السودانان ومهمة إدارة الحدود المشتركة
السودانان ومهمة إدارة الحدود المشتركة
Sudan’s Imperilled Transition: Policy Recommendations for the U.S.
Sudan’s Imperilled Transition: Policy Recommendations for the U.S.
Op-Ed / Africa

السودانان ومهمة إدارة الحدود المشتركة

 انشطر أكبر بلد في أفريقيا إلى بلدين. وبعد عقود من الحروب والضغائن بين الشمال والجنوب، أعلنت جمهورية السودان الجنوبي رسميا استقلالها الذي طال انتظاره. ولكن مسألة أين سترسم الحدود التي ستقسم هذه الأرض الشاسعة والمضطربة لا تزال غير واضحة تماما؛ إذ لا تزال أجزاء من الحدود الأحدث دوليا تشهد تنازعا شديدا. كما يجعل التصعيد العسكري على كلا الجانبين حالة عدم الاستقرار تمتد لتلقي بظلالها على مساحات أوسع من البلاد. وقد عزم الطرفان مبدئيا على إقامة منطقة منزوعة السلاح على امتداد الحدود بين شطري البلاد، إلا أنه يجب أن تدرس تفاصيل هذا الترتيب مليا خشية أن يولد مشاكل أكبر على المدى الطويل  

وجاء غزو الخرطوم لمنطقة أبيي المتنازع عليها كجزء من استراتيجيتها لانتزاع تنازلات من الجنوب قبل التقسيم ولاستعراض عضلاتها أمام جمهورها، كما اندلع النزاع على جنوب كردفان، وهي واحدة من الولايات التي تعاني استقطابا سياسيا حادا، ولا يزال القتال محتدما. وتستمر صراعات محلية في أماكن أخرى حيث تطالب الجماعات على طرفي الحدود بهذه الأراضي المتنازع عليها. وما يزيد الأمر تعقيدا أن غالبية احتياطيات البلاد من النفط التي تشكل شريان الحياة لاقتصاد الخرطوم تتمركز على امتداد الحدود بين شطري البلاد التي تبلغ نحو ألفي كيلومتر.وفي هذه الأثناء، تستمر المفاوضات وإن ببطء على حزمة ترتيبات لما بعد الانفصال بين الشمال والجنوب. من بين النقاط العديدة على جدول الأعمال التي يتعين حلها مسألة ترسيم المناطق المتنازع عليها، فضلا عن إدارة الحدود في المستقبل. في خضم مناخ أمني غير مستقر على نحو متزايد، أبرم زعماء الشمال والجنوب اتفاقا يقضي بإقامة منطقة منزوعة السلاح تمتد على نحو 10 كيلومترات على جانبي الخط الحدودي. والأهم أن تلك الصفقة عقدت العزم أيضا على إنشاء فرق للرصد والتحقق للمساعدة في «بناء الثقة المتبادلة وتهيئة المناخ المناسب للاستقرار والتنمية الاقتصادية على المدى الطويل» في المناطق الحدودية. تتألف هذه الفرق من مراقبين عسكريين من الأمم المتحدة غير مسلحين، بالإضافة إلى مراقبين من الشمال والجنوب على حد سواء مشكلين بذلك الثالوث الضروري لإنجاح أي آلية من هذا القبيل  

وفي خطوة لإرساء الاستقرار في منطقة أبيي، وافقت القوات الإثيوبية على توفير الأمن فيها بموجب تفويض جديد وقوي من قبل الأمم المتحدة. يستدعي أمن الحدود الجديدة اختيار قوات من هذه البعثة المؤقتة لتوفير الحماية لفرق المراقبة في المنطقة المنزوعة السلاح، الأمر الذي قد يتطلب موافقة أخرى من قبل مجلس الأمن. قد يكون مثل هذا الترتيب في الواقع ضروريا للمساعدة في تجنب تجدد القتال بين الشمال والجنوب في المدى القريب، ولكن يتعين على كلا الطرفين، والفريق الإثيوبي، ومجلس الأمن أن ينظروا في المبادئ الثلاثة التالية في صياغتهم لهذه العملية  

أولا، ستواجه عملية يغلب عليها الطابع العسكري (وآلية الرقابة) بمفردها مصاعب جمة في سعيها لإرساء مناخ من الثقة المتبادلة في المناطق الحدودية. ففي حين أن ردع زحف العناصر المسلحة غير المصرح بها أمر بالغ الأهمية، إلا أن إضافة مراقبين مدنيين ستكون ضرورية لدعم المبادرات العابرة للحدود، وتسوية النازعات المحلية، وإدارة الحدود، وضمان فعالية عملية جمع المعلومات وإعداد التقارير، وهي تطلعات يعدها الجميع، وهم محقون في ذلك، متضمنة في الاتفاق  

ثانيا، يمكن لأي ترتيب يقوم سهوا بتصليب الحدود أن يكون كارثيا على المدى الطويل؛ إذ اعتمدت شعوب السودان التي تقطن الأراضي الحدودية على حدود سهلة الاختراق على مدى الأجيال. ومن شأن تصليب الحواجز زيادة الضغط على الأراضي والموارد، وتهديد سبل العيش الرعوية، وخلق مصاعب للجنوبيين الذين يعتمدون على السلع والخدمات ذات المنشأ الشمالي، وتقيد لا داعي له للمجتمعات التي تستفيد من المبادرات المشتركة والتفاعل عبر الحدود

ثالثا، يجب أن يبقى الطابع المؤقت لاتفاقية الحدود والقوى الموجودة في أبيي والمنطقة المنزوعة السلاح «مؤقتا»؛ إذ لا يمكن لهذه الترتيبات أن تبقى لأجل غير مسمى، وخصوصا إن بقيت الحدود غير معرفة حتى لا تولد خلافات وتحول دون التوصل إلى حل نهائي واتفاق على ترسيم الحدود

أيد معظم القادة في الشمال والجنوب مفهوم «الحدود اللينة»، ولكن تصاعد الحملات العسكرية ولهجة محادثات ما بعد الاستفتاء أديا إلى تآكل ذلك الالتزام وتعميق أزمة عدم الثقة. ومن شأن استمرار تدهور العلاقات جعل مبدأ «الحدود اللينة» أبعد منالا. يجب النظر في الواقع الأمني الحالي في ضوء العواقب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على المدى الطويل، التي قد تولدها الحواجز الملموسة أو النفسية في المناطق الحدودية، وعلى نطاق أوسع في جميع أنحاء «السودانين». فعندما تخمد العدائية وسياسة حافة الهاوية المتبعة والعواطف الجياشة المحيطة بعملية التقسيم، قد يدرك قادة شطري السودان مدى حاجتهما لبعضهما البعض  

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.