عرسال في مرمى النار مأزق بلدة حدودية لبنانية صغيرة
عرسال في مرمى النار مأزق بلدة حدودية لبنانية صغيرة
Table of Contents
  1. Overview
Lebanon’s Elections Portend Protracted Political Vacuum
Lebanon’s Elections Portend Protracted Political Vacuum
People gather amid damage and the remains of tents for Syrian refugees that were burnt in the fighting between Lebanese army soldiers and Islamist militants in the Sunni Muslim border town of Arsal, in eastern Bekaa, 9 August 2014. REUTERS/Ahmad Shalha
People gather amid damage and the remains of tents for Syrian refugees that were burnt in the fighting between Lebanese army soldiers and Islamist militants in the Sunni Muslim border town of Arsal, in eastern Bekaa, 9 August 2014. REUTERS/Ahmad Shalha

عرسال في مرمى النار مأزق بلدة حدودية لبنانية صغيرة

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

لمحة عامة

الدولة اللبنانية، التي أضعفتها الخلافات داخل الطوائف وفي ما بينها، تخلّت تدريجياً عن دورها الرئيسي في الحكم وفي إدارة الحياة السياسية التمثيلية وهي تعتمد بشكل متزايد على الإجراءات الأمنية للمحافظة على الاستقرار والوضع السياسي الراهن. وتشكل بلدة عرسال الحدودية البعيدة في الشمال الشرقي مثالاً بارزاً على هذا النهج في معالجة الاضطرابات. يتّسم هذا النهج، الذي تصاعد بعد بداية الحرب السورية في الجوار، بالخطورة وقصر النظر، إذ إنه يعالج الأعراض بينما يعزز في الوقت نفسه ومن غير قصد العوامل الكامنة المسببة لعدم الاستقرار. لو عالجت الحكومة محنة عرسال بطريقة أكثر توازناً تأخذ تلك العوامل في الاعتبار من خلال إدماج المكوّن الأمني في استراتيجية سياسية شاملة، لكان في وسعها تحويل حلقة مفرغة شريرة إلى حالة إيجابية، ومنع تردّي الوضع في البلدة وتقديم نموذج لمعالجة تلك المشاكل في البلاد بأسرها.

تجمع عرسال العديد من المصاعب التي يعانيها لبنان، والمتمثلة في تراجع الوضع الاقتصادي وسوء الإدارة في مناطقه البعيدة، وصياغة خطوط التصدّع الطائفية لمصير جيب سنّي محاط بمحافظة ذات أغلبية شيعية (بعلبك – الهرمل) في البقاع، وقيادة سنّية ضعيفة تزداد ضعفاً، وتنامي قوة حزب الله، الحزب الشيعي اللبناني الذي يشارك ذراعه العسكري بشكل مباشر في القتال الدائر في سورية؛ بالإضافة إلى تداعيات الصراع السوري. لقد حوّل هذا العامل الأخير عرسال إلى قاعدة خلفية للمقاتلين المعادين للنظام، ونقطة عبور للعبوات المتفجرة. ولهذين السببين، تحولت البلدة إلى تهديد لحزب الله وللأجهزة الأمنية اللبنانية. كما أن ذلك جعل البلدة ملاذاً آمناً أوّلياً للاجئين السوريين، ما يضيف إلى الضغوط الحادة الواقعة على الدولة اللبنانية بشكل عام وعلى المناطق المحلية في سائر أنحاء لبنان.

أدت معركة دامت خمسة أيام بين الجهاديين السنّة والجيش اللبناني في آب/أغسطس 2014 إلى وضع عرسال على الخارطة بوصفها تهديداً وطنياً في أذهان العديد من اللبنانين. حاصر الجيش البلدة، ففرضت نقاط التفتيش التي أقامها صعوبات كبيرة على سفر العرساليين العاديين وعلى غير العرساليين الراغبين بزيارتها، وعلى وصول المساعدات إلى آلاف اللاجئين المتجمعين في المنطقة وحتى على وصول الفلاحين المحليين إلى أراضيهم. وفي حين انهار اقتصاد البلدة، ظلت المجموعات السنّية المسلحة موجودة، وتمتعت في ما يبدو بنوع من التسوية المؤقتة مع الجيش شريطة عدم القيام بتحركات ملفتة للنظر. في مثل هذا المأزق المتصاعد الذي يجمع الاضطرابات الاجتماعية والاستياء الشعبي، فإن المجموعات السورية المتطرفة، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف بداعش) وجبهة النصرة، هي المستفيدة الأكبر، إذ يمكنها تعبئة الغضب المحلي وتطويعه ليتلاءم مع رؤيتها.

لقد تراجعت حدة العنف في عرسال وما حولها نتيجة حصار الجيش لكن هذا العنف لم ينته. قد يكون الرد العسكري اللبناني مفهوماً؛ إذ إن الاستقرار الهش في البلاد لا يتيح مجالاً للتراخي أو لاتخاذ مخاطر سياسية، خصوصاً في البيئة الإقليمية الحالية التي تتسم بخطورة عالية. إن تعطل أجهزة الدولة يعطي للقوات المسلحة اللبنانية مطلق الصلاحية بحكم الأمر الواقع، لأنها تمثل إحدى المؤسسات النادرة التي لا تزال قادرة على العمل. علاوة على ذلك، فإن تدفق الأعداد الهائلة من اللاجئين، الذي بلغ أكثر من ربع سكان لبنان، فاقم المشاكل التي كانت موجودة من قبل ووضع ضغوطاً كبيرة على الموارد الشحيحة أصلاً، ما يجعل من الصعوبة البالغة حتى بالنسبة إلى حكومة فعالة أن تتمكن من تلبية الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية.

رغم ذلك، فإن الاعتماد الكبير للدولة على الأمن لحل جميع أشكال المعضلات السياسية والاجتماعية لا يشكل حلاً مستداماً. إذا كان لأي شيء أن يفسر بشكل أكثر تحديداً كيف خرج الوضع في عرسال عن نطاق السيطرة، فإن ذلك يتمثل في سجل طويل من إهمال السلطة المركزية؛ وإذا كان ثمة شيء يريده سكانها فعلاً، فهو درجة أكبر من وجود الأجهزة غير الأمنية للدولة، أي خدمات أساسية أفضل، وفرص اقتصادية، وتمثيل سياسي أفضل، وإيجاد حل لأزمة اللاجئين، أو على الأقل تخفيف حدّتها، وتوفير خدمات شرطية فعالة بدلاً من العقاب الجماعي.

بالاضافة إلى حالة عرسال، المثيرة للقلق بحد ذاتها، هناك القضية الأكبر المتمثلة بتخلّي الدولة تدريجياً عن واجباتها. نظراً إلى أن أداء الدولة في الإدارة والسياسة التمثيلية يزداد رداءة بشكل يومي، فإنها باتت تعتمد بشكل متزايد على التدابير الأمنية التي تخلو من أي مكوّن سياسي، أو إنساني أو تنموي جدي. لقد أثبتت هذه المقاربة أنها مغرية بشكل خطير، فهي تحافظ على استقرار ظاهري بينما تتسبب في المزيد من تهالك الدولة في حلقة تعزز وتديم نفسها، إذ إن الإجراءات التي تتخذها الحكومة للتعويض عن نواقصها تجعل الأمور أسوأ. على مدى سنوات، أصبح هذا السلوك نمطاً متكرراً في لبنان. وخارج حدود لبنان، تطوّر المنطق نفسه، كما في العراق، الذي ينبغي أن يكون التفكك التدريجي لدولته درساً تحذيرياً. بدلاً من قمع الأعراض عندما تتنامى ظواهر عدم الاستقرار، على السلطات اللبنانية أن تعالج الأسباب.

يمكن أن تشكل عرسال نقطة بداية جيدة. من أجل وقف المزيد من التردي، على السلطات الحد من الإجراءات الأمنية التي يتخذها الجيش في البلدة وحولها لكن بطريقة تحافظ على فعاليتها الأمنية. على سبيل المثال، لا شيء يمنعها من إلغاء التصريح المطلوب لزيارتها من قبل غير أهلها، أو منحه للجميع، باستثناء الحالات التي يوجد فيها دليل واضح على سوء النيات. كما ينبغي أن تخضع مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان من قبل عناصر الأمن للتحقيق الفوري والصارم ومعاقبة الانتهاكات المثبتة. ثمة حاجة لإجراءات تمكّن المزارعين المحليين من زراعة أراضيهم. وعلى السلطات تيسير وصول المساعدات الإنسانية الكافية للاجئين السوريين وتخفيف الضغط على عرسال بنقل بعضهم إلى مناطق أخرى في لبنان، وهي فكرة ناقشتها الحكومة لكنها لم تعمل بموجبها. إذا نجحت هذه المقاربة الشاملة في عرسال، يمكن للحكومة والجهات المانحة من ثم أن تطبّق الدروس المستقاة منها على نقاط الاضطراب التي يزداد عددها في البلاد. في تلك الحالة، سيترتب على الدول المانحة زيادة دعمها للبنان بشكل كبير لمساعدته على معالجة أزمة اللاجئين وآثارها على المجتمعات االمضيفة. وسيترتب على الحكومة اللبنانية بدورها تخصيص الأموال الكافية لمناطق أخرى مثل عرسال تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين، بهدف إقامة مشاريع اقتصادية ومشاريع بنية تحتية مستدامة وقابلة للحياة.

بيروت/بروكسل، 23 شباط/فبراير 2016

I. Overview

Weakened by deepening inter- and intra-communal rifts, the Lebanese state has gradually abandoned its primary role in governance and as manager of representative politics and relies increasingly on security measures to maintain stability and the political status quo. The remote border town of Arsal in the north east is emblematic of this security-centric method of tackling unrest. The approach, which escalated after the Syrian war began next door, is short-sighted and dangerous, as it fights symptoms while inadvertently reinforcing underlying factors that drive instability. If the government were to address Arsal’s plight in a more balanced manner that takes those factors into account by folding its security component into an overall political strategy, it could yet turn a vicious circle into a virtuous one, preventing the town’s downward spiral and providing a model for tackling such problems in the country overall.

Arsal combines many of Lebanon’s woes: economic erosion and poor governance at its fringes; sectarian fault lines shaping the fate of a Sunni enclave within a majority-Shiite governorate (Baalbek-Hermel) in the Beqaa Valley; the weakening of Sunni national leadership and growing assertiveness of Hizbollah, the Lebanese Shiite movement whose militia is actively fighting in Syria; and the spillover of the Syrian conflict. The latter has turned the town into a rear base for anti-regime fighters, a trans-shipment point for explosive devices, and – for both these reasons – a threat for Hizbollah and Lebanon’s security apparatus. It has also turned the town into an initial haven for waves of refugees, adding to severe pressures on both the Lebanese state and individual localities throughout Lebanon.

A five-day battle between Syrian jihadis and the Lebanese army in August 2014 put Arsal on the map as a national threat in the minds of many Lebanese. The army then cordoned off the town, its checkpoints making it extremely difficult for ordinary Arsalis to travel, outsiders to visit, aid to reach tens of thousands of refugees hunkered down in the area and even local peasants to access their lands. The economy collapsed, while Syrian armed groups stayed put, seemingly enjoying a modus vivendi with the army provided they kept a low profile. In this festering stalemate of social disruption and popular resentment, radical Syrian groups such as the Islamic State (IS) and Jabhat al-Nusra benefit the most, as they can mobilise local anger and harness it to their worldview.

Violence in and around Arsal has decreased as a result of the army’s cordon but not ended. Lebanon’s military response might be understandable. The country’s brittle stability does not leave room for much leniency or political risk taking, especially in today’s highly dangerous regional environment. The state’s dysfunction gives carte blanche to the Lebanese Armed Forces (LAF) by default, because it is one of the country’s rare functioning institutions. Moreover, the massive refugee influx, amounting to more than one quarter of Lebanon’s population, has aggravated pre-existing problems and strained already scarce resources, making it very difficult for even an effective government to cope with socio-economic needs.

Nevertheless, the state’s heavy reliance on security to solve all manner of political and social ills offers no durable solution. If anything can explain more specifically how the situation in Arsal spun out of control, it is a long track record of central authority neglect; and if there is anything its inhabitants truly want, it is a greater presence of the state’s non-security parts: improved basic services, economic opportunities, better political representation, a solution to, or at least mitigation of, the refugee crisis and effective policing instead of collective punishment.

Beyond the Arsal case, which is troubling in its own right, lies the bigger story of the state’s gradual abdication of its duties. As its performance on governance and representative politics grows more dismal by the day, it increasingly falls back on security measures devoid of any serious political, humanitarian or developmental component. This approach has proven dangerously seductive, by maintaining an appearance of stability while catalysing the state’s further decay in a self-reinforcing loop in which the measures the government takes to compensate for its shortcomings make matters worse. Over the years, such behaviour has become a pattern in Lebanon; beyond its borders, the same logic has been taken even further in Iraq, the progressive disintegration of whose state should be a cautionary lesson. Rather than suppressing the symptoms wherever instability metastasises, Lebanese authorities should be treating the causes.

Arsal would be a good place to start. To arrest the downward spiral, the authorities should reduce army security measures in and around it in ways that would still be security-effective. For instance, nothing prevents them from either abolishing the permit required for outsiders to visit, or granting it by default, except when there is clear evidence of ill-intent. Allegations of human rights abuse by security officers should be promptly and vigorously investigated and proven offences punished. Procedures are needed that would enable local farmers to cultivate their land. Authorities should facilitate adequate humanitarian aid for Syrian refugees and relieve Arsal by relocating some of them to other areas in Lebanon, an idea discussed by the government but not acted upon.

If this comprehensive approach can succeed in Arsal, perhaps the government and donors could then apply the lessons to the country’s other multiplying trouble spots. In that case, donor countries would have to significantly increase their support to Lebanon to help it address the refugee crisis and its impact on host communities. The Lebanese government would then need in turn to allocate adequate funds to other areas like Arsal that are hosting high numbers of refugees, with the aim to set up viable and sustainable economic and infrastructure projects.

Beirut/Brussels, 23 February 2016

Election officials carry ballot boxes and election material to be distributed to polling centres, ahead of the parliamentary election, in Beirut, Lebanon. REUTERS / Mohamed Azakir

الانتخابات اللبنانية تنذر بحدوث فراغ سياسي طويل الأمد

في 15 أيار/مايو، ووسط انهيار اقتصادي مستمر، اختار الناخبون اللبنانيون برلماناً جديداً. فيما يلي من أسئلة وأجوبة، يحلل الخبير لدى مجموعة الأزمات ديفيد وود النتائج ويقيّم تداعياتها على الجهود المبذولة لحل الأزمة المتفاقمة في البلاد.

ما الذي حدث في الانتخابات البرلمانية؟

شهدت الانتخابات البرلمانية في لبنان التي أجريت في 15 أيار/مايو خسارة الحركة الإسلامية الشيعية، حزب الله، وحلفاءه أغلبيتهم البرلمانية. وحققت الأحزاب الجديدة الناشئة من المجتمع المدني والحركة الاحتجاجية لعام 2019 اختراقات مهمة. لكن في النهاية، فإن الأحزاب السياسية التقليدية – التي تشمل كتلة حزب الله وخصومه التقليديين – ظلت تسيطر على 90 بالمئة من المقاعد التشريعية.

رغم ذلك فإن تحولاً حصل في ميزان القوى في البرلمان، دون وجود ائتلاف يشكل أغلبية واضحة أو مسار سهل لتشكيل حكومة. فقد فاز حزب الله وشريكه المتمثل في حركة أمل – "الثنائي الشيعي" – بجميع المقاعد المخصصة للنواب الشيعة. واحتفظ حليفهما المسيحي، التيار الوطني الحر، بسبعة عشر من أصل المقاعد الثمانية عشر التي فاز بها في انتخابات عام 2018، والتي أصبح بعدها الحزب الذي يتمتع بأكبر حصة نيابية في البرلمان. لقد كان المستقلون اسمياً الذين تحالفوا في وقت ما مع حزب الله، وأمل والتيار الوطني الحر، هم الذين أفقدوا الكتلة أغلبيتها. فجميعهم إما خسروا في الاقتراع أو غادروا الائتلاف قبل الانتخابات. حصلت المرشحات النساء على ثمانية مقاعد – وهو أعلى رقم حتى الآن في التاريخ الانتخابي في لبنان – حيث تتفاوت ارتباطاتهن بين الأحزاب السياسية التقليدية التي لا تمتلك أجندة تقدمية ومنظمات المجتمع المدني.

لقد تمثلت المفاجأة الأكبر في أداء المجتمع المدني ونشطاء الحركة الاحتجاجية.

لقد تمثلت المفاجأة الأكبر في أداء المجتمع المدني ونشطاء الحركة الاحتجاجية، ومعظمهم وجوه جديدة في الحياة السياسية الرسمية. فقد حصل هؤلاء على ثلاثة عشر مقعداً، وبعضها تمثل مناطق أبعد بكثير من بيروت العاصمة، وفي عدة حالات أتت مكاسبهم على حساب سياسيين تقليديين شهيرين مرتبطين بكتلة حزب الله، مثل فيصل كرامي، سليل عائلة كبرى في مدينة طرابلس الشمالية، والزعيم الدرزي البارز طلال أرسلان في بلدة عاليه في جبل لبنان، ورئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي أسعد حردان في الجنوب. هذه القوى الجديدة تعارض النظام الطائفي في لبنان، الذي يوزع المقاعد البرلمانية (وبعض المناصب الأخرى) بين الطوائف الكاثوليكية، والسنية، والشيعية، والأرثوذكسية، والدرزية، والعلوية والإنجيلية.

إلا أن المرشحين من غير ذوي الارتباطات التقليدية لم يكونوا الرابحين الوحيدين. فحزب القوات اللبنانية، وهو حزب مسيحي يقوده سمير جعجع، حقق مكاسب كبيرة، حيث أصبح أكبر حزب في البرلمان؛ فقد بات لدى الحزب الآن تسعة عشر عضواً في مجلس النواب وتجاوز خصمه المسيحي الرئيسي، التيار الوطني الحر. وهذا الحزب يشكل معارضة شديدة لحزب الله، ويعتبر القوات المسلحة التي يمتلكها تقويضاً للأمن الوطني اللبناني ولسيادة لبنان وتنميته الاقتصادية. هذه القضية تقسم الكتلتين الرئيسيتين في لبنان، حيث تعارض الأحزاب المطالبة بنزع سلاح حزب الله الأحزاب التي لا تفعل ذلك. كل هذه النتائج تشكل صورة عامة مبهمة، رغم أن التنافس بين الكتلتين الرئيسيتين - تلك التي يقودها حزب الله وتلك التي تتكون من خصومه – ستستمر في كونها ديناميكية رئيسية.

هل تدشن المكاسب الانتخابية التي حققتها القوى السياسية البديلة حقبة جديدة في السياسة اللبنانية؟

ليس الآن، وليس في أي وقت قريب. من المؤكد أن نجاح القوى السياسية الجديدة يعكس الرفض المتنامي للنخبة الحاكمة في لبنان من قبل جزء وازن من الناخبين منذ انتخابات عام 2018. في تشرين الأول/أكتوبر 2019، عندما خرجت احتجاجات في سائر أنحاء لبنان، حمّل المتظاهرون المسؤولية لقادة البلاد على عقود من الفساد والإهمال. وقد أدت هذه الإخفاقات الى الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعدّها البنك الدولي واحداً من أكبر الانهيارات المالية منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، والتي تستمر في التفاقم. وفي البداية، ظلت الحركة الاحتجاجية متحررة من خطوط التصدع الطائفية والسياسية سيئة السمعة في البلاد، والتي تستخدمها الأحزاب التقليدية من أجل تفريق السكان وحكمهم. شكل المحتجون تحالفاً واسعاً حول مطلب الإطاحة بالطبقة السياسية برمتها – بصرف النظر عن هويتها الطائفية أو السياسية – تحت الشعار الجامع (كلّن يعني كلّن) (يجب أن يرحلوا).

يبدو أن انتخابات 15 أيار/مايو قد أحيت شيئاً من هذه الروح الموحدة، التي بدت حتى ذلك الحين وكأنها قد تفككت. باتت المظاهرات الجماهيرية نادرة بعد تشرين الأول/أكتوبر 2019، باستثناء بارز تمثل في الاحتجاجات المتعلقة بالانفجار الكارثي في مرفأ بيروت في آب/أغسطس 2020. في الحملة الانتخابية، تنافست الأحزاب التي ادعت انضواءها تحت عباءة حراك عام 2019 مع بعضها بعضاً بدلاً من تقديم لوائح  موحدة. وبدا أن التنافس بين اللوائح المختلفة للمعارضة قد يضعف فرصها، لكن تبين أن ذلك لم يحدث. ففي معظم المناطق، تجمع الناخبون الداعون إلى التغيير لصالح لائحة حزبية واحدة، فحققوا نتائج تجاوزت توقعات معظم المراقبين بالنسبة لنجاح الانتخابات.

لكن ينبغي أن ينظر إلى ذلك النجاح في سياقه. فرغم السجل المزري للقوى السياسية اللبنانية  التقليدية في المناصب العامة فإنها ما تزال تسيطر على 90 بالمئة من مقاعد البرلمان. وهذه الشعبية المستمرة تشير إلى أنه عندما يتعلق الأمر بالانتخابات، فإن أساليب الحشد والتعبئة التي اختُبرت على مدى زمن طويل، مثل استعمال الزبائنية وإثارة المخاوف الطائفية، ما تزال تحقق أثراً كبيراً.

ويمكن القول إن الزبائنية باتت أداة سياسية أكثر فائدة من أي وقت مضى.

ويمكن القول إن الزبائنية باتت أداة سياسية أكثر فائدة من أي وقت مضى. إذ إن العمق المروع للانهيار الاقتصادي جعل الكثير من اللبنانيين أكثر اعتماداً من ذي قبل على المنافع المادية المختلفة، التي تتراوح بين الوظائف والإعانات النقدية، التي يقدمها الزعماء السياسيون التقليديون منذ عقود. لقد تدهورت المستويات المعيشية بشكل جذري في سائر أنحاء البلاد منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019. ولبنان الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، حرق معظم احتياطياته المتضائلة من العملة الأجنبية اللازمة لشراء السلع الأساسية. إن الافتقار إلى العملة الأجنبية يعني أن الدولة لم تعد قادرة على تغطية دعم الوقود وغيره من المواد المدعومة. ولا توفر شبكة الكهرباء أكثر من ساعتين من الكهرباء يومياً، والكثير من الأسر لم تعد تستطيع تحمل كلفة فواتير المولدات العاملة على المازوت والتي ارتفعت بشكل صاروخي.

لقد دفع التراجع الهائل في قيمة الليرة اللبنانية إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، الأمر الذي أدى إلى حدوث تضخم تزداد معدلاته ارتفاعاً، حيث بلغ 84.9 بالمئة في عام 2020 و145 بالمئة في عام 2021. وبينما كانت 150,000 ليرة لبنانية تشتري 100 دولار أميركي في مطلع عام 2019، فإن نفس المبلغ بات يساوي نحو 5 دولارات اليوم. وقد أثر انهيار العملة بشكل غير متناسب على اللبنانيين ذوي الدخول المتدنية، الذين يصارعون للتمكن من شراء الغذاء، والدواء والضروريات الأخرى. وتقدر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا أن أكثر من 80 بالمئة من السكان يعيشون الآن في فقر متعدد الأبعاد.

وسط هذه الفوضى، فإن النخب السياسية اللبنانية في موقع يمكّنها من شراء دعم ناخبين يعانون من أوضاع بائسة. فقبل الانتخابات، انتشرت تقارير كثيرة تفيد بعرض الأحزاب للمال والحوافز المادية الأخرى على المواطنين مقابل دعمهم في صندوق الاقتراع. وفي المناطق الأكثر فقراً في لبنان، يُزعَم أن بعض الأحزاب عرض على الناخبين دفعات مقدمة بمبلغ مليون ليرة، أي أقل من 35 دولاراً، مقابل أصواتهم. وفي حالات أخرى، يُزعم أن مرشحين وعدوا بمكافأة الناخبين بتحسين وصولهم كأفراد إلى الخدمات الأساسية مثل الكهرباء، والوقود والرعاية الصحية. في السنوات القادمة، وما لم تتحسن الآفاق الاقتصادية، فإن الناخبين المحتاجين سيواجهون إغراءً أكبر بالاستفادة من شبكات الرعاية والمحسوبية التي يسيطر عليها الزعماء التقليديون.

كما ساعد الخوف من العنف أيضاً النخب الحاكمة لردع الناخبين عن دعم مجموعات المعارضة المشكلة حديثاً. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2021، اندلع صراع عنيف بين مجموعات متنافسة في الطيونة، إحدى ضواحي بيروت السكنية. وأكد الخطاب الذي استعملته الأحزاب المرتبطة بالحادث – بما في ذلك حزب الله وحركة أمل وخصمهما، حزب القوات اللبنانية – قدرتها على حماية الطوائف التي تمثلها، حتى ولو تفكك البلد. تحمل هذه المناشدات وزناً خاصاً في لبنان، حيث ما تزال ذكريات الحرب الأهلية الوحشية في البلاد (1975-1990) حية في الأذهان. ومع الصعوبات التي تواجهها القوى الأمنية التابعة للدولة في دفع رواتب وإطعام الجنود ورجال الشرطة، فإن الكثير من اللبنانيين يشعرون بأن تغيير الوضع الراهن السياسي، في هذه الأوقات الخطرة، يُعد فكرة سيئة. هذا التخوف – الذي من المرجح أن تسهم حوادث عنيفة مستقبلية في تعميقه على الأرجح – من شأنه أن يستمر في الحد من الامتداد والوصول السياسي للمعارضة الجديدة.

ترك التضخم العديد من اللبنانيين يكافحون لدفع ثمن الطعام والأدوية وغيرها من الضروريات. مجموعة الأزمات / Michelle Malaney

كم من الزمن سيستغرق تشكيل حكومة جديدة؟

من المرجح أن يكون تشكيل الحكومة معقداً وأن يستغرق وقتاً طويلاً. ثمة إجراءات واضحة ينبغي أن تطبق بموجب الدستور. إذ يعين الرئيس رئيس الوزراء الجديد، بالتشاور مع البرلمان. ومن ثم يختار رئيس الوزراء أعضاء مجلس الوزراء، أو الحكومة. وستستمر الحكومة الحالية، برئاسة نجيب ميقاتي، كحكومة تصريف أعمال إلى أن تتفق القوى السياسية في البلاد على الحكومة التي ستحل محلها.

في السنوات الأخيرة، كان إجراء هذه التعيينات مهمة شاقة، حيث يعترض اللاعبون السياسيون على المرشحين لتعظيم حصتهم في السلطة التنفيذية إلى الحد الأقصى. وقد تشكلت الحكومات السابقة فقط بعد التوصل إلى اتفاق بين الزعماء التقليديين في البلاد – والذين يدعي كل منهم التحدث باسم مجموعة طائفية معينة – على توازن محدد للقوى، قسم النفوذ بين مختلف الفصائل المتنافسة. وقد برر الزعماء هذه التكتيكات باستخدام خطاب يتعلق بتأمين مصالح المجموعة التي يدعون تمثيلها. سيستفيد لبنان الذي تعصف به الأزمة من تشكيل سريع للحكومة هذه المرة. لكن يبدو أن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن عملية المساومة ستكون عملية طويلة، مع عراك الأحزاب لتعديل ميزان القوى لصالحها بعد ظهور نتائج الانتخابات.

والرهانات مرتفعة بالنسبة للمفاوضات القادمة. أولاً، يواجه الزعماء السياسيون التقليديون استحقاق اتخاذ قرارات وشيكة بشأن إجراء إصلاحات واسعة النطاق، من شأنها أن تعيد تشكيل الاقتصاد بشكل جوهري. ففي نيسان/أبريل، أعلن صندوق النقد الدولي اتفاقاً على مستوى الموظفين مع الحكومة اللبنانية، وعد بموجبه أن يقدم للبنان دعماً لتحقيق الاستقرار بقيمة 3 مليارات دولار على مدى أربع سنوات. لكن الصندوق جعل هذا التعهد مشروطاً بإجراء إصلاحات تشريعية ومالية، ينبغي أن تجرى قبل أن توافق إدارة صندوق النقد الدولي ومجلسه التنفيذي على حزمة المساعدات. ومن شأن شروط الاتفاق – مثل إعادة هيكلة القطاع المالي، ورفع قوانين السرية المصرفية وإصلاح المؤسسات التجارية التي تملكها الدولة – أن يكون لها تداعيات خطيرة على النخب السياسية والمالية في لبنان. وسيرغب الزعماء السياسيون التقليديون في تأمين نفوذ مباشر على الحكومة الجديدة لضمان ألا تؤثر أية إصلاحات على مصالحهم.

وقد تكون المساومة أكثر حدة لأن الحكومة الجديدة قد تتمتع بتفويض برلماني كامل لمدة أربع سنوات لإجراء هذه الإصلاحات. في أيلول/سبتمبر 2021، وافق الزعماء التقليديون على تشكيل حكومة ميقاتي جزئياً لأنها ستكون في السلطة فقط حتى الانتخابات البرلمانية القادمة في أيار/مايو – أي لتسعة أشهر فقط. وخلال هذه الفترة، لن تستطيع إدارة ميقاتي إلحاق ضرر يذكر بالمصالح المحققة – خصوصاً بالنظر إلى معرفة الجميع بان علاج القضايا الإصلاحية الكبرى لن يبدأ بشكل جدي إلا ما بعد الانتخابات. وسيكون من مصلحة النخب السياسية اللبنانية ترسيخ توازن جديد للقوى سيضمن مصالحها التجارية وشبكات رعايتها في مواجهة الطوائف الأخرى.

عامل آخر يسهم في تعقيد الأمور يتمثل في الحاجة إلى اتفاق النخب السياسية على رئيس جديد بحلول 31 تشرين الأول/أكتوبر.

عامل آخر يسهم في تعقيد الأمور يتمثل في الحاجة إلى اتفاق النخب السياسية على رئيس جديد بحلول 31 تشرين الأول/أكتوبر، عندما تنتهي الفترة الرئاسية ومدتها ستة أعوام للرئيس الحالي ميشال عون. المنصب الأكثر قوة والذي يحتفظ به المسيحيون الموارنة، هو منصب الرئيس الذي يوقّع جميع التشريعات، وعلى الأقل اسمياً، يعد القائد العام للجيش اللبناني. وقد حاول عون تعميد صهره جبران باسيل خليفة له. باسيل هو رئيس التيار الوطني الحر، الذي أسسه عون. إلا أن باسيل يواجه معارضة صلبة – وربما يصعب التغلب عليها – لترشيحه للرئاسة. فقد نفّر شخصيات محورية من جميع أجزاء الطيف السياسي اللبناني، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2020، بات يخضع للعقوبات الأميركية بسبب اتهامات بالفساد. وإذا شعر عون بأنه مضطر للتخلي عن ترشيح باسيل، فإنه قد يطالب أيضاً بتنازلات سياسية – مثل مستوى معين من تمثيل التيار الوطني الحر في الحكومة الجديدة – بالمقابل. وبالنظر إلى أنه يتوجب توقيع الرئيس على تشكيل أي حكومة جديدة، فإن عون يستطيع إعاقة تشكيل الحكومة إلى أن تتم تلبية مطالبه.

كما تطرح عملية تعيين الرئيس قضايا أخرى أيضاً. فالبرلمان ينتخب الرئيس – الذي يتطلب دعم ثلثي أعضاء البرلمان الموجودين. وبعد نتائج الانتخابات الأخيرة، من غير المرجح على الإطلاق أن أي معسكر سياسي سيتمكن من الحصول على هذا العدد دون موافقة خصومه الرئيسيين. ولهذا السبب، ثمة احتمال قوي في ألا يساوم السياسيون على مرشح رئاسي دون التوصل إلى اتفاق أوسع حول التوازن الكلي للقوى في البلاد للسنوات القادمة.

وفي حال حدوث الاحتمال المرجح المتمثل في عدم اختيار رئيس بحلول 1 تشرين الثاني/نوفمبر، يفوض الدستور صلاحيات الرئيس لمجلس الوزراء. وتعي الأحزاب أن الحكومة الجديدة التي يحاولون تشكيلها قد تتمتع، خلال أقل من ستة أشهر، بكل السلطة التنفيذية، الأمر الذي يرفع الرهانات أكثر. وإذا ظل تشكيل الحكومة معطلاً حتى ذلك الحين، فإن حكومة ميقاتي ستستمر في موقعها. لكن يبقى من غير الواضح، دستورياً، إذا كان يمكن لحكومة تصريف الأعمال أن تضطلع بهذه الصلاحيات التنفيذية، الأمر الذي سيؤدي لا محالة إلى المزيد من المناوشات السياسية. وإذا كان الجواب لا، فإن البلاد قد تكون في طريقها إلى الانزلاق إلى فراغ سياسي. إن غياب القيادة سيجعل الإصلاحات، والحصول على دعم خارجي كبير، أبعد منالاً من أي وقت مضى.

بالنظر إلى نتائج الانتخابات، فإن مفاوضات مطولة بشأن التوازن الجديد للقوى يبدو أمراً محتوماً. وسيصارع التيار الوطني الحر على نحو خاص بقوة للاحتفاظ بأكبر قدرٍ من النفوذ الذي حصل عليه في عام 2018. وقد أوضح حزب القوات اللبنانية من جهته بأنه يعتزم، بصفته أكبر حزب في البرلمان، اتخاذ موقف حازم. في ليلة الانتخابات، لم يُضع زعيم الحزب سمير جعجع وقتاً للتعبير عن معارضة القوات اللبنانية لإعادة انتخاب زعيم حركة أمل نبيه بري، الحليف الوثيق لحزب الله، رئيساً لمجلس النواب – وهو موقف كرره أيضاً برلمانيون آخرون رئيسيون معادون لحزب الله. وردّ رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله في البرلمان، محمد رعد، النار عليهم مستحضراً شبح "الحرب الأهلية" إذا أخفقت القوى السياسية في الاتفاق على حكومة توافقية. وبصرف النظر عن العبارات الطنانة هذه، فإن كلتا الكتلتين التقليديتين الرئيسيتين أشارتا إلى أنهما لن تقبلا بأي توزيع كيفما اتفق للسلطة، الأمر الذي يجعل احتمال تشكيل حكومة في الوقت المحدد أمراً يصعب تصوره.

ما الذي سيعنيه وجود فراغ سياسي طويل الأمد بالنسبة للبنان؟

باختصار، لن يعني شيئاً جيداً.

إن حدوث فراغ سياسي على شكل مفاوضات مطولة واستعصاء طويل الأمد بشأن من يحكم البلاد سيعني استمرار الانهيار الاقتصادي في لبنان وربما تسارعه. قبل الانتخابات، أنفق قادة لبنان موارد كبيرة على المحافظة على شكل من أشكال الاستقرار المالي، خصوصاً بإنفاق مئات ملايين الدولارات الأميركية لوقف السقوط الحر لليرة اللبنانية. ومع ما يذكر من تراجع احتياطي لبنان من العملات الأجنبية إلى ما دون عشرة مليار دولار، فإن هذه السياسة غير قابلة للاستمرار. ومن المحتمل أن تنهار العملة مرة أخرى.

وإذا تسارع التردي الاقتصادي مرة أخرى، من شبه المؤكد أن تستمر المخاطر الأمنية بالتفاقم. لقد تمكنت الأجهزة الأمنية للدولة من منع حدوث صراع على نطاق واسع حتى الآن، لكن هذه المؤسسات التي تعاني من ضعف التمويل باتت تقترب من حافة الانهيار. وقد تصبح الصدامات بين المجموعات المسلحة المتنافسة – كما حصل في صدامات الطيونة – أكثر انتظاماً. كما أن حدوث فراغ سياسي من شأنه أيضاً أن يفاقم هذه التوترات الخطيرة، مع استخدام زعماء الطوائف الاستقطاب السياسي فيها لإثارة العنف. في هذه الأثناء، فإن عناصر الجيش والشرطة الذين يبذلون أكثر من طاقتهم سيجدون صعوبة متزايدة في احتواء الجريمة؛ وقد أصبحت السرقات وعمليات الخطف للحصول على فدية مرتفعة أصلاً في سائر أنحاء لبنان.

مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان ، تقترب أجهزة أمن الدولة التي تعاني من نقص التمويل من نقطة الانهيار. مجموعة الأزمات / Michelle Malaney

إذاً، ما العمل الآن؟

مثالياً، سيقوم قادة المؤسسة اللبنانية بتشكيل حكومة جديدة بسرعة بحيث تتمكن من بدء العمل فوراً على التشريعات اللازمة والملحة. وسيكون على رأس قائمة الأولويات الالتزام بجميع الشروط الضرورية للحصول على المساعدات المالية من صندوق النقد الدولي، كما ينص عليه اتفاق نيسان/أبريل، الذي يأمل السياسيون اللبنانيون بأنه سيشجع مانحين آخرين على تقديم مساهماتهم. وفي هذا السيناريو المتفائل جداً، يقوم القادة أيضاً بإجراء انتخابات رئاسية كفؤة خلال المدة الدستورية المحددة، بين 1 أيلول/سبتمبر و21 تشرين الثاني/نوفمبر، بدلاً من السماح بتجاوزها بسبب عدم التوصل إلى اتفاق. وحتى لو تمكنوا من القيام بجميع هذه المهام، فإنه من غير المرجح أن يحصل لبنان على مساعدات مالية كبيرة قبل مطلع عام 2023 – بالنظر إلى حجم الاصلاحات المطلوبة وصعوبتها. لكن حتى ولو كانت الحاجة لتحقيق تقدم ملحة، فإن الواقع هو أن القادة السياسيين سيماطلون على الأرجح بشأن اتخاذ القرارات الصعبة في مرحلة ما بعد الانتخابات، وسيكون إيقاع التقدم بطيئاً جداً.

وعلى مسار موازٍ، في البرلمان، يمكن لأعضاء مجلس النواب الثلاثة عشر الذين يمثلون المجتمع المدني أن يشكلوا كتلة معارضة جديدة قادرة على تغيير سبل العمل التشريعي المعتاد في البلاد خدمة للإصلاح. ويمكن لهذا التحالف أن يساعد في إلحاق الهزيمة بمشاريع القوانين التي يعتبرها غير مقبولة، مثل قانون ضبط رأس المال الذي يحابي النخب المصرفية اللبنانية على نحو غير عادل. ويمكنه أن يدفع إلى تبني التشريعات اللازمة، بشأن القضايا الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء، وأن يجري مراجعة نقدية لأداء السياسيين التقليديين. لكن ثمة عقبات عملية تحول دون توحد هذه الكتلة. ففي حين أن أعضاء مجلس النواب الذين يمثلون المجتمع المدني يبدون متحدين في ازدرائهم للطبقة الحاكمة في لبنان، فقد تظهر خلافات أيديولوجية فيما بينهم. على سبيل المثال، فإن لهم آراء متباينة بشأن كيفية تسوية الأزمة الاقتصادية. قضية أخرى تتعلق باستعداد كل سياسي للتعاون مع مجموعات مثل حزب الكتائب – التي خاضت الحملة الانتخابية مع مجموعات المعارضة لكن لها تاريخ بوصفها ميليشيا شاركت في الحرب الأهلية – والنواب المستقلين الذين عملوا مع الأحزاب التقليدية حتى وقت قريب. وما الموقف الذي ينبغي اتخاذه حيال حكومة قد تضم ممثلين أو داعمين لحزب الله؟ من المرجح أن تكون هذه نقطة إشكالية أخرى بين أعضاء البرلمان المعارضين الجدد.

رغم ذلك، يبدو من الممكن أن يتخطى اللاعبون السياسيون مثل هذه الانقسامات عن طريق تنظيم كتلة من أعضاء مجلس النواب الذي يمثل المجتمع المدني والتي تلتقي على مجموعة من المبادئ المرشدة التي تسمح بهامش من الاختلافات الداخلية بشأن بعض القضايا، والاتحاد بشأن قضايا أخرى. على سبيل المثال، يمكن لأعضاء الائتلاف الاتفاق على معارضة فرض ضرائب تلحق ضرراً غير متناسب على ذوي الدخول المتدنية، بينما يتركون قضايا خلافية – مثل سلاح حزب الله - جانباً.

في هذه الأثناء، فإن لبنان بحاجة إلى مساعدات عاجلة تستهدف فئات محددة – بشكل مستقل عن المساعدة طويلة الأمد التي تعهد صندوق النقد الدولي بتقديمها – لتحاشي وقوع انهيار اجتماعي كامل. وينبغي على الجهات المانحة المساهمة في المحافظة على الخدمات الأساسية، بما في ذلك المستشفيات، والمدارس والبنية التحتية لمياه الشرب الآمنة. وفي الحالات الممكنة، ينبغي أن تقدم التمويل لوقف ارتفاع أسعار الأغذية، خشية انتشار الجوع على نطاق واسع. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تستمر في جعل أي حزم مساعدات تنموية واسعة النطاق مشروطة بإجراء إصلاحات تشريعية كبيرة. إذا قدم المانحون مثل ذلك التمويل دون شروط، فإنهم سيخاطرون في تعزيز قوة الطبقة السياسية اللبنانية ومكافأة عطالتها بتجديد حصانتها من المساءلة.