Members of the Syrian Democratic Forces (SDF) deploy outside Ghwayran prison in Syria's northeastern city of Hasakeh, after having retaken the facility following its takeover by Islamic State (IS) group forces. January 26, 2022. AFP

احتواء تنظيم الدولة الإسلامية الذي يُظهر قدرة على البقاء في وسط وشمال شرق سورية

لقد زالت خلافة تنظيم الدولة الإسلامية، إلاّ أن التنظيم يستمر في شن الهجمات وتخويف السكان في جزء كبير من المنطقة التي كان يسيطر عليها. ولذلك يتعين على القوى التي تحاربه أن تعيق حركة المسلحين المتشددين بين المناطق السورية - والأهم من ذلك، تفادي قيام صراعات منهكة فيما بينها.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ يشن تنظيم الدولة الإسلامية تمرداً مسلحاً يثبت قدرته على البقاء في سائر أرجاء وسط وشمال شرق سورية. ويتعامل مع هاتين المنطقتين شبه المستقلتين على أنهما مسرحين مترابطين، الأمر الذي يمنحه مرونة في استراتيجيته الرامية إلى إعادة فرض سيطرته على الأرض. في هذه الأثناء، فإن القوى الكثيرة التي تحارب التنظيم تعمل في كثير من الأحيان لتحقيق أغراض متعارضة.

ما أهمية ذلك؟ لقد حققت الحملات التي شُنت لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية مكاسب مهمة لكن غير حاسمة. فهي لم تحقق الكثير، على وجه التحديد، في منع مقاتليه من عبور خطوط السيطرة في سورية. وكلما استمر هذا الوضع لمدة أطول، كلما تمكن المقاتلون المتشددون من تعميق جذورهم وكلما ازدادت صعوبة إلحاق الهزيمة بهم.

ما الذي ينبغي فعله؟ أولاً وقبل كل شيء، ينبغي على أولئك الذين يقاتلون تنظيم الدولة الإسلامية تفادي التصعيد فيما بينهم بشكل يمنح التنظيم مجالاً للتحرك. كما ينبغي أن تعمل كل جهة فاعلة أيضاً على الحد من حرية حركة المقاتلين المتشددين بين المسارح، ولا سيما عبر إغلاق ممرات التهريب.

الملخص التنفيذي

لقد أظهر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام درجة كبيرة من القدرة على البقاء منذ آذار/مارس 2019، عندما خسر آخر قطعة من الأرض كان يسيطر عليها في سورية والعراق. فقد استمر في تمرد مسلح، وفي بعض الأحيان وسّع نطاق ذلك التمرد، في أربعة أجزاء من سورية، تسيطر على كل منها مجموعة مختلفة من القوات السورية، لثلاث منها داعمون خارجيون. أما خصومه، المختلفون في كثير من الأحيان مع بعضهم بعضاً، فقد فصلوا جهودهم في محاربة التنظيم عن بعضها بعضاً ولم يفعلوا الكثير لوقف حركة المقاتلين المتشددين عبر خطوط السيطرة القابلة للاختراق. ويستغل تنظيم الدولة هذه الفوضى ليعزز قدراته القتالية. ويبدو صناع السياسات في مختلف الأطراف التي تنفذ عمليات ضد تنظيم الدولة الإسلامية بعيدين عن التوصل إلى هدنة فيما بينهم، لكن رغم ذلك ينبغي أن يحاولوا تفادي نشوء صراعات جديدة فيما بينهم تسهم في خدمة تنظيم الدولة وحسب. عليهم أن يضمنوا أن تعكس استراتيجياتهم التطورات الحاصلة في المناطق غير الخاضعة لسيطرتهم. كما ينبغي أن يغلقوا ممرات التهريب التي يستعملها تنظيم الدولة لنقل المقاتلين والإمدادات من مسرح إلى آخر.

انتهت الخلافة التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية بهزيمته في بلدة الباغوز السورية قرب الحدود العراقية. ومنذ ذلك الحين، سيطرت مجموعة متنوعة من الأطراف على المنطقة التي كانت في وقت ما تحت سيطرته. وتتمثل هذه القوى في الجيش العراقي ومجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية في العراق؛ وقوات سورية الديمقراطية التي يقودها الأكراد (قسد)، بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم الدولة، في شمال شرق سورية (وتستمر الولايات المتحدة أيضاً بشن ضربات جوية على أهداف لتنظيم الدولة في أنحاء أخرى من البلاد)؛ وتركيا وشركائها السوريين في شمال حلب؛ والتنظيم الإسلامي المسمى هيئة تحرير الشام في إدلب؛ ونظام دمشق وحلفائه الروس والإيرانيين في صحراء وسط سورية التي تُعرف بالبادية.

اليوم، يبدو أن قادة تنظيم الدولة الإسلامية يقدّمون على الأغلب توجيهات عامة من خلال الرسائل عبر الإنترنت بدلاً من ممارسة القيادة اليومية لأفراد التنظيم والمتعاطفين معه في سورية. ويبدو أن التنظيم يعمل اليوم على مستويين. مكوّن محوري صلب من المقاتلين المتشددين يعملون بناء على توجيهات القيادة ويشنون هجمات معقدة، بينما تقوم مجموعة أكبر من الخلايا، وإن كانت تعمل بشكل غير مركزي، بتنفيذ هجمات أصغر وأكثر تواتراً، وتروع الناس وتعالج المسائل المالية. وبهذه الطريقة، عزز تنظيم الدولة شبكات اتصالاته ونقله التي تربط المناطق المختلفة في البلاد، مفوضاً لخلاياه أدوار محددة في كل مكان، إذ ينظر إلى أنشطته في كل منطقة على أنها تعزيز للأنشطة التي يقوم بها في مناطق أخرى. ويستعد تنظيم الدولة لمحاولة تحقيق هدف استعادة السيطرة على الأرض إذا سمحت الظروف، وعندما تسمح.

يستعمل تنظيم الدولة الإسلامية كلاً من مناطق نفوذه الأربع في سورية بطريقة متمايزة. ففي البادية، القاعدة الخلفية لعملياته في سورية وأيضاً في العراق، يدرب معظم مجنديه الجدد. وفي الشمال الشرقي، يجمع الأموال ويخزن الإمدادات، إذ يشن هجمات على قوات الأمن، والتكنوقراط والوجهاء العشائريين لإضعاف ثقة الناس في الحكم المحلي. وفي الشمال والشمال الغربي، يحتفظ بمخابئ لقادته المتوسطين والكبار، الذين ينعمون بدرجة من الغُفلية بين مئات آلاف السوريين النازحين الذين يعيشون في مستوطنات مؤقتة. تتسم عمليات التمرد المسلح لتنظيم الدولة في وسط وشمال سورية على نحو خاص بالتداخل. إذ ينقل التنظيم الرجال والعتاد بين المناطق التي يسيطر عليها النظام والمناطق التي تسيطر عليها قسد طبقاً لأهدافه المتغيرة، واحتياجاته اللوجستية ونقاط ضعف أعدائه في تلك المنطقة. ويبدو أن هذه الحركات منسقة بين القادة المركزيين والإقليميين ودون الإقليميين.

سمحت حالات وقف إطلاق النار التي جمّدت الجبهات في سورية في عام 2020 لدمشق وداعميها الخارجيين بإعادة نشر قواتها لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في وسط البلاد وشرقها. أدى هذا الجهد إلى انخفاض في عدد هجمات التنظيم على أهداف النظام طوال عام 2021. وانسحب بعض مقاتلي التنظيم إلى أجزاء أبعد حتى من وسط سورية لتفادي الصدام، بينما انتقل كثيرون آخرون إلى العراق أو إلى شمال شرق سورية. يبدو أن هذه المجموعة الثانية من المقاتلين عززت خلاياها في المناطق الأخيرة، الأمر الذي مكن التنظيم من القيام بالمزيد من العمليات، بما في ذلك الهجوم الكبير الذي شنه في كانون الثاني/يناير 2022 على السجن الذي تديره قسد في الحسكة والذي يضم مقاتلين للتنظيم وفتيان مراهقين من سورية والعراق، وبلدان ثالثة أيضاً.

وقد باتت نُذُر هجوم واسع النطاق لتنظيم الدولة واضحة للعيان منذ بعض الوقتِ. فطوال الجزء الأكبر من عامي 2020 و2021، كانت خلايا تنظيم الدولة مختبئة في الشمال الشرقي، وتبني شبكة استخبارية، وتجمع الأموال من خلال السرقة، والابتزاز والتهريب، وتحد من قدرة قسد على جمع المعلومات الاستخبارية وتوفير الخدمات من خلال إدارتها الذاتية. استعادت الخلايا نشاط حركتها وجهودها في أواسط عام 2021 مع تنامي إيراداتها.

المناطق السورية التي تسيطر عليها قسد ضعيفة بشكل خاص أمام إعادة تجميع قوات تنظيم الدولة. فقسد، رغم إنجازاتها السابقة في محاربة التنظيم، تواجه مشاكل لا حصر لها من شأنها أن تقوض جهود محاربة التنظيم وإعاقة قدرتها على حراسة آلاف المقاتلين المتشددين، إضافة إلى الأعضاء النساء في التنظيم، اللاتي تحتفظ بهن مع أطفالهن في المخيمات. وتقوم خلايا تنظيم الدولة باغتيال قادة قسد ووجهاء العشائر، وتزرع الخوف من أجل زيادة نفوذها على الناس الذين يعيشون في المناطق التي كان التنظيم يسيطر عليها من قبل. وعلى وجه الخصوص، فإن اتساع نفوذ خلايا التنظيم في دير الزور أخاف السكان، وأفشل جهود قسد والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لجمع المعلومات الاستخبارية. إن استعداد وقدرة قسد على مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية مشروط باستمرار الدعم العسكري الأميركي، وربما تخفيف حدة التهديدات التي تطلقها تركيا والنظام السوري لحكمها.

رغم هذا الوضع غير المستقر، ما يزال بوسع أولئك الذين يقاتلون تنظيم الدولة أن يمنعوا التنظيم من تنظيم تمرد مسلح آخر. وبشكل رئيسي، سيترتب عليهم نبذ الصراع فيما بينهم الذي من شأنه أن يوفر لتنظيم الدولة فرصة جديدة للحياة. لكن يمكنهم فعل أكثر من ذلك طبعاً.

في الشمال الشرقي، ينبغي على أعضاء التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة توسيع دعمهم السياسي والاقتصادي، لا سيما إلى المناطق التي يتعرض فيها السكان لمخاطر عالية جراء جهود تنظيم الدولة في تجنيد أفراد جدد، مثل الرقة ودير الزور، وزيادة المساعدات المادية لقوات الأمن وتدريبها. كما ينبغي عليهم الدفع لإجراء إصلاحات سياساتية في المناطق ذات الأغلبية العربية والتي ولدت مظالم يستغلها تنظيم الدولة الإسلامية. وبمساعدة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ينبغي على قسد أيضاً اجتثاث الفساد وقمع التهريب.

كما ينبغي على دمشق وموسكو أيضاً تأمين خطوط السيطرة في البادية، بالنظر إلى أن تزايد قوة تنظيم الدولة في الشرق سيمكّنه قريباً من محاولة تعزيز قوة خلاياه في الصحراء وسط البلاد بمجندين جدد وإمدادات جديدة. وستكون حقول النفط والغاز عرضة للهجمات إذا عاد تنظيم الدولة بأعداد كبيرة. وينبغي على النظام وداعميه الخارجيين أن يستمروا في أخذ المعركة ضد تنظيم الدولة إلى وسط سورية. من غير المرجح أن يشكل التنظيم التهديد العالمي الذي شكله عندما كان يحكم خلافته قبل بضع سنوات. لكن في الظروف المواتية، يمكنه أن يستغل الشقاق في أوساط أعدائه وتشتيت انتباههم لتوسيع سيطرته العسكرية والمالية وفرض المزيد من البؤس على حياة السوريين والعراقيين في المناطق التي ينشط فيها.

دير الزور/الحسكة/واشنطن/بروكسل، 18 تموز/يوليو 2022