تسليح أكراد العراق: محاربة تنظيم الدولة، واستدراج الصراع
تسليح أكراد العراق: محاربة تنظيم الدولة، واستدراج الصراع
Table of Contents
  1. Executive Summary

تسليح أكراد العراق: محاربة تنظيم الدولة، واستدراج الصراع

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

الدول الغربية التي انتظمت في تحالف صُمِّم لهذه الغاية، قدّمت على وجه السرعة المساعدات العسكرية لأكراد العراق لمواجهة هجوم صاعق شنّه تنظيم الدولة في حزيران/يونيو 2014. غير أن هذه الدول أخفقت في وضع استراتيجية للتعامل مع تبعات تسليح الكيانات داخل الدولة العراقية التي تزعم هذه البلدان أنها تدعم وحدتها. بدلاً من صياغة رد عسكري قوي وموحّد للتهديد الذي يشكّله تنظيم الدولة، فإن تعزيز قدرات القوات الكردية سرّعت من تشظّي الكيان السياسي الكردي، وزاد من حدة التوترات بين هذه القوى من جهة والجماعات غير الكردية من جهة أخرى في المناطق المتنازع عليها وقوّى شوكة القوى الساعية للانفصال عن العراق. ثمة مخاطرة في أن تطيل المساعدة العسكرية بهذه الطريقة من أمد الصراع مع تنظيم الدولة، وأن يفاقم من صراعات أخرى طويلة الأمد وأن يتسبب في صراعات جديدة. ثمة حاجة لمقاربة جديدة تُجري مراجعة للجهود السابقة وتبني عليها من أجل تحويل القوات الكردية إلى مؤسسة احترافية.

رغم المخاوف الغربية، فإن من غير المرجّح أن يعزز القيام بذلك من فرص تحقيق الاستقلال للأكراد. لقد أصبحت الأحزاب الكردية أكثر، وليس أقل، اعتماداً على تحالفاتها مع تركيا وإيران منذ ظهور تنظيم الدولة. تركيا، وهي الدولة القادرة على منح الأكراد مصدراً مستقلاً للإيرادات من مبيعات النفط سيحتاجونه إذا تحركوا بشكل فعال نحو الاستقلال، لم تشر إلى أنها مستعدة للقيام بذلك، بل أكّدت على الدوام على أنها ترغب في المحافظة على وحدة العراق. كما أن الممارسة الراهنة للدول الغربية المتمثلة في تقديم الأسلحة للأكراد من خلال بغداد وتشجيع الجانبين على تسوية نزاعاتهما العالقة حول صادرات وإيرادات النفط ستبقي الإقليم الكردي داخل العراق. بالفعل، فإن تطوير قوة عسكرية كردية احترافية شرط ضروري للتنسيق الفعّال مع حكومة بغداد وللتعاون المشترك ضد تنظيم الدولة ولإعداد خطة سياسية لما بعد تنظيم الدولة.

تستند المساعدات العسكرية التي يقدّمها التحالف إلى الاعتقاد بأن تقديم الأسلحة والتدريب للقوات الكردية، المعروفة بالبشمركة، سيحسّن من أدائها في مواجهة تنظيم الدولة، وهي فكرة يسارع القادة الأكراد لنشرها والترويج لها. إلاّ أن الوضع المتغيّر للسياسات الكردية العراقية يقدّم صورة أكثر غموضاً؛ حيث إن الحزبين المهيمنين المتنافسين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، يبتعدان فعلياً عن الاتفاقية الاستراتيجية الإطارية التي كانت قد حققت الاستقرار لعلاقاتهما بعد فترة من الصراع وسمحت لهما بتشكيل جبهة موحّدة أمام الحكومة المركزية وكذلك أمام إيران وتركيا المجاورتين. أضف إلى ذلك أن قائديهما التاريخيين، مسعود برزاني وجلال طالباني، باتا في خريف مسيرتهما السياسية، ما يدفع بصراع على السلطة داخل نخب الحزبين.

ولذلك فإن هذه لحظة تعتريها الكثير من الهشاشة. بدلاً من تعزيز الوحدة والمؤسسات الكردية، فإن آخر تجليات "الحرب على الإرهاب" تثير توترات قاتلة وتقوّض كل التقدم الذي تحقق في تحويل البشمركة إلى قوة عسكرية حيادية سياسياً تخضع لسلسلة قيادة واحدة. كما أنه يمهّد الطريق لتجدّد التدخل الخارجي في الشؤون الكردية، خصوصاً من قبل إيران ويشجع الأكراد على محاولة السيطرة على مزيد من الأراضي وعلى الموارد في المناطق التي يدّعون أنها جزء من إقليمهم الذي يتمتع بالحكم الذاتي، مما يزيد من تعقيد علاقاتهم مع جيرانهم العرب السنّة وحكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي.

ظاهرياً، وبعد تقديم المساعدات العسكرية في البداية للحزب الديمقراطي الكردستاني في آب/أغسطس 2014، فإن المساعدات العسكرية الغربية قُدّمت حتى الآن لحكومة إقليم كردستان، وبموافقة مسبقة من بغداد. لكن عملياً، فإن تقديم الأسلحة من قبل مجموعة من المانحين يتم بشكل أحادي، وغالباً دون تنسيق وكذلك دون شروط فيما يتعلق بتوزيعها واستخدامها على خطوط الجبهة. ونتيجة لذلك، فإنها عادت بالفائدة بشكل غير متناسب على الحزب الديمقراطي الكردستاني، القوة المهيمنة في أربيل، عاصمة الإقليم، وبالتالي دفعت الاتحاد الوطني الكردستاني إلى المزيد من الاعتماد على المساعدات العسكرية الإيرانية والتحالف مع حزب العمال الكردستاني، المنظمة الكردية المتمرّدة العاملة في تركيا. وفي هذا السياق، فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، الشريكان الرسميان في حكومة وحدة وطنية، لم يظهرا ميلاً يذكر لتوزيع الأدوار أو القيام بعمليات مشتركة، وفضّلا حتى الآن التنافس بدلاً من التنسيق. نتيجة لذلك، فإن القوات الكردية كانت أقل فعالية في محاربة تنظيم الدولة مما كان بوسعها أن تكون.

في حين ربط أعضاء التحالف المساعدات العسكرية بالقبول بالدور السيادي للحكومة المركزية في توزيع هذه المساعدات، فإنهم يخاطرون بمصلحتهم المعلنة في المحافظة على وحدة العراق. بالفعل، فإنهم ومن خلال الإخلال بالتوازن الهشّ بين الأكراد أنفسهم، وبين الأكراد والعرب السنة وبين الأكراد وحكومات بغداد، وطهران وأنقرة، فإنهم يخاطرون بإضعاف هذه الحكومة. علاوة على ذلك، فإنهم بتمكين القوات الكردية التابعة للأحزاب، فإنهم يسرّعون بتداعي مؤسسات الدولة ويسهّلون التدخل الخارجي. بالنظر إلى الهشاشة والتشظّي اللذان باتا يعتريان العراق، فإن بوسع المرء أن يتساءل وحسب كيف يمكن لتدفق المزيد من الأسلحة إلى هذا البلد أن يجعله أقوى. بدلاً من ذلك، فإن الدول الأعضاء في التحالف، والتي تعمل بالتنسيق مع بعضها بعضاً، ينبغي أن تقنع الأحزاب الكردية باستكمال عملية توحيد أجهزتها العسكرية، والأمنية والاستخباراتية في هيكلية واحدة غير حزبية وذلك بتمكين الألوية المشتركة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والعناصر الأكثر احترافية في البشمركة؛ والتعاون مع الجهات الفاعلة من غير الأكراد في المناطق المتنازع عليها؛ ووضع خطة لما بعد تنظيم الدولة مع الحكومة المركزية تعزز التعاون الأمني في هذه المناطق وتدفع قُدماً عملية تسوية وضعها من خلال المفاوضات.

لقد حان الوقت كي ترتّب قيادة إقليم كردستان بيتها الداخلي. يمكن لها أن تفرح بالدعم المؤقت في حربها ضد تنظيم الدولة، إلاّ أن المشاكل القديمة سرعان ما ستعود، ويمكن أن تشكل تهديداً أكثر خطورة على استقرار الإقليم من أي تهديد يمكن لتنظيم الدولة نفسه أن يشكله.

Executive Summary

Loosely organised in an ad hoc coalition, Western countries rushed military aid to Iraqi Kurds in the face of a lightning assault by the Islamic State (IS) in June 2014. They failed, however, to develop a strategy for dealing with the consequences of arming non-state actors in Iraq, a country whose unity they profess to support. Rather than forging a strong, unified military response to the IS threat, building up Kurdish forces accelerated the Kurdish polity’s fragmentation, increased tensions between these forces and non-Kurds in disputed areas and strengthened Iraq’s centrifugal forces. Delivered this way, military assistance risks prolonging the conflict with IS, worsening other longstanding, unresolved conflicts and creating new ones. A new approach is called for that revives and builds on past efforts to transform Kurdish forces into a professional institution.

Despite Western concerns, doing so is unlikely to enhance chances of Kurdish independence. Kurdish parties have become even more dependent, not less, on their alliances with Turkey and Iran since IS’s arrival. Turkey, the country with the ability to give the Kurds the independent revenue stream from oil sales they would need to move effectively toward independence, has given no indication it is prepared to do so and every indication it wishes to preserve Iraq’s unity. Western states’ current practice of channelling weapons to the Kurds via Baghdad and encouraging the two sides to resolve their outstanding disputes over oil exports and revenues also will keep the Kurdish region inside Iraq. Indeed, the development of a professional Kurdish military force is a necessary condition for effective coordination with the Baghdad government in joint operations against IS and in preparing a post-IS political plan.

Coalition military aid is premised on a belief that giving weapons and training to Kurdish forces, known as peshmergas, will in itself improve their performance against IS, a notion Kurdish leaders were quick to propagate. But the evolving state of Iraqi Kurdish politics makes for a rather more ambiguous picture: the dominant, rival parties, the KDP (Kurdistan Democratic Party) and PUK (Patriotic Union of Kurdistan), have been moving away from a strategic framework agreement that had stabilised their relationship after a period of conflict and allowed them to present a unified front to the central government as well as neighbouring Iran and Turkey. Moreover, their historic leaders, Masoud Barzani and Jalal Talabani, are on the political wane, triggering an intra-elite power struggle.

This is, therefore, a particularly fragile moment. Rather than shore up Kurdish unity and institutions, the latest iteration of the “war on terror” is igniting old and new internecine tensions and undermining whatever progress has been achieved in turning the peshmergas into a professional, apolitical military force responding to a single chain of command. In doing so, it is also paving the way for renewed foreign involvement in Kurdish affairs, notably by Iran. And it is encouraging Kurdish land grabs and a rush on resources in territories they claim as part of their autonomous region, further complicating their rapport with Sunni Arab neighbours and the government of Prime Minister Haider al-Abadi.

On the face of it, after an initial delivery directly to the KDP in August 2014, Western military aid has been provided to the Kurdistan Regional Government (KRG), with prior approval from Baghdad. In practice, however, weapon deliveries from a variety of donors are unilateral, mostly uncoordinated and come without strings regarding their distribution and use on the front lines. As a result, they have disproportionately benefited the KDP, which is dominant in Erbil, the region’s capital, and thus have pushed the PUK into greater reliance on Iranian military assistance and an alliance with the Kurdistan Workers Party (PKK), the Kurdish rebel organisation in Turkey. In this context, the KDP and PUK, formal partners in a unity government, have shown little inclination to distribute roles or mount joint operations, preferring competition over coordination. As a result, Kurdish forces have been less effective in fighting IS than they could have been.

While coalition members have tied military assistance to acceptance of the central government’s sovereign role in its distribution, they are jeopardising their stated interest in preserving Iraq’s unity. Indeed, by upsetting the fragile equilibrium among Kurds, between Kurds and Sunni Arabs and between the Kurds and the governments in Baghdad, Tehran and Ankara, they risk weakening it; moreover, by empowering Kurdish party-based forces, they hasten the state’s de-institutionalisation and invite external interference. Given how fragile and fragmented Iraq has become, one can only wonder how pouring more arms into it could have any chance of making it stronger.

Coalition members, working in coordination, need instead to persuade Kurdish parties to complete the reunification of their parallel military, security and intelligence agencies within a single, non-partisan structure by empowering the KDP-PUK joint brigades and the peshmergas’ most professional elements; to cooperate with non-Kurdish actors in the disputed territories; and to develop a post-IS plan with the central government that cements security cooperation in these territories and moves forward the process of resolving their status through negotiation.

The KRG leadership is overdue in putting its own house in order. It may revel in momentary support for its fight against IS, but old problems will soon return, arguably posing a far more serious threat to the region’s stability than IS by itself could ever represent.

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

الملخص التنفيذي

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.