المخاطر التي تنتظر عراق ما بعد داعش
المخاطر التي تنتظر عراق ما بعد داعش

المخاطر التي تنتظر عراق ما بعد داعش

في كركوك، ثمة مخاطرة في أن تؤدي هزيمة المجموعة المتطرفة إلى إعادة إحياء الصراعات الإثنية والدينية القديمة – ما لم تنجح الشخصيات الأكثر حكمة في السيطرة على الوضع.

لم يكتفِ مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية الذين احتلوا قرية الشيخ برهان مزهر العاصي في شمال العراق بتفجير منزله وحسب بل إنهم دمروا أيضاً شواهد القبور التي نصبت فوق رفاة والديه في المقبرة المحلية.

أصبح عاصي، وهو عضو عربي يحظى بالاحترام في المجلس المحلي المنتخب في كركوك، الآن شخصاً مهجّراً في كركوك بعد أن استولى تنظيم الدولة الإسلامية على جزء كبير من المحافظة في حزيران/يونيو 2014. ما أضاف ملحاً على الجرح هو أن الرجل الذي قاد عملية تدمير ممتلكات الشيخ كان أحد أعضاء قبيلته، قبيلة العبيد.

لقد اتسع انتشار مثل تلك المحن خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. كما إنها تبرز أيضاً حقيقة لا تبعث على الارتياح وهي أنه في العراق، يُعدُّ تنظيم الدولة الإسلامية مشكلة محلية بشكل رئيسي. لا يضم الفرع العراقي في المنظمة المتطرفة سوى عدد محدود جداً من المقاتلين الأجانب فيما يعكس التحول الراديكالي لدى البعض في الطائفة السنّية في معارضته للنظام السياسي القائم.

لا يقتصر الضرر الناجم عن حوادث كذاك الذي حلَّ بعاصي على الصدفة وحسب، بل إن هذا الضرر يعيد تشكيل الهويات والولاءات في إحدى أكثر مناطق العراق تعدداً ثقافياً. كثيرون من العرب السنة أنفسهم الذين كانوا في الماضي يعارضون الاحتلال الأمريكي ويقاومون محاولات الهندسة الديمغرافية التي تقوم بها الأحزاب الكردية يجدون أنفسهم الآن "ضيوفاً" على نفس تلك الأحزاب. نظراً لتحوّلهم إلى مهجّرين، فإنهم أصبحوا أكثر قبولاً بالطموحات الكردية وباتوا يناشدون الولايات المتحدة للمساعدة في تحرير بيوتهم من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.

غير أن العديد من الأكراد يظلون متشككين بخصومهم العرب السنة السابقين، ويربطون بينهم وبين تنظيم الدولة الإسلامية ويحاولون استغلال تدهور حظوظهم في المرحلة الراهنة والضغط للحصول على مزايا في الصراعات الإثنية القائمة منذ أمد بعيد. وبالتالي فإنهم يخاطرون بتهيئة الظروف للجولة التالية من الصراع.

تتضح هذه الديناميكية على نحو خاص في كركوك، التي ادعت الحكومات المركزية والأحزاب السياسية الكردية حقها فيها وتصارعت عليها منذ عقود. حدد الدستور العراقي الذي صيغ بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 جملة من الإجراءات لتسوية الوضع المستقبلي لكركوك – ما إذا كانت ستصبح إقليماً مستقلاً أو سيتم التوصل إلى ترتيب سياسي آخر بشأنها – إلاّ أن بنود تلك الترتيبات لم تنفذ بعد. الأحزاب الكردية، التي شعرت بالإحباط بسبب عدم إحراز تقدم، مضت قُدماً وسيطرت تدريجياً على إدارة وأمن كركوك. مع استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على المناطق ذات الأغلبية العربية السنّية في الجنوب والغرب في حزيران/يونيو 2014، عزز الأكراد سلطتهم في المدينة والمناطق ذات الأغلبية الكردية إلى شمالها وشرقها.

المنطقة التي تشكل حوالي 60% من محافظة كركوك والتي لا تخضع لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية تستضيف أكثر من 700,000 مهجّر. بعضهم هو في الأصل من المحافظة نفسها، لكن الأغلبية هم من محافظات ديالا، ونينوى، وصلاح الدين، والأنبار المجاورة. الأغلبية الساحقة من هؤلاء المهجرين هم من العرب السنة، الذين هُجروا من منازلهم وقراهم عندما استولى تنظيم الدولة الإسلامية عليها أو في المحاولات العنيفة التالية التي قامت بها قوات الحكومة والميليشيات المرتبطة بها لاستعادتها. في بعض الأحيان، يمنع الغياب العام للأمن هؤلاء الناس من العودة إلى منازلهم؛ وفي بعضها الآخر يفضل اللاعبون السياسيون – الميليشيات الشيعية أو البشمركة الكردية – ببساطة أن لا يعودوا.

أصبحت الحويجة، وهي مدينة سنّية بشكل رئيسي في المنطقة الداخلية الزراعية من المحافظة، بؤرة للصراعات المتقاطعة بين السنة والشيعة والعرب والأكراد عام 2013. حينذاك، انتفض السكان المحليون ضد ما اعتبروه اعتقالات عشوائية وإهمالاً متعمداً من قبل حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي. قوبلت تلك الاحتجاجات بالقمع، حيث قتل أكثر من 40 مدنياً خلال بضعة أيام من المواجهات العنيفة مع قوات الأمن، ما حوّل المدينة إلى رمز لجميع المشاكل التي ستسهل استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية عليها بعد عام.

اليوم، باتت مكاسب الدولة الإسلامية على الأرض تتحول إلى خسائر. ثمة حملة متصاعدة لتحرير الموصل والبلدات والقرى المحيطة بها في محافظة نينوى. غير أن الحويجة لا تزال في قبضة المجموعة المتطرفة، رغم أن المنطقة الخاضعة لسيطرتها في كركوك عُزلت عن معاقل التنظيم إلى الشمال وفي سورية. ونتيجة لذلك، يتعرض السكان الآن للتجويع لأنهم فقدوا شريان الحياة الذي يربطهم بالمناطق الأخرى التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية وخسروا التبادل التجاري المحدود الذي كانت تحققه.

ولذلك فإن سكان الحويجة ينتظرون بفارغ الصبر تحريرها. السؤال المهم هو: على يد من؟ لا يرغب الجيش العراقي بحرق أصابعه مرة أخرى في المدينة، وهو في الأصل ينتشر على منطقة أوسع من قدرته على السيطرة خصوصاً مع استعداده لاستعادة الموصل. وبالتالي فقد تُرك السكان المحليون وممثليهم السياسيين المنفيين مع الخيار غير المقبول المتمثل في الميلشيات: إما قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، والتي عُرفت بـ "تطهير" المناطق السنّية التي تمت استعادتها في جميع المناطق التي يقطنها الشيعة أيضاً، أو البشمركة الكردية، التي انخرطت أيضاً في ممارسات مشابهة ضد العرب.

لو خُيَّر سكان الحويجة، لما اختاروا أياً من هذين الطرفين. كانوا سيفضلون قوة تتكون من جماعتهم، من العرب السنة الذين يسكنون هذه المناطق. غير أن الميليشيات الأكثر قوة منعتهم من تأسيس قوة مسلحة، وبالتالي تراهم ينخرطون في حسابات يائسة. إذا دخلها الأكراد، فإن من المرجح أن يسعوا للانتقام لعمليات الإعدام الوحشية التي نفذها تنظيم الدولة الإسلامية بحق أفراد البشمركة الذين وقعوا في أسره وأن يقوموا بعمليات تخريب تكفي لردع السكان العرب المحليين عن المحاولة مرة ثانية لعرقلة الطموحات الكردية في محافظة كركوك. كما يخشى العرب السنة أن يسعى الأكراد إلى فصل المناطق العربية عن كركوك وأن يمنحوها لمحافظة صلاح الدين المجاورة، الواقعة تحت سيطرة الحكومة المركزية. يعارض العرب السنة في كركوك بشدة مثل هذه الخطوة، حيث إنها ستحرمهم من الوصول إلى الأسواق التقليدية لمنتجاتهم الزراعية وإلى الثروات النفطية لكركوك.

يأمل بعض سكان الحويجة أن يحالفهم الحظ وأن يأتي التحرير على أيدي قوات الحشد الشعبي الشيعية، لأن تلك الميليشيات غير مهتمة بالحلول محل السكان السنة بشكل دائم في منطقة ليس فيها أي سكان شيعة. علاوة على ذلك، فإنهم يراهنون على أن مدينتهم لا تقع على الطريق التي تُتهم المجموعات الموالية لإيران بالسعي لفتحها بين الحدود الإيرانية والسورية. إلاّ أن أي عمل عسكري تشارك فيه قوات الحشد الشعبي لن يحظى بالدعم الجوي للولايات المتحدة، وبالتالي فإن المعركة مع تنظيم الدولة الإسلامية قد تطول وقد ينجم عنها ضرر كبير يلحق بالمدينة. يخشى سكان المدينة أن الدمار قادم بكل الأحوال.

بالطبع، فإن سكان الحويجة وسكان المناطق الأخرى التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية لا يقررون من سيستعيد مدنهم. ستقرر أطراف أخرى نيابة عنهم. حتى لو مارست البشمركة وقوات الحشد الشعبي أقصى درجات ضبط النفس، آخذة في الاعتبار الانتقادات الدولية المحتملة والمحاكمات المستقبلية لجرائم الحرب (وعلى النقيض من ممارسات سابقة)، فإن لدى العرب السنة في كركوك ما يبرر مخاوفهم من المصير الذي سيحل بهم في اليوم التالي.

قال لي عاصي: "نحن لم نكن جزءاً من النظام السابق، ولا ننتمي إلى هذه الشبكة الإرهابية. رغم ذلك، وقبل 10 حزيران/يونيو [اليوم الذي سقطت فيه الموصل في عام 2014 بيد تنظيم الدولة الإسلامية] كنا نُتهم بأننا صداميون وبعد ذلك بتنا نتهم بأننا أعضاء في تنظيم الدولة الإسلامية."

الحقيقة هي أنه ومعظم أبناء بلده ليسوا من هؤلاء ولا من أولئك. إلاّ أن الاتهامات التصقت بهم، وفيها بعض المنطق، حيث إن كثيرين في قيادة تنظيم الدولة الإسلامية وكوادره كانوا ضباطاً في قوات أمن النظام السابق.

إن كيفية معاملة المنتصرين للخاسرين هي التي ستشكل المعارك القادمة. نظراً إلى عدم وجود استراتيجية عسكرية شاملة في العراق توجه كيفية استعادة المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، أو من قبل من، فإن كل طرف في الحرب التي تُشن ضد تنظيم الدولة الإسلامية له أهدافه الخاصة. إن حقيقة أن هذه الأهداف تتكون في كثير من الأحيان من فرض عقاب جماعي على العرب السنة، وفي بعض الأحيان بوسائل وحشية، يشكل احتمالاً مرعباً. إن اتهام طائفة كاملة بأنها تعتنق نفس الأيديولوجيا القاتلة وغير المتسامحة لعدد قليل من أفرادها يعني أن من المؤكد أن العدد القليل من المتطرفين سيصبح كبيراً. ونتيجة لذلك، يبدو مستقبل مجموعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة مشرقاً، رغم أي خسائر على الأرض يمكن أن تمنى بها في القريب العاجل، أو حتى بسبب هذه الخسائر، حيث ثبت أن التزامها بالحكم عندما تسيطر على الأرض يشكل عبئاً لا تؤهلها إمكاناتها لتحمّله.

إذا كان ثمة رغبة في أن تؤدي هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية إلى تحقيق تقدم حقيقي، بدلاً من مجرد استقدام المرحلة التالية من الصراع، فإن على العراق أن يؤسس قوات محلية لتوطيد الاستقرار في المناطق العربية حديثة التحرير. إن الحجة القائلة بأن أفراد مثل تلك القوة يمكن أن يتحولوا وينضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية لا تصمد أمام منطق، نظراً إلى أنه في المحصلة ثمة تهديد حقيقي في أن ينضم جميع السكان إلى مثل تلك المجموعات المتطرفة بينما يتصاعد غضبهم تحت حكم قوات الحشد الشعبي أو البشمركة. هذا تماماً ما حدث عام 2014 عندما حاول الجيش العراقي الذي يهيمن عليه الشيعة، والذي يعتبره السكان المحليون قوة معادية تشكل رأس حربة لاحتلال "أجنبي"، السيطرة على سكان الموصل بدلاً من حمايتهم.

بالنظر إلى التنوع الذي تتسم به كركوك، فإن المحافظة على السلم سيكون دائماً أصعب من الانتصار في الحرب. تحاول المجموعات العديدة التي تتكون منها المحافظة أصلاً وبشكل يائس المحافظة على نسيج مجتمعها المشترك من التفكك على أيدي لاعبين خارجيين ذوي ذهنيات شوفينية وأهداف افتراسية.

لقد برز نجم الدين كريم، وهو جراح أعصاب متقاعد من ميريلاند انتخب محافظاً للمنطقة من قبل المجلس المحلي في كركوك عام 2011، بوصفه البطل غير المتوقع لعملية المحافظة على المجتمع متعدد الثقافات في كركوك. كريم عضو قديم في نفس الحركة الكردية التي سعت تقليدياً للحصول على كركوك للأكراد، مع وجود أقل عدد ممكن من العرب فيها. لكنه أخبرني بأن تجربته في حكم هذه المنطقة المعقدة على مدى السنوات الخمس الماضية علّمته بأن الأكراد لا يستطيعون ببساطة فرض إرادتهم على الآخرين. يعتقد كريم أن ثمة طريقة أفضل لتحديد ما إذا كان ينبغي لكركوك أن تصبح كردية بشكل رسمي بدلاً من ضم المحافظة بالقوة لإقليم كردستان من خلال استفتاء إشكالي، ما سيؤدي إلى حدوث استقطاب عميق في المجتمع بعد إجراء الاستفتاء. وقال لي إن كركوك "ينبغي أن تشكل إقليماً مستقلاً داخل العراق لفترة مؤقتة تتكون من 5 إلى 10 سنوات."

في نهاية تلك الفترة، يأمل كريم بأن يكون سكان كركوك قد حققوا درجة من الثقة المتبادلة. عندها سيُسمح لهم أن يختاروا بحرية ما إذا كانوا يريدون موطنهم تحت سيطرة بغداد، أو العاصمة الكردية أربيل، أو كإقليم مستقل يتمتع بمكانة وصلاحيات خاصة. علاوة على ذلك، فإنه قال إن الحويجة "ينبغي أن تصبح محافظة داخل إقليم كركوك، وأن يكون لها حكومة وموازنة محلية" – بعبارة أخرى، الاحتفاظ بعلاقاتها الإدارية والاقتصادية المهمة مع كركوك الخاضعة للسيطرة الكردية.

يقوم المحافظ بتعويم هذا الخيار مع معرفته الكاملة بأن كركوك، كإقليم مستقل، يمكن أن تستفيد في النهاية من الثروة التي تشكلها مواردها النفطية. في الوضع الراهن، فإن بغداد وأربيل حرمتا المحافظة من إيرادات النفط وذلك بعقدهما لصفقات مربحة من فوق رؤوس سكان كركوك. ما يشكل مفارقة إلى حد ما أن رئيس وزراء إقليم كردستان، نيشيرفان برزاني، يدعم محافظ كركوك في مسعاه. لكنه هو وكريم يصران على أن كركوك ينبغي أن تُعتبر، رمزياً على الأقل، "أرضاً كردستانية،" بنفس الطريقة التي يعتبر الأكراد المناطق الكردية الواقعة خارج العراق "كردستانية" أيضاً. إضافة إلى ذلك، فإن المحافظ يصر على أن أي ترتيب مستقبلي خاص لكركوك ينبغي أن يوافق عليه برلمان إقليم كردستان، ما يمكن أن يشكل عقبة كبيرة.

موقف كريم وضعه في حالة تعارض حاد مع حزبه، حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي هدده أعضاءه الغاضبون بالطرد منه. إلاّ أن الاتحاد الوطني الكردستاني ضعيف، حيث فقد زعيمه، جلال طالباني، بسبب المرض، ويعاني من صراعات داخلية على السلطة. من ناحية أخرى، فإن محافظ كركوك يشعر، وهو محق في ذلك، بأنه يحظى بدعم السكان المحليين – بما في ذلك سكانه الأكراد، الذين ينظرون إلى الحكم الفاسد وغير الكفؤ للأحزاب الكردية في الإقليم المجاور بدرجة كبيرة من القلق.

ولذلك فإن اللحظة الراهنة هي اللحظة المناسبة. رغم أن الشرق الأوسط قد يبدو ميؤساً منه في بعض الأحيان، فإن لدى القادة الذين يتمتعون برؤية براغماتية فرصة لفتح طريق سلمي وشامل إلى الأمام.

هؤلاء القادة يستحقون دعم المجتمع الدولي، حيث إنهم يشكلون ضمانة بأن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية لا يشكل ببساطة بداية لمجموعة جديدة من الحروب الأثنية والدينية.

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

الملخص التنفيذي

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.