هل يدخل النور من ثغرات جدار رفح ؟
هل يدخل النور من ثغرات جدار رفح ؟

هل يدخل النور من ثغرات جدار رفح ؟

وقعت الواقعة، وبدأت العملية العسكرية الإسرائيلية التي حذرنا من حدوثها ما لم يتم الاتفاق على وقف إطلاق نار بين إسرائيل وقطاع غزة، وأسقط القصف عشرات الضحايا وأغرق الحصار القطاع في ظلام دامس، وحرم مئات الآلاف من السكان المدنيين الأبرياء من أدنى شعور بالأمن، ومن الحاجات الضرورية كالطعام والمياه النظيفة والوقود والكهرباء، بما هدد بكارثة إنسانية حقيقية. ثم أخذت حركة «حماس» بزمام المبادرة، ومن خلال عدد من الثغرات التي تم فتحها في الجدار، بين رفح الفلسطينية والمصرية، تدفق سكان غزة إلى شمال سيناء فيما يشبه الاحتفال الشعبي، مسقطين بذلك ـ ولو إلى حين ـ حالة الحصار التي ضربتها إسرائيل على القطاع منذ شهور عديدة

لقد أوضحت العملية العسكرية الإسرائيلية، وسقوط جدار رفح، خطأ الحسابات التي استندت إليها الأطراف جميعها في بلورة سياستها إزاء غزة، وكشفت ثغرات الجدار عن حقيقة لم ينتبه لها الكثير، وهي أن الأطراف الأربعة في معادلة غزة ـ إسرائيل و«حماس» والسلطة الفلسطينية ومصر ـ مرتبطة برباط واحد، ولا يمكن لأي منها الذهاب بعيداً وحدها

فإسرائيل تكتشف أن هناك حدودا لقدرتها على حصار «حماس» وسكان غزة المدنيين، فالمجتمع الدولي لم يتقبل قطع الوقود والمياه عن السكان وتهديد حياتهم حتى وإن كانت تتفهم أن لإسرائيل حقاً في الدفاع عن سكانها، وأن زيادة الضغط الإسرائيلي سيدفع مصر في الاتجاه المعاكس. وبالفعل أعربت مصر بوضوح عدم استعدادها لتحمل هذا المستوى من العنف، وكشف تعاملها مع الوضع في رفح أنها لا تستطيع تجاهل الضغط الشعبي لا في غزة ولا داخل مصر. كما أعادت اسرائيل اكتشاف الحقيقة التي نعرفها جميعاً وهي عدم جدوى القوة العسكرية مهما كانت شراستها على فرض وقف إطلاق القذائف على إسرائيل

أما السلطة الفلسطينية فقد رأت عينة من ردود الفعل الداخلية للتدخل العسكري الإسرائيلي في غزة، ولمست قسطاً من الصعوبة التي ستواجهها داخلياً وإقليمياً إن هي استمرت في التفاوض مع إسرائيل بينما يتعرض القطاع لمثل هذه الضربات، وشعرت ببداية المشاكل الأمنية التي قد تواجهها في الضفة من قبل المجموعات المسلحة، بما يؤدي إليه من تدخل عسكري إسرائيلي يقوض ما تحاول بناءه من مكانة هناك. كما أسقطت ثغرات الجدار أوهام البعض بأن سياسة الحصار والضغط ستدفع «حماس» لإعادة تسليم غزة للسلطة من دون قيد أو شرط

مصر رأت كيف أن التدخل العسكري الإسرائيلي يؤدي لإضعاف أبو مازن لا «حماس» فقط، وتهديد استمرارية المفاوضات التي تعول عليها لحل مشكلة الانقسام الفلسطيني، إضافة للتعرض لانتقادات داخلية وعودة المطلب الشعبي المتكرر بسحب وطرد السفراء (ولنتذكر أن السفيرين المصري والأردني سحبا من تل أبيب آخر مرة بسبب القصف الإسرائيلي لقطاع غزة). كما اكتشفت مصر أن لسيطرتها على بوابة غزة الجنوبية حدوداً، وأن حركة «حماس» تزاحمها في السيطرة الفعلية على هذه البوابة وعلى منطقة الحدود ككل. من ناحية أخرى، أثار سقوط جدار رفح التوتر مرة أخرى في العلاقات المصرية الإسرائيلية ـ والأمريكية ـ وأحيا المخاوف المصرية من سعي إسرائيل لتصدير قطاع غزة إليها، وهي مخاوف زادتها تصريحات قيادات في إسرائيل وقرار الحكومة الإسرائيلية وقف الإمدادات للقطاع

«حماس» انتقلت من حساب خاطئ لقوتها العسكرية إلى حساب خاطئ آخر حول قدرتها السياسية. فبعد أن رأت لمحاً من شراسة الآلة العسكرية الإسرائيلية وعدم واقعية الاعتماد على ردود الفعل العربية والدولية لدرء الخطر العسكري الإسرائيلي، وبعد أن سمعت قياداتها أصواتاً داخلية تنتقد مواقفها وسياساتها أكثر مما سمعت منذ فترة طويلة، انتقلت للمبالغة في تقدير انتصارها السياسي الذي حققته «عملية جدار رفح». ورفعت الحركة سقف مطالبها الآن إلى الدعوة لإدارة معبر رفح بشكل مباشر ـ وليس من خلال السلطة الفلسطينية ـ وبدون التزام بالاتفاقات الموقعة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل (بما فيها اتفاق باريس الاقتصادي). ويصعب تصور قبول السلطة الفلسطينية، وبالتالي مصر، لمثل هذا الوضع الذي يضرب شرعيتها في الصميم، ويكرس الانقسام السياسي بين الضفة وغزة وسيطرة حماس على القطاع، ويقضي على الوحدة الاقتصادية بين غزة والضفة الغربية، بما يضرب في النهاية أسس الدولة الفلسطينية المستقلة

إن سياسة المواجهة العسكرية بين غزة وإسرائيل، بما تتضمنه من حصار لقطاع غزة أو فصله عن الضفة الغربية وإلقائه باتجاه مصر، إنما تعود بالخسارة على كافة الأطراف ولا تحقق أيا من الأهداف التي يتوخاها كل طرف. فهي سياسة لن تحقق الأمن لإسرائيل، ولن تساعد «حماس» على بناء شرعية فلسطينية أو عربية لسيطرتها على غزة، ولن تمكن السلطة الفلسطينية من استمرار التفاوض مع إسرائيل، ولا من استعادة السيطرة على غزة، ولن تحقق لمصر الاستقرار الذي ترمي إليه على حدودها الشرقية. كل ما تؤدي إليه هذه السياسة هو الكثير من القتل والدمار والظلام، وبعض الثغرات في جدار رفح ما تلبث أن يعاد سدها

إن هناك بديلا لهذه السياسة يمكن أن يعود بالنفع على الجميع، وبالأخص على الشعب الفلسطيني. هذا البديل هو التوصل لتفاهمات ـ بوساطة عربية ـ أطرافها إسرائيل والسلطة الفلسطينية و«حماس» (بدون اتصال مباشر بين «حماس» وإسرائيل)، تتضمن نقطتين: الأولى هي الوقف الكامل لإطلاق النار بين القطاع وإسرائيل، والثانية هي إعادة تشغيل معابر القطاع جميعها تحت إشراف السلطة الفلسطينية وبحماية قوة أمن تنشرها الرئاسة الفلسطينية داخل وحول هذه المعابر، وذلك وفقاً للاتفاقات الموقعة

هذه التفاهمات لن تؤدي لإنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي (فهذه قضية لن يحلها سوى حوار وطني جاد) ولكنها ستعطي كل طرف مكسباً يحتاجه، وستعيد كافة الأطراف بعيداً عن المنزلق الذي تتوجه إليه

فالرئيس عباس سيستعيد السيطرة الإدارية والأمنية على المعابر بما يؤكد مسؤولية السلطة الفلسطينية إزاء شعبها وإزاء الأطراف الخارجية، وبما يضع لبنة عودة مؤسسات السلطة في القطاع للعمل وفقاً للقواعد المتفق عليها. كما سيحصل على الهدوء الأمني الذي يمكنه من مواصلة التفاوض

من ناحية أخرى ستخفف هذه التفاهمات من الضغط على «حماس» بما يساعد قياداتها السياسية على استعادة السيطرة على النزعة القتالية المتزايدة داخل الحركة، وهي أمور توفر أرضية أفضل للحوار والمصالحة، وتحول دون اقتطاع غزة من الجسد الفلسطيني وتهديد أسس الدولة الفلسطينية المستقلة

كما أن هذه التفاهمات ستريح دول الإقليم من عناء ضغوط داخلية هي في غنى عنها، وتخفف الضغوط على التزاماتها المتباينة. وستعيد الاستقرار لحدود مصر الشرقية ولعلاقاتها بكل من «حماس» والسلطة وإسرائيل والولايات المتحدة، وهي علاقات هامة للجميع

وقبل كل ذلك، ستنهي هذه التفاهمات مأساة العنف الجاري في غزة، وتعفينا من مأساة العنف الأكبر المتوقع. فما يحدث الآن، على قسوته، هو مجرد جولة أولى من الخطة الإسرائيلية المعلنة للتعامل مع غزة، وإن كان قصف أهداف في القطاع قد أحدث كل هذا الدمار الإنساني وعدم الاستقرار السياسي والأمني، فلنفكر في نتائج احتلال مخيم جباليا وتمشيطه على غرار ما حدث في جنين

ولعل الضوء النافذ من ثغرات جدار رفح يكون قد ينير حسابات الأطراف

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.