icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
تسليح أكراد العراق: محاربة تنظيم الدولة، واستدراج الصراع
تسليح أكراد العراق: محاربة تنظيم الدولة، واستدراج الصراع
عند قياس "عودة تنظيم الدولة الإسلامية"، استخدموا المقياس الصحيح
عند قياس "عودة تنظيم الدولة الإسلامية"، استخدموا المقياس الصحيح
A Kurdish Peshmerga fighter holds a a rocket-propelled grenade launcher as he takes up position in an area overlooking a village in Khazir, on the edge of Mosul, controlled by the Islamic State, on 8 September 2014. REUTERS/Ahmed Jadallah

تسليح أكراد العراق: محاربة تنظيم الدولة، واستدراج الصراع

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

الدول الغربية التي انتظمت في تحالف صُمِّم لهذه الغاية، قدّمت على وجه السرعة المساعدات العسكرية لأكراد العراق لمواجهة هجوم صاعق شنّه تنظيم الدولة في حزيران/يونيو 2014. غير أن هذه الدول أخفقت في وضع استراتيجية للتعامل مع تبعات تسليح الكيانات داخل الدولة العراقية التي تزعم هذه البلدان أنها تدعم وحدتها. بدلاً من صياغة رد عسكري قوي وموحّد للتهديد الذي يشكّله تنظيم الدولة، فإن تعزيز قدرات القوات الكردية سرّعت من تشظّي الكيان السياسي الكردي، وزاد من حدة التوترات بين هذه القوى من جهة والجماعات غير الكردية من جهة أخرى في المناطق المتنازع عليها وقوّى شوكة القوى الساعية للانفصال عن العراق. ثمة مخاطرة في أن تطيل المساعدة العسكرية بهذه الطريقة من أمد الصراع مع تنظيم الدولة، وأن يفاقم من صراعات أخرى طويلة الأمد وأن يتسبب في صراعات جديدة. ثمة حاجة لمقاربة جديدة تُجري مراجعة للجهود السابقة وتبني عليها من أجل تحويل القوات الكردية إلى مؤسسة احترافية.

رغم المخاوف الغربية، فإن من غير المرجّح أن يعزز القيام بذلك من فرص تحقيق الاستقلال للأكراد. لقد أصبحت الأحزاب الكردية أكثر، وليس أقل، اعتماداً على تحالفاتها مع تركيا وإيران منذ ظهور تنظيم الدولة. تركيا، وهي الدولة القادرة على منح الأكراد مصدراً مستقلاً للإيرادات من مبيعات النفط سيحتاجونه إذا تحركوا بشكل فعال نحو الاستقلال، لم تشر إلى أنها مستعدة للقيام بذلك، بل أكّدت على الدوام على أنها ترغب في المحافظة على وحدة العراق. كما أن الممارسة الراهنة للدول الغربية المتمثلة في تقديم الأسلحة للأكراد من خلال بغداد وتشجيع الجانبين على تسوية نزاعاتهما العالقة حول صادرات وإيرادات النفط ستبقي الإقليم الكردي داخل العراق. بالفعل، فإن تطوير قوة عسكرية كردية احترافية شرط ضروري للتنسيق الفعّال مع حكومة بغداد وللتعاون المشترك ضد تنظيم الدولة ولإعداد خطة سياسية لما بعد تنظيم الدولة.

تستند المساعدات العسكرية التي يقدّمها التحالف إلى الاعتقاد بأن تقديم الأسلحة والتدريب للقوات الكردية، المعروفة بالبشمركة، سيحسّن من أدائها في مواجهة تنظيم الدولة، وهي فكرة يسارع القادة الأكراد لنشرها والترويج لها. إلاّ أن الوضع المتغيّر للسياسات الكردية العراقية يقدّم صورة أكثر غموضاً؛ حيث إن الحزبين المهيمنين المتنافسين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، يبتعدان فعلياً عن الاتفاقية الاستراتيجية الإطارية التي كانت قد حققت الاستقرار لعلاقاتهما بعد فترة من الصراع وسمحت لهما بتشكيل جبهة موحّدة أمام الحكومة المركزية وكذلك أمام إيران وتركيا المجاورتين. أضف إلى ذلك أن قائديهما التاريخيين، مسعود برزاني وجلال طالباني، باتا في خريف مسيرتهما السياسية، ما يدفع بصراع على السلطة داخل نخب الحزبين.

ولذلك فإن هذه لحظة تعتريها الكثير من الهشاشة. بدلاً من تعزيز الوحدة والمؤسسات الكردية، فإن آخر تجليات "الحرب على الإرهاب" تثير توترات قاتلة وتقوّض كل التقدم الذي تحقق في تحويل البشمركة إلى قوة عسكرية حيادية سياسياً تخضع لسلسلة قيادة واحدة. كما أنه يمهّد الطريق لتجدّد التدخل الخارجي في الشؤون الكردية، خصوصاً من قبل إيران ويشجع الأكراد على محاولة السيطرة على مزيد من الأراضي وعلى الموارد في المناطق التي يدّعون أنها جزء من إقليمهم الذي يتمتع بالحكم الذاتي، مما يزيد من تعقيد علاقاتهم مع جيرانهم العرب السنّة وحكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي.

ظاهرياً، وبعد تقديم المساعدات العسكرية في البداية للحزب الديمقراطي الكردستاني في آب/أغسطس 2014، فإن المساعدات العسكرية الغربية قُدّمت حتى الآن لحكومة إقليم كردستان، وبموافقة مسبقة من بغداد. لكن عملياً، فإن تقديم الأسلحة من قبل مجموعة من المانحين يتم بشكل أحادي، وغالباً دون تنسيق وكذلك دون شروط فيما يتعلق بتوزيعها واستخدامها على خطوط الجبهة. ونتيجة لذلك، فإنها عادت بالفائدة بشكل غير متناسب على الحزب الديمقراطي الكردستاني، القوة المهيمنة في أربيل، عاصمة الإقليم، وبالتالي دفعت الاتحاد الوطني الكردستاني إلى المزيد من الاعتماد على المساعدات العسكرية الإيرانية والتحالف مع حزب العمال الكردستاني، المنظمة الكردية المتمرّدة العاملة في تركيا. وفي هذا السياق، فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، الشريكان الرسميان في حكومة وحدة وطنية، لم يظهرا ميلاً يذكر لتوزيع الأدوار أو القيام بعمليات مشتركة، وفضّلا حتى الآن التنافس بدلاً من التنسيق. نتيجة لذلك، فإن القوات الكردية كانت أقل فعالية في محاربة تنظيم الدولة مما كان بوسعها أن تكون.

في حين ربط أعضاء التحالف المساعدات العسكرية بالقبول بالدور السيادي للحكومة المركزية في توزيع هذه المساعدات، فإنهم يخاطرون بمصلحتهم المعلنة في المحافظة على وحدة العراق. بالفعل، فإنهم ومن خلال الإخلال بالتوازن الهشّ بين الأكراد أنفسهم، وبين الأكراد والعرب السنة وبين الأكراد وحكومات بغداد، وطهران وأنقرة، فإنهم يخاطرون بإضعاف هذه الحكومة. علاوة على ذلك، فإنهم بتمكين القوات الكردية التابعة للأحزاب، فإنهم يسرّعون بتداعي مؤسسات الدولة ويسهّلون التدخل الخارجي. بالنظر إلى الهشاشة والتشظّي اللذان باتا يعتريان العراق، فإن بوسع المرء أن يتساءل وحسب كيف يمكن لتدفق المزيد من الأسلحة إلى هذا البلد أن يجعله أقوى. بدلاً من ذلك، فإن الدول الأعضاء في التحالف، والتي تعمل بالتنسيق مع بعضها بعضاً، ينبغي أن تقنع الأحزاب الكردية باستكمال عملية توحيد أجهزتها العسكرية، والأمنية والاستخباراتية في هيكلية واحدة غير حزبية وذلك بتمكين الألوية المشتركة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والعناصر الأكثر احترافية في البشمركة؛ والتعاون مع الجهات الفاعلة من غير الأكراد في المناطق المتنازع عليها؛ ووضع خطة لما بعد تنظيم الدولة مع الحكومة المركزية تعزز التعاون الأمني في هذه المناطق وتدفع قُدماً عملية تسوية وضعها من خلال المفاوضات.

لقد حان الوقت كي ترتّب قيادة إقليم كردستان بيتها الداخلي. يمكن لها أن تفرح بالدعم المؤقت في حربها ضد تنظيم الدولة، إلاّ أن المشاكل القديمة سرعان ما ستعود، ويمكن أن تشكل تهديداً أكثر خطورة على استقرار الإقليم من أي تهديد يمكن لتنظيم الدولة نفسه أن يشكله.

An Iraqi fighter with the Popular Mobilisation Forces inspects the site of the Islamic State (IS) group attack, May 3, 2020. AFP/AHMAD AL-RUBAYE

عند قياس "عودة تنظيم الدولة الإسلامية"، استخدموا المقياس الصحيح

Memories of the Islamic State’s 2014-2015 “caliphate” peak in Iraq and Syria colour views of its present capacity, leading officials and observers either to exaggerate or understate its threat. In Iraq, the group does pose a danger. Gauging it properly is key to containing it.

في ليلة الجمعة، 1 أيار/مايو، شن تنظيم الدولة الإسلامية إحدى أكثر عملياته طموحاً في العراق في الآونة الأخيرة. اجتمعت وحدات تابعة للتنظيم الجهادي وهاجمت القوات شبه العسكرية العراقية التي كانت تقوم بتأمين جزء من ريف محافظة صلاح الدين، وانخرطت في اشتباك معها دام ساعات وانتهى بمقتل 10 من عناصر القوة شبه العسكرية. أتى هجوم 1 أيار/مايو في أعقاب شهر كان تنظيم الدولة الإسلامية قد أصبح خلاله أكثر مباشرة وعدوانية في هجماته على قوات الأمن العراقية.

أشار مسؤول عسكري في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وهو الشراكة متعددة الأطراف التي تقودها الولايات المتحدة والتي دعمت العراق في معركته ضد التنظيم، إلى تعقيد هجوم صلاح الدين وهجمات أخرى شُنَّت في نهاية ذلك الأسبوع. كما أكد أن الشهر السابق قد شهد تحولاً في تموضع التنظيم، وإن لم يطرأ تحسن على معداته وتكتيكاته.

إلا أنه شدّد أيضاً على مدى بُعد التنظيم عن أوج قوته التي بلغها في عام 2014، عندما كان بوسعه تسيير أرتال طويلة من الآليات عبر الصحراء، والسيطرة على مناطق واسعة في العراق وسورية المجاورة، وإعلان "خلافة". وتساءل المسؤول في التحالف: "هل يقومون [تنظيم الدولة الإسلامية] بتجنيد أحد؟ لا. هل ينشرون مقطع فيديو جذاب تنشر صورة منه صحيفة الديلي ميرور على صفحتها الأولى؟ لا. هل يستطيعون جمع المال من الضرائب، وآبار النفط، والتبرعات الخارجية – قليلاً، لكن على الأغلب لا. ... وبالتالي ينبغي قياس قوته على هذا الأساس".

في أحدث موجات نشاط تنظيم الدولة، لم يظهر التنظيم شيئاً يقترب من قدرته وسعة انتشاره التي كان عليها في عامي 2014 و2015.

هذا كله صحيح. ففي أحدث موجات نشاط تنظيم الدولة، لم يظهر التنظيم شيئاً يقترب من قدرته وسعة انتشاره التي كان عليها في عامي 2014 و2015 – أو حتى قوته في السنوات التي سبقت تلك الفترة، والتي وضع التنظيم خلالها الأرضية التي بنى عليها سيطرته على الأرض.

إلا أن ذروة تنظيم الدولة و"خلافته" كانت تعد لحظة تاريخية غريبة وفريدة من نوعها. وقد شوّهت الذكريات عن تلك اللحظة التحليلات التالية لنشاط التنظيم في العراق، حتى بعد سنوات.

والنتيجة أن الادعاءات المضخمة، من جهة، بأن تنظيم الدولة قد عاد إلى ذلك النوع من العمليات والقدرات التي سبقت مباشرة قيام "خلافته" في عام 2014، ومن جهة أخرى محاولات – كمحاولة المسؤول في الائتلاف – للتقليل من ذلك التهويل تتم في الحالتين صياغتها والنقاش حولها بالقياس مع أوج "الخلافة" في عامي 2014 و2015. وبالتالي يتم قياس قدرات تنظيم الدولة الحالية بالقياس إلى تجربة تاريخية كانت صادمة ومروّعة، لكنها على الأرجح شاذة وعرضية.

لقد حذرت مجموعة الأزمات من "عودة تنظيم الدولة الإسلامية إلى النشاط". لكن تلك العودة، إذا حدثت، فإنها على الأغلب لن تبدو كما كان الوضع في عام 2014. وفي هذه الأثناء، فإن استخدام معيار "الخلافة" هذا قد يزيد من صعوبة تشخيص التغيرات التي طرأت على عمليات التنظيم وهي تغيرات ذات طابع تدريجي لكنها مهمة لتقييم التهديد الذي تمثله حملة التمرد المسلح للتنظيم – تغيرات مثل التحول الذي حدث خلال شهر نيسان/أبريل، والذي يبدو أنه سبق التصعيد الحقيقي والمهلك في الأول من أيار/مايو.

تنظيم الدولة يميل إلى الأمام

يبدو أن عملية 1 أيار/مايو كانت معقدة ومخططاً لها. في البداية هاجم تنظيم الدولة مقاتلين قبليين محليين ينتمون إلى قوة الحشد الشعبي جنوب مدينة تكريت في صلاح الدين. هاجم الجهاديون وقتلوا مجموعة تتكون من ستة من مقاتلي الحشد، ومن ثم ضرب تعزيزات قادمة مستخدماً عبوة ناسفة يدّعي التنظيم أنه كان قد زرعها مسبقاً، فقتل ثلاثة آخرين من عناصر القوة المؤازرة. مقاتل آخر في الحشد قُتل في هجوم منفصل تزامن مع الهجوم الأول. وتقدمت وحدات التنظيم على أربعة محاور، طبقاً لأحد مسؤولي الحشد، الذي قال أيضاً إن بعض مقاتلي التنظيم اقتربوا على قوارب صغيرة عبرت نهر دجلة.

يتميز التواتر الجديد لهذه الاشتباكات المباشرة عن تفضيل التنظيم فيما مضى للهجمات غير المتماثلة.

طوال شهر نيسان/أبريل، كان تنظيم الدولة يستهدف فيما يبدو قوات الأمن العراقية بطريقة أكثر مباشرة. وطبقاً لتقارير التنظيم بالإضافة إلى دبلوماسيين ومسؤول عسكري تحدثوا إلى مجموعة الأزمات، فإن التنظيم الجهادي خاض المزيد من الاشتباكات المباشرة مع قوات الأمن تلك، إضافة إلى المزيد من الهجمات التي حدثت في وضح النهار. يتميز التواتر الجديد لهذه الاشتباكات المباشرة عن تفضيل التنظيم فيما مضى للهجمات غير المتماثلة على قوات الأمن العراقية – معتمداً بشكل أكبر على وسائل مثل العبوات الناسفة الموضوعة على جوانب الطرق وهجمات القناصة – والاستهداف المستمر للمدنيين في المناطق الريفية.

على حد تعبير دبلوماسي غربي من إحدى الدول الأعضاء في التحالف: "إنهم أكثر جرأة وعدوانية. ... يستخدمون العبوات الناسفة، كالمعتاد. لكنهم يشتبكون في مواجهات بالنار أكثر فأكثر، سواء مع [قوات الأمن العراقية] أو [الحشد]، ويقتلون".

لقد تركزت أحدث هجمات تنظيم الدولة وأكثرها جرأة على الحزام الريفي الذي يمر عبر وسط شمال العراق، في محافظات كركوك، وصلاح الدين وديالى. ويشمل هذا الشريط مناطق متنازع عليها بين الحكومة المركزية في بغداد وإقليم كردستان. منذ هزيمة التنظيم في عام 2017 في العراق، لجأ مقاتلوه إلى التضاريس الوعرة في هذه المناطق. وعلى مدى نيسان/أبريل، بدا أن التنظيم صعّد هجماته أيضاً على الأطراف الغربية لمحافظة الأنبار، على طول الحدود الأردنية والسعودية.

قال العميد يحيى رسول الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع العراقية (في لقاء تم قبل تسلّم العميد لمنصب المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية) متحدثاً لمجموعة الأزمات: "هناك بعض بقايا التنظيم، خلايا، تحاول القيام بعمليات هنا وهناك – في المناطق الصحراوية، مثل غرب الأنبار، أو في السهول، والوديان والجبال. مناطق تكون طبيعة الأرض فيها صعبة وتتعذر السيطرة عليها بالكامل". في المناطق العراقية المتنازع عليها، يستغل التنظيم المناطق الفاصلة بين القوات الاتحادية العراقية وقوات الأمن الكردية، وأيضاً غياب التنسيق فيما بينهما.

لم تشكل هجمات نيسان/أبريل تصعيداً نوعياً، من حيث أنها لم تظهر تحسناً واضحاً في القدرات الأساسية للتنظيم؛ فقد استخدمت الوحدات المتفرقة للتنظيم نفس التكتيكات غير المعقدة التي تبنتها منذ عام 2017 – أي، مجموعات صغيرة الحجم تنفذ هجمات منفردة مستخدمة الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة.

بدا أن وحدات تنظيم الدولة تستخدم الوسائل نفسها لكنها تقوم بخيارات جديدة من حيث اختيار الأهداف والتوقيت.

رغم ذلك، وحتى لو لم تكن تلك الهجمات أكثر تعقيداً، فإنها بدت مختلفة نوعياً؛ إذ بدا أن وحدات تنظيم الدولة تستخدم الوسائل نفسها لكنها تقوم بخيارات جديدة من حيث اختيار الأهداف والتوقيت.

في 28 نيسان/أبريل، حاول تنظيم الدولة تنفيذ هجوم انتحاري على مقر جهاز المخابرات في مدينة كركوك – وهي عملية لا سابق لها تقريباً منذ عام 2017، بالنظر إلى أن التنظيم تجنب عمليات التفجير الانتحارية وحافظ على قواه البشرية بعد فقدانه السيطرة على الأراضي. اشتبك عناصر الأمن مع المهاجم الوحيد عند اقترابه، ففجر نفسه قبل الوصول إلى المبنى. جرح عدة رجال لكن لم يقتل أحد. وبالتالي، فإن إرسال مهاجم وحيد مزود بحزام ناسف في هجوم فاشل أدلّ على نوايا التنظيم، منه على قدراته.

إلا أن الهجوم المنسق الذي شنه التنظيم في 1 أيار/مايو مختلف، ويشكل تصعيداً نوعياً حقيقياً بعد التغير في موقف التنظيم في الشهر السابق.

سببية غير واضحة

لقد كانت آخر هجمات تنظيم الدولة الإسلامية على الأرجح محاولة لإجبار قوات الأمن العراقية على الانسحاب إلى المدن والقواعد المحصنة، وفي الوقت نفسه ترهيب المدنيين المحليين كي لا يتعاونوا مع الدولة العراقية. تتبع مثل هذه الدوافع منطقاً نموذجياً لدى الجماعات المتمردة المسلحة وهو منطق عبّر التنظيم نفسه عنه في منشوراته. فقد كتب التنظيم أن القوات الحكومية ستتخلى عن الريف وتنتقل إلى المدن والمنشآت المحصنة. عندها "يصبح [أعداء التنظيم] محاصرين في المناطق الحضرية التي يسعون إلى تأمينها، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى حصون". عند تلك النقطة، سيحول تنظيم الدولة وحداته من مجموعات تمارس حرب العصابات وتنفذ هجمات محدودة إلى "نمط التشكيلات شبه النظامية التي يمكنها – بإذن الله تعالى – القيام بعمليات منسقة متوسطة بل كبيرة من حيث المدى وطبيعة الأهداف". لكن إذا كان هذا المنطق واضحاً إلى حد كبير، فإن سبب قيام التنظيم بالتصعيد في هذا التوقيت المعين أقل وضوحاً.

ا المنطق واضحاً إلى حد كبير، فإن سبب قيام التنظيم بالتصعيد في هذا التوقيت المعين أقل وضوحاً.

تأتي الهجمات بعد أشهر من التوترات والهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة وفصائل الحشد المرتبطة بإيران والتي عطلت التعاون في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية بين قوات الأمن العراقية والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. في 3 كانون الثاني/يناير، قتلت الولايات المتحدة الجنرال الإيراني قاسم سليماني والقائد في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في غارة لطائرة مسيرة لدى مغادرة الرجلين مطار بغداد. ومنذ ذلك الحين، يشهد العراق أحداث عنف متكررة بين الولايات المتحدة وفصائل الحشد المدعومة إيرانياً. إضافة إلى ذلك، فالبلاد يمزقها الجدل حول ما إذا كان ينبغي إخراج القوات الأميركية وإنهاء ما يسميه خصوم الولايات المتحدة العراقيين "احتلالاً". طوال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل، انسحبت القوات الأميركية وقوات التحالف من عدد من القواعد العراقية المتقدمة، التي كانت عرضة للهجوم فيها، إلى مجمعات قليلة أكثر أماناً، مدعية أن التحرك "خطط له منذ وقت طويل".

إلا أن عمليات محاربة تنظيم الدولة استمرت، وبعد انقطاع أولي في كانون الثاني/يناير، مع بعض الدعم على الأقل من التحالف. قال المسؤول في التحالف: "لم يكن لدينا عدد كبير من القوات [في تلك القواعد] على أي حال. وخلال الأسبوع الماضي، قدم التحالف الدعم للقوات العراقية، بما في ذلك الطائرات المسيرة والضربات الجوية. لم نكن بحاجة للمشاة الموجودين في كركوك للقيام بذلك". لكن من غير الواضح مدى تأثير انسحاب قوات التحالف من هذه القواعد – حيث كانت تعمل إلى جانب بعض الوحدات العراقية المشاركة مباشرة في محاربة تنظيم الدولة – على التعاون في محاربة تنظيم الدولة ومعرفة التحالف بالأوضاع في النقاط الساخنة التي يعمل فيها التنظيم. علاوة على ذلك، كان للتوترات بين الولايات المتحدة وحلفاء إيران العراقيين آثار أخرى. طبقاً لمسؤولين غربيين، على سبيل المثال، فإن بعض معدات المراقبة الأميركية التي كانت قد استخدمت في عمليات محاربة تنظيم الدولة حُّولت لتعمل في "حماية القوات" – أي الترقب لهجمات القوات شبه العسكرية على الجنود الأميركيين.

من الواضح أن تنظيم الدولة تابع هذه التطورات، وبشكل خاص انسحاب قوات التحالف من تلك القواعد، حيث أنه أشار إليها في نشرته الأسبوعية لأعضاء التنظيم والمتعاطفين معه. لكن من غير الواضح ما هي الاستنتاجات التي خرج بها التنظيم، أو إذا كان لتلك الاستنتاجات أثر على التفكير العملياتي للوحدات الميدانية.

يبدو أنه كان لكوفيد–19 بعض الأثر على جاهزية قوات الأمن العراقية.

كما أن تنظيم الدولة ربما يستغل تشتت انتباه قوات الأمن العراقية بسبب جائحة كوفيد–19. ففي آذار/مارس، حث تنظيم الدولة الإسلامية أعضاءه والمتعاطفين معه في سائر أنحاء العالم على استغلال انشغال أعدائهم بفيروس كورونا والاستمرار في تنفيذ الهجمات. من غير المرجح أن يكون لانسحاب مدربي التحالف الأجانب من العراق بسبب كوفيد–19 وما ترتب عليه من توقف تدريب القوات العراقية تأثير مباشر على جهود محاربة تنظيم الدولة. لكن يبدو أنه كان لكوفيد–19 بعض الأثر على جاهزية قوات الأمن العراقية. فقد كُلف بعضها بفرض حظر التجول وبعض تدابير الصحة العامة، طبقاً لمسؤولين عسكريين. وحدة أمنية ثانية كانت متمركزة قرب القوات شبه العسكرية التي استُهدفت في 1 أيار/مايو كانت قد أرسلت إلى مناطق حضرية للمساعدة في تنفيذ تدابير تتعلق بكوفيد–19.

قال الناطق لوزارة الدفاع العميد رسول عن دور قوات الأمن في تنفيذ الإجراءات المتعلقة بكوفيد–19: "للجيش عدد من المهام؛ ومن بينها هذه المهمة الإنسانية"، رغم أنه أكد على أن جهود محاربة تنظيم الدولة الإسلامية كانت مستمرة.

كما أن العراق عانى لفترة طويلة من الفراغ السياسي، حيث لم يكن فيه حكومة فعلية من كانون الأول/ديسمبر إلى أن تشكلت حكومة جديدة في مطلع هذا الشهر. كما واجهت البلاد أزمة اقتصادية عميقة. وقد يكون تنظيم الدولة قد حدد توقيت رفع وتيرة أنشطته لتتزامن مع شهر رمضان المقدس عند المسلمين.

إن تصادف هذه العوامل المختلفة في العراق يجعل من الصعب تحديد سبب واحد واضح لتحركات تنظيم الدولة الأخيرة. على حد تعبير دبلوماسي من أحد الدول الأعضاء في التحالف: "من المبكر الخروج باستنتاجات. لكن من الواضح أن شيئاً ما يحدث".

من غير المرجح أن يكون ما يحدث تكراراً لما حدث في عام 2014  

رغم ذلك، فإن الهجمات الحالية التي يشنها تنظيم الدولة لا تقارن بالتهديد الأكبر بكثير الذي شكله التنظيم في الماضي.

يريد تنظيم الدولة أن يقول إنه ما زال يتمتع بهذه القدرة. لكن في الحقيقة فإن قدراته متدنية ولا ترتقي إلى الجودة التي كانت عليها سابقاً.

وكما أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع العميد رسول، فإن تنظيم الدولة لم يعد ينفذ تفجيرات كبيرة بالسيارات المفخخة أو يسيطر على مناطق. متحدثاً قبل هجوم 1 أيار/مايو، قال رسول إن التنظيم عاد إلى "أسلوبه القديم، أي هجمات متفرقة هنا وهناك، كي يبعث برسائل إعلامية، ولرفع معنويات أعضاء التنظيم الذين قد يكونون متوارين عن الأنظار. إنه يريد أن يقول إنه ما زال يتمتع بهذه القدرة. لكن في الحقيقة فإن قدراته متدنية ولا ترتقي إلى الجودة التي كانت عليها سابقاً".

في الواقع، فإن نشاط تنظيم الدولة يقتصر غالباً على المناطق الريفية النائية في البلاد. والعراقيون الذين عاشوا فترة هياج التنظيم عام 2014، وكذلك حملته قبل ذلك والتي امتدت سنوات نفذ خلالها تفجيرات ومارس العنف على نمط عصابات المافيا في أماكن مثل الموصل، يعرفون أن عنف التنظيم بات أقل بكثير.

أحد شيوخ القبائل في منطقة كركوك قال إن التنظيم "موجود وشرس" في بعض المناطق الريفية لكنه أضاف: "لكن ليس في المدن أو المناطق الحضرية. إنه موجود في المناطق والنواحي [الريفية]؛ في الأدغال أو في الوديان والجبال".

من المفهوم وجود دوافع عند البعض لتفنيد التهويل من تنظيم الدولة، خصوصاً وأن العراق يعمل على التعافي من حربه لإلحاق الهزيمة بالتنظيم ومعالجة مشاكل البلاد العديدة المتراكمة غير مشكلة التنظيم. ويصبح الدافع مفهوماً أكثر بالنظر إلى التصوير الميلودرامي من قبل البعض لتهديد التنظيم المحتمل. لقد صاغ المحللون في كثير من الأحيان تحذيرات من عودة تنظيم الدولة إلى الظهور باستخدام لغة توحي بعودته الوشيكة إلى السيطرة على الأرض، أو إلى عامي 2013 و 2014، الفترة التي سبقت "خلافته".

في العدد الأخير لنشرة تنظيم الدولة الإسلامية الأسبوعية، لاحظ التنظيم نفسه التغطية المتسمة بالرعب في وسائل الإعلام لعملياته التصعيدية، كجزء من "هزة كبيرة" أحدثتها هجماته الأخيرة "في صفوف العدو"، حيث أدعت النشرة إن أعداء التنظيم "يشبّهون الوضع اليوم بما كان عليه الحال قبيل سقوط المدن [العراقية] في أيدي المجاهدين" في عام 2014.

المشهد المروع الذي أحدثه تنظيم الدولة الإسلامية في عامي 2014 و2015 ساهم أيضاً في تأطير النقاشات حول المتمردين الجهاديين في مناطق بعيدة عن العراق. ويتمثل أحد الأمثلة على ذلك ما قاله مسؤولون أميركيون وفرنسيون ومسؤولون من غرب أفريقيا مؤخراً لصحيفة واشنطن بوست، حيث قالوا إنه "لتجنب مراقبة الغرب، فإن التنظيمات [الجهادية في غرب أفريقيا] لا تعلن 'خلافات'".

الآن، وبعد المعركة المدمرة التي استمرت سنوات لاقتلاع تنظيم الدولة، فإن العراقيين وشركاءهم الدوليين أيضاً باتوا متيقظين لتهديد التنظيم.

لكن بصرف النظر عن سوء استخدام المصطلحات – لن يعلن العناصر المحليون في تنظيم الدولة الإسلامية "خلافة" ثانية تنافس الخلافة التي أعلنها الفرع الرئيسي في عام 2014، والتي ما يزال التنظيم يصر على أنها باقية وذات شرعية – فإن شبه الدولة التي ظهرت في العراق وسورية في الماضي من غير المرجح أن تعود.

في عام 2014، استغل تنظيم الدولة الإسلامية ظرفاً استثنائياً. فالعالم العربي كان يمر بمخاض تاريخي، حيث كانت أنظمة قائمة منذ وقت طويل قد سقطت، وحيث بدت الحدود الوطنية فجأة عرضة لإعادة الترسيم. وقد تدفقت الأموال، والأسلحة وآلاف المقاتلين الأجانب على حالة التمرد المضطربة في سورية، والتي كانت بحلول ذلك الوقت قد قلصت سيطرة الدولة السورية إلى جزء بسيط من البلاد. استخدم تنظيم الدولة الإسلامية – الذي يعود بأصوله إلى العراق المجاور – الفراغ الذي خلقه عدم وجود الدولة في سورية كقاعدة خلفية واسعة وغنية بالموارد حضّر منها لاجتياحه للعراق. وفي العراق، كان التنظيم قد اخترق أصلاً الحراك السني ضد الدولة المركزية، وهو حراك شجعته دول إقليمية سنية علناً. كثير من الناس – ليس في سورية والعراق وحسب، بل في الغرب أيضاً – استغرقوا وقتاً أطول مما ينبغي كي يدركوا التهديد الذي شكله تنظيم الدولة. بحلول الوقت الذي كان فيه التنظيم قد اكتسح أجزاء كبيرة من العراق وسورية في الصيف، ومن ثم صبغ الأبنية البلدية المحلية بلونه الأسود المميز، كان فاتهم الوقت لفعل شيء.

الآن، وبعد المعركة المدمرة التي استمرت سنوات لاقتلاع تنظيم الدولة، فإن العراقيين وشركاءهم الدوليين أيضاً باتوا متيقظين لتهديد التنظيم. يؤكد تنظيم الدولة أن هدفه النهائي العودة إلى السيطرة المكانية والإدارة، بعد حرب استنزاف طويلة. لكن في حين أن التنظيم يبقى خطيراً – في العراق وفي غيره – فإنه لم يعد يستطيع مفاجأة أعدائه بنفس الطريقة.

كل هذا يعني أن تكراراً لعام 2014 – ذلك النوع من الهجوم العسكري السريع، وعودة "الخلافة"، أو تجدد سيطرة تنظيم الدولة على أكثر من حفنة من المناطق الريفية النائية – يصعب تخيله. من الواضح أن التنظيم يرغب بتكرار اجتياح العام 2014. إلا أن العوامل المتضافرة التي سمحت بذلك لم تعد موجودة ويمكن القول إنها من غير المرجح أن تصبح موجودة في المستقبل المنظور. ولذلك فإن تقدير قدرات التنظيم على هذا الأساس ليس مفيداً.

من المهم جداً البقاء متيقظين للتغيرات التدريجية البسيطة في نشاط تنظيم الدولة، التي تبقى تحت مستوى 2014.

في العراق، من غير المرجح أن تبدو "عودة التنظيم" شبيهة بعام 2014 و"الخلافة،" بل أكثر شبهاً بهجوم التنظيم في 1 أيار/مايو في صلاح الدين. ذلك الاحتمال قد لا يحرّك جمهوراً دولياً، بقدر ما تحرّكه التحذيرات من تكرار لعام 2014. لكن بالنسبة للعراقيين – خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر عرضة لهجمات التنظيم – فإن ذلك النوع من عودة للتنظيم للنشاط سيكون مرعباً ومهلكاً من جديد.

وبالتالي من المهم جداً البقاء متيقظين للتغيرات التدريجية البسيطة في نشاط تنظيم الدولة، التي تبقى تحت مستوى 2014 – أي أن ثمة "تغييراً" نوعياً، وإن لم يكن هناك "تصعيد" نوعي. ذلك هو نوع التغيير الذي قد ينبّه العراق وشركاءه للحاجة إلى تصحيح المسار.