Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Twitter Video Camera Youtube
سورية: القوة الخفية لإيران
سورية: القوة الخفية لإيران

قصة محتملة

Originally published in The New York Review of Books

في أواخر حزيران/يونيو، أصدرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تقريراً بشأن الهجوم بغاز الأعصاب الذي شُن في نيسان/أبريل 2017 على بلدة خان شيخون وسط سورية، وهي منطقة مدنية تقع تحت سيطرة المعارضة المسلحة لم يكن يدور فيها أي قتال حينذاك. قتل جراء الهجوم ما يقدر بمئة شخص، وعانى مئتا شخص جراء التعرض الحاد للغاز. أظهر تقرير المنظمة بشكل مقنع أن المادة المستخدمة في الهجوم كانت غاز السارين. لم يكن بوسع المحققين، الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى الموقع، أن يحددوا الطريقة التي انتشر فيها الغاز، لكنهم استنتجوا أن "من المرجح أن يكون سبب التعرض انطلاق الغاز من بقعة محيطة بحفرة في الطريق، تقع قرب صوامع الحبوب في الجزء الشمالي من البلدة،" حيث قال شهود عيان إن طائرة أسقطت قنبلة.

شُكلت بعثة تقصي الحقائق من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بتفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قلّص نطاقها بشكل محدد بحيث "لا يشمل مهمة تحميل المسؤولية عن الاستخدام المزعوم لـ "[الأسلحة الكيميائية]". رغم ذلك فإن التقرير حمل المسؤولية ضمناً لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، الطرف الوحيد في الصراع السوري القادر على شن هجوم جوي بغاز الأعصاب.

إن أقوى داعم دولي للأسد هو روسيا، التي أرسلت قواتها إلى سورية في أيلول/سبتمبر 2015 لتعزيز قوة نظامه المترنح. خلال ساعات من الهجوم، اعترفت وزارة الدفاع الروسية بأنه كان هناك ضربة جوية سورية على خان شيخون، لكنها زعمت أن الهجوم حدث في وقت لاحق من ذلك اليوم، وفي جزء آخر من البلدة، واستهدف منشأة كان مقاتلو المعارضة فيها يصنّعون ويخزنون قذائف تحوي غازاً ساماً لاستخدامه في العراق. طبقاً للرواية الروسية، فإن الانفجار أدى إلى انطلاق هذه الغازات في الجو، ما أحدث أثراً مهلكاً.

روسيا عضو في معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية وقد دمرت كل مخزونها من هذه الأسلحة تقريباً، وليس لها مصلحة واضحة في انتشار الأسلحة الكيميائية؛ كما أنها دعمت الجهود السابقة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية الرامية إلى تدمير مخزون نظام الأسد منها في أعقاب هجوم بغاز السارين في غوطة دمشق في آب/أغسطس 2013 أدى إلى مقتل المئات. ولذلك فإن الحكومة الروسية، وكي تتجنب الإحراج، كانت بحاجة ملحة لتفسير بديل للهجوم بغاز السارين على خان شيخون، خصوصاً أن من المؤكد أنها كانت تعرف أن الحكومة السورية هي المسؤولة عنه؛ حيث إن المستشارين العسكريين الروس كانوا موجودين في القاعدة الجوية التي انطلقت منها الطائرة التي تحمل الأسلحة الكيميائية.

إلا أن الرواية التي خرج بها الروس ليست منطقية. حتى لو كانت منشأة كالتي وصفوها موجودة، فإنها ما كانت لتخزّن غاز السارين نفسه بل مكوناته الكيميائية، التي تخلط فقط عند وضعها في قذيفة. إن ضربة جوية على مثل تلك المنشأة ما كانت لتطلق غاز السارين بل كانت ستدمر مكوناته الكيميائية. رغم ذلك، سرعان ما وجدت هذه الرواية داعمين غربيين. وقد شمل هؤلاء بعض أنصار ترامب الميالين لنظريات المؤامرة (خصوصاً فيما يتعلق بهجوم الغوطة)، مثل منظمة "محترفو المخابرات السابقون من أجل التعقل"، وهي منظمة تضم محللين استخباراتيين أمريكيين سابقين، وموقع "إنفوورز" الذي يديره أليكس جونز. هؤلاء الداعمون إما حمّلوا المسؤولية للقاعدة وغيرها من مجموعات المعارضة المسلحة أو زعموا أن الهجوم كان عملية مولّها جورج سوروس بغية تحميل مسؤوليتها لنظام الأسد. وقد أعيد إرسال هذه التغريدات على نطاق واسع إثر نشرها في نيسان/أبريل. آخرون ممن اقتنعوا برواية موسكو قد يكونوا فعلوا ذلك تعاطفاً مع نظام الأسد أو لمجرد معارضة التقارير الدولية. وشمل هؤلاء ثيودور بوستول، وهو بروفسور في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا يتمتع بخبرة بتكنولوجيا الصواريخ لكن ليس بالأسلحة الكيميائية، إضافة إلى ما لا يقل عن ثلاثة صحفيين أمريكيين مستقلين حائزين على جوائز هم: سيمور هيرش، وغاريث بورتر، وروبرت باري. هيرش، على سبيل المثال، قدم تفسيراً برّأ النظام رغم أنه لم يتبع الرواية الروسية للأحداث. تمكنت موسكو من حشد مثل هذه الآراء في محاولتها حماية الأسد من الإدانة الدولية، حيث شملت جهودها استخدام الفيتو ضد قرار في مجلس الأمن يدين الهجوم.

لم تكن هذه المرة الأولى التي ينجو فيها بلد من الإدانة بعد نشر حليف قوي لمعلومات مضللة حول هجوم كيميائي. في 16 آذار/مارس 1988، وعند نهاية الحرب الإيرانية - العراقية، أطلقت القوات الجوية العراقية هجوماً بغاز الأعصاب على بلدة حلبجة الكردية العراقية وقتلت ما يقدر بخمسة آلاف مدني وجرحت آلاف غيرهم. (الرقم الدقيق غير معروف). كانت البلدة قد سقطت بأيدي القوات الإيرانية، بمساعدة قوات البشمركة الكردية المعارضة، قبل يومين. وقد شكل العمل الفظيع الذي ارتكب في حلبجة الحدث الأسوأ في سلسلة من عدة هجمات كيميائية على مدى السنوات الخمس التي سبقته شنها النظام العراقي ضد القوات الإيرانية، ومقاتلي البشمركة، والمدنيين الأكراد في إيران والعراق على حد سواء.

شكل الهجوم مصدراً محتملاً للإحراج للولايات المتحدة. رغم أن الحكومة الأمريكية كانت قد ظلت حيادية في المراحل الأولى للحرب الإيرانية - العراقية، في أعقاب الثورة الإسلامية وأزمة الرهائن الأمريكيين فإنها لم تكن تتحمل احتمال انتصار إيران في الحرب واكتساب المزيد من النفوذ في الخليج. قدمت إدارة ريغان المساعدة العسكرية لنظام صدام، بما في ذلك تمكينه من الوصول إلى صور الأقمار الصناعية التي سمحت للقوات العراقية باستهداف المواقع الإيرانية بشكل أكثر دقة، خصوصاً بهجمات كيميائية. كان يتم تبادل المعلومات الاستخباراتية العسكرية من خلال وكالة الاستخبارات الدفاعية.

بعد أيام من هجوم حلبجة، روّجت وزارة الخارجية الأمريكية، بتوجيهات من وكالة المخابرات الدفاعية، رواية مفادها أن الهجوم شُن جزئياً على الأقل من قبل إيران. الحكومة العراقية، التي كانت قد ظلت صامتة في السابق، عبرت عن دعمها للرواية الأمريكية للأحداث. ولجعل روايتها أكثر إقناعاً، أشارت وكالة الاستخبارات الدفاعية إلى خبراء دوليين مفترضين كانوا قد فحصوا بعض الأدلة، وبشكل أساسي انطباعات على الأرض في حلبجة وصور للقتلى. ضم هؤلاء المحققون المستقلون رئيسين محليين لقسمين في أطباء بلا حدود (وكلاهما طبيبان) وعالم عقاقير طبية بلجيكي. لم يكن لدى أي من هؤلاء خبرة معروفة بالمواد المستخدمة في الحرب الكيميائية، وكان تشخيصهم خاطئاً.

رغم أن تقريراً صدر لاحقاً عن فريق من خبراء الأسلحة الكيميائية تابع للأمم المتحدة لم يحمّل المسؤولية لأي طرف، فإن من الواضح أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة كان يعرف أن العراقيين هم من شن الهجوم الكيميائي على حلبجة. أحد المحققين أخبرني بذلك في مقابلة بعد تقاعده، وحتى في ذلك الوقت يذكر أنهم ناقشوا النتائج التي توصلوا إليها في ردهات الأمم المتحدة. رغم ذلك، فإن مجلس الأمن أصدر قراراً في أيار/مايو 1988 أدان استخدام الأسلحة الكيميائية وحث "كلا الطرفين" على الإحجام عن استخدامها في المستقبل. أبحاثي الخاصة تظهر أن الزعم بوجود تواطؤ إيراني في الهجوم تمت فبركته من قبل وكالة الاستخبارات الدفاعية للسماح للعراق بالانتصار في المعارك التي من شأنها إنهاء الحرب. لم أجد حتى الآن أدلة قوية – في الوثائق الاستخباراتية الأمريكية التي نزعت عنها السرية أو في أماكن أخرى – تفيد بأن إيران استخدمت الأسلحة الكيميائية في أي وقت من الأوقات خلال الحرب. هذه الوثائق والمصادر لا تدع مجالاً للشك، من ناحية أخرى، بأن العراق استخدم تلك الأسلحة بشكل متكرر.

في حالتي حلبجة وخان شيخون، لم يكن الطرف الذي ارتكب الفعل هو الذي حبك رواية التغطية عليه بل داعمه الدولي؛ ومن ثم كان النظام المرتكب يكرر الرواية ويضيف إليها قدراً من الغموض الذي يحجب ما كان قد حدث فعلاً. تقرير الأمم المتحدة بشأن حلبجة وتقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بشأن خان شيخون، وكلاهما يستندان إلى تحقيقات أجراها خبراء أسلحة كيميائية، يثيران الإعجاب من حيث صرامتهما العلمية وحياديتهما الواضحة، لكنهما يثيران الاحباط من حيث عدم قدرتهما على تحديد الطرف المرتكب، بسبب التفويض المقيد الذي فرض على مؤلفيهما. لكن إذا كان المرء يعرف قدرات الأطراف المتحاربة، فإنه يمكن أن يستنتج من هذه التقارير الطرف الذي يعتقد واضعو التقريرين بأنه مسؤول عنها. غير أن عدم تحديد التقريرين صراحة لهوية المرتكبين تركهما عرضة للاستغلال والتلاعب السياسي.

رغم أن الغاز السام مصنف على أنه أحد أسلحة الدمار الشامل فقد حُظر بشكل أساسي على أنه أحد الأدوات المروعة للحرب. إنه أكثر فعالية في إثارة الرعب والهلع الجماعي مما هو فعال في قتل أعداد كبيرة من الناس، مع وجود استثناءات بارزة. غاز الأعصاب خبيث على نحو خاص؛ فهو سائل عديم اللون والطعم والرائحة يتبخر عند إطلاقه ويخنق ضحاياه. استخدام غاز الخردل، وكذلك المادتين الكيميائيتين الكلور والفوسجين، على نطاق واسع في خنادق الحرب العالمية الأولى، والمنظر المروع للضحايا والمعاناة الرهيبة للناجين من غاز الخردل، حتى بعد عدة سنوات، هي التي دفعت القوى المنتصرة في الحرب لفرض حظر على استخدام الأسلحة الكيميائية وتضمين ذلك في بروتوكول جنيف لعام 1925. ونتيجة لذلك، جزئياً، فإن الأسلحة الكيميائية لم تستخدم في ميادين الحرب العالمية الثانية.

الجيوش تعتبر الأسلحة الكيميائية عاملاً محتملاً "لمضاعفة القوة"؛ فباستخدام الغاز على المواقع الخلفية وخطوط الإمداد، يمكن للجيوش أن تقلص عدد الجنود الذين تحتاجهم في المعركة. خلال الحرب الإيرانية - العراقية، أصبح العراق أول بلد منذ الحرب العالمية الأولى ينتهك على نطاق واسع ما كان قد أصبح اتفاقاً قوياً ضد استخدامها (ثمة مزاعم بأن مصر استخدمت الغاز السام في بعض الحالات خلال حربها في اليمن في ستينيات القرن العشرين)، جزئياً لأن إيران كان لديها عدد أكبر من السكان تستطيع أن تعتمد عليه في تجنيد أعداد جديدة؛ كما كان العراق أول بلد يستخدم غاز الأعصاب والأسلحة الكيميائية ضد السكان المدنيين.

رداً على هذا التطور المرعب، الذي طرح احتمال الانتشار في الشرق الأوسط الهش وما وراءه، عقد المجتمع الدولي مؤتمراً في العام 1989 لحظر الأسلحة الكيميائية. أفضت هذه المبادرة – التي تلقت دعماً قوياً من الولايات المتحدة – إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية في العام 1993 وإلى تأسيس منظمة تشرف على تنفيذها، هي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. المنظمة حظرت ليس فقط استخدام الأسلحة الكيميائية، بل تصنيعها، وتخزينها والاتجار بها. أصبحت سورية إحدى الدول الموقعة على المعاهدة تحت الضغط الدولي بعد إطلاقها للهجوم الكيميائي على الغوطة في آب/أغسطس 2013، إلا أنها استمرت باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، وبشكل أساسي مادة الكلور الأقل فتكاً.

بالنسبة للنظام السوري، فإن الأسلحة الكيميائية ساعدته في معالجة مشكلة تراجع عديد جيشه. بالنسبة لنظام وجد نفسه عرضة لضغوط كبيرة ولتهديد مجموعات المعارضة المسلحة، فإن استخدام مثل ذلك السلاح الرهيب لا يعني شيئاً، خصوصاً وأنه كان قد استخدم أصلاً العديد من الوسائل العنيفة وغير التمييزية الأخرى، مثل البراميل المتفجرة. أخفقت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في جهودها لتدمير الأسلحة الكيميائية السورية وموادها الأولية بشكل كامل في الفترة 2013-2014 لأن النظام كان قد خبأ بعضها. وقد شكل هجوم خان شيخون الدليل الأكثر دراماتيكية على هذا.

لا بد وأن روسيا كانت قد قررت بأن دعمها للنظام السوري يفوق تصميمها على الالتزام بحظر شامل على الأسلحة الكيميائية (اتخذت إدارة ريغان قراراً مشابهاً خلال الحرب الإيرانية - العراقية). في حين أن هذا مبعث قلق عميق، فإن ليس من غير المعقول الاعتقاد بأن موسكو قد تنضم إلى الجهود الدولية لإعادة فرض الحظر حالما تصبح واثقة من تأمين بقاء النظام السوري – تماماً كما فعلت الولايات المتحدة بعد العام 1988.

أولئك الذين يدافعون عن سورية يصرون على أن نظام الأسد لا يمكن أن يكون مسؤولاً عن هجوم خان شيخون لأنه لم يكن لديه مبرر للقيام به؛ ففي مطلع نيسان/أبريل، كان قد فرض على المعارضة المسلحة أن تكون في موقع دفاعي وبدا أقوى مما كان منذ بعض الوقت. لكن كل طرف في الصراع السوري لديه الدافع لاستخدام أي سلاح متوافر لضمان بقائه. وهذا يشمل النظام، الذي أُضعف بشكل كبير رغم استمراره في ممارساته الوحشية والذي كان يواجه، حين حدوث هجوم خان شيخون، مشاكل كبيرة تتعلق بالمعنويات والتجنيد بالنظر إلى أنه كان يقاتل على عدة جبهات.

علاوة على ذلك، ثمة سجل موثق جيداً عن استخدامه الغازات السامة، بما في ذلك غاز السارين، منذ أواخر العام 2012؛ ويُزعم أنه استمر باستخدام الكلور منذ نيسان/أبريل، عندما دفعته الاحتجاجات على هجوم خان شيخون إلى التوقف عن استخدام السارين. يستمر الأسد، كما فعل صدام حسين في ثمانينيات القرن العشرين، باختبار ما يستطيع أن ينجو بفعله دون حساب. وعندما يواجه بأدلة على ارتكابه أفعالاً مروعة، يتراجع مؤقتاً لكنه يستأنف ذلك مع حرصه على عدم إثارة جلبة كبيرة. في المحصلة، فإن مدة تركيز الانتباه العالمي لا تستمر سوى بضعة أيام، هذا إذا استمرت. لقد حاول الأسد تحويل المسؤولية عن الهجمات المنفردة إلى تنظيم الدولة الإسلامية، الذي استخدم أيضاً الأسلحة الكيميائية، وبشكل أساسي الكلور وغاز الخردل، في سورية والعراق على حد سواء، لكن ما كان باستطاعته أن ينفذ الهجمات بغاز السارين على الغوطة أو على خان شيخون.

وكما في حالة تقارير الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بشأن الادعاءات باستخدام سورية للأسلحة الكيميائية، فإن روسيا رفضت تقرير المنظمة بشأن خان شيخون، متهمة التقرير بأنه استند إلى بيانات مشكوك بها من مصادر مشبوهة. في هذه الأثناء، فإن لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سورية، والتي كانت قد نشرت تقريراً حول تحقيق منفصل في آب/أغسطس، استنتجت أن هجوم خان شيخون كانت قد نفذته القوات الجوية السورية. في 26 تشرين الأول/أكتوبر، أصدرت آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي شكلها مجلس الأمن في العام 2015، تقريراً حول الهجوم يؤكد بشكل قاطع أن النظام السوري هو مرتكب ذلك الهجوم. لكن حتى الأدلة المقنعة بمسؤولية النظام من غير المحتمل أن تقنع روسيا، الدولة العضو في الأمم المتحدة وفي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بتغيير موقفها، بالنظر إلى الرهانات التي ينطوي عليها ذلك؛ فهي لا تستطيع التخلي عن النظام الذي تدعمه في حين تبقى نتيجة الحرب غير مؤكدة.

إن تقصي الحقائق بشكل مستقل أمر ضروري لجهود ما بعد الحرب من أجل إعادة ترسيخ اتفاق دولي ضد استخدام الأسلحة الكيميائية. وتستمر المنظمات غير المنحازة التي تمتلك الخبرة التقنية اللازمة مثل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ولجان الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية في عملها الشاق لترسيخ هذه الحقائق. بل إنها تلتقي بشهود العيان (بما في ذلك الضحايا والطواقم الطبية)، وتجمع وتحلل الأدلة (بما في ذلك العينات البيولوجية – الطبية من جثث البشر والحيوانات، والعينات البيئية، وبقايا الذخائر والمفجرات)، وتدرس صور الأقمار الصناعية، وسجلات الطيران، وغيرها من المواد الأصلية. لا يمكن إتمام هذا العمل بسرعة. في عصر يمكن لـ "الأخبار الزائفة" أن تصوغ بشكل حاسم فهم الناس لجرائم الحرب، مثل الهجمات الكيميائية، من الجوهري أن يقدم المجتمع الدولي دعمه لتحقيقاتها وأن يعارض الروايات المضللة عمداً التي تحجب مرتكبي الهجمات الكيميائية.

إن الفعل الغريزي بالتشكيك بالروايات الرسمية أمر صحي ومثير للإعجاب، وقد تبين أن القوى العالمية حجبت الحقائق حول أحداث مأساوية. غير أن توسيع هذا التشكك ليشمل العمل الذي تقوم به منظمات دولية مستقلة تتمتع بخبرة مؤكدة أمر خطير. هذه الخبرة، وسمعة هذه المنظمات هي التي ستكون الأساس لردع أي استخدام للأسلحة الكيميائية في المستقبل. قد تقنع تحقيقات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة روسيا بأنها، ورغم حجبها لحقيقة هجوم خان شيخون، لها مصلحة عليا، كما كان الحال مع الولايات المتحدة من قبل، في فرض الحظر على الأسلحة الكيميائية إذا شعرت، وعندما تشعر، بأن النظام السوري في أمان.

20 تشرين الثاني/نوفمبر 2017

سورية: القوة الخفية لإيران

Originally published in The New York Review of Books

رغم ضربته الرمزية إلى حد بعيد على قاعدة جوية سورية رداً على هجوم بغاز الأعصاب شنه نظام الأسد في 4 نيسان/أبريل، فإن الرئيس دونالد ترامب لم يقدم مؤشراً جدياً على نيته توسيع التدخل الأميركي في سورية. كمرشح، وحتى كرئيس، فإن ترامب تعهد بأن يترك المنطقة لتحل مشاكلها بنفسها، باستثناء تعزيز الجهود لإلحاق لهزيمة الدولة الإسلامية (داعش). إلا أنه قد يتعلم بسرعة أن الأفعال العسكرية المنفردة المدفوعة باعتبارات سياسية محلية غالباً ما تتحول إلى شيء أكثر أهمية.

لقد تصاعدت التوترات أصلاً مع روسيا، حليفة سورية الوثيقة، في غياب إشارة تذكر على أن الإدارة الأميركية تستطيع إجراء تغيير حيال دمشق. تعلّم بشار الأسد منذ وقت طويل أن بوسعه أن يعمل دون خشية من العقاب. لكن ثمة أسئلة أكبر تحيط بحليف آخر للأسد هو إيران التي، ورغم أنها أقل ظهوراً، فإنها لعبت دوراً حاسماً في تغيير مسار الحرب وفي توازنات القوى في المنطقة. في حين تنظر إدارة ترامب إلى إيران بوصفها عدواً، فإنها لم تصُغ حتى الآن سياسة واضحة إزاءها بل إن هذه الإدارة لم تأخذ في الاعتبار نفوذ طهران المتزايد في العراق وسورية.

إذا تجاهل الزعيم السوري التحذيرات التي نقلتها ضربة صواريخ التوماهوك، فماذا سيكون تحرك ترامب التالي؟ هل سيتمكن من مقاومة الإغراء المتمثل في تعميق انخراط الولايات المتحدة في سورية لمواجهة إيران الصاعدة؟ كيف سيؤثر هذا في المعركة ضد الدولة الإسلامية وهي معركة أحدثت أصلاً صراع قوى بين العديد من الأطراف التي تأمل بالتمتع بالغنائم؟

لننظر إلى مجموعة القوى الفاعلة الآن: في سورية، يقود الحرب على الدولة الإسلامية الأكراد السوريون المرتبطون بحزب العمال الكردستاني، وهو حزب كردي مسلح يعمل في تركيا، وأيضاً في صراع منذ ٣٣ عاماً مع حليف آخر للولايات المتحدة، أي تركيا. أما في العراق، فيتنافس البشمركة، وهم مقاتلون تابعون لحزب كردي منافس، مع حزب العمال الكردستاني ومع الميليشيات الشيعية العراقية على السيطرة على المناطق التي كان يحتلها تنظيم الدولة الإسلامية. وهناك تركيا، العدو المعلن للأسد والمنخرطة حالياً في حرب مع حزب العمال الكردستاني والفصائل السورية المرتبطة به، والتي حركت قواتها إلى شمال سورية وشمال العراق من أجل إحباط جهود حزب العمال الكردستاني. كما أن هناك روسيا التي بتدخلها نيابة عن الأسد، حققت تحولاً رئيسياً في الصراع.

وأخيراً، هناك إيران، التي عقدت تحالفات مختلفة مع الأسد، والميليشيات الشيعية، والفصائل الكردية في محاولة لتوسيع سيطرتها على العراق، ومع حزب الله، لإعادة تأسيس موقع مهيمن في بلاد الشام. علاوة على ذلك، فإن إيران استفادت أيضاً من تحالف تكتيكي آخر، وإن كان غير رسمي، مع الولايات المتحدة نفسها في محاولة الطرفين إلحاق هزيمة بالدولة الإسلامية في العراق المجاور.

بالنظر إلى كل هذا، فإن الضربة الأمريكية لا تفعل شيئاً سوى تعقيد وضع متفجر أصلاً. كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الطرف الأكثر ترحيباً بخطوة ترامب الأسبوع الفائت، ذلك أن نتنياهو قلق على نحو خاص من استفادة إيران وحليفها حزب الله من تحالفهما العسكري التكتيكي مع روسيا لدعم النظام السوري. لكن مهما كانت المزايا التي قد يراها البعض في وقوف الولايات المتحدة أخيراً ضد الأسد، فإن هذا الموقف يقلل من احتمال التوصل إلى نظام مستقر بعد انتهاء الحرب.

كما كشفت زيارتي الشخصية إلى شمال العراق وشمال سورية الشهر الماضي، فإنه في الوقت الذي يحقق التحالف الدولي مكاسب رئيسية ضد الدولة الإسلامية، فإن أزمات المنطقة تتكاثر. الأسوأ من ذلك هو أنها تتقاطع على نحو متزايد وتجتذب إليها قوى خارجية بقوة أثبتت أن من المستحيل مقاومتها.

بعد أربع سنوات على ظهور داعش في شرق سورية وما تبعه من استيلاء صاعق على غرب العراق، فإن التنظيم يتراجع الآن بسرعة. بعد شهور على تطويقه من قبل قوات التحالف المدعومة من القوى الجوية الأمريكية، فإن الدولة الإسلامية تجد نفسها الآن في مواجهة قوة طاغية في الموصل، ثاني أكبر مدن العراق والتي كانت يوماً أحد معاقلها. مقاتلو التنظيم  منهكون، وصفوفه مستنزفة، لكن ما تبقى من قواته مستعدة بشكل واضح للقتال حتى النهاية المريرة. لقد تسببت معركة الموصل في سقوط الكثير من الضحايا لدى الجانبين، وخصوصاً بين المدنيين المحاصرين، بما في ذلك جراء عمليات القصف الأمريكية على شبكة الشوارع والأزقة الكثيفة في المدينة القديمة. كما تسببت العمليات العسكرية بدمار كبير، رغم أن البنية التحتية المهمة ظلت سليمة، مثل شبكة تزيود الكهرباء والمياه، وشبكة الهواتف الخليوية، التي لا تزال تعمل. مع اندفاع الجيش العراقي وقوات النخبة المدربة أمريكياً على محاربة الإرهاب في أعماق المدينة القديمة، فإنها تستولي على الأحياء شارعاً بعد شارع. المدنيون يتكيفون وينقلون أسواقهم على جانبي خط المواجهة مع زحف هذا الخط المستمر نحو الشمال.

من الملفت أنه في سائر أنحاء المنطقة، تستخدم الدول والتنظيمات على حد سواء، مثل الدولة الإسلامية والأكراد، في صراعها على السلطة، لغة تشي بأنها محاصرة وأنها ضحية. وفي كثير من الأحيان فإن التصورات تكون أقوى من الواقع، ما يؤدي إلى توترات وأعمال عسكرية كان يمكن ببساطة تجنبها. على سبيل المثال، فإن السعودية ترى في إيران قوة ثورية صاعدة تكتسب المزيد من السلطة وتحاصر المملكة على نحو متزايد، في منطقة كان السعوديون يعتقدون أنهم يهيمنون عليها – في سورية، ولبنان، والعراق، والبحرين، واليمن، والبحر الأحمر. نتيجة لذلك، فإن القيادة السعودية لم تقم فقط بدعم بعض تنظيمات المعارضة التي تحارب نظام الأسد، بل إنها شنت حرباً في اليمن ضد الحوثيين – الذين تعتبرهم وكلاء لإيران.

إيران من جهتها تقول إنها محاطة بدول حليفة للولايات المتحدة بما في ذلك السعودية وغيرها من دول الخليج، وأفغانستان، وتركيا، وعلى مسافة أبعد إسرائيل، جميعها عازم على إبقائها معزولة وخاضعة للعقوبات، ومنعها من تحقيق إمكانياتها الكامنة الكبيرة. في هذه الأثناء، فإنها تخشى من قطع الاتصال بينها وبين حليفها حزب الله في لبنان في سورية ما بعد الأسد.

لقد كانت التكلفة الإنسانية لهذه الخصومات باهظة جداً. بات أكثر من 3.3 مليون نسمة مهجرين في العراق، الذي يعاني سكانه من نقص في الغذاء، واللباس، والمأوى، والخدمات الأساسية بينما يتصارعون مع جملة من القوى المعادية لهم. في الموصل، ثمة تهديد رئيسي آخر لحياة المدنيين هناك يتمثل في سد الموصل المقام على نهر دجلة، الذي أضعفته أخطاء إنشائية خطيرة وسنوات من الإهمال. لقد صمد السد بينما يبذل المهندسون جهوداً محمومة لتدعيمه في جميع الأماكن الضرورية. العارفون بالمسألة يراقبون السماء بقلق ويصلّون كي لا تهطل الأمطار، حيث إن منع طوفان قاتل يتطلب جفافاً مهلكاً.

في الوقت نفسه، هناك جملة جديدة من الصراعات على وشك أن تبدأ وهي ذات نوعين. الأول طابعه سياسي وطائفي. القوى المختلفة المتحالفة ضد الدولة الإسلامية تعرف أن بوسعها إلحاق هزيمة بالتنظيم في ميدان المعركة. لكنها تفتقر إلى الأدوات اللازمة لقمع "الداعشية،" أي أيديولوجية التنظيم، التي ستبقى جذابة للمسلمين السنة طالما ظلوا يشعرون بالإقصاء السياسي وطالما استمرت القوى المختلفة في المنطقة باستغلال التوترات المذهبية بين السنة والشيعة.

علاوة على ذلك، وحيث إن تنظيم الدولة الإسلامية هو في العديد من الأوجه تنظيم عراقي – قائده أبو بكر البغدادي العراقي، وعدد من كبار قادته (الذين قتل العديد منهم) خدموا في قوات أمن نظام صدام، فإن تحدي الداعشية سيكون الأكثر حدة في العراق. وتزداد المشكلة تعقيداً بالنظر إلى أن الأحزاب الإسلامية الشيعية تهيمن على الحكومة في بغداد، وأن الهجوم على الموصل كان إلى حد بعيد بقيادة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، رغم حقيقة أن أغلبية السكان المحليين في الموصل والمناطق المحيطة بها هم من السنة. هذه الميليشيات أقوى من الجيش وأصبحت تشكل دولة ضمن الدولة.

الأفراد المحليون في داعش يختلطون أصلاً مع المدنيين الذين لجأوا إلى المخيمات، ويتخفون بانتظار اللحظات السانحة. يمكن معالجة هذا التهديد، جزئياً، بمنح السكان السنة صوتاً في المجالس البلدية وبإعطاء القوى المحلية والفيدرالية سيطرة مشتركة على الأمن، إلا أن عدداً قليلاً جداً من السياسيين العراقيين في بغداد أظهر رغبة أو قدرة على مثل هذه المقاربة الشاملة التي تشرك الجميع. بدلاً من ذلك، فإن ما يدفعهم ويدفع الميليشيات التي يدعمونها (والتي تسيطر فعلياً عليهم) هو الانتقام، وبالتالي فإن مشكلة الداعشية ستتفاقم. ستستمر بقايا الدولة الإسلامية بإثارة الفوضى والاضطرابات في كل فرصة، ويمكن للمرء أن يتوقع أن يكون هناك العديد من هذه الفرص. وهذا التحدي ماثل في سورية بالقدر نفسه، حيث إن العديد من الناس الذين يعيشون في المناطق التي أخلاها تنظيم الدولة الإسلامية يرفضون البديل، سواء كان حكم الحكومة المركزية أو حكم الميليشيات الشيعية أو الكردية المختلفة. وهذا سيمكّن مقاتلي الدولة الإسلامية، المختبئين حالياً عن النظر، من العودة إذا استمر القتال بين مختلف الجهات المتصارعة على السلطة.

هذه الصراعات المحلية تتشابك مع المواجهة بين إسرائيل وإيران، الكلامية منها أو بالوكالة، والتي تشمل السياسات النووية. أكاديمي ووسيط سياسي في شمال سورية أخبرني وزملائي الشهر الماضي إن الأمر "أشبه بلعبة الريسك". من أجل إحباط هجوم إسرائيلي على برنامجها النووي أو محاولة تغيير النظام في طهران، فإن إيران تدعم منذ وقت طويل وكلاء إقليميين يوسّعون قوتها في سائر أنحاء المنطقة. أبرز هؤلاء هو حزب الله، الذي يعد جزءاً أساسياً مما تسميه إيران "الدفاع المتقدم،" الذي يحل محل الصواريخ التي يمكن أن تستهدف إسرائيل بفعالية، والتي لا تزال طهران تفتقر إليها. من خلال حزب الله، يمكن لإيران استخدام لبنان كمنصة إطلاق على مدى 50 ميلاً من المدن الإسرائيلية الرئيسية.

إلا أن الموقف الاستراتيجي لإيران قوي بقدر قوة خط الإمداد الذي يدعمه. حتى الآن، تمثل هذا الخط في معبر جوي يربط إيران بحزب الله من خلال العراق وسورية، لكن الحكومة الإيرانية تريد تعزيزه بممر بري يمتد من حدودها إلى البحر المتوسط. وهذا ليس مجرد اتهام يسمعه المرء في تل أبيب، أو أنقرة، أو الرياض، أو عمّان، أو أبو ظبي، بل هدف يعترف به المحللون الإيرانيون أنفسهم، الذين يصفونه بأنه ضرورة استراتيجية. إن إيران  بحاجة لهذه الممرات لإيصال الأسلحة لحزب الله. وهذا ما يفسر أهمية تحالف إيران مع حكم الأسد في سورية، وإسراع إيران وحزب الله لدعم النظام السوري بعد العام 2011 عندما تعرض للتهديد بالانهيار الوشيك. (كما أن إيران أرادت دائماً تنويع ممرات تصدير الطاقة التي تمتلكها، وطرحت خططاً لمد أنبوب من الشرق إلى الغرب عبر العراق إلى الساحل السوري.)

حدثان مكّنا طهران من تنفيذ خطتها: الغزو الأمريكي للعراق وتفكيك الجيش العراقي، الأمر الذي رجح ميزان القوى في بغداد لصالح الأحزاب الإسلامية الشيعية، المتأثرة بالنفوذ الإيراني؛ ونشوء الدولة الإسلامية السريع وتحولها إلى قوة كبيرة في عامي 2013 و2014، والذي سرع صعودها القمع الطائفي العلني للاحتجاجات السنية السلمية من قبل رئيس الوزراء العراقي حينذاك نوري المالكي. استخدمت إيران الميليشيات العراقية التي شكلتها ودربتها منذ العام 2003 واستفادت من الجهد الذي بذله الجيش العراقي والبشمركة الكردية، بدعم أمريكي، لمواجهة الدولة الإسلامية. استولت هذه الميليشيات على المدن السنية التي انتزعتها هي والجيش من قبضة التنظيم المتشدد. وسرعان ما أصبحت قادرة على توسيع سيطرتها غرباً من الموصل إلى الحدود السورية. وحدها المواقع التي لا تزال الدولة الإسلامية تسيطر عليها في الموصل والمناطق القريبة منها تقف في طريقها؛ وهذه ستنهار قريباً.

هذا مقلق على نحو خاص لأعداء وخصوم إيران، وليس فقط لإسرائيل. أحد أسباب هذا القلق هو أن الممر الذي تتصور إيران إقامته يهدد بقطع أنبوب النفط العراقي الممتد من الشمال إلى الجنوب. النفط الموجود في شمال العراق، والمتركز حول مدينة كركوك، مهم لتركيا، التي تفرض رسوماً على عبوره لأراضيها. لكن نفط كركوك يمر في الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية. وهذا ما ترك قادة العراق في بغداد دون بديل سوى تحويل تدفق النفط إلى أنبوب جديد يعبر إقليم كردستان إلى تركيا. أدركت الحكومة العراقية أن هذا سيعزز استقلال الأكراد، لكنه ثمن كانوا مستعدين لدفعه إذا كان يعني استمرار الحصول على العائدات في وقت انخفضت فيه أسعار النفط. كان قطع أنبوب النفط من قبل إيران أو حزب العمال الكردستاني سيفرض تبعات على أكراد العراق، وتركيا، والمستهلكين الأوروبيين، وهو نفوذ كان من شأنه أن يتحول إلى أصول استراتيجية في يد إيران في زمن الحرب.

تركيا، التي لإيران حدود وعلاقات دبلوماسية ثابتة معها بالإضافة إلى علاقة تجارية تمتد على مدى ما يزيد عن خمسمئة عام، تشعر بالتهديد أيضاً لأن الممر الإيراني المتصوَّر يمر بجانب حدود تركيا مع سورية والعراق. يظهر هذا التوتر في أبرز أشكاله في سنجار، وهي منطقة نائية لكنها تتمتع بأهمية استراتيجية إذ إنها قرية  حدودية تصل الموصل بسورية. كانت سنجار موقع الهجوم الذي شنته الدولة الإسلامية في آب/أغسطس 2014 في ما شكل تطهيراً عرقياً للطائفة الإيزيدية؛ وقد كانت النقطة المحورية مؤخراً في الصراع الذي ظهر بين المجموعتين الكرديتين الرئيسيتين: حزب العمال الكردستاني والفصائل السورية المرتبطة به، من جهة، والحزب الديمقراطي الكردستاني، المتحالف مع تركيا، والذي يهيمن على حكومة إقليم كردستان في العراق ولديه قواته المقاتلة الخاصة.

في هجوم عام 2014، استخدمت الدولة الإسلامية قوة مشتركة تتكون من مقاتلين محليين وخارجيين لخطف ما لا يقل عن 5,000 امرأة وفتاة، وقتل عدد أكبر من الرجال والفتيان بعد الانسحاب السريع والاستباقي لبشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني، التي كانت تسيطر على المنطقة في السابق. تم إنقاذ العديد من الإيزيديين، لكن ليس من قبل الجيش العراقي أو البشمركة التي عادت إلى المنطقة، بل من قبل مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذين اندفعوا من سورية ومن معقلهم الجبلي في قنديل على الحدود العراقية الإيرانية، على بعد مئات الأميال. رافقت وحدات حزب العمال الكردستاني المدنيين إلى مناطق آمنة في سورية، ومن ثم تمت إعادة توطينهم في مخيمات النازحين في إقليم كردستان العراق.

حزب العمال الكردستاني يطمع بسنجار لأن وجوده فيها يسمح له بالسيطرة على جزء من الحدود السورية وتهريب السلع إلى الفصيل السوري المرتبط به، حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي تعرضت تجربته في الحكم الذاتي الممتدة على أربعة أعوام للتهديد على نحو متزايد. بعد إعادة تسمية وحداته في محاولة لإخفاء أصلها في حزب العمال الكردستاني، فإن مقاتلي الحزب الذين أنقذوا الإيزيديين ادعوا بأنهم قوة محلية وظلوا في سنجار. لم يقتنع أي مراقب مستقل أعرفه بهذه الخدعة؛ أما الحكومة التركية المنخرطة في صراع مميت مع حزب العمال الكردستاني في جنوب تركيا، فإنها بالتأكيد لم تقتنع بذلك. في الأشهر الأخيرة، اتخذت تركيا إجراءات عسكرية ضد الأعضاء المحليين في حزب العمال الكردستاني في شمال سورية وفرضت حصاراً اقتصادياً على المنطقة الخاضعة لسيطرة تلك المجموعات.

في هذه الأثناء، يرى الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق في حزب العمال الكردستاني دخيلاً أجنبياً في سنجار، ويخشى من قوته القتالية ومن طموحاته القومية الكردية. (كما انتشر مقاتلو حزب العمال الكردستاني في أجزاء أخرى من شمال العراق، بما في ذلك العمادية ، ومخمور، وكركوك). في شمال سورية، يسعى حزب العمال الكردستاني والمجموعات المحلية المرتبطة به إلى ربط المناطق الكردية غير المتصلة في الوقت الذي يضغط به على تركيا. الشهر الماضي، أخبرني مسؤول كردي عراقي رفيع أن "حزب العمال الكردستاني يريد السيطرة على الحدود مع سورية وعلى حدودنا مع تركيا، من الجبال نزولاً إلى المناطق المنخفضة، وأن يقود جميع الأكراد."

بالنسبة لتركيا، فإن وجود حزب العمال الكردستاني في سنجار يشكل تهديداً على نحو خاص لأن مصالح إيران وحزب العمال الكردستاني تتوافق هناك. من أجل تعزيز ممرها البري، فإن إيران بحاجة إلى صلة حاسمة أخرى تتمثل في مدينة تلعفر التركمانية، وسكانها خليط من السنة والشيعة وتقع بين سنجار والموصل. كجزء من المعركة ضد الدولة الإسلامية في الموصل، فإن الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران والقادمة من الجنوب أحاطت بالمدينة وأنشأت خط نحل امتد إلى تلعفر وسيطرت على مطارها. بحلول مطلع نيسان/أبريل، كان بعض مقاتلي الدولة الإسلامية قد ظلوا في المدينة لكن هزيمتهم باتت وشيكة. حالما تسيطر الميليشيات الشيعية على تلعفر، يصبح بإمكانها التواصل مع حزب العمال الكردستاني في سنجار، وستكون إيران قد حققت جزءاً كبيراً من هدفها. كانت إيران في العام 2011 قد شكلت تحالفاً تكتيكياً مع حزب العمال الكردستاني والمجموعات السورية المرتبطة به. منذ ذلك الحين، اعتمد حزب العمال الكردستاني على الدعم الإيراني في سورية والعراق مقابل الموافقة على وقف نشاطه المسلح الذي يقوم به فصيل آخر مرتبط به داخل إيران (التي تحتوي عدداً كبيراً من السكان الأكراد).

يحتفظ الحزب الديمقراطي الكردستاني بوجود عسكري محدود على الطريق من سنجار إلى تلعفر، وبدعم من تركيا، يبدو مستعداً لمنع إيران وحزب العمال الكردستاني من التواصل واستعادة المناطق التي فقدها لحزب العمال الكردستاني قبل ثلاث سنوات، خصوصاً على طول الحدود السورية. في 3 آذار/مارس، قام لواء من المقاتلين الأكراد السوريين بدعم من الحزب الديمقراطي الكردستاني، ما يسمى بشمركة روجافا (حيث تشير "روجافا" إلى كردستان "الغربية" أو السورية)، وتحرك من منطقة الموصل نحو حامية حزب العمال الكردستاني في خنصور، وهي قرية على الحدود، ما أدى إلى معركة قتل وجرح فيها عدد من المقاتلين من الجانبين. ثم، في 14 آذار/مارس، رد حزب العمال الكردستاني بتحرك استفزازي، إذ نقل مئات المدنيين السوريين على متن الباصات إلى المنطقة، حيث أقاموا مظاهرة في خنصور. نظراً لعدم قدرتها على السيطرة على الجموع، فإن بشمركة "روجافا" فتحت النار. وخلال العراك، قتلت امرأة كانت تحمل كاميرا فيديو وجرح عدد آخر من المتظاهرين.

القادة الأكراد العراقيون تجاهلوا هذه المناوشات بوصفها محاولة من جانب حزب العمال الكردستاني لاختبار التزام قواتهم، وللقول بأنهم لا يسعون إلى صراع على الحدود. لكن الحروب لا تبدأ دائماً بسبب أفعال متعمدة. كان احتمال التصعيد في خنصور أو أماكن أخرى في سنجار كبيراً، بالنظر إلى قرب المناطق التي ينتشر فيها مقاتلو الطرفين، والعداوة المتبادلة بينهما، والغياب الكامل للثقة بين قادتهم. كما أن هناك مشكلة أخرى إذ إن تسامح تركيا مع نشاط حزب العمال الكردستاني على حدودها مع العراق وسورية يبدو أنه وصل إلى حده الأقصى. إن كيفية تصرف تركيا في المرة القادمة يمكن أن يعتمد على إذا ما فاز زعيمها، رجب طيب أردوغان، وهو ليس أقل من زئبقي، في استفتاء 16 نيسان/أبريل الذي سيمنحه صلاحيات تنفيذية جديدة كاسحة.

سياسي في المعارضة الكردية في السليمانية وصف ما رأى فيه السيناريو الأسوأ والذي ينذر بقيام الساعة في كردستان العراق:

الحزب الديمقراطي الكردستاني يهاجم حزب العمال الكردستاني في سنجار؛ تركيا ترسل المزيد من قواتها إلى العراق لدعم الحزب الديمقراطي الكردستاني؛ يبدأ مقاتلو حزب العمال الكردستاني بالتحرك من قنديل نحو إربيل ويهاجمون مواقع الحزب الديمقراطي الكردستاني ويهددون قصر الرئيس بارازاني في ساري راش؛ يطلب الحزب الديمقراطي الكردستاني من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني [الحزب الكردي العراقي الآخر الذي لديه قوات بشمركة] قطع الطريق على حزب العمال الكردستاني، الذي يسيطر عليه؛ يقرر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يتعاطف مع حزب العمال الكردستاني، البقاء على الحياد؛ تنهار العلاقات بين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وتندلع الحرب الأهلية مرة أخرى.

لم يكن هذا السياسي هو الوحيد الذي حذر من التبعات المظلمة لتجدد القتال بين الأكراد؛ حيث طرح مسؤولو حكومة إقليم كردستان في إربيل مخاوف مشابهة. يستطيعون جميعاً تذكر جولة سابقة من الصراع، في تسعينيات القرن العشرين، عندما تواجه الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني لمدة أربع سنوات على رسوم الجمارك والاختلافات السياسية العميقة. ذلك الصراع تسبب به أيضاً حزب العمال الكردستاني، وانطوى أيضاً على محاولة إيرانية لاستخدام الحزب للسيطرة على ممر عبر شمال العراق، في تلك الحالة من حاج عمران في الشرق إلى فيشخابور على نهر دجلة في الغرب، وذلك باستخدام الحزب كأداة لهذه السيطرة. بشكل ما، فإن كل تطور حدث مؤخراً في الصراعات في سورية والعراق يبدو أن له سابقة تشبهه بشكل ملفت. هل حُكم على هذه المنطقة بحلقات لا تنتهي من سفك الدماء العرقي والطائفي الذي يتغذى على المظالم التاريخية، والطموحات غير المتحققة، والضغينة المتبادلة؟

لقد تعلم الزعماء المحليون أنه عندما يتم إحباط طموحاتك، تستطيع أن تدعو القوى الخارجية لمساعدتك. في حين أن الصراع السوري هو المثال الحديث الأكثر قوة لهذه الظاهرة، فإن الأحزاب الكردية لها تاريخ طويل في هذا المجال. لم تمانع تلك الأحزاب حتى بتقديم تبادل الموارد، الوصول إلى نفط كركوك على سبيل المثال، لتحقيق أهدافها الأكبر. وهذه تشمل كل شيء من الحصول على الأسلحة وضمانات الحماية إلى الحصول على تعهدات بدعم درجة أكبر من الاستقلال وتمهيد الطريق نحو الاستقلال. في المحصلة، فإنها تسعى إلى الاعتراف الدولي بمكانتها. وكانت القوة الأولى التي يلجأ إليها الأكراد هي الولايات المتحدة، لكنهم وجدوا أنه رغم أهمية الدعم الأميركي الذي غالباً ما يكون حاسماً لتحسين حظوظهم، فإن هذا الدعم يكون أيضاً متقلباً، ويتبخر حالما تغير واشنطن اهتمامها أو تقرر أن ترمي بثقلها خلف حليفها المحوري في حلف شمال الأطلسي، تركيا، بجيشها الكبير وقواعدها المهمة للنشاط العسكري الأمريكي في المنطقة. كما تستمر الولايات المتحدة بالتزامها بالحدود ما بعد العثمانية. قد تعبّر عن تعاطفها مع التطلعات الكردية، لكنها لا تدعم قيام كردستان عراقية مستقلة وتعرف أن استقلال الأكراد يتوقّف على موافقة الأتراك والإيرانيين، وهو ما امتنع كلاهما عن تقديمه. ومن غير المرجح أن يتغير هذا قريباً.

لدى إدارة ترامب القدرة على إخماد الصراع على سنجار ومنع حرب بين الأكراد، تماماً كما توسطت إدارة كلينتون في التوصل إلى نهاية سلمية للاقتتال الكردي في التسعينيات. للولايات المتحدة علاقات قوية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، تشكلت في الفوضى التي نشأت بعد العام 2003 وتعززت في المعركة الحالية ضد الدولة الإسلامية. المفارقة أنه في الوقت نفسه، فإن الولايات المتحدة طورت علاقة عسكرية فعالة مع قوات حماية الشعب، الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني في سورية، الذي استخدم أسلحة ومشورة أمريكية لانتزاع عدة بلدات سورية من سيطرة الدولة الإسلامية. بدعم أمريكي، باتت قوات حماية الشعب الآن في موقع يمكّنها من السيطرة على الرقة، المدينة التي أعلنتها الدولة الإسلامية عاصمة لها، ما من شأنه أن يشكل ضربة قاضية للتنظيم الجهادي.

المشكلة مع هذا التحالف بين الولايات المتحدة وقوات حماية الشعب، بصرف النظر عن حقيقة أن قوات حماية الشعب هي فرع من منظمة موجودة على قائمة الولايات المتحدة للإرهاب، هي أن الالتزام الأميركي نحو هؤلاء المقاتلين الأكراد ضعيف جداً؛ حيث يمكن أن ينتهي لحظة تحقيق قوات حماية الشعب النصر في الرقة. لم تضع الولايات المتحدة بعد رؤيتها للحكم في مرحلة ما بعد الدولة الإسلامية في الرقة ومناطق أخرى؛ ومن المتوقع أن تسقط هذه المناطق في يد قوات عربية أو حتى في يد النظام. أما دعم إدارة ترامب لكردستان العراق فليس مؤكداً أكثر. يبدو أن البيت الأبيض غير مهتم باستخدام الدبلوماسية في ميادين المعارك البعيدة ولا يبدي اعتباراً كبيراً حتى لبعض أقوى حلفائه.

إذاً، هل ستحبط الولايات المتحدة آمال الأكراد، كما اتُهمت بفعله من قبل؟ ليس من غير المألوف أن تسمع حتى المسؤولين الأمريكيين يتذمرون من "قصر المدى" الذي يعمل عليه الأميركيون، والذي يتأثر بالدورات الانتخابية والتعديلات على أولويات السياسة الخارجية، ويعبرون عن إعجابهم الممزوج بالحسد للتخطيط والصبر الاستراتيجيين اللذين تتمتع بهما إيران. بالنسبة لإيران، فإن مقاربة الولايات المتحدة للمنطقة عابرة، ويمكن ردعها بسهولة عن تنفيذ التزامات تبدو فجأة مكلفة أو لا ترتبط بوضوح بالمصالح  الأميركية الأعمق.

إلا أن الأحداث الأخيرة في سورية قد تجر إدارة ترامب إلى العودة إلى المنطقة رغم عدم رغبتها بذلك، لأنه إذا كان من شيء يحفز واشنطن، فهو احتمال تنامي التهديد الإيراني لإسرائيل والمصالح الأميركية في المنطقة. ومن غير المرجح أن تقبل روسيا بالمطالب الأميركية بالابتعاد عن الأسد. إنها ستسمر بدعم النظام السوري، وهي بحاجة لمساعدة إيران لفعل ذلك.

من المؤكد أن نافذة الوساطة الأميركية في سنجار ستغلق خلال العام القادم مع انتهاء المعركة ضد الدولة الإسلامية. أمام إدارة ترامب خيار استخدام نفوذها تجاه حزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني لتخفيف حدة التوترات هناك. وهذا سيتطلب ترتيبات تقضي بمغادرة غير العراقيين للمنطقة (سواء كانوا من قادة حزب العمال الكردستاني أو بشمركة "روجافا")؛ ونشر قوة أمنية تتكون من الإيزيديين المحليين في سنجار والمناطق المحيطة بها، وبحماية محيطية مشتركة من الجنود العراقيين والبشمركة الكردية؛ وقيام حكم محلي للإيزيديين. قد يهدئ هذا من مخاوف تركيا ويحقق سلاماً مؤقتاً في المنطقة، لكنه بالكاد سيعالج مسألة الطموحات الإيرانية.

والمسألة تتعلق بكيفية رد ترامب: هل سيختار المواجهة أم الاحتواء؟ إذا اختار الاحتواء، فإن الطريق إلى الأمام سيكون عبر تسوية تفاوضية للصراع السوري، وهي تسوية يجب أن تشمل ليس فقط روسيا بل إيران أيضاً، والنظام السوري نفسه، ومن الجانب الآخر، تركيا والمعارضة السورية المسلحة. وفي الوقت نفسه، ستكون الولايات المتحدة وحلفاؤها بحاجة لإقناع تركيا وحزب العمال الكردستاني باستئناف محادثات السلام. كلا هذين الهدفين يبدوان بعيدين بشكل محزن. لكن إذا قرر ترامب المواجهة، فإن من المرجح أن تفقد المنطقة الاستقرار الضئيل الذي بقي لها.