تنبيه من مخاطر الصراع: اليمن
تنبيه من مخاطر الصراع: اليمن
Toward Open Roads in Yemen’s Taiz
Toward Open Roads in Yemen’s Taiz
Followers of Yemen's al-Houthi Shi'ite group ride in an open vehicle while carrying weapons to secure a road in the northwestern province of Saada, ahead of attending the funeral of the group's late founder al-Houthi Hussein Badr Eddin al-Huthi, 4 June, 2
Followers of Yemen's al-Houthi Shi'ite group ride in an open vehicle while carrying weapons to secure a road in the northwestern province of Saada, on 4 June 2013. REUTERS/Mohamed al-Sayaghi

تنبيه من مخاطر الصراع: اليمن

في أقصى شمال اليمن، تواجه اتفاقيات وقف إطلاق النار المتفرقة بين التيار الحوثي، المسمى "أنصار الله"، وخصومه العديدين خطر الانهيار. ينبغي أن تتخذ الحكومة اليمنية تدابير جريئة، بالتنسيق مع المجتمع الدولي، لمنع العودة إلى جولة جديدة من العنف من شبه المؤكد أن احتواءها سيكون أصعب من احتواء الجولة الأخيرة.

يأتي التهديد بتجدد العنف في لحظة حرجة من المرحلة الانتقالية في اليمن. بعد أن أكملت البلاد مؤتمر الحوار الوطني في كانون الثاني/يناير، بات لديها الآن مشروع لدولة فيدرالية جديدة ولإصلاحات ديمقراطية. إلاّ أن هذه الرؤية تبقى طموحاً في أفضل الأحوال في حين أن الأحداث على الأرض تتحرك في اتجاه مختلف. إذا تجدد القتال في الشمال، فإنه سيؤدي إلى تقويض تنفيذ مخطط الدولة الفيدرالية بشكل كبير وذلك بتقويض الإجماع السياسي وزعزعة سلطة الدولة الضعيفة أصلاً.

تصاعدت الجولة الأخيرة من القتال في تشرين الأول/أكتوبر 2013 عندما أحاط المقاتلون الحوثيون بمعهد "دار الحديث" في دماج، وهي مدينة في محافظة صعدة، حيث اتّهموا السلفيين هناك بتجنيد المقاتلين الأجانب والتحضير للقتال. السلفيون من جهتهم اتّهموا الحوثيين (الساعين لإحياء المذهب الزيدي الشيعي) بالعدوان غير المبرر ضد الطلاب المسالمين في المعهد الديني. سرعان ما انتشر القتال إلى سائر المحافظات الشمالية الخمس، من الحدود السعودية في كتاف إلى أبواب العاصمة اليمنية في منطقة أرحب.

في سياق المعارك الأخيرة، تبلورت جبهتان تربط أطراف كل منهما تحالفات غير وثيقة. من جهة، قام آل الأحمر، العائلة البارزة في تحالف قبائل حاشد القوي ـ بتجنيد ودعم المقاتلين السلفيين. ثمة مزاعم بأن هذا التحالف يحظى بدعم اللواء علي محسن الأحمر (الذي لا تربطه صلة قرابة بالعائلة) من خلال الموالين له في الجيش اليمني في محافظة عمران، وبشكل غير مباشر من قبل الحزب الإسلامي السني، الإصلاح، من خلال أفراده من أبناء القبائل. وعلى الجهة الأخرى هناك المقاتلين الحوثيين المخضرمين المتحالفين مع رجال القبائل الشمالية الساخطة والتي تعارض آل الأحمر والإصلاح، والذين يرتبط العديد منهم بحزب المؤتمر الشعبي العام و/أو مؤسسه، الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

لقد حقق الحوثيون انتصارات؛ حيث إن اتفاق إطلاق النار الموقع في كانون الثاني/يناير في دماج، والذي يطالب المقاتلين السلفيين بالرحيل والانتقال مؤقتاً إلى صنعاء، كان نصراً واضحاً لهم. كما أن الحوثيين انتصروا في معركة كتاف، حيث أكملوا اكتساحهم لمحافظة صعدة. الأهم من ذلك، فإنهم اندفعوا جنوباً في عمران، حيث تحالفوا مع قبائل حاشد التي تشعر منذ وقت طويل بالإحباط إزاء هيمنة آل الأحمر. في شباط/فبراير، دمّروا أحد منازل عائلة الأحمر، فيما يرمز إلى إنهاء هيمنة العائلة التي استمرت عقوداً من الزمن على اتحاد قبائل حاشد. وفي أرحب، تمكنت القبائل المتحالفة مع الإصلاح من الصمود ليس أكثر

بعد شهور من القتال، فإن سيطرة الدولة ضعيفة في أقصى الشمال، هذا إذا كان لها أي سيطرة على الإطلاق. يدير الحوثيون شؤون مناطقهم، ويوفرون الأمن الذي لم تتمكن الدولة من توفيره حتى الآن. في حين يدّعي الحوثيون بأنهم سيسلّمون أسلحتهم الثقيلة وسيدعمون عملية الانتقال السياسي، فإن خصومهم تساورهم شكوك عميقة ويزعمون بأن المجموعة تسعى لتأسيس حكم رجال الدين في اليمن أو، في الحد الأدنى، تقليد نموذج حزب الله اللبناني بتشكيل دولة داخل الدولة.

لقد أثار الانتصار الحوثي في عمران مخاوف من أن المجموعة، التي اكتسبت مزيداً من الجرأة بفضل التقدم الذي حققته، ستحاول غزو صنعاء. وهذه مخاوف مبالغ بها بعض الشي .يتمتع الحوثيون أصلاً بنفوذ سياسي كبير في العاصمة، ومن شأن شن هجوم عليها أن يحدث أثراً عكسياً بتعريض الدعم الشعبي الذي يتمتعون به للخطر، وإلحاق الضرر بمكانتهم الدولية وإدخال الجيش، الذي ظل حتى الآن على الحياد ـ رسمياً على الأقل ـ في المعركة ضدهم. رغم ذلك، فإن جميع الأطراف مسلّحة في العاصمة، وقد لا تتصرف بشكل عقلاني تماماً إذا تجددت الصدامات.

مجموعتا المطالب هذه بحد ذاتها مرغوبة وتنسجم مع نتائج الحوار الوطني. إلاّ أن تحقيقها سيكون أبعد ما يكون عن البساطة؛ حيث إنها ستتطلب تصميم خطة عمل والالتزام بها ووضع آلية إشراف ترتبط بتقاسم السلطة السياسية وإصلاح القطاع الأمني على المستوى الوطني.

لقد اختار الرئيس عبد ربه منصور هادي، حتى الآن، وبحصافة، البقاء على الحياد لتجنب العمل العسكري الذي من شبه المؤكد أن يعقّد الأوضاع ويفاقم من حدة العنف. بدلاً من ذلك فقد أعلن دعمه للجان الرئاسية التي تفاوضت، ولو متأخرة، للتوصل إلى اتفاقيات وقف إطلاق النار، أولاً في دماج ومؤخراً في أرحب وحاشد (في محافظة عمران). إلاّ أن هذه الاتفاقيات تبقى مؤقتة ومحدودة بطبيعتها. إن السلام الشامل يتطلب أن تتحقق لكل طرف بعض المطالب الرئيسية: بالنسبة للحوثيين، حقهم في نشر أفكارهم الدينية بشكل سلمي، وتعبئة الأنصار والانخراط في النشاط السياسي؛ وبالنسبة لخصومهم، أن يسلّم الحوثيون أسلحتهم الثقيلة للدولة وأن يدفعوا بأجندتهم من خلال الممارسات السياسية الحزبية السلمية وحسب.

مجموعتا المطالب هذه بحد ذاتها مرغوبة وتنسجم مع نتائج الحوار الوطني. إلاّ أن تحقيقها سيكون أبعد ما يكون عن البساطة؛ حيث إنها ستتطلب تصميم خطة عمل والالتزام بها ووضع آلية إشراف ترتبط بتقاسم السلطة السياسية وإصلاح القطاع الأمني على المستوى الوطني.

خلال هذه الهدنة الهشة، ينبغي على الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي أن يعملا بشكل حاسم لمنع تجدد العنف كخطوة أولى نحو التوصل إلى اتفاق سلام دائم. وهذا يتطلب عدة خطوات:

  • على الرئيس هادي أن يطلق فوراً مفاوضات يشرف عليها لتعزيز وقف إطلاق نار شامل في الشمال ووضع الأسس لاتفاقية سلام دائم. وينبغي أن تضم النقاشات جميع المعنيين وعلى مستويات رفيعة، بما في ذلك عبد الملك الحوثي، زعيم التيار؛ وأفراد عائلة الأحمر؛ وعلي محسن الأحمر وكبار قادة الإصلاح، والمؤتمر الشعبي العام والسلفيين
     
  • ينبغي أن تستند خطة السلام إلى اتفاقيات وقف إطلاق النار الحالية وأن تكون موجهة بنتائج الحوار الوطني، بما في ذلك مبادئ التمثيل السياسي الشامل، وحرية المعتقد الديني والنزع التدريجي لسلاح جميع الأطراف باستثناء الدولة.
     
  • على آل الأحمر، والإصلاح وعلي محسن أن يقبلوا صراحة بحق الحوثيين بالتعبير عن آرائهم الدينية والانخراط السلمي في الأنشطة السياسية.
     
  • ينبغي أن يوافق الحوثيون على برنامج متسلسل لتسليم الأسلحة الثقيلة للدولة، مع اتخاذ الدولة لخطوات متزامنة لضمان حيادية مؤسساتها، خصوصاً الأجهزة الأمنية. يمكن أن يتم إطلاق هذه العملية فوراً، بتنحية القادة العسكريين المثيرين للجدل، خصوصاً في عمران، وكذلك بتعيين محافظين أقل ارتباطا بالأحزاب في عمران والجوف كي يحلّوا يحلوا محل المحافظين الحاليين المنتمين إلى حزب الإصلاح. وفي مرحلة لاحقة، ينبغي التفاوض على إجراء تغييرات إضافية للمسؤولين الحكوميين المحليين وضباط الشرطة لضمان حياديتهم إلى أقصى درجة ممكنة، أو على الأقل، تحقيق المشاركة الكافية لجميع الأطراف المحلية.
     
  • ينبغي أن توافق جميع الأطراف على الامتناع عن النشاط العسكري في صنعاء والسعي إلى التهدئة ونزع السلاح في العاصمة
     
  • لإظهار دعم المجتمع الدولي لجهود هادي التفاوضية، ينبغي على أعضاء مجموعة العشرة (المجموعة الدبلوماسية التي تتخذ من صنعاء مقراً لها والتي تتكون من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي) ـ وخصوصاً السعودية والولايات المتحدة ـ دعم المفاوضات علناً، وإذا طلب الرئيس ذلك، المشاركة في المحادثات والمساعدة في التنفيذ.
     
  • ينبغي أن تشمل مراقبة الاتفاقية مكوّناً محلياً ـ ربما من خلال مبادرات أمنية شاملة ذات أساس قبلي.

صنعاء/بروكسل

A car travelling from Yemen’s Taiz city to Aden via the Hajjat al-Abd road. This route is prone to car and truck accidents which can be deadly. CRISIS GROUP / Ahmed Basha

نحو فتح الطرق المفضية إلى مدينة تعز اليمنية

تخضع تعز، وهي مدينة في وسط اليمن، لحصار يفرضه المتمردون الحوثيون يعزلها عملياً عن باقي أنحاء البلاد. إن استعادة إمكانية الوصول إلى المدينة سينقذ حياة الناس ويبني الثقة التي من شأنها أن تساعد في تحقيق السلام في اليمن. لكن الوقت قصير.

لقد انقضى أكثر من شهر منذ أعلنت الأمم المتحدة هدنة بين الحكومة اليمنية المدعومة دولياً والمتمردين الحوثيين الذين تقاتلهم منذ سبع سنوات بدعم من تحالف تقوده المملكة العربية السعودية. حتى الآن، صمدت الهدنة نفسها، ولو بشكل هش. لكن الأمم المتحدة تمكنت من تأمين التنفيذ الجزئي لاثنين فقط من إجراءات بناء الثقة التي ربطتها بالصفقة التي أوقفت القتال، وهما: السماح بمرور شحنات الوقود إلى ميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر الذي يسيطر عليه الحوثيون وإعادة فتح مطار صنعاء الدولي الذي يسيطرون عليه أيضاً أمام الرحلات التجارية للمرة الأولى منذ عام 2016. لكن بالكاد تحقق أي تقدم يذكر فيما يتعلق بالإجراء الثالث، وهو إعادة تنشيط الجهود الرامية إلى استعادة إمكانية الوصول عبر الطرق البرية إلى تعز، وهي مدينة تقع في وسط اليمن يحاصرها الحوثيون منذ عام 2016. ومسؤولو الأمم المتحدة في سباق مع الزمن الآن لضمان بقاء مطار صنعاء مفتوحاً على أمل تمديد الهدنة والشروع في مفاوضات سياسية. وبصرف النظر عن أهمية تلك المهمة، فإنهم لا يجب أن ينسوا تعز. إذ إن ما يحدث هناك من شأنه إما أن يسرّع الابتعاد عن المواجهات العنيفة والتوجه نحو المفاوضات السياسية، أو أن يصبح عائقاً يقوض جهود الأمم المتحدة الرامية في النهاية إلى إنهاء الحرب اليمنية.

فرصة هشة

توفر التطورات الأخيرة فرصة مواتية في اليمن. فقد دخلت الهدنة ومدتها شهران حيز التنفيذ في 2 نيسان/أبريل. وهي عبارة عن اتفاق غير رسمي لوقف القتال ينفَّذ ذاتياً من قبل الطرفين. وهي قابلة للتجديد نظرياً. وتعقد الأمم المتحدة الأمل على أن تمديداً للهدنة يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لمفاوضات سياسية على وقف إطلاق نار رسمي وسبيل تفاوضي لإنهاء الصراع.

بعد أقل من أسبوع من إعلان الأمم المتحدة للهدنة، أعلن رئيس اليمن على مدى عشر سنوات، عبد ربه منصور هادي، تخليه عن السلطة لمجلس رئاسي جديد مكوّن من ثمانية أعضاء بقيادة وزير الداخلية السابق، رشاد العليمي. ويذكر أن هادي تنحّى تحت ضغوط من المملكة العربية السعودية كجزء من مبادرة لإعادة تنظيم الكتلة المعادية للحوثيين. فاليمنيون المعادون للحوثيين انتقدوا هادي بشدة لعدم ممارسته دوراً قيادياً في التحالف المشتت المعادي للحوثيين. رفض الحوثيون علناً المجلس الجديد على أنه مجرد "تعديل لتركيبة المرتزقة" يؤكد على ما يرون فيه افتقار الحكومة للشرعية. إلا أن المجلس يمثل طيفاً واسعاً من الفصائل العسكرية والسياسية المعارضة للحوثيين. وقد تم تدشينه في عدن، مع تعيين رئيس للوزراء وحكومة.

تشكل الهدنة وتشكيل المجلس ... فرصة مهمة، وإن تكن محدودة، لإعادة إطلاق عملية سياسية.

تشكل الهدنة وتشكيل المجلس – والتصريحات العلنية للمجلس بأنه سيسعى إلى تحقيق السلام مع الحوثيين – فرصة مهمة، وإن تكن محدودة، لإعادة إطلاق عملية سياسية، خصوصاً بالنظر إلى تراجع هيمنة الحوثيين في ميدان المعركة نتيجة تجدد الدعم الإماراتي للقوات المعادية لهم. قد يكون من قبيل المبالغة القول بإمكانية تحقيق السلام مباشرة، ويرى كثير من اليمنيين في الهدنة فرصة للأطراف المتنازعة لإعادة تجميع قواها بدلاً من وقف الأعمال القتالية. رغم ذلك، فإن آفاق الانتقال من المعارك العنيفة إلى مفاوضات سياسية ذات معنى باتت أفضل الآن مما كانت عليه على مدى سنوات.

ومن أجل الاستفادة من فرصة تمديد الهدنة، يتعين على الطرفين تحقيق تقدم مستمر في جميع الإجراءات الثلاثة المترابطة لبناء الثقة. ويبدو أن الأمم المتحدة تدفع بقوة فعلاً فيما يتعلق بشحنات الوقود وإعادة فتح مطار صنعاء. إلا أن قضية تعز تتطلب اهتماماً أكبر.

شاحنة رباعية الدفع تحمل مسافرين من عدن إلى مدينة تعز على طريق هيجة العبد، وهو طريق غير مباشر وخطير يربط المحافظتين. مجموعة الأزمات / أحمد باشا

تعز والهدنة

حقيقة أن الهدنة صمدت حتى الآن، ولو بشكل هش، تعد إنجازاً بحد ذاتها بالنظر إلى عمق انعدام الثقة بين الحوثيين وخصومهم، حيث تبادلا الاتهامات بشأن التأخر في اتخاذ الخطوات المتفق عليها. لكن يبلغ انعدام الثقة بنوايا الحوثيين أقصاه في تعز، حيث استقبل السكان إعلان الهدنة بالاحتجاج بدلاً من الاحتفال. إذ رأى كثير من السكان أن أحكام الاتفاق بالنسبة لمدينتهم غير واقعية. وبالنسبة للكثيرين في المعسكر المعادي للحوثيين، فإن تعز أصبحت رمزاً لما يرون فيه مقاربة دولية غير متوازنة لا تلقي بالاً لمظالمهم بينما تسعى لإرضاء الحوثيين.

لقد عُزلت محافظة تعز عن باقي أنحاء اليمن منذ أدت المعارك في عام 2015 إلى احتفاظ الحوثيين بالسيطرة الاقتصادية والاستراتيجية على مناطق شمالية مهمة وأحاطوا بمدينة تعز، التي ظل مركزها تحت سيطرة القوات المتحالفة مع الحكومة. لقد قطع القتال جميع الممرات البرية التي تربط تعز بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وتلك الخاضعة لسيطرة الحكومة. وأينما أرادوا الانتقال، يُجبر اليمنيون الذين يعيشون في المدينة على المناورة على طرقات جبلية ذات مسار واحد وذات منعطفات خطرة جداً وعليها نقاط تفتيش تقيمها المجموعات المسلحة.

وقد كانت التداعيات مدمرة للحياة المدنية والتجارة. فقد ازدادت المدة الزمنية التي يستغرقها السفر من وإلى تعز بشكل كبير جداً. فالقيام برحلة من الحوبان التي يسيطر عليها الحوثيون، والمركز الصناعي في محافظة تعز حيث يعمل كثير من السكان، إلى مركز مدينة تعز الخاضع لسيطرة الحكومة كان يستغرق في الماضي من 5 إلى 15 دقيقة بالسيارة. أما الآن فيستغرق نحو 5 إلى 6 ساعات على طريق سيء بمسار واحد. أما السفر من تعز إلى مدينة عدن الساحلية الجنوبية فيستغرق من ست إلى ثمان ساعات بالسيارة؛ بينما كان يستغرق ساعتين إلى ثلاث ساعات قبل عام 2015. ويمكن لنقل السلع الأساسية مثل الأغذية والوقود بالشاحنات بين المدينتين المتحالفتين اسمياً أن يستغرق بين 14 ساعة وعدة أيام. لقد أدى ارتفاع تكاليف النقل والرسوم التي تدفع على نقاط التفتيش، إضافة إلى التكاليف الأخرى المرتبطة بالعمل في اقتصاد حرب، إلى رفع أسعار الأغذية والوقود داخل المدينة بشكل جعل تكاليف المعيشة فيها الأعلى في اليمن. فلم يعد من غير الشائع أن يموت المرضى من سكان تعز في طريقهم إلى عدن أو صنعاء للحصول على الرعاية الطبية العاجلة. حتى الآن، لم يكن لدى الحوثيين حوافز تذكر لتحسين الوصول إلى المدينة عبر الطرق. فهم يسيطرون على المركز الاقتصادي للمحافظة ويبقون خصومهم المحليين محصورين فيها. ما يزيد من تعقيد المسائل هو أن الأجزاء من محافظة تعز التي لا يسيطر عليها الحوثيون تتنازع عليها مجموعات متنافسة داخل الكتلة المعادية للحوثيين، ويتطور النزاع إلى العنف أحياناً.

الحوبان إلى تعز
عدن إلى تعز

سوابق فاشلة

لقد فشلت سلسلة من المبادرات المحلية والدولية في تحسين الوصول إلى مدينة تعز – وهو فشل يرى فيه كثير من السكان نتاجاً للانحياز الدولي وانحياز الأمم المتحدة لصالح الحوثيين. وفي سياق شرح إحباطهم، يشيرون إلى اتفاق ستوكهولم لعام 2018، الذي مكّن فعلياً من تحاشي حدوث معركة للسيطرة على الحديدة، وكان يهدف إلى تحضير الأرضية لمحادثات سلام أوسع. احتوى ذلك الاتفاق اتفاقا فرعياً غامضاً بشأن تعز؛ فقد دعا كلا الطرفين إلى اختيار ممثلين إلى لجنة مشتركة تعمل لتحقيق هدف إعادة فتح الممرات الإنسانية إلى مركز المدينة. كما نص على أن تقدم اللجنة تقريراً واحداً بشأن التحرك نحو تحسين الوصول عبر الطرق إلى المدينة خلال فترة الاستعداد لمشاورات مستقبلية.

إلا أن الاتفاق الفرعي لم يحقق تقدماً ذي معنى بشأن استعادة وصول سكان تعز إلى باقي أنحاء البلاد. ورغم أن الأمم المتحدة عقدت اجتماعات فردية مع ممثلي كلا الطرفين، فإن الوفود لم تجتمع بشكل مشترك كلجنة، ناهيك عن التوصل إلى اتفاق حول كيفية تحقيق الأهداف التي وضعت في السويد. انتقد اليمنيون المعادون للحوثيين الأمم المتحدة لعدم بذل نفس الجهود لإعادة فتح تعز - والتي يرى فيها السكان قضية إنسانية – التي بذلتها بشأن إنهاء حصار الحديدة. كثير من اليمنيين الذين عملوا على قضية الطرق المفضية إلى تعز منذ بداية الحرب يعتقدون أنه ما كان ينبغي للأمم المتحدة جعل هذه القضية جزءاً من اتفاق ستوكهولم بل كان يتعين أن تتفاوض على الوصول إلى المدينة على مسار منفصل. ومن وجهة نظرهم، فإن وضع تعز في إطار ستوكهولم جعل من السهل جداً على الحوثيين جعل التقدم بشأن هذه القضية مشروطاً بتنفيذ أوجه أخرى في الاتفاق. كما أن ثمة تصوراً على نطاق واسع بأن الأمم المتحدة استسلمت بسرعة أكبر مما ينبغي عندما تعثرت المفاوضات بشأن الطرق وحظيت قضايا ملحة أخرى بالأولوية.

يسهم وضع تعز في التوترات السائدة بين المكونات المختلفة للكتلة المعادية للحوثيين

ويسهم وضع تعز في التوترات السائدة بين المكونات المختلفة للكتلة المعادية للحوثيين، والتي حاولت الرياض توحيدها تحت مظلة واحدة. الكثير من سكان تعز يعتقدون أن التحالف الذي تقوده السعودية – وخصوصاً الإمارات العربية المتحدة، التي لديها أجندة محلية وإقليمية معادية للإسلاميين بشكل صريح – ترغب بإبقاء تعز معزولة من أجل إبقاء حزب الإصلاح، وهو مجموعة إسلامية مهيمنة في تعز، ضعيفاً. ويشير اليمنيون في هذا المعسكر إلى قدرة القوات المدعومة من الإمارات على حشد قوات واستعادة مناطق في أجزاء أخرى من البلاد، كما فعلت في ثلاث مناطق في جنوب شبوة ومأرب في وقت سابق من عام 2022. ويعتقدون أنه بإمكان التحالف الذي تقوده السعودية إذا رغب، توفير مساعدة عسكرية أكبر للقوات المعادية للحوثيين في تعز لإبعاد الحوثيين عن الطرق المحيطة بالمدينة على الأقل. كما يعتقد بعض اليمنيين المعادين للحوثيين بأن الهدنة علامة على أن السعودية تريد إخراج نفسها من الحرب. ويعتقدون أن السعوديين وافقوا على جعل تحقيق التقدم بشأن القضايا المتعلقة بتعز إحدى إجراءات بناء الثقة الثلاثة فقط لتهدئة حكومة هادي، التي يُذكر أنها قاومت الاتفاق.

لكن هذه المشاعر المعادية للسعودية، والشعور بأن الرياض كانت القوة الدافعة لتشكيل المجلس الرئاسي الجديد، يمكن أن تعمل لصالح تعز. فالمجلس، ورئيسه نفسه من تعز، يواجه ضغوطاً لإظهار أنه يأخذ مصلحة اليمنيين العاديين بعين الاعتبار على الأقل كما يأخذ رغبة الرياض بالانتهاء من قضية اليمن. وهكذا من الممكن أن يسعى المجلس للتأكيد على حسن نواياه بجعل الوصول إلى تعز عبر الطرق البرية مكوناً محورياً في استراتيجيته التفاوضية بنفس الطريقة التي اتبعها الحوثيون فيما يتعلق بميناء الحديدة ومطار صنعاء، أي برفض تحقيق تقدم في المحادثات بشأن قضايا أخرى دون تحقيق تقدم بشأن الطرق في تعز.

لكن حتى الآن لم يتم تحقيق تقدم يذكر من أي نوع كان. كجزء من اتفاق الهدنة، فإن الحوثيين والحكومة ملتزمان بتشكيل لجنة تفاوض مشتركة لمعالجة قضية طرق تعز، كما فعلا سابقاً بموجب اتفاق ستوكهولم. مسؤولو الحكومة اليمنية يقولون إنهم سمّوا مرشحيهم للجنة وقدموا مقترحات بشأن إعادة فتح طرق تعز–الحديدة، وتعز–صنعاء وتعز–عدن. ويدّعون أن الحوثيين لم يسمّوا مفاوضيهم حتى الآن، وبالتالي يصورون المتمردين على أنهم العقبة الرئيسية أمام تحقيق التقدم. في الواقع، فإن الحوثيين تقدموا بمطالب جديدة لإعادة فتح الطرق في تعز، أولها وقف القتال في المحافظة وسحب العتاد العسكري من شرايينها الرئيسية.

طريق الحوبان المغلق حالياً والذي كان يربط مدينة تعز الواقعة تحت سيطرة الحكومة والحوبان الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. مجموعة الأزمات / أحمد باشا

بناء الثقة طريق باتجاهين

مهما كان ما سيحدث تالياً، فإن قضية الوصول إلى تعز عبر الطرق من المرجح أن تصبح سجالية على نحو متزايد، خصوصاً مع مضاعفة الأمم المتحدة جهودها للمحافظة على التقدم المحرز في إجرائَي بناء الثقة الآخرين في محاولة لتوسيع وتمديد الهدنة. حتى الآن، وطبقاً لمسؤول في الحكومة اليمنية تحدث إلى مجموعة الأزمات، فإن إحدى عشرة سفينة تحمل الوقود وصلت إلى ميناء الحديدة. علاوة على ذلك، فإن أول رحلة تجارية خرجت من مطار صنعاء منذ ست سنوات غادرت إلى عمّان بعد وقت قصير من إعلان الحكومة أنها ستسمح للأشخاص الذين يحملون جوازات سفر صادرة عن الحوثيين بالسفر. رغم هذا التقدم، تنتشر شائعات تفيد بحدوث حشد عسكري مع استعداد الطرفين لاحتمال انهيار الهدنة أو انتهاء مفعولها.

تتمثل المخاطرة في أن الهدنة قد لا تستمر بعد انقضاء إطارها الزمني ومدته شهران إذا لم يحدث تقدم ذي معنى في جميع إجراءات بناء الثقة الثلاثة. وتهميش قضية تعز من شأنه أن يعرّض آفاق تجديدها للخطر. كما لاحظنا أعلاه، فإن البعض في معسكر الحكومة قد يؤيد جعل المفاوضات بشأن إعادة الفتح الكامل لمطار صنعاء مشروطاً بتحقيق التقدم بشأن تعز، وبذلك تتقوض إمكانية توسيع الهدنة إذا استمر الحوثيون في المماطلة بشأن القضية الثانية. أما الحوثيين، من جانبهم، فيستمرون في تجاهل قضية الطرقات المفضية إلى تعز ويظهرون علامات على القيام بمفاوضات بطيئة، ما يعطي الحكومة مبرراً مثالياً لإعاقة جهود التحرك نحو المفاوضات.

وهكذا فإن تسوية قضية طرق تعز مرتبطة بشكل وثيق بمصير الهدنة بشكل عام، وكذلك بأي مفاوضات مستقبلية بين الطرفين المتحاربين. لذلك، ينبغي على القوى الخارجية اتباع مقاربة من شقين للتوصل إلى تسوية. أولاً، وكجزء من اندفاعة دبلوماسية أوسع مع الحوثيين في صنعاء، ينبغي أن تركز اهتمام المتمردين على الحاجة لتحقيق تقدم بشأن تعز، وأن تشير إلى أن القضية تحظى بالأولوية على جدول أعمالها. إن غياب دبلوماسية جادة ومستمرة بشأن قضية تعز من شأنها فقط أن تكون قد أسهمت بعدم حدوث أي تقدم حتى الآن. ثانياً، ومع الأخذ بعين الاعتبار مخاطر خلط ملف الوصول عبر الطرق بقضايا سياسية وعسكرية أخرى، يتعين على الدبلوماسيين طرح قضية تعز في نقاشاتهم مع السعودية، بالنظر إلى أن المملكة لديها قنواتها الخاصة مع الحوثيين. يمكن لإشراك السعودية في دعم إعادة فتح مدينة تعز أن يعزز مصداقية المملكة، بالنظر إلى أن الكثير من اليمنيين يعتقدون (ومستاؤون من) أنها ترغب بإبقاء حزب الإصلاح في موقف دفاعي في أحد أهم المناطق اقتصادياً في البلاد. كما أن ذلك سيساعد في تحقيق هدف الرياض المتمثل في المساعدة على إنهاء الحرب.

ينبغي على الأطراف عدم إضاعة هذه الفرصة لتحقيق تقدم. لقد أعاد فتح مطار صنعاء جزئياً إحياء الأمل بين اليمنيين بأنهم سيتمكنون مرة أخرى من السفر خارج البلاد. وعلى نحو مماثل، فإن إعادة فتح طرقات تعز سيحقق مزايا كبيرة لسكان المدينة الذين قيدت حرية حركتهم لمدة أطول مما ينبغي. إذا لم يتم التحرك بشأن تعز، فإن فرص تمديد الهدنة بما يتجاوز إطارها الزمني وهو شهران، وتحقيق السلام في اليمن، ستصبح أكثر ضآلة. رغم التشكك واسع النطاق، فإن الهدنة، وهي أول توقف للقتال على مستوى البلاد منذ عام 2016، صمدت حتى الآن. لا ينبغي جعل اليمنيين ينتظرون ست سنوات أخرى لظهور فرصة أخرى لتحقيق السلام.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.