فإنهم سيعارضون بقوة أي قرار بسحبه دون تقديم تعويضات مناسبة. ودعونا لا ننسى خوف عباس المبرر والمستمر من احتمال حدوث «حادث غولدستون» آخر 

تتمثل النتيجة الأقل ضررا في هذه المرحلة بإصدار قرارٍ أممي يُنظر إليه على أنه انتصار للفلسطينيين لكنه يتطرق إلى بعض المخاوف الإسرائيلية الأساسية ويرسخ خيار حل الدولتين. يتطلب تحقيق تلك النتيجة بعض الدبلوماسية الماهرة التي يمكن أن يقوم بها طرف ثالث. فالولايات المتحدة، التي كانت حتى الآن غير راغبة في الانخراط في صياغة النص الذي سيصدر عن الأمم المتحدة، أخرجت نفسها من اللعبة. وهذا يترك الأوروبيين الذين يتمتعون بنفوذ على الفلسطينيين إمكانية وضع شروط مقابل دعم الاتحاد لمطلبهم 

ثمة عدد من الاعتبارات التي ينبغي أن توجه جهود الاتحاد الأوروبي 

أولا: عليه أن يقنع الفلسطينيين أن لا يحاولوا الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن. لأن ذلك سيفضي إلى انقسام في الاتحاد الأوروبي الذي يرغب بشدة في البقاء موحدا، وسيجبر واشنطن على استعمال حق الفيتو، وهو ما سيصور واشنطن على أنها الجهة التي قضت على تطلعات الفلسطينيين، وهي بالتأكيد ليست السمعة التي ترغب باكتسابها في خضم الاضطرابات التي تشهدها المنطقة العربية. كما أن ذلك سيوجه ضربة مبكرة لمساعي الفلسطينيين للحصول على دولتهم المنشودة ويفقدها زخمها 

ثانيا: ينبغي أن يتضمن قرار الجمعية العامة معايير جوهرية لتسوية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. لقد عبّرت الولايات المتحدة عن مخاوفها من أن النص الذي ستصدره الأمم المتحدة سيؤدي إلى تصلب الموقف الفلسطيني بموافقته على مفاهيم مثل حدود 1967 دون ذكر تبادل الأراضي، أو حق العودة للاجئين. ولذلك على الاتحاد الأوروبي أن يجعل دعمه للنص مشروطا بأن يتطرق هذا النص ليس فقط للمتطلبات الفلسطينية الأساسية بل المطالب الإسرائيلية الهامة أيضا، مثل الحاجة إلى المفاوضات؛ وضرورة أن تكون أية اتفاقية بمثابة نهاية للصراع؛ وهدف تأسيس دولتين لشعبين (وهي خطوة لا ترقى إلى الاعتراف بدولة يهودية لكنها تمثّل المطلب الإسرائيلي الذي ظل يشكل أحد التابوهات بالنسبة للفلسطينيين حتى الآن، لكن يمكن أن تُفهم على أنها خطوة في ذلك الاتجاه ) 

ثالثا: على القرار أن يرفع من الصفة الفلسطينية في الجمعية العامة إلى دولة مراقبة غير عضو. وهي ليست عضوية كاملة في الأمم المتحدة، حيث إن هناك حاجة لموافقة مجلس الأمن على مثل هذا الأمر. لكن هذا يبقى ثاني أفضل الخيارات، وإشارة قوية لدعم الاعتراف بالدولة، ومسارا باتجاه المشاركة الممكنة في بعض المؤسسات الدولية 

لقد عبّرت الولايات المتحدة وإسرائيل عن عدد من المخاوف حيال هذا الخيار؛ وكلٌ منها جدير بالدراسة. فهما تشعران بالقلق من أنه حالما يدرك الفلسطينيون أن حقهم في التصويت في الأمم المتحدة لن يغير شيئا على الأرض، فقد يقودهم إحباطهم للانتفاض. وبالفعل لا يمكن استبعاد احتمال تجدد الاضطرابات، خصوصا في ضوء ما تمر به المنطقة، ومن غير المرجح أن يكون ذلك نتيجة لخيبة أملهم. إذ يبدو أن الفلسطينيين يدركون أن ما يحدث في محافل الأمم المتحدة لن يكون له تأثير مباشر وفوري على حياتهم. فإذا اختاروا الانتفاض، فإن ذلك سيكون بسبب الاحتلال الراسخ الذي يبدو عصيا على التغيير، وليس بسبب ما يحدث أو لا يحدث نتيجة اكتسابهم لحق التصويت في الأمم المتحدة 

ثمة مخاوف أخرى تتعلق بوصول الفلسطينيين إلى المحكمة الجنائية الدولية واستعمالها كمنبر لملاحقة الإسرائيليين. بصرف النظر عن التناقض الواضح المتمثل في السعي لمنح أي طرف حصانةً ضد وصول القانون الدولي إليه في وقت تعتبر فيه المحكمة الدولية منصة مناسبة تماما بالنسبة لآخرين كالقذافي، وبصرف النظر عن العقبات الكثيرة والكبيرة التي سيترتب على الفلسطينيين تخطّيها لإيصال أي قضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، وبصرف النظر عن حقيقة أنه يمكن إحضار بعض الفلسطينيين أيضا للمثول أمام المحكمة إذا اتهموا بارتكاب جرائم حرب، كما اتهموا بالفعل خلال حرب غزة الأخيرة، فمن الواضح أن هذا يشكل مبعث قلق ومن شأنه أن يدفع إسرائيل إلى الشروع في تحركات عقابية قاسية. وفي هذا الصدد، فإن على الاتحاد الأوروبي أن يحث جميع الأطراف على ضبط النفس والحكمة في أعقاب تصويت الأمم المتحدة، كي لا يتصرف الفلسطينيون وكأنهم يمتلكون من القوة أكثر مما لديهم فعليا، وكي لا يكون الرد الإسرائيلي مبالغا به 

وأخيرا: ثمة تلويح إسرائيل وواشنطن بإجراءات عقابية كبيرة مالية أو غير مالية، وهذه ليست تهديدات فارغة. إن من شأن خفض المساعدات أو وقف تحويل العائدات الضريبية إحداث آثار كارثية على السلطة الفلسطينية؛ وسيتوجب على الدول العربية والاتحاد الأوروبي محاولة التعويض عن هذه الخسائر. كما لوحت إسرائيل بإجراءات قد تدمر السلطة الفلسطينية. يؤمل أن تفهم إسرائيل أن اتخاذ مثل هذه الخطوات سيكون بمثابة إدخال هدفٍ في مرماها، حيث سيؤدي إلى وقف التعاون الأمني الإسرائيلي - الفلسطيني، وتعريض وجود السلطة الفلسطينية للخطر، وفي المحصلة إجبار إسرائيل على تحمل العبء الحقيقي والتكاليف المترتبة على الاحتلال 

مع أنه لا ينبغي استبعاد إمكانية حدوث سيناريو القيامة؛ فإن بوسع الساسة الفلسطينيين والإسرائيليين والأميركيين والأوروبيين تجنب هذا السيناريو. ولتحقيق هذه الغاية ينبغي عليهم جميعا إظهار قدر أكبر من الحكمة والمهارة السياسية في انتشال أنفسهم من هذه الورطة مما أظهروه في الوصول إليها 

President of the European Commission Ursula von der Leyen is welcomed by Palestinian Prime Minister Mohammad Shtayyeh in Ramallah, in the Israeli-occupied West Bank June 14, 2022. Mohamad Torokman / REUTERS

إعادة مواءمة السياسة الأوروبية حيال فلسطين مع الوقائع على الأرض

لقد أبرزت الأحداث التي وقعت في عام 2021 - ولا سيما حرب غزة - بجلاء مدى حاجة السياسة الأوروبية حيال الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى التحديث. لقد بات يتعين على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء استخدام الأدوات التي يمتلكونها للدفع نحو تحقيق هدفهم المعلن المتمثل في التوصل إلى تسوية سلمية.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report