icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
الحوثيون: من صعدة إلى صنعاء
الحوثيون: من صعدة إلى صنعاء
تحاشي تجدد الصراع على جنوب اليمن
تحاشي تجدد الصراع على جنوب اليمن

الحوثيون: من صعدة إلى صنعاء

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

ثمة تحوّل في ميزان القوى في شمال اليمن. في مطلع عام 2014، كسب المقاتلون الشيعة الزيديون، المعروفون بالحوثيين، أو أنصار الله، سلسلة من المعارك، ما أدى فعلياً إلى إحكام سيطرتهم على محافظة صعدة، على حدود السعودية، والتوسّع جنوباً إلى أبواب العاصمة صنعاء. الآن، ثمة مجموعة متفرقة ومتقطعة من حالات وقف إطلاق النار، رغم أنها في خطر نتيجة موجات من العنف. ثمة تصاعد في التوتر بين الحوثيين وخصومهم المتعددين ـ عائلة الأحمر، واللواء علي محسن الأحمر (لا تربطه صلة قرابة بعائلة الأحمر) وحلفائه العسكريين، المقاتلين السلفيين، والحزب الإسلامي السني، الإصلاح، والقبائل المرتبطة بهم. تتنامى المخاوف من أن تصعيداً جديداً يمكن أن يجر الدولة اليمنية إلى صراع طويل. من أجل تجنب اشتعال الأوضاع، على الأطراف تحويل التفاهمات الأولية غير المكتملة التي تم التوصّل إليها خلال مؤتمر الحوار الوطني في البلاد إلى خطة سلام قابلة للتطبيق.

يأتي تصاعد العنف المتجدد في وقت حساس من المرحلة الانتقالية للبلاد. في كانون الثاني/يناير 2014، أكمل اليمنيون مؤتمر حوارهم الوطني، الذي خرج بمخطط لإصلاحات سياسية واسعة النطاق. إلاّ أن الخطة تبقى طموحاً يتطلع إليه اليمنيون في أفضل الأحوال. أمام البلاد حتى كانون الثاني/يناير 2015 حتى تكمل صياغة الدستور وإجراء استفتاء للموافقة عليه، قبل إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في وقت لاحق من العام. ثمة عقبات عديدة، بما في ذلك وجود حكومة ضعيفة ومنقسمة؛ وأوضاع اقتصادية مزرية؛ وتدهور أمني. إن العنف واسع النطاق سيعرّض العملية الانتقالية للخطر وذلك بتقويض سلطة الدولة الضعيفة أصلاً والوفاق السياسي الذي لا يزال في مرحلة جنينية. الوضع الراهن يفعل فعله في هذا الاتجاه، رغم أنه يفعل ذلك ببطء.

القتال في أقصى الشمال ليس جديداً؛ فبين عامين 2004 و 2010، عندما انخرط الحوثيون في ست جولات من القتال ضد الحكومة، كانوا الطرف الأضعف سياسياً وعسكرياً، يقتصر نشاطهم على محافظة صعدة، ويطرحون مطالب غير محددة ودون أن يكون لهم أجندة سياسية واضحة. غير أن انتفاضة عام 2011 ضد الرئيس السابق علي عبد الله صالح غيّرت الحراك السياسي في البلاد، ودفعت الحوثيين إلى المسرح الوطني. لقد استفادوا اليوم من ضعف الدولة والصراع السياسي الداخلي لتوسيع قاعدة دعمهم الشعبي وسيطرتهم على المزيد من المناطق في الشمال، بما في ذلك محافظة صعدة بالكامل، حيث يقيمون نقاط تفتيش، ويحرسون الطرق، ويجمعون الضرائب، ويشرفون على إدارة الحكومة المحلية ويديرون الجهاز القضائي. ونظراً لضعف سلطة الدولة، فقد أصبحوا دولة داخل الدولة في هذه المناطق.

بانضمامهم إلى مؤتمر الحوار الوطني، كسبوا مقعداً إلى طاولة المفاوضات والمساومات الوطنية، حيث عبّروا عن مواقف تحظى بالشعبية، بما في ذلك إقامة دولة اتحادية قائمة على المبادئ الديمقراطية، والتعددية السياسية، والحرية الدينية والتوازن بين السلطات. وأكسبتهم سمعتهم كمحايدين ـ أي كمعارضين للقوى المتصارعة خلال فترة حكم صالح وللحكومة الانتقالية التي لا تحظى بالشعبية ـ دعماً إضافياً، حتى خارج معقلهم التقليدي في الشمال ذو الأغلبية الزيدية. والنتيجة هي تحالف متقلّب لتيارات متنافسة – دينية، وقبلية، وحتى يسارية – تتعاون تحت مظلة المعاداة لمؤسسات الدولة، ولم تتبلور طبيعته بعد. أما ما إذا كانت هذه المجموعة ستتطور إلى حزب، أو حركة اجتماعية، أو ميليشيا مسلّحة أو مزيجاً من كل هذه العناصر فسيعتمد على الطريقة التي تدار بها المرحلة الانتقالية.

يزعم الحوثيون أن توسّعهم ذو دافع محلّي. يقولون إن اليمنيين يرحبون بهم بسبب إحباطهم من قوات النظام القديم، بما في ذلك آل صالح، وعلي محسن، والإصلاح وآل الأحمر. ويزعمون أن أعداءهم مصممون على استعمال العنف لوقف الانتشار السلمي لأفكارهم، وبالتالي يصرّون على الاحتفاظ بأسلحتهم، على الأقل في الوقت الراهن، لمنع دولة يسيطر عليها أعداؤهم من سحقهم.

يُبرز خصوم الحوثيين التناقض الصارخ بين خطابهم الشامل والتكتيكات القمعية التي غالباً ما يلجؤون إليها. منتقدو الجماعة يتهمونها دائماً بالسعي، بالقوة، لإعادة تأسيس دولة دينية شبيهة بدولة الإمامة الزيدية التي كانت قائمة في اليمن في الماضي. ويذهب بعضهم أبعد من ذلك ويزعمون أن الحوثيين ابتعدوا عن جذورهم الزيدية وتوجهوا بدلاً من ذلك نحو الشيعة الاثنا عشرية ـ التي يتبناها شيعة إيران ـ وأنهم في خدمة أجندة طهران. مع تنامي المكاسب التي حققها الحوثيون، فإن طيفاً واسعاً من اليمنيين باتوا يعبّرون عن مخاوف متزايدة ويطالبونهم بالتخلي الفوري عن أسلحتهم وتشكيل حزب سياسي كدليل على جديتهم حيال المنافسة السلمية.

يحمل الوضع بذور الانفجار؛ حيث إن الحوثيين، الذين أكسبتهم انتصاراتهم الأخيرة مزيداً من الجرأة، يمكن أن يبالغوا في تقدير قوتهم ويفوتوا فرصة لتعزيز مكاسبهم من خلال التسوية. أما خصومهم، الذين لم يظهروا أي علامة على التراجع، فإنهم يدفعون نحو تدخل الدولة لوقف التقدم الذي يحرزه الحوثيين وإعادتهم إلى مواقعهم. وثمة مخاطرة في أن تنجرّ حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى صراع لا تستطيع تحقيق نصر عسكري فيه، خصوصاً في الوقت الذي تقاتل فيه فرعاً للقاعدة يزداد جرأة. كما أن الانفصاليين الجنوبيين يراقبون التطورات في الشمال بشكل وثيق وإذا انخرط الجيش في معركة هناك، فإنهم قد يغتنمون الفرصة لمحاولة تحقيق الاستقلال.

في حين أن الاتفاقات الناجمة عن مؤتمر الحوار الوطني قد تكون نقطة بداية مفيدة، إلاّ أنها لا تستطيع وقف العنف المتنامي. لم تؤدِ مخرجات الحوار إلى توافق واضح حول القضايا المسببة للقتال، مثل تقاسم السلطة وتقسيم البلاد إلى ست مناطق اتحادية. كما أن بعض البنود، مثل نزع سلاح اللاعبين من غير الدولة، غامضة بشكل خطير، وتفتقر إلى جداول زمنية وآليات تنفيذ.

في نيسان/أبريل 2014، أطلق الرئيس هادي محادثات مع الزعيم الحوثي عبد الملك الحوثي حول وضع حد للقتال الأخير وتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني. إلاّ أن هادي والمبعوث الخاص للأمم المتحدة جمال بن عمر ينبغي أن يذهبا أبعد من ذلك ويحوّلا مخرجات مؤتمر الحوار الوطني إلى اتفاقية سلام قابلة للتنفيذ. ينبغي أن تشمل المحادثات، بشكل غير رسمي على الأقل، لاعبين إضافيين: ممثلين رفيعي المستوى للمؤتمر الشعبي العام (حزب الرئيس السابق صالح)، والإصلاح، وآل الأحمر وعلي محسن والسلفيين. لابد لأي خطة سلام واقعية أن تستجيب للمخاوف الأساسية للأطراف المتحاربة وأن تضمنها من خلال آليات تنفيذ. وثمة ثلاثة مكونات جوهرية لهذا الجهد:

  • تقاسم السلطة على المستويين الوطني والمحلي إلى أن يتم إجراء الانتخابات. ينبغي أن يشمل ذلك تشكيل حكومة وفاق تضم مثالياً ممثلين عن الحوثيين، مع اختيار الوزراء على أساس المهارات الاحترافية والانتماء السياسي.
     
  • نزع السلاح. ينبغي أن يوافق الحوثيون على برنامج مفصّل ومتتابع لتسليم أسلحتهم للدولة مقابل خطوات تتخذها الدولة لتحسين حياديتها، خصوصاً فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية. ينبغي أن يطبَّق نزع السلاح، أولاً الثقيل ومن ثم المتوسط، على جميع اللاعبين غير الدولة. ومن أجل ضمان شفافية التنفيذ، ينبغي أن تتفق جميع الأطراف على إطار للمراقبة.
     
  • وضع ضمانات لحرية المعتقد الديني والأنشطة السياسية السلمية. كخطوة أولى، على آل الأحمر، والإصلاح، والسلفيين وعلي محسن القبول صراحة بحق الحوثيين في نشر آرائهم الدينية والانخراط في أنشطة سياسية سلمية. وينبغي على الحوثيين أن يفعلوا الشيء نفسه حيال الآخرين وأن يشكّلوا حزباً سياسياً.

إن التفاوض على التفاصيل وخطوات التنفيذ المتتابعة ليست بالأمر اليسير على الإطلاق. لم تتمكن الأطراف من فعل ذلك خلال مؤتمر الحوار الوطني، الذي نجح بشكل أساسي لأنه أجّل القرارات الصعبة. لم يعد اليمن يمتلك مثل هذا الترف. ما هو على المحك الآن ليس الانزلاق إلى العنف وحسب، بل المرحلة الانتقالية الهشة في البلاد.

A reinforcement convoy of Yemen's Security Belt Force dominated by members of the the Southern Transitional Council (STC) heading to Abyan province, Yemen. AFP/Saleh Al-OBEIDI

تحاشي تجدد الصراع على جنوب اليمن

Separatists have announced self-administration in southern Yemen, angering the internationally recognised government. The last thing the country needs is more fighting. Gulf powers and the UN should help implement a stalled 2019 agreement so that national ceasefire talks can go ahead.

في 25 نيسان/أبريل أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي الإدارة الذاتية في مناطق جنوب اليمن التي كانت جزءاً من دولة مستقلة قبل الوحدة مع الشمال في العام 1990. أتى الإعلان في أعقاب توترات متصاعدة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية، الحليفان اسمياً في القتال ضد المتمردين الحوثيين المتمركزين في المرتفعات الشمالية. كما أتى في وقت صارعت فيه الأمم المتحدة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار على مستوى البلاد ووضع خطة استجابة لكوفيد–19. أحكمت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بسرعة سيطرتها على الوزارات، ومكاتب الحكومة المحلية ومبنى البنك المركزي في عدن، والمقر المؤقت للحكومة منذ أخرجها الحوثيون من العاصمة صنعاء في العام 2015. لم يتولَّ المجلس الانتقالي الجنوبي بعد الإدارة اليومية لمؤسسات الدولة، لكنه شكل لجاناً كلفت بالقيام بذلك، ويقول مسؤولو المجلس الانتقالي الجنوبي إنهم سيبدؤون قريباً بإدارة شؤون الجنوب.

تولي زمام الأمور بأنفسهم

ربما كان المجلس الانتقالي الجنوبي يأمل بتعزيز الدعم الشعبي المتراجع الذي يحظى به.

ليس من الواضح بعد إذا كان إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي فعلاً محاولة لتأسيس دولة مستقلة أو مراهنة تهدف إلى تحسين الموقف التفاوضي للمجموعة حيال حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي. في سياق تبرير تحركهم، يشير مسؤولو المجلس الانتقالي الجنوبي إلى إعاقة تنفيذ اتفاق الرياض الذي تم التوصل إليه في تشرين الثاني/نوفمبر 2019. منع الاتفاق الذي توسطت السعودية في التوصل إليه نشوب حرب أهلية داخل حرب أهلية في الجنوب بعد أن أخرج الانفصاليون الموالين لهادي من عدن في آب/أغسطس من العام الماضي. ووفر الاتفاق للمجلس الانتقالي الجنوبي دوراً محدوداً في الحكومة وفي محادثات السلام التي تقودها الأمم المتحدة مقابل انسحاب متبادل تدريجي للقوات من عدن ومحافظة أبين المجاورة وتسليم الأسلحة الثقيلة من قبل الطرفين للتحالف الذي تقوده السعودية. كما يشترط الاتفاق دمج المجلس الانتقالي الجنوبي في المؤسسات العسكرية والأمنية للحكومة. الانفصاليون يقولون إنهم فعلوا كل ما طُلب منهم، في حين قام هادي بعمليات انتشار عسكري لصالح طرفه وأخّر الإصلاحات السياسية. ويفترض أن تشمل تلك الإصلاحات تعيين مسؤولين أمنيين وحكوميين محليين وتشكيل حكومة أكثر شمولاً وفريق تفاوضي للمحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة.

وربما كان المجلس الانتقالي الجنوبي يأمل بتعزيز الدعم الشعبي المتراجع الذي يحظى به. رغم أن اتفاق الرياض ترك للمجلس الانتقالي الجنوبي السيطرة الفعلية على عدن، فإن الحكومة استمرت في إدارة مؤسسات الدولة والإمساك بمحفظة أموالها، وهو وضع يقول المجلس الانتقالي الجنوبي إنه عاد بالفائدة على الطرف الحكومي من خلال تقييد يديه. ومنذ كانون الثاني/يناير، يقول مسؤولو المجلس الانتقالي الجنوبي أن الحكومة أوقفت دفع الرواتب في عدن وسمحت بتردي الخدمات العامة. يعترف مسؤولو هادي بالتأخر في دفع الرواتب – وهي في حالة معظم القوات الأمنية والعسكرية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي كانت تدفعها الإمارات العربية المتحدة حتى نهاية العام 2019، لكنهم يعزون ذلك لمشاكل في التدفقات النقدية. ويدعون أن تردي الخدمات يعود إلى التوترات بين المجلس الانتقالي الجنوبي، والحكومة والقوات السعودية المتمركزة في عدن. بعد أن فاقمت فيضانات مدمرة مفاجئة انقطاع الكهرباء والماء في نيسان/أبريل، وجه السكان غضبهم إلى الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي بالتساوي. ولأن الرواتب لم تدفع بعد، فإن بعض قادة المجلس الانتقالي الجنوبي قلقون من احتمال انشقاق مقاتليهم والانضمام إلى جانب الحكومة، إذا كان بإمكانها أن تدفع رواتبهم، أو إلى وحدات عسكرية جديدة تشرف عليها السعودية تستلم رواتبها مباشرة من الرياض.

كما لعبت التطورات في مناطق أخرى من اليمن دوراً أيضاً. فقد علقت قوات الحكومة في الشمال في قتال عنيف مع المتمردين الحوثيين في مآرب منذ كانون الثاني/يناير، ما حدّ من قدرتها على شن هجوم معاكس كبير في الجنوب. كما أغضب قادة المجلس الانتقالي الجنوبي في نيسان/أبريل استمرار إقصائهم عن المفاوضات الرسمية التي ترعاها الأمم المتحدة للتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار وإعادة إطلاق المحادثات السياسية في البلاد. وبالنظر إلى أن مسؤولي المجلس الانتقالي الجنوبي يرون خياراً بين عدم التحرك الذي من شأنه أن يقوّض شعبيتهم وموقعهم المحليان، من جهة، واتخاذ خطوات من شأنها أن تثير غضب القوى الإقليمية والدبلوماسيين الأجانب الذين يشعر هؤلاء المسؤولين بأنهم غير مهتمين بهم أو أنهم يتجاهلون مناشداتهم بإشراكهم، فإن هؤلاء المسؤولين يقولون بأنهم لجأوا إلى الخيار الثاني. ويقولون إن هذه الطريقة تمكنهم على الأقل من تولي الأمور بأنفسهم.

ماذا بعد؟

كما هو متوقع، أدانت الحكومة إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي بصفته محاولة انقلاب أخرى، وقالت إن الانفصاليين "فجروا" اتفاق الرياض. ويقولون إن المجلس الانتقالي الجنوبي رفض الوفاء بالتزاماته بموجب الاتفاق ويقوم بدلاً من ذلك بتعطيل العملية على أمل الحصول على مقعد في محادثات السلام دون تقديم تنازلات ذات معنى على الأرض. وتقول الحكومة إن هذا السلوك السيء من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي لا ينبغي أن يكافأ. وتطالب بأن يقوم المجلس بعكس خططه لتأسيس الإدارة الذاتية والسماح لرئيس الوزراء معين عبد الملك سعيد، الذي منع من دخول عدن في وقت سابق من نيسان/أبريل، بالعودة وقيادة الحكومة من المدينة. السعودية والإمارات كانتا أكثر حذراً؛ فقد رفضتا إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي، ودعتا الحكومة والانفصاليين إلى العودة إلى اتفاق الرياض.  

تطالب الحكومة بأن يقوم المجلس الانتقالي الجنوبي بعكس خططه لتأسيس حكم ذاتي والسماح لرئيس الوزراء معين عبد الملك سعيد بالعودة وقيادة الحكومة من المدينة.

ليس من الواضح ما يخطط كل طرف للقيام به تالياً. لقد أصدر القادة العسكريون المتحالفون مع هادي في الجنوب بيانات تحريضية في الشهور الأخيرة تفيد برغبتهم بانتزاع السيطرة بالقوة على عدن من المجلس الانتقالي الجنوبي. ويمكنهم أن يروا في إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي ذريعة لشن هجومهم. المجلس الانتقالي الجنوبي يقول إنه مستعد للقتال، وأنه يستطيع أن يكسب مناطق جديدة في تكرار للأعمال القتالية التي جرت في آب/أغسطس 2019. سترغب الرياض بتجنب المزيد من الاقتتال داخل المعسكر المعادي للحوثيين وما تزال تأمل بتنفيذ الاتفاق. لكن المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة يفقدان ثقتهما بالرياض على نحو متزايد ويشكان بقدرة المملكة على متابعة الاتفاق والإشراف على تنفيذه. ونتيجة لذلك، قد لا يكون السعوديون قادرين على دفع الأطراف إلى المفاوضات دون مساعدة القوى الإقليمية والدولية الأخرى.

إن اللاعب الذي يتمتع بالموقع الأفضل الذي يمكّنه من تحقيق فرق في الجنوب هو الإمارات. لأبو ظبي علاقات وثيقة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يقيم رئيسه عيدروس الزبيدي في الإمارات. انسحب الإماراتيون من جنوب اليمن في أواسط العام 2019 ومنذ ذلك الحين تدير السعودية عمليات التحالف في عدن. لكن ما تزال الإمارات تحظى بالنفوذ. وفي غياب دعم خارجي، سيسعى المجلس الانتقالي الجنوبي على الأرجح للحصول عليه من أبو ظبي، من غير المرجح أن يتمكن إقليم ذو حكم ذاتي من البقاء لمدة طويلة. ولذلك ينبغي أن يكون المسؤولون الإماراتيون قادرين على المساعدة على إقناع الزبيدي بالعودة إلى طاولة المفاوضات. وبالنظر إلى عدم رضاها عن حكومة هادي، التي ترى أنها متحالفة مع الإخوان المسلمين، ستحتاج أبو ظبي بعض التشجيع لفعل ذلك، على الأرجح من واشنطن.

لقد شعر الحوثيون بالسعادة لهذا الحادث الأخير في الصراع على السلطة بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة هادي، والذي كان له أثر كبير على مدى الأعوام الثلاثة الماضية في تقويض مصداقية الحكومة. وقد أدت التوترات في الجنوب إلى حدوث انقسام في الكتلة المعادية للحوثيين وصرفت اهتمام الحكومة عن المعارك معهم في محافظتي مأرب والبيضاء في الشمال. إذا دخل المجلس الانتقالي الجنوبي في مواجهة عنيفة أخرى، فإنه سيضعف الجهود العسكرية ضد الحوثيين في مأرب ومناطق أخرى.

يزيد الاقتتال من الضغوط على السعودية، التي تأمل بالعثور على مخرج من الحرب.

يعتقد بعض المراقبين اليمنيين أن الصراع في الجنوب يخلق فرصة للحوثيين للتوصل إلى اتفاق مع المجلس الانتقالي الجنوبي يستثني الحكومة. وهذا من شأنه أن يسَّرع في النهاية من تشظي البلاد. إذ ينظر المتمردون والانفصاليون كل إلى الآخر على أنه تهديد أقل قوة بالمقارنة مع الخصوم الآخرين، وأن مثل ذلك الاتفاق سيعود نظرياً بالفائدة عليهما معاً. لكن رسمياً، يقول كل من الطرفين إنه سيتفاوض مع الطرف الآخر فقط في إطار تقوده الأمم المتحدة. كما أن الاقتتال يزيد الضغوط على السعودية، التي تأمل بالعثور على مخرج من الحرب والتوصل إلى تسوية مقبولة مع الحوثيين قبل انهيار الجبهة المعادية لهم تحت ضغط خلافاتها الداخلية. الحوثيون، الذين يتمسكون باتفاق شامل لوقف إطلاق النار على أمل دفع السعوديين إلى إعادة فتح الموانئ والمطارات في مناطقهم، يعون جيداً مأزق المملكة ومن المرجح أن يضاعفوا مطالبهم.

مقاربة متواضعة بدلاً من مقاربة تطلب الحدود القصوى

من العديد من الجوانب، لا يمكن لتوقيت المجلس الانتقالي الجنوبي أن يكون أسوأ مما هو عليه بالنسبة لجهود الأمم المتحدة لتأمين وقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق خطة وطنية للاستجابة لكوفيد–19 وإعادة إطلاق المحادثات السياسية. من المؤكد أن الحكومة ستستخدم المواجهة في الجنوب كذريعة لتأجيل جهودها. والسعوديون، الذين يشكلون جزءاً حيوياً من أي اتفاق، ستكون جهودهم موزعة في العديد من الأماكن ومن المرجح أن يجدوا صعوبة أكبر في العثور على أرضية وسطى مع الحوثيين الذين باتوا يشعرون بجرأة أكبر.

كما يمكن لجهود المساعدات الإنسانية أن تتأثر؛ فالقتال المستمر والاستجابات المفككة لكوفيد–19 من قبل السلطات المحلية تعيق أصلاً تدفق السلع الأساسية والأدوية في سائر أنحاء اليمن. أما القتال في اليمن فيمكن أن يغلق ثاني أكبر ميناء في اليمن وواحد من مطارين فقط يستخدمان للرحلات الجوية التجارية الدولية من وإلى البلاد خلال أكبر أزمة إنسانية في العالم. وقد بدأت قيمة الريال اليمني أصلاً بالسقوط في ضوء انعدام اليقين المحيط بأثر سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على البنك المركزي. إذا حاول المجلس إدارة البنك، من المرجح أن تجمد الحكومة الوصول إلى حساباتها بالدولار وإلى أنظمة الدفع الدولية.

إن العودة إلى ما قبل الوضع الراهن هو أيضاً وصفة لتجدد العنف.

إن تجدد القتال بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة هو آخر ما يحتاجه اليمنيون. إلا أن العودة إلى ما قبل الوضع الراهن – أي تعطل تنفيذ اتفاق الرياض والتدهور التدريجي للأوضاع الاقتصادية في عدن – هو أيضاً وصفة لتجدد العنف. السعودية والإمارات محقتان في حث الأطراف على العودة إلى السياسة. لكن هذه المقاربة ستنجح فقط إذا أعادتا تقييم اتفاق الرياض وتعديله لجعله قابلاً للتنفيذ، وهو أمر لا يبدو أن أياً من الطرفين مستعد لفعله في الوقت الحاضر. أهداف الاتفاق كما تبدو الآن، خصوصاً فيما يتعلق بدمج قوتين عسكريتين متناحرتين، تعد طموحة أكثر مما ينبغي في غياب تسوية سياسية على مستوى البلاد.

بدلاً من تبني مقاربة تسعى لتحقيق الحد الأقصى، يمكن للطرفين أن يتفقا على متطلبات الحد الأدنى من التطبيق؛ أي فصل القوات ونزع السلاح من المدن الرئيسية؛ وتشكيل حكومة شاملة تركز على الأمن الأساسي وتقديم الخدمات؛ وتشكيل فريق تفاوضي أكثر شمولاً للمشاركة في المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة. سيترتب على السعودية القبول بالمساعدة في محاولة إقناع الأطراف بتنفيذ التزاماتها بنيّة طيبة. على الأقل، ستتطلب هذه المهمة مشاركة أكبر من الإمارات وإشرافاً من الأمم المتحدة، في الحالة المثالية.

إضافة إلى اتفاق الرياض، فإن المجلس الانتقالي الجنوبي محق في قوله إن مبادرة الأمم المتحدة لتحقيق وقف إطلاق النار على مستوى البلاد لن تنجح دون تعاونه. كما أوصت مجموعة الأزمات في الماضي، فإن مسؤولي الأمم المتحدة يسعون لتأسيس هيئة عسكرية وطنية ترأسها الأمم المتحدة تتفاوض على ترتيبات وقف إطلاق النار. لكن يفترض أن تشمل هذه الهيئة موفدين من الحكومة والحوثيين، وحضور الاجتماعات من قبل مسؤولين سعوديين أيضاً. وقد ناقش المبعوث الخاص للأمم المتحدة مارتن غريفيث خطته لوقف إطلاق النار، التي رحب بها المجلس الانتقالي الجنوبي علناً، مع القيادة العليا للمجلس، لكن من المفهوم أن يكون فريقه حذراً حيال مشاركتهم الرسمية في المحادثات التي تضم العسكريين. إلاّ أن المعضلة واضحة؛ حيث إن إشراك المجلس الانتقالي الجنوبي قد يدفع عدداً كبيراً من الأطراف المقاتلة اليمنية إلى الرغبة بالمشاركة أيضاً، ما يجعل العملية غير قابلة للإدارة وبالتالي تأخير التوصل إلى وقف لإطلاق النار، بينما هناك حاجة ماسة للتوصل إليه. كما أن عدم إشراك المجلس الانتقالي الجنوبي – أو على الأقل ضمان موافقتهم الواضحة عليه – يضمن تقريباً انهيار وقف إطلاق النار.

بموجب تسوية غير مثالية، يمكن للأمم المتحدة – بمساعدة من بريطانيا والولايات المتحدة – أن تدفع حكومة هادي والسعودية لضمان أن يكون للمجلس الانتقالي الجنوبي والمجموعات المسلحة المهمة الأخرى صوت في المحادثات العسكرية عبر إضافة ممثلين متحالفين أو حتى مختارين من قبلهم في وفد الحكومة في الهيئة العسكرية. لجعل هذا الحل مقبولاً من قبل الحكومة، التي تعتبر المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى الأخرى الشبيهة به لاعبين من غير الدولة وترفض منحهم الشرعية، يمكن اختيار موفدين إضافيين من بين أشخاص كانوا يحملون رتباً عسكرية قبل الحرب.

تؤكد أحداث الجنوب على ضرورة إشراك مجموعات على المستوى دون الوطني في أي تسوية شاملة لإنهاء الصراع.

تشكل الأحداث في الجنوب تذكيراً صارخاً بتشظي اليمن بعد خمس سنوات من الحرب. وتؤكد على ضرورة إشراك مجموعات على المستوى دون الوطني، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، في أي تسوية شاملة لإنهاء الصراع. لقد تجنب الدبلوماسيون الإقليميون والغربيون العاملون على موضوع اليمن حتى الآن السياسات المضطربة في الجنوب، وقد يشعرون بالإغراء حتى الآن بترك المشكلة للسعوديين. لكن المزيد مما يحدث الآن لن يؤدي إلى اختفاء المشكلة، كما أن عدم الانخراط سيزيد من صعوبة إنهاء الحرب.