إيران في العراق: ما مدى النفوذ؟
إيران في العراق: ما مدى النفوذ؟
Table of Contents
  1. Executive Summary

إيران في العراق: ما مدى النفوذ؟

ملخّص تنفيذي

لقد كان تأثير إيران في العراق أحد أكثر الجوانب التي يجري الحديث عنها ولكنه أقلّ الجوانب التي يتم فهمها في الوضع الذي أعقب الحرب. لقد قامت واشنطن باتهام طهران بشكل متباين حول تدخل غير مناسب ومؤذ وفاضح، كما اتّهمها الزعماء العرب بالسعي لإقامة جمهورية إسلامية، واتهمها مسؤولون عراقيون بارزون بالقيام بسلسلة من التدخلات غير المشروعة (التلاعب في الانتخابات ومساندة التمرّد والتسلّل إلى البلاد). وفي الواقع، وكما اكتشفت كرايسز جروب خلال أشهر من البحث الموسّع في كلّ من إيران والعراق، فإن إثبات التدخّل الإيراني لمحاولة القضاء على الاستقرار هو أقلّ اتساعاً ووضوحاً إلى حد بعيد مما يتم الادّعاء به أو زعمه؛ إن الدليل على التدخّل الناجح للقضاء على الاستقرار رغم ذلك لا يزال أقلّ اتساعاً ووضوحاً.

إن حقيقة أن لإيران مصالح حيوية في ما يحدث في العراق هو أمر لا ريب فيه. كما أنّ كونها قد مارست حتى الآن نفوذاً ينطوي على تحفّظ كبير هو أيضاً جليّ، حيث أن الواقع هو أن لديها القدرة على القيام بأكثر من ذلك بكثير وأسوأ من ذلك إلى حدّ بعيد. ولزيادة فرصة خروج العراق بنجاح من الانتقال السياسي إلى الحدّ الأعلى، فسيكون من الأمور الجوهرية والحاسمة لطهران وبغداد أن تعملا معاً في قضايا الأمن المشترك، كما أن على الولايات المتحدة أن تقوم على الأقل بالحيلولة دون حدوث مزيد من التدهور في علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية.

لقد عملت انتفاضة مقتدى الصدر في نيسان (إبريل) 2004 على زيادة المخاوف بأن إيران ربما كانت تدعم العنف المناهض للتحالف. كذلك، فقد تم اتّهام إيران بتسهيل حركة الجماعات من أمثال أنصار الإسلام، وبأنها كانت مسؤولة عن اغتيال مسؤولين في جهاز الأمن العراقي. وقبل مدّة وجيزة، فإن الفوز في انتخابات كانون الأول (يناير) 2005 المتعلقة بالمجلس الوطني الانتقالي العراقي والذي حقّقه التحالف العراقي المتّحد (UIA) الذي يستند إلى الشيعة، وعلى الخصوص الأحزاب الثلاثة في داخله والتي لديها روابط طويلة الأمد مع النظام الإيراني –وهي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (SCIRT) والدّعوة، والدعوة –تنظيم العراق—يبدو أنه يبرّر آراء من يشكّون في محاولة إيرانية لإقامة حكومة دينيّة (ثيوقراطية) موالية.

إن الفكرة العامة المتمثلة في أن إيران مصمّمة على القضاء على استقرار العراق وصياغة سياساته بشكل حاسم (عن طريق الأموال أو إرسال مئات الآلاف من مواطنيها)، أو تأسيس حكومة ذات ميول مماثلة ومذعنة لها، قد أصبحت مقبولة بشكل واسع في العراق والعالم العربي والولايات المتحدة. وقد أصبح لها الآن أثر مغرٍ في تشكيل المدارك الحسيّة؛ وإذا استمرت دون تحدّ، فإنّه من الواضح أن تتعرّض لمخاطرة القيام بتحديد سياسته. وفي واقع الأمر، ليست هنالك دلالة بأن التلاعب في الانتخابات هو أكثر من مجرّد تخمين أو أن فوز وانتصار الشيعة كان أكثر من مجرّد ترجمة سياسية لسيطرتهم الديموغرافية. كذلك، لم يتم تقديم أيّ دليل ملموس وواقعي لتعزيز الادعاء بأن إيران كانت تروّج بنشاط للتمرّد أو تحاول زيادة عدم الاستقرار إلى الحدّ الأقصى.

إن قوّة إيران تكمن في مكان آخر. وبعد أن خاضت حرباً قاسية وموجعة لمدّة ثماني سنوات مع العراق في عقد الثمانينات من القرن الماضي، فقد أصبحت وكالاتها الأمنية على اطلاع كبير بالتضاريس الطبيعية والسياسية لأرض العراق، كما أصبحت قادرة على الاحتفاظ بوجود استخباراتي نشط في جنوب العراق وفي بغداد وكردستان. وتشتمل أذرع النفوذ الإيراني على شبكة واسعة الانتشار من المخبرين المدفوعي الأجر وفيلق الحرس الثوري الإيراني (IRGC أو Pasdaran) والدعاية الدينية الممّولة بواسطة دولار النفط وحملات الرعاية الاجتماعية. ويتمثّل الأمر الأكثر أهمية في أن إيران قد حاولت التأثير على العملية السياسية في العراق من خلال تقديم المساندة، وعلى الخصوص للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق((SCIRI. وحتى رغم ذلك، وفي حين أن سجل العامين المنصرمين يوحي بوجود حافز إيراني راسخ للتدخل في العراق وفي العديد من الأنشطة الإيرانية، فإنه يوحي أيضاً بتناغم ضئيل، وبالتالي بتأثير لا قيمة له، على المجتمع العراقي. ويعود سبب ذلك إلى وجود شكّ واستياء عميق لدى العديد من العراقيين تجاه جارتهم.

إن نقطة الانطلاق لفهم دور إيران يجب أن تعتمد على تقييم صحيح لمصالحها. وهذه المصالح واضحة نسبياً، وفي معظمها، معترف بها بشكل صريح. وتتمثّل أولوية طهران في الحيلولة دون ظهور العراق من جديد كتهديد لها، سواء كان ذلك في شكل عسكري أو سياسي أو إيديولوجي، وسواء كان من خلال إخفاقه (سقوطه في حرب أهلية أو نشوء كردستان عراقي مستقلّ مصحوب بملابسات ضخمة للأقلية الكردية اللامبالية الموجودة في إيران) أو نجاحه (توحّده كديموقراطية بديلة أو نموذج ديني يناشد المواطنين غير الموالين الذين يعيشون في إيران). وبناءً على ذلك، فإن إيران مصمّمة على الاحتفاظ بوحدة أراضي العراق، بتجنّب عدم الاستقرار الشامل، والتشجيع على وجود حكومة صديقة يسيطر عليها الشيعة، والأهم من ذلك، الإبقاء على الولايات المتحدة منشغلة وفي وضع حرج. وقد ترتّب على ذلك نشوء استراتيجية ذات ثلاث شعاب معقّدة: التشجيع على ديموقراطية الانتخابات (كوسيلة لإنتاج الحكم الشيعي)؛ والترويج لخلق درجة من الفوضى بحيث تكون سهلة الانقياد (وذلك لإحداث اضطراب مطوّل ولكن قابل للسيطرة عليه)؛ والاستثمار في سلسلة واسعة من الفاعلين العراقيّين المتنوعين، الذين كثيراً ما يكونون منافسين (لتقليل المخاطر إلى الحدّ الأدنى في أيّة نتيجة يمكن تصوّرها).

إن هذه المصالح وهذه الاستراتيجية، وهي أكثر من مجرّد محاولة هادفة لصياغة العراق في الصورة الخاصة به، تفسّر تورّط إيران ومجموعة استخباراتها والأموال (ومن المحتمل الأسلحة) التي تقدّمها، وربما قرارها من حين لآخر لدعم الحركات المسلّحة. وهي تفسّر أيضاً التناقض الظاهري لروابط إيران المتزامنة مع النخبة السياسية في العراق، والتي تأمل في استقرار البلاد، ومع رجال الدين الشيعة الذين يهدفون إلى أسلمته ومع بعض الناشطين أو المتمردين السياسيين الثائرين، المصمّمين على تغذية القلاقل.

وأخيراً، فإن هذه تفسّر سبب قيام إيران حتى الآن بكبح أيّة فرصة للنجاح بدلاً من محاولة إضعافها. بيد أن هذا الموقف الحذر نسبياً قد لا يستمرّ إلى الأبد. إنه يعتمد، قبل كل شيء، على طبيعة العلاقات بين واشنطن وطهران: طالما بقيت هذه دون تغيير، فإنه من المحتمل أن تنظر إيران إلى الأحداث في العراق كجزء من منافستها الأوسع مع --ومخاوفها المتشككة المتزايدة تجاه الولايات المتحدة من حضور أمريكي كبير على حدودها، وإلى قلقها من خطابات واشنطن الرنّانة وخشيتها من شهيّتها في تغيير النظام، وبالتالي فإن طهران تمتنع عن خيار تدخل أوسع بكثير لإنتاج عدم استقرار أكبر.

تقوم إدارة بوش، وهي تبني سياستها في العراق على التعاون مع الشيعة، وسياستها تجاه إيران على الضغط على النظام، بمتابعة مسارين متزامنين ينطويان على المخاطرة في إثبات وجود صعوبة متزايدة في ضبطهما والتوفيق بينهما. وكما جادلت كرايسز جروب، فإن السبيل المفضّل للسير قُدماً ينطوي على التوفيق بين طهران واشنطن، حيث يتم بموجبه معالجة هموم الجانبين: من الجانب الأول، برنامج إيران النووي، وسياستها تجاه عملية السلام العربية – الإسرائيلية، ومساندتها لحزب الله؛ ومن الجانب الآخر، الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، وعقوباتها الاقتصادية وموجودات إيران قبل الثورة والتي تم تجميدها. وحتى الآن، تبدو هذه المقايضة الكبرى بعيدة المنال.

بالرغم من ذلك، يجب اتخاذ بعض الخطوات لتفادي أكثر السيناريوهات إطاحة بالاستقرار. لذلك، يتعيّن على واشنطن أن تتحاشى اللجوء إلى الخطب المثيرة وتتّبع رغبتها الحديثة والترحيبية للعمل مع الاتحاد الأوروبي بشأن سياسة مشتركة تجاه إيران لتحقيق خطوة أخرى. لكي تحصل على المصداقية، يجب أن تتضمّن الجزرة (المكافأة) الأمريكية الموعودة ما هو أكثر من رفع المعارضة عن عضوية إيران في منظمة التجارة العالمية وحصولها على قطع غيار لطائراتها – كما يجب أن تتضمّن العُصي (العقوبات) الأوروبية ما هو أكثر من التأييد الذي سبق الإعلان عنه للإجراء الذي سيتخذه مجلس الأمن الدولي في حالة عدم قيام إيران بشكل يمكن إثباته والتحقّق منه بالتخلّي عن أية محاولة نووية للأغراض العسكرية -- إذا كان الهدف هو تشجيع التصرف الإيراني البنّاء في الملف النووي. ومن الأمور الهامة أيضاً بالنسبة للعراق وإيران تعاونهما في العمل على التغلّب على هموم كلّ منهما، وعلى الخصوص من خلال تعزيز ضوابط الرقابة على الحدود والتوقّف عن تقديم أيّة مساندة للجماعات التي تهدّد جيرانهما أو إيواء تلك الجماعات. ومن جهته، يتعيّن على المجتمع الدولي، وعلى الخصوص في أعقاب نتائج انتخابات كانون الثاني (يناير)، مساعدة العراق بشكل عاجل في إعادة بناء أجهزة مخابراته وقدرات سلطاته الجمركية على الرقابة والضبط.

عمّان/ بروكسل 21 آذار (مارس) 2005

Iran's influence in Iraq has been one of the most talked about but least understood aspects of the post-war situation. Tehran has been variously accused by Washington of undue and nefarious interference, by Arab leaders of seeking to establish an Islamic Republic, and by prominent Iraqi officials of an array of illegitimate meddling (manipulating elections, supporting the insurgency, infiltrating the country). In reality, as Crisis Group discovered during months of extensive research in Iran and Iraq, the evidence of attempted destabilising Iranian intervention is far less extensive and clear than is alleged; the evidence of successful destabilising intervention less extensive and clear still.

That Iran has vital interests in what happens in Iraq is beyond dispute. That it so far has exercised its influence with considerable restraint also is apparent, as is the fact that it has the capacity to do far more, and far worse. To maximise the chance that Iraq emerges successfully from its political transition, it will be critical for Tehran and Baghdad to work together on common security issues, and for the U.S. at least to prevent a further deterioration of its relations with the Islamic Republic.

Muqtada al-Sadr's uprising in April 2004 heightened fears that Iran might be backing anti-coalition violence. Iran also has been accused of facilitating the movement of groups such as Ansar al-Islam, and of being responsible for the assassination of Iraqi security officials. More recently, the triumph in the January 2005 elections for Iraq's transitional national assembly of the Shiite-based United Iraqi Alliance (UIA) and, in particular, of three parties within it with long-standing ties to the Iranian regime -- the Supreme Council for the Islamic Revolution in Iraq (SCIRI), Al-Da'wa and Al-Da'wa - Tanzim al-Iraq -- appeared to vindicate the views of those who suspect an Iranian effort to install a loyal, theocratic government.

The notion is widely accepted in Iraq, the Arab world and the U.S. that Iran is intent on destabilising Iraq, moulding its politics decisively (via money or the dispatch of hundreds of thousands of its nationals), or establishing a like-minded, compliant government. Already, this has had the insidious effect of shaping perceptions; if it continues unchallenged, it clearly runs the risk of determining policy. In fact, there is no indication that Iranian electoral manipulation is anything more than speculation or that the Shiites' victory was anything other than the political translation of their demographic predominance. Nor has any concrete evidence been presented to bolster the claim that Iran is either actively promoting the insurgency or seeking to maximise instability.

Iran's strength lies elsewhere. Having fought a brutal eight-year war with Iraq in the 1980s, its security agencies are highly familiar with Iraq's physical and political terrain and are able to sustain an active intelligence presence in southern Iraq, Baghdad and Kurdistan. Iranian levers of influence include a widespread network of paid informers, the increasingly assertive Iranian Revolutionary Guard Corps (IRGC, or Pasdaran), and petro-dollar funded religious propaganda and social welfare campaigns. Most importantly, Tehran has tried to influence Iraq's political process by giving support, in particular, to SCIRI. Even then, and while the record of the past two years suggests a solid Iranian motive to interfere in Iraq and plenty of Iranian activity, it also suggests little resonance, and, therefore, a negligible impact, on Iraqi society. This is because of a deep suspicion and resentment on the part of many Iraqis toward their neighbour.

The starting point to understand Iran's role must be a proper assessment of its interests. These are relatively clear and, for the most part, openly acknowledged. Tehran's priority is to prevent Iraq from re-emerging as a threat, whether of a military, political or ideological nature, and whether deriving from its failure (its collapse into civil war or the emergence of an independent Iraqi Kurdistan with huge implications for Iran's disaffected Kurdish minority) or success (its consolidation as an alternative democratic or religious model appealing to Iran's disaffected citizens). Iran consequently is intent on preserving Iraq's territorial integrity, avoiding all-out instability, encouraging a Shiite-dominated, friendly government, and, importantly, keeping the U.S. preoccupied and at bay. This has entailed a complex three-pronged strategy: encouraging electoral democracy (as a means of producing Shiite rule); promoting a degree of chaos but of a manageable kind (in order to generate protracted but controllable disorder); and investing in a wide array of diverse, often competing Iraqi actors (to minimise risks in any conceivable outcome).

These interests and this strategy, more than a purported attempt to mould Iraq in its own image, explain Iran's involvement, its intelligence collection, its provision of funds (and possibly weapons), and perhaps its occasional decision to back armed movements. They explain, too, the paradox of Iran's simultaneous ties to Iraq's political elite, which is hoping to stabilise the country, to Shiite clerics, who aim to Islamicise it, and to some rebellious political activists or insurgents, bent on fuelling unrest.

Finally, they explain why Iran so far has held back rather than try to undermine any chance of success. But this relatively cautious attitude may not last forever. Above all, it will depend on the nature of relations between Washington and Tehran: so long as these remain unchanged, Iran is likely to view events in Iraq as part of its broader rivalry with -- and heightened fears of -- the U.S. Highly suspicious of a large U.S. presence on its borders, concerned about Washington's rhetoric, and fearing its appetite for regime change, Tehran holds in reserve the option of far greater interference to produce far greater instability.

In basing its Iraq policy on cooperation with Shiites and its Iran policy on pressure against the regime, the Bush administration is simultaneously pursuing two paths that risk proving increasingly difficult to straddle. As Crisis Group has argued, the preferred way forward involves an accommodation between Tehran and Washington in which both sides' concerns are addressed: on the one hand Iran's nuclear program, its policies toward the Arab-Israeli peace process, and support for Hizbollah; and on the other, U.S. military presence in the region, its economic sanctions, and frozen pre-revolutionary Iranian assets. For now, however, such a grand bargain appears out of reach.

Some steps nonetheless should be taken to avert the most destabilising scenarios. Washington should avoid resorting to inflammatory rhetoric and take its newfound and welcome willingness to work with the European Union on a joint Iran policy a step further. To be credible, U.S. carrots must include more than lifting opposition to Iran's membership in the World Trade Organisation and to its obtaining aircraft spare parts -- and European sticks should include more than the already announced support for UN Security Council action in the event Iran does not verifiably renounce any military nuclear effort -- if the goal is to encourage constructive Iranian behaviour on the nuclear file. It also is vital for Iraq and Iran to work cooperatively on their respective security concerns, in particular by strengthening border controls and ceasing any support for or harbouring of groups that threaten their neighbour. For its part, and particularly in the aftermath of the January elections, the international community should urgently assist Iraq in rebuilding its intelligence and customs control capabilities.

Amman/Brussels, 21 March 2005

Philippe Errera
Draft text for reviving the 2015 nuclear agreement as shared by France's lead negotiator in February. Philippe Errera
Briefing 87 / Middle East & North Africa

هل استعادة الاتفاق النووي الإيراني ما تزال ممكنة؟

رغم أن الأمل يتلاشى، فإن الولايات المتحدة وإيران قد تكونان ما تزلان قادرتين على إعادة إحياء اتفاق عام 2015 بشأن برنامج طهران النووي. وإذا تعثّرتا في ذلك، ينبغي أن تسعيا إلى تحقيق أهداف أكثر تواضعاً بدلاً من السماح بتنامي مخاطر حدوث مواجهة بينهما.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ لقد تأرجحت حظوظ إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني بشكل دراماتيكي، من شبه المؤكد في آذار/مارس إلى الصفر تقريباً في تموز/يوليو، ثم عادت للتحرك في اتجاه الاتفاق في آب/أغسطس، ومن ثم وصلت إلى طريق مسدود آخر في أيلول/سبتمبر. وما تزال التبادلات الجارية بشأن التوصل إلى نص تسووي غير قادرة على إرضاء جميع الأطراف.

ما أهمية ذلك؟ رغم أن الأطراف تبقى ملتزمة اسمياً باستمرار الجهود الدبلوماسية لاستعادة الاتفاق الذي تم توقيعه في عام 2015، فإن حلقة تصعيدية تلوح في الأفق إذا استمرت المحادثات في الدوران دون هدف أو إذا انتهت إلى الفشل. إن وضع خطة طوارئ لمرحلة ركود طويلة أو لسيناريو عدم التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يساعد في تخفيف حدة التوترات وإدارة مخاطر حدوث مواجهة خطرة.

ما الذي ينبغي فعله؟ ثمة مساراً ضيقاً نحو التوصل إلى اتفاق ما يزال قائماً. لكن إذا طال أمد المحادثات أو انهارت، فإن أفضل سبيل للتقدم إلى الأمام قد يتمثل في قيام الأطراف بدراسة التزامات بإجراء واحد، بينما يتم الاستمرار في احترام الخطوط الحمر لتفادي حدوث تصعيد نووي وإقليمي. وبذلك يمكن للأطراف شراء الوقت لوضع تصور لاتفاق أكثر استدامة.

لمحة عامة

منذ نيسان/أبريل 2021، سعت الأطراف في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، أو الاتفاق النووي الإيراني، إلى إعادة إحياء الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وحققت المفاوضات بين إيران والأطراف المتفاوضة معها – الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وروسيا، والصين وألمانيا، بتنسيق من الاتحاد الأوروبي – تقدماً على مدى ثماني جولات في فيينا. وبحلول آذار/مارس 2022، كانت تلك المفاوضات قد تمخضت عن نص شبه نهائي. ومنذ ذلك الحين، حدث تراجع؛ فقد حولت حرب روسيا في أوكرانيا تركيز القوى العالمية وأعاقت التعاون؛ ووصلت الخلافات بين طهران وواشنطن بشأن قضايا جوهرية إلى طريق مسدود. يحاول الاتحاد الأوروبي التوصل إلى حل وسط، إلا أن كبير دبلوماسيه يعتقد أن مواقف الأطراف تتباعد، الأمر الذي يجعل التوصل إلى اتفاق سريع أمراً غير مرجح. فالانتخابات النصفية في الولايات المتحدة تضيّق المجال أمام تحقيق تقدم. وإذا لم تتخذ الأطراف إجراءات تصعيدية، فإنها قد تكون قادرة على عبور الخط النهائي قبل أو بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. غير أن المفاوضات قد تطول، وقد يتبين أن الفجوات غير قابلة للجسر. إذا كان الأمر كذلك، ستكون الأطراف بحاجة إلى التحول إلى مزيج من الاتفاقات المؤقتة على إجراء واحد وأن تحترم الخطوط الحمر لإدارة مخاطر نشوء مواجهة مسلحة.

النص الذي تم التوصل إليه في آذار/مارس عالج تقريباً جميع القضايا الجوهرية التي تفصل الأطراف. فقد حدد الكيفية التي ستقوم بها إيران بإعادة برنامجها النووي إلى الالتزام بالقيود الواردة في خطة العمل الشاملة المشتركة، ووضع تقديراً لما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة من رفع للعقوبات، ووضع مخططاً لكيفية تتابع التزامات الطرفين. بموازاة ذلك، اتفقت إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية على إطار لتسوية القضايا العالقة بشأن أنشطة إيران السابقة في مواقع غير معلن عنها. إلا أن تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية توقف، وعلق الطرفان في نزاعات على قضايا كانا يعتقدان أنهما سوياها أو باتا قريبين من تسويتها.

تقع في جوهر المأزق مطالب الحد الأدنى التي تقدمت بها إيران والتي لا تستطيع الأطراف الأخرى تلبيتها أو لا ترغب بتلبيتها. فتحوطاً لاحتمال نكث إدارة أميركية مستقبلية لالتزامها بالاتفاق كما فعلت إدارة ترامب، تسعى إيران للحصول على ضمانات بأن المزايا الاقتصادية التي توفرها استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة ستستمر. وقد أشارت إدارة الرئيس بايدن إلى أنها لا تستطيع تلبية مثل هذا المطلب، لأن الإدارة لا تستطيع قانونياً أن تلزم الرؤساء القادمين بالطريقة التي ترغب بها إيران. كما تريد إيران أن يتوقف تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في في أعمالها السابقة، مصرة على أن ذلك سيصبح تحقيقاً مدفوعاً سياسياً لا نهاية له. إلا أن وقف ذلك التحقيق سيتناقض مع تفويض الوكالة بتحقيق المساءلة بشأن الأنشطة النووية، وتعارض الولايات المتحدة والأطراف الأوروبية الثلاثة (فرنسا، وألمانيا والمملكة المتحدة، أو مجموعة الثلاث) فكرة القيام بذلك.

تحركات جرت أخيراً وفّرت بارقة أمل لإمكانية إعادة إحياء الاتفاق، لكن تلك البارقة تبدو الآن في حالة تلاشي. ففي مطلع آب/أغسطس، قدم الاتحاد الأوروبي نصاً تسووياً بعد عدة أيام من المداولات مع جميع الأطراف. ومنذ ذلك الحين، تبادلت إيران والولايات المتحدة سلسلة من المقترحات والمقترحات المضادة، إلا أن آفاق التوصل إلى وثيقة تحظى بالتوافق غير مؤكدة. مع عدم وجود علامات على مرونة إيرانية وإحجام متزايد في أوساط الديمقراطيين عن الانخراط في نقاش بشأن إيران يحدث استقطاباً في الكونغرس قبل الانتخابات النصفية، فإن تحقيق اختراق وشيك يبدو غير مرجح. لكن المؤكد هو أن إجراءات تصعيدية أو أحداث غير متوقعة يمكن أن تنسف ما قد يتبين أنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ خطة العمل الشاملة المشتركة.

في حين أن التوصل إلى تسوية ومواصلة محادثات فيينا إلى أن تصل إلى خاتمة ناجحة تبقى في مصلحة جميع الأطراف، فإن هدف استعادة الالتزام المتبادل بالاتفاق الأصلي قد يبقى بعيد المنال، وفي هذه الحالة فإن تحولاً عنيداً نحو واقع ما بعد خطة العمل الشاملة المشتركة يلوح في الأفق. في طهران، ثمة شعور بقدرة البلاد على التغلب على آثار العقوبات بينما يسود تحفظ بشأن قيمة الالتزامات الأميركية برفع العقوبات، والتي يعتقد كثيرون بأنه لن يوفر سوى عائدات هامشية، حتى لو كانت كبيرة على المدى القريب. في واشنطن، فإن العبء السياسي للسعي للتوصل إلى اتفاق إشكالي يتزايد مع تنامي المقاومة من خصوم الاتفاق والتقدم الذي حققته إيران في المجال النووي والذي لا يمكن عكسه، في الوقت الذي لم يتحول فيه الوضع الراهن المتمثل في عدم التوصل إلى اتفاق إلى أولوية قصوى في السياسة الخارجية بوجود أزمات أخرى. لكن مع اقتراب برنامج إيران من القدرة على صنع السلاح أكثر من أي وقت مضى، والعمل بقدر أكبر من انعدام الشفافية، فإن الوضع يمكن أن يتصاعد إلى أزمة انتشار نووي ما لم تتحرك الأطراف إلى مسار أكثر استقراراً.

إذا طال أمد الجهود الرامية إلى استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الأسوأ من ذلك إذا انهارت هذه الجهود، فإن من السهل تخيل المواقف التي سيستقر عليها كل من الجانبين الأميركي والإيراني. من المرجح أن واشنطن ستؤكد بشكل متزايد على إنفاذ العقوبات وتوسيعها، وربما بمشاركة أكبر من حلفائها الأوروبيين وتعزيز التهديد باستخدام القوة، خصوصاً إذا كان هناك علامات – غير موجودة حالياً – على تحركات إيرانية نحو صناعة سلاح نووي. طهران، من جهتها من شبه المؤكد أن تعزز تقدمها في المجال النووي، وكذلك استفزازاتها التي تستهدف الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط، إما مباشرة أو من خلال شركائها الإقليمين. ونتيجة لذلك، فإن ما كان حتى الآن توازناً حذراً يتمثل في "لا اتفاق، ولا أزمة" قد لا يظل مستداماً.

إذا فشلت محادثات فيينا في التوصل إلى اتفاق بشأن استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، سيكون من الحيوي إبقاء الفضاء الدبلوماسي مفتوحاً بالنظر في مسارات بديلة إلى الأمام. وينبغي الشروع في التخطيط لهذه الحالة الطارئة الآن. بعض الخيارات التي ربما كانت ممكنة في مرحلة سابقة لم تعد متوفرة الآن. لقد بدا في وقت ما أن الولايات المتحدة وإيران قد تضعا خطة العمل الشاملة المشتركة جانباً سعياً للتوصل إلى اتفاق أكثر طموحاً، أي ترتيب "أكثر مقابل أكثر"، إلا أن آفاق تحقيق ذلك لم تعد مبشّرة الآن، بالنظر إلى انعدام الثقة والتوقعات غير المتطابقة التي تظهر من خلال الجهود الرامية إلى إعادة إحياء اتفاق كان الطرفان قد قبلا به بصفته تفاهم الحد الأدنى. كما لا يبدو اتفاقاً مؤقتاً يتمثل في "أقل مقابل أقل" يقابل العودة المحدودة عن خطوات تطوير البرنامج النووي بجملة غير معلنة من الحوافز الاقتصادية واعدة على نحو خاص، لأن أقصى ما يمكن أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتقديمه في مجال رفع العقوبات سيكون على الأرجح أقل من متطلبات الحد الأدنى الإيرانية لذلك.

على هذه الخلفية، فإن التواضع قد يكون أساسياً لقابلية أي مقاربة للتحقق. يتمثل أحد الاحتمالات في التركيز على إشارات متبادلة تتكون من خطوة واحدة (على سبيل المثال، خطوة على الجبهة النووية مقابل رفع عقوبة واحدة)، رغم أنه حتى ذلك قد يبدو بعيد المنال. احتمال آخر قد يتمثل في أن التقدم المحرز بشأن القضايا الإنسانية، بما في ذلك تبادل السجناء الأميركيين والإيرانيين في كلا البلدين، أمر مرغوب في كل الأحوال، وربما يساعد في خلق مناخ أفضل لاستئناف المفاوضات النووية. أخيراً، سواء تمكنت الأطراف من التوصل إلى اتفاق على أي مما سبق ذكره أم لا، فإنها بحاجة إلى تحديد خطوط حمر ومجالات لا يمكن تجاوزها لمنع تصاعد التوترات على الجبهات النووية والإقليمية من التراكم في حلقات لولبية تصعيدية. يمكن للطرفين إيصال هذه الأفكار عبر وسطاء أوروبيين وإقليميين. وفي حين قد لا يكون هذا المسار مستداماً على المدى البعيد، فإنه يمكن على الأقل أن يشتري بعض الوقت للأطراف كي تنخرط في إعادة تفكير أساسي بشأن المدى الذي ما تزال الأنماط التي سادت خلال عقدين من الدبلوماسية النووية هي نفسها السائدة اليوم، وكيف يمكن مراجعتها بشكل بناء لتفادي حدوث مواجهة ينعكس خطرها على الجميع.

طهران/واشنطن/بروكسل، 12 أيلول/سبتمبر 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.