معضلة أوباما في البحرين
معضلة أوباما في البحرين
Souffler le chaud du confessionnalisme au Bahreïn
Souffler le chaud du confessionnalisme au Bahreïn

معضلة أوباما في البحرين

منذ أن بدأ الربيع العربي وواشنطن تواجه السؤال الصعب: كيف يمكن أن يُفطَم مستبد عن كرسي الحكم؟ فبعد الإطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك في فبراير/شباط، قال أوباما إن أمريكا كانت على 'الجانب الصحيح' من التاريخ ، ملمحاً بأن ذلك سيكون موقفها من المرحلة الانتقالية التي يمر بها العالم العربي نحو الديمقراطية. أما ما يعنيه ذلك عملياً فيبقى سؤالاً معلّقاً ينتظر الإجابة، خصوصاً في دول يتربع على عروشها دكتاتوريين يشكّل حكمهم المستقر وتوجهاتهم المؤيدة لأمريكا حجر الزاوية في إستراتيجية واشنطن تجاه الشرق الأوسط. تبرز هذه المعضلة بشكل خاص في حالة البحرين التي تعد منذ زمن طويل حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة

سجلّت واشنطن في مصر نقطة إيجابية بتأييدها الإطاحة بمبارك، لكنها تعرّضت لانتقادات لاذعة من المصريين لأن ذلك جاء متأخراً جداً. ومن جهة أخرى، اعتبرت السعودية تأييد الإدارة للإطاحة بمبارك خيانة عميقة لصداقتها وتحالفها مع الولايات المتحدة. ولاستباق سيناريوهات مماثلة في جوارها فقد تصرفت بحزم مرسلة قواتها إلى البحرين في مارس/آذار لمساندة آل خليفة، بغطاء من مجلس التعاون الخليجي 

ذُكر أن الحاكم الاسمي للبحرين، الملك حمد بن عيسى آل خليفة، هو الذي دعا مجلس التعاون الخليجي للتدخّل. إلاّ أن السلطة الفعلية في البحرين هي في يد عم الملك، خليفة بن سلمان آل خليفة، أقدم رئيس وزراء غير منتخب في العالم، والذي شهد خلال رئاسته للوزارة نمو البحرين لتصبح قوة إقليمية اقتصادية على الرغم من افتقارها الشديد للنفط والغاز. يستمد رئيس الوزراء شرعيته من رعايته لهذا النمو، إلاّ أن أساليبه القمعية ضد المعارضة وفشله في كبح الفساد وتوسيع مساحة المشاركة السياسية قد غذّت الاحتجاجات 

قد تفوق أهمية البحرين كحليف لأمريكا أهمية مصر إذ أنها تحتل موقعاً استراتيجياً في الخليج في مواجهة إيران، وهي مقر لقاعدة بحرية تضم الأسطول الأمريكي الخامس، كما أنها تشكّل حلقة ربط حاسمة في الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة منذ عقود لتأمين وصول الغرب لنفط الخليج

لا يختلف آل خليفة كثيراً عن الأنظمة المستبدة الأخرى الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة. فمع أن البحرين في بعض النواحي أكثر انفتاحاً من مصر والسعودية، إلاّ أن غياب المساءلة في أوساط آل خليفة يضاهي غيابها في أوساط نظرائهم في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى الساعين لتهدئة شعوبهم من خلال توزيع ثروات البلاد. وعلاوة على ذلك، فإنه من المحتّم أن يعمّق الاستبداد الذي تفرضه أقلية سنية في بلد ذو غالبية شيعية الانقسامات الطائفية. وتشعر الولايات المتحدة بالقلق من أن قمع النظام للشيعة قد يدفعهم إلى أحضان إيران

عندما اندلعت الاحتجاجات في شهر فبراير/شباط، تعيّن على إدارة أوباما أن توليها اهتماماً خاصاً؛ إذ أدركت أن استقرار البحرين سيكون من خلال مراعاة المعارضة، ومنحها مساحة أكبر في الحياة السياسية، وليس من خلال كبت المشاعر الشعبية. وبالتالي فقد تمسكت بالمبادرة التي أطلقها الملك حمد للسماح بالتظاهر سلمياً في دوّار اللؤلؤة ، وبمبادرة ابنه ولي العهد الأمير سلمان الانخراط في محادثات شبه سرية مع جماعات المعارضة الرئيسية المرخّصة. بدا في البداية أن هناك احتمالاً لحوار يفضي إلى إصلاح سياسي حقيقي 

ولكن عندما اتسعت حركة الاحتجاجات وارتفع سقف مطالب المحتجين من المطالبة بإقالة رئيس الوزراء الذي لا يحظى بشعبية إلى استبدال النظام الملكي بنظام جمهوري، سرّع المسؤولون الأمريكيون حراكهم الدبلوماسي. وقام مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان بجولات مكوكية بين النظام والمعارضة، وبين البحرين وحليفاتها دول مجلس التعاون الخليجي. كما زار وزير الدفاع روبرت غيتس المنامة حيث انتقد النظام لاتخاذه فقط 'خطوات محدودة ' نحو الإصلاح. إلاّ أن أياً من ذلك لم يكن كافياً؛ فبعد يومين عبرت القوات السعودية إلى البحرين وأعقب ذلك حملة قمع عنيفة وطويلة

لا يزال من المستحيل الجزم فيما ما إذا كان هدف تدخّل دول مجلس التعاون الخليجي منع سقوط النظام الملكي في البحرين، أو استباق نوع التنازلات السياسية التي كان الأمير سلمان يعلن على الملأ استعداده لتقديمها، والتي كان من شأنها وضع البلاد على طريق نظام ملكي دستوري مع رئيس وزراء منتخب وبرلمان ذو أغلبية شيعية وهو احتمال أفزع رئيس الوزراء الذي كان منصبه على المحك، والعائلة المالكة في السعودية الذي يرقى الصعود الشيعي في تصوّرها إلى تخليها عن نفوذها لصالح نظام الملالي في طهران

وفي قلب هذا اللغز يقف ولي العهد نفسه ومسألة ما إذا كان العرض الذي قدّمه للمعارضة حقيقياً أو مجرد خدعة لكسب الوقت وإقناع المتظاهرين بالعودة إلى منازلهم. بدت كل من إدارة أوباما والجمعيات المعارضة القانونية أنها تثق به، إلاّ أن ذلك لم يكن حال العديد من المتظاهرين في دوار اللؤلؤة

لقد استثمر المسؤولون الأمريكيون قدراً كبيراً من الوقت والطاقة في ولي العهد الذي جعلت منه دراسته في الغرب وتوجهاته الليبرالية المحاور الطبيعي لواشنطن. على النقيض من ذلك، يتعذر على المسؤولين الأمريكيين الوصول إلى رئيس الوزراء وبعض الصقور من حوله. وقد ذُكر أنه في ذروة الأزمة، حاولت إدارة أوباما حمل رئيس الوزراء على التنحي وإفساح المجال لرئيس وزراء جديد من خارج الأسرة الحاكمة. إلاّ أن مساعيها باءت بالفشل، ومن الممكن أن تكون حملة القمع التي رعتها دول مجلس التعاون الخليجي قد عززت من موقعه

كيف يمكن لواشنطن المضي قدماً؟ يبقى هذا السؤال مفتوحاً. إذا كان ولي العهد صادقاً بشأن الإصلاحات، يتعين على الإدارة أن تضغط على النظام على نحو مستمر لحثه على تجاوز محاولاته الزائفة لعقد حوار وطني والعودة إلى محادثات تعددية تشمل جميع أطياف المعارضة السياسية. وسيتعين عندئذ على الأمير سلمان استئناف المحادثات من النقطة التي توقفت عندها في مارس/آذار

سيتمثل الهدف من هذه العملية في الانتقال إلى نظام ملكي دستوري، وإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية لمنح الدوائر الشيعية تمثيلاً أكثر إنصافاً، وتمكين البرلمان من انتخاب رئيس الوزراء. 
يمكن لإدارة أوباما المساعدة من خلال تقديم الحوافز، انطلاقاً من طمأنة آل خليفة بأنها ستقف إلى جانب المملكة، وستمنحها مزيداً من المساعدات العسكرية، بما في ذلك عمليات التدريب المشترك. كما ينبغي عليها أن تمتدح علناً أي خطوات ملموسة نحو الإصلاح كدليل على رغبة النظام في الانفتاح

أما إذا وحّدت العائلة المالكة صفوفها، بما في ذلك ولي العهد، وقررت أنها لن تساوم وأن أي عرض من هذا القبيل هو مجرد واحدة من المحولات العديدة لخداع المعارضة كي تعتقد بأن باب المشاركة مفتوح أمامها شريطة أن توقف احتجاجات الشوارع عندها ستجد إدارة أوباما نفسها في مأزق حقيقي. فالمسار الحالي للنظام المتمثل في استمرار حملات القمع وعقد الحوار مع مؤيديه بدلاً من معارضيه سيؤدي بشكل محتم إلى مزيد من المواجهات مقرونةً باستقطاب طائفي وتطرف سياسي، وربما لأعمال عنف أكثر شدة 

يتعين على إدارة أوباما اختبار نوايا النظام من خلال وضع مؤشرين أوليين واضحين: أولاً، الإفراج الفوري عن زعماء المعارضة المعتقلين والشروع في حوار شامل حقيقي مع المعارضة. وفي حال فشل آل خليفة في هذا الاختبار، سيتوجب على إدارة أوباما النظر بجدية في اتخاذ موقف أكثر صرامة، بما في ذلك التهديد بخفض مساعداتها الأمنية أو حتى بنقل أسطولها الخامس 

لدى واشنطن نفوذ حقيقي على النظام وعليها استخدامه؛ إذ أنها تزوّد البحرين بالتمويل للمشتريات العسكرية التي بلغت قيمتها 19 مليون دولار في 2010، فضلاً عن المساعدات العسكرية التدريبية. وقد تأتي السياسة الحالية المتمثلة في مواصلة علاقاتها العسكرية دون أي اعتبار للوضع السياسي أو لوضع حقوق الإنسان بنتائج عكسية، وقد يتم تفسيرها على أنه انتهاك للقانون الأمريكي ويعرّض إدارة أوباما لاتهامات بأنها تكيل بمكيالين في تعاملها مع الربيع العربي 

كما تبدو الأمور حالياً، فإن البحرين تمثّل الفصل الأول من الثورة المضادة التي تقودها السعودية، والمكان الذي نقض فيه الغرب وعوده بدعم الشعوب العربية في كفاحها لنيل دور أكبر في الحياة السياسية و بتقرير بمصيرها. حان الوقت كي تدفع إدارة أوباما البحرين على طريق الإصلاح من خلال القوى المؤيدة للديمقراطية داخل النظام، وحلفائه والمعارضة كي تكون مثالاً يحتذى به في المنطقة 

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.