جنوب السودان: العمل الشاق يبدأ الآن
جنوب السودان: العمل الشاق يبدأ الآن
Op-Ed / Africa

جنوب السودان: العمل الشاق يبدأ الآن

أدلى شعب جنوب السودان بصوته، وكان ذلك الصوت عالياً وواضحًا لصالح الانفصال. ويمثل هذا التصويت الساحق لصالح الاستقلال حدث استثنائي سيقسم اكبر دولة في إفريقيا ويعلن ميلاد الدولة الأحدث في العالم. ولكن المهمة لم تنته هنا، فالعمل الحقيقي يبدأ الآن 

 أعطى استفتاء تقرير المصير التاريخي للجنوبيين الذين طال تهميشهم الخيار بين البقاء في سودان موحد والانفصال. ولحرصهم على تثبيت خيار الانفصال وقطع صلتهم بالنظام القمعي في الخرطوم، احتشد الجنوبيون بأعداد كبيرة بأبهى حلة، فيما خيم آخرون في الليلة التي سبقت الاقتراع ليكونوا من بين أول من يدلون بأصواتهم. وكانت نتيجة الاستطلاع الذي طال انتظاره تأييداً ساحقا ً للانفصال (أكثر من 98 في المئة) وعمت الأجواء الاحتفالية هذه الأمة التي مازالت قيد الإنشاء

كان الاستفتاء بندا رئيسيا من بنود اتفاق السلام الشامل عام 2005 الذي أنهى عقدين من الحرب وعزز التحول الديمقراطي وضمن حق تقرير المصير للجنوبيين. ونتيجة هذا التصويت تعني أن جنوب السودان سينال الاستقلال في تموز/ يوليو المقبل عندما تنتهي فترة سريان اتفاق السلام الشامل. وهكذا، فإن التصويت لم يكن خط النهاية ولكنه خطوة أولى بالغة الأهمية على طريق إقامة دولة مستقلة وديمقراطية. ولا ننسى أن بانتظار الجنوبيين مهمتين شاقتين: أولا، هناك بنود بالغة الأهمية في اتفاق السلام لم تنفذ بعد، حيث يتعين وضع أسس لعلاقة بناءة بين الشمال والجنوب. كما يجب ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب وإيجاد حل دائم لمسألة حدود منطقة آبيي المتنازع عليها. بالإضافة إلى الاتفاق على مجموعة من الترتيبات المستقبلية فيما يتعلق بمسائل المواطنة والجنسية، واقتسام العائدات النفطية، والعملة، والأصول والخصوم، والأمن. فمن شأن الاتفاق على مثل هذه الترتيبات أن يحول دون انزلاق نجاح الأسبوع الماضي إلى الفوضى وإلى طلاق مدمر بين شطري السودان. ومن شأن انجاز اتفاق على مجموعة من الترتيبات ذات المنفعة المشتركة لكلا الطرفين تسهيل الانتقال السلس للسلطة في تموز/ يوليو وتوفير أفضل الأسس لبناء دولتين مستقرتين وومزدهرتين وقابلتين للحياة

على الرغم من الجهود المحمودة، لم تسفر المفاوضات حتى الآن سوى عن القليل من النتائج الإيجابية لعدم إظهار أي من الطرفين الرغبة الشديدة في التوصل إلى اتفاق. ولكن الآن وبعد انتهاء الاقتراع، يتعين على الطرفين العودة إلى طاولة المفاوضات عاجلا وليس آجلا لئلا تطول المحادثات إلى أجل غير مسمى. وبما أن الحركة ترى أن موقفها التفاوضي قد عزز بفضل نتائج الاستفتاء، فقد تكون أكثر استعداداً للتوصل إلى اتفاق

تمثل الأمور المالية همٌ الخرطوم الأكبر. فالنفط هو المصدر الأكبر للعائدات في كل من الشمال والجنوب، وربما قد حان الوقت لجر هذه المسألة والمحادثات المالية على نطاق أوسع إلى الصدارة. فتقسيم البلاد يعني أن الغالبية العظمى من النفط ستكون في الجنوب، ولكن البنية التحتية لاستغلال هذا النفط من خطوط الأنابيب ومعامل التكرير ومحطات التصدير ستكون في الشمال. وستشعر الخرطوم بالتأثير الاقتصادي للانفصال. وقد تم بالفعل اتخاذ تدابير تقشفية لإبطاء الانكماش الاقتصادي، كما بدأت التحديات السياسية التي طال أمدها بالتضخم. ومن شأن تزايد الضغوط المالية إضعاف قبضة حزب المؤتمر الوطني الحديدية على السلطة وربما تغيير ديناميات طاولة المفاوضات. ومن الضروري أن يكون الاتفاق على ملف النفط جزءا من صفقة مالية واسعة النطاق تشمل أيضا العملة وديون السودان البالغة 40 مليار دولار. فالحصول على صفقة يمكن للخرطوم أن تتعايش معها قد يزيل بعض من الغموض الحالي ويفتح الأبواب أمام التقدم نحو ترتيبات أخرى لمرحلة ما بعد اتفاق السلام الشامل

ثانيا، لن تتضاءل التحديات في جنوب السودان بعد يوليو. فالحركة الشعبية التي تحولت من حركة تمرد إلى حزب حاكم تهيمن منذ نهاية الحرب على الساحة السياسية، فيما خفتت الأصوات المعارضة متخذة المقعد الخلفي وتاركةً القيادة للحركة الشعبية حفاظاً على الهدف المشترك لجميع الجنوبيين المتمثل في حق تقرير المصير. أما الآن وبعد انتهاء التصويت وزوال هذا القاسم المشترك وفتور هذا الابتهاج الحالي، سيبدأ المشهد السياسي في الجنوب بالتغير ببطء. ويتعين على القيادة الحالية الاستجابة لهذا التغير والتسليم بأن انفتاحا حقيقيا في المجال السياسي أمر ضروري ويصب في مصلحتهم على المدى الطويل. كما يتوجب عليهم إيجاد طريقة للتعامل مع التنوع العرقي في الجنوب على نحو منصف لئلا يكرروا نسخ النظام الاستبدادي نفسه الذي تمكنوا أخيرا من الفرار منه

  كثفت الولايات المتحدة وبمشاركة دولية واسعة النطاق جهودها في الأشهر الأخيرة نحو عقد الاستفتاء في الوقت المناسب ووضع إطار لترتيبات ما بعد الاستفتاء. والآن، وبعد أن تحقق الهدف الأول، فقد يتحول الانتباه قريبا إلى مناطق ساخنة أخرى في العالم. ولكن من شأن إهمال الهدف الثاني تقويض كل الجهود المبذولة حتى الآن لتحقيق الهدف الأول وتهديد السلام الهش. فقد تراجع الاهتمام بالسودان عقب توقيع اتفاق السلام، لكن ليس بوسع المجتمع الدولي أن يدع هذا التاريخ يعيد نفسه. فإذا لم يحافظ المجتمع الدولي على تركيزه وكف عن البحث عن سبل لإحداث تقدم في العملية، يمكن أن تستمر الأطراف بالمماطلة في محاولتهم للتوصل إلى صفقة حتى عشية انتهاء اتفاق السلام الشامل في تموز/ يوليو. وعلينا استباق هذا النوع من المقامرة الشديدة الخطورة

وفي الوقت نفسه، يتعين على الولايات المتحدة والشركاء الآخرين حث الحركة إلى الأمام نحو الديمقراطية متعددة الأحزاب والأعراق. فالعملية الدستورية، والحكم التعددي، والتهيؤ لاعتماد نظام اللامركزية، ستكون جميعها بغاية الأهمية. كما يمكن لجرعة من القسوة النابعة عن الحب أن تكون ضرورية لدفع العملية قدماً. ومع أنه ليس هناك جدل حول حق الجنوبيين بالاحتفال بهذه الحرية التي حصلوا عليها بشق الأنفس، إلا أن عليهم العودة إلى العمل الشاق   

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.