icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
في إدلب السورية، فرصة واشنطن لإعادة تصوّر مكافحة الإرهاب
في إدلب السورية، فرصة واشنطن لإعادة تصوّر مكافحة الإرهاب

الصراع وتحوّلاته في سورية

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

عن بعد، يمكن للصراع في سورية أن يُشبَّه بمسارٍ بطيء وشاق ومؤلم، تعتريه تسارعات متقطعة ونقاط تحول ظاهرية، تحت تأثير النشاط الدولي. لكن إذا نظر المرء بقدر أكبر من التدقيق فإنه سيتحقق من خطأ هذا الانطباع.  فنكتشف أن المناورات السياسية/ الدبلوماسية في حقيقتها ليست إلا لامبالاة ترتدي قناع الحراك / الحركة. استعمل الغرب هذه المناورات للتظاهر بأنه يفعل أكثر مما يفعله حقيقة؛ واستغلها الروس للتظاهر بأن دعمهم للنظام السوري أقل مما هو عليه فعلاً. وفي هذه الإثناء وفي سورية، لا يرى المرء لا طرق مسدودة لا تحولات مفاجئة. في الواقع إن كل شيء يتغير لكن بإيقاع ثابت: شكل الصراع؛ وديناميكيات المجتمع المدني؛ والعلاقات الطائفية؛ وحتى طبيعة النظام الذي تسعى المعارضة للإطاحة به.

لا تسير كل الأمور في الاتجاه الخطأ؛ فقد كانت بعض التطورات تبعث بشكل مفاجئ على الأمل. لكن هناك أكثر مما يكفي من النزعات المنذرة بالشؤم، وما من نزعات أكثر إثارة للقلق من النزعات التالية: نظامٌ يتحول على ما يبدو إلى ميليشيا هائلة القوة تنخرط في قتال يائس من أجل البقاء؛ وطائفة علوية تشعر بحصار متزايد ومقتنعة بأن مصيرها مرتبط بشكل لا  مفر منه بمصير النظام؛ ومعارضة، مهددة بأشكال من التطرف، رغم الجهود البطولية في بعض الأحيان لاحتواء هذه الأشكال. كل هذه العناصر معاً يمكن أن تكون نذيراً لحرب أهلية طويلة ومدمرة و ربما أكثر استقطاباً.

من شبه المؤكد أن النظام لن يغير أساليبه، وبالتالي فإن العبء يقع على عاتق المعارضة لتقوم بفعل لا بد أن يبدو غير معقول – بالنظر إلى جسامة معاناتها – يتمثل في معالجة ظواهر العنف الانتقامي، وأعمال القتل الطائفية والأصولية التي تزحف في صفوفها؛ وإعادة النظر بالهدف الذي وضعته لنفسها والمتمثل في استئصال كامل للنظام، والتركيز بدلاً من ذلك على إعادة تأهيل المؤسسات القائمة؛ وإعادة تقييم العلاقات مع الطائفة العلوية بشكل معمق؛ والخروج بمقترحات متطلعة إلى المستقبل حول العدالة الانتقالية، والمساءلة والعفو.

بداية بالأهم، بالرغم من ان سورية أصبحت بالفعل مسرحاً للتدخل الخارجي، إلا أن التدخل كان أكثر فعالية في إدامة القتال وليس في إنهائه. المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية، كوفي أنان، سعى للتوسط، إلا أن السوريين وغير السوريين على حدٍ سواء دعموه لأسباب متعارضة وبطريقة تخدم مصالحهم الخاصة. ولأن نجاح المهمة كان يعتمد على إيجاد أرضية وسطية عندما كانت معظم الأطراف تتحرق رغبة بتوجيه ضربة قاضية للاخر، فإن قلة هم الذين رغبوا فعلاً بنجاح مهمته، لكن لا أحد يرغب بأن يظهر بمظهر الطرف الذي يعطلها.

إلا أن المواقف الدولية قد تتغير: حدوث مجزرة هائلة على نحو ملفت، أو الأمر الأكثر ترجيحاً والمتمثل في استعمال النظام للأسلحة الكيميائية أو فقدان سيطرته عليها، وهو أمر يمكن  ان يتسبب في عمل عسكري غربي؛ يمكن لتركيا أو الأردن، اللتان ترعبهما معدلات تدفق اللاجئين، أن يقيما ملاذاً آمناً على الأراضي السورية؛ وفي حالة التدخل الغربي، يمكن لإيران أو حزب الله أن يردا نيابة عن النظام. حتى الآن، تبقى مثل هذه السيناريوهات افتراضية بشكل كامل. الحد الأدنى في هذه المرحلة هو أن الصراع سيستمر وسيخضع لتأثير أطراف خارجية لكن هذه الأطراف لن تحدد نهاية الصراع؛ فهذا الدور الذي لا يمكن أن يُحسد أحد عليه سيلعبه السوريون أنفسهم.

ولهذا السبب فإن الديناميكيات الأكثر أهمية هي تلك التي تتجلى على الأرض. من المغري أن يقول المرء إن أداء النظام تميز ببرودة الدم وعدم التمييز من البداية، إلا أن الحال ليس كذلك. لقد مر الصراع بعدة مراحل: من التنازلات السياسية التي قدمها النظام، سواء التي منحها وهو متردد (والتي أطلقت العنان لمطالب شعبية أكبر) أو تلك التي كانت مصحوبة بعمليات قمع وحشية (والتي قوضت مصداقية تلك التنازلات)؛ وصولاً إلى ما يسمى بالحل الأمني (والذي، في سعيه لإجبار مجموعات كاملة من السكان على الاستسلام، أثار حيوية المعارضة ودفعها نحو المقاومة المسلحة) ؛ وأخيراً، إلى ما يسمى بالحل العسكري (سياسة الأرض المحروقة والتدمير الشامل والنهب الذي حوّل ما كان يعتبر جيشاً وطنياً إلى قوة احتلال تواجه الاستياء والإدانة على نطاق واسع).

مع كل مرحلة، كان النظام يحرق جسراً آخر، بشكل لا يترك له مجالاً للعودة إلى الوراء ولا يوفر له مخرجاً. وكما أن الحل السياسي قوض مصداقية السياسيين والحل الأمني أضعف قدرة الأجهزة الأمنية على العمل، فإن الحل العسكري قوض مصداقية الجيش.

لقد تطورت الديناميكيات الاجتماعية أيضاً إلى وضع تجلى فيه الجيد، والسيء والبشع على حد سواء. اثبت الجانب الجيد بأنه أفضل مما كان متوقعاً؛ حيث عبأ المجتمع المدني النشط والشجاع والمقاوم شبكات للمساعدة وأبقى تحت السيطرة بعض أسوأ أشكال العنف التي يمكن أن تلجأ إليها أي معارضة مسلحة تعمل في بيئة موبوءة. أخفقت الأعمال الوحشية للنظام في قمع الاحتجاجات الشعبية، وفي واقع الحال جاء رد النظام بمثابة اللقاح لها. لقد فوجئت المعارضة السورية نفسها أكثر من أي طرف آخر بإعادة اكتشافها لإحساس واسع بالتضامن، والكرامة والافتخار على الصعيدين المحلي والوطني.

أما الجانب السيء الذي يشمل خصائص مثل الطائفية، والأصولية، والمقاتلين الجهاديين أو الأجانب؛ وهو ما كان محتوماً على أي معركة طويلة أن تجتذبه وتُظهره، فقد جاء أداء النظام ليفاقمه. لقد تبنت عدة مجموعات معارضة خطاباً وسلوكاً أصولياً على نحو متزايد، وهو مسار يعكس التحول المهلك والأكثر طائفية للصراع؛ وفقدان الثقة الشعبية بالغرب، إضافة إلى التعهدات المتزايدة بتقديم الدعم من دول الخليج العربية مثل السعودية وقطر. كل هذا يمكن أن يكون أسوأ، وكان يُتوقع أن يكون أسوأ. في التجاذب الحاصل بين شياطين المجتمع وقدرته على مقاومة هذه الشياطين، فإن الوجه الذي يبعث على التفاؤل أكثر من غيره كان وعي السوريين المثير للإعجاب في بعض الأحيان، واستيعابهم للمخاطر التي تنتظرهم ومحاولاتهم لتصحيح المسار. إلا أن كل هذا لا يبرر الرضا عن الوضع القائم.

السبب هو أن البشع مرعب حقاً. منذ بداية الأزمة، اتسعت الفجوة بين المؤيدين للنظام والمؤيدين للمعارضة بشكل شاسع. كما لو كان هؤلاء يعيشون في عالمين متوازيين، فإن كل طرف يُقصي الآخر ويقاطعه ويقابله فقط في المعركة. بين المتمردين المسلحين، والنشطاء والمحتجين، تعود التحاملات العميقة والقديمة ضد العلويين (وضد الشيعة) إلى الظهور بشكل أكثر حدة بمرور الوقت؛ حيث تُعتَبر أساليب الطائفة العلوية أساليب غريبة، وعاداتها بدائية ووجودها غير طبيعي. وعلى نحو مماثل، فعند استحضار مصير أعدائهم، فإن حتى العلويين العاديين يمكن أن يلجأوا إلى استعمال لغة يقشعر لها البدن .

إن مفهوم كل طرف للماضي، والحاضر والمستقبل يقع على النقيض تماماً من مفهوم الطرف الآخر. تنزع دوائر المعارضة إلى التركيز على المظالم التي ارتكبها نظام سيطرت عليه أقلية علوية؛ ويعتبرون أن مضطهديهم الحاليين هم غالباً قوات الأمن العلوية؛ ويحتفون بثقافة أعادوا اكتشافها من التضامن والتلاحم الاجتماعي؛ ويتطلعون إلى اليوم الذي تنهار فيه الهيكلية الحالية للسلطة.

العلويون بشكل عام يسترجعون قروناً من التمييز والاضطهاد على أيدي حكام ونخب مدينية بعيدة عنهم، تتحدر غالباً من الأغلبية السنية. لا يستطيعون أن يروا شيئاً من الشعور المستعاد من الرفاقية التي أُقصوا عنها رغم خسائرهم الفادحة وآلامهم الهائلة. وسواء شاركوا في الأعمال الوحشية للنظام أو لا فإنهم يتوقعون أن يدفعوا ثمناً باهظاً إذا تمت الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، حيث سيتم القضاء بشكل كامل على الأجهزة الأمنية القائمة؛ ومن المحتمل أن يتم حظر حزب البعث؛ كما أن من المحتمل أن تجري عمليات تطهير في الوظائف الإدارية. على النقيض من الفهم السائد، فإن النظام السوري ليس نظاماً علوياً، وتلك الطائفة لا تعيش حياة رغيدة. لكنه نظام يعود له الفضل في تمكين العلويين من تجاوز مكانتهم كمواطنين من الدرجة الثانية ونجاتهم من تاريخ حافل بالمضايقات والمذابح. قد تفكر عناصر المعارضة بالنجاح والانتصار. أما العلويون فهم قلقون من أنهم سيتعرضون لعملية استئصال جماعي.

من بين جميع التغيرات الجارية، قد يكون أكثرها أهمية والأقل فهماً هو الحالة التي أصبح عليها النظام. من شبه المؤكد أن النظام الذي كان موجوداً في بداية الصراع ما كان ليتحمل عملية قتل مسؤوليه الكبار في قلب معقله التقليدي؛ ومعارك الشوارع في دمشق، وحلب وسلسلة من المدن والبلدات الأخرى؛ وخسارة معابر حدودية هامة مع تركيا والعراق؛ وحدوث كل ذلك وسط حالة من الدمار الاقتصادي شبه الكامل والمقاطعة الدبلوماسية. إن قدرة النظام، بعد عام ونصف، ليس على تحمل تلك الضربات فحسب بل على الرد بقوة وحيوية يبعث برسالة جديرة بالتفكير.

مع تفكك العمود الفقري السياسي للنظام، فإنه تقلّص إلى الجهاز القمعي الموجود داخله، في حين يتحول هذا الجهاز تدريجياً إلى كيان أشبه بالميليشيا منه بالجيش من حيث التركيب والروح القتالية. لقد تقلص النظام بشكل أساسي إلى فصيل مركزي متلاحم بشكل عام يقاتل في صراعٍ يتزايد مرارة وشراسة للمحافظة على البقاء الجماعي. إنه يتحول بطريقة تجعله يقاوم الإخفاقات السياسية والعسكرية، وغير مبالٍ بالضغوط وغير قادر على التفاوض. إن مكاسب المعارضة ترعب العلويين، الذين يقفون بشكل أكثر ثباتاً إلى جانب النظام. الانشقاقات تعزز مواقع أولئك الذين ظلوا موالين. يمكن تجاهل خسارة النظام لبعض المناطق مقابل التركيز على المناطق الجغرافية "المفيدة". أدت العقوبات إلى نشوء اقتصاد عنف حيث عمليات السلب والنهب والتهريب تضمن الاكتفاء الذاتي ولا تخضع لتأثير العقوبات. ما من شك في أن النظام قد ضعف. لكنه ضعف بطريقة تعزز من قدرته على البقاء. لهذه التحولات المتعددة تداعيات عملية. أولاً، ومن وجهة نظر عسكرية، فقد يصبح أكثر وضوحاً مع مرور كل يوم أن حصيلة الصراع ستكون أكثر فوضوية مما توقعه أيٌ من الطرفين. لن ينجح النظام في قمع الجماعات المسلحة؛ بل على العكس فإن ممارساته الشرسة ضمنت انتساب مقاتلين جدد مستعدين للقتال إلى جانب المعارضة بأي ثمن. وبالمقابل، يبدو أن النظام، عمداً، وخصومه، من خلال إهمالهم، ضمنا أن تشعر شريحة واسعة من الطائفة العلوية بأن لا خيار لديها سوى أن تَقتل أو تُقتل.

ثانياً، لا يمكن توقّع ما هو أفضل من النظام – نظام لم يكن بطبيعته دولة مؤسساتية، ولم يعد كياناً سياسياً حقيقياً – في حين لم يعد في موقع يمكنه المساومة، أو الاستجابة للضغوط أو الإغراءات أو تقديم حل قابل للحياة. وهذا يعني أن مجموعة الإجراءات الدولية التقليدية، من الانتقادات العلنية إلى الإدانة، ومن التهديدات إلى العقوبات، لن تنجح. وفي حين ما يزال بإمكان المرء أن يأمل بحصول تغيير جذري، تلك اللحظة التي ينهار فيها النظام أو يستسلم، فإن هذا الأمل ليس كبيراً أو جذاباً بأي حال.

ثالثاً، على المعارضة أن تعيد النظر بالتعامل مع أنصار النظام بشكل عام والعلويين بشكل خاص، من حيث الطريقة التي تتصرف وتتحدث وتخطط بها. لم تسجل حتى الآن أية مذبحة غير تمييزية ضد العلويين. ولكن بالنظر إلى الديناميكيات الحالية، فإن من شبه المؤكد أن مذبحة كتلك ستحدث. لقد دأبت المعارضة على التقليل من أهمية الخصائص المنفّرة فيها: إنها تحمّل مسؤولية تصاعد النزعة الطائفية لتكتيكات النظام المسببة للانقسامات؛ وتتجاهل اللهجة الدينية، إن لم تكن الأصولية في صفوفها، بوصفها آثاراً جانبية للأزمة يمكن تصحيحها؛ وتعزو الجرائم المزعومة للجماعات المسلحة لمجرد انعدام الانضباط، وتتجاهل الوجود الواضح بشكل متزايد للجهاديين والمقاتلين الأجانب ولو بشكل محدود. هناك أسباب منطقية لظهور هذه النزعات؛ لكن ما من تبرير للتقليل من شأنها. إن الإخفاق في إيجاد معالجة جادة الآن يمكن أن يستحوذ على مستقبل جميع السوريين لاحقاً. إن مخاطر الأعمال الانتقامية الطائفية واسعة النطاق، وأعمال القتل غير التمييزي والنزوح على نطاق واسع حقيقية مرعبة.

كما أن الخطاب المستعمل مهم، وكذلك الخطط الانتقالية. عندما تقول المعارضة بأنها ستطيح بالنظام، فإن ما يسمعه العلويون هو أن مصدر دخلهم ووظائفهم وحمايتهم الجسدية ستتم إزالته. عندما تستحضر المعارضة إزالة النظام وجميع مؤسساته، فإن العلويين يسمعون في ذلك إعادتهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية. عندما تتحدث المعارضة عن العدالة والمساءلة يسمع العلويون تهديداً بالانتقام الجماعي. وفي جميع هذه القضايا، على المعارضة أن تنخرط في محاولات مكثفة لتوضيح معانيها، وتطمين الأقليات وإعادة تقييم نطاق التغييرات التي تعتزم إحداثها ومدى سرعتها  في تحقيق ذلك.

بالنسبة لأولئك السوريين الذين تحملوا سبعة عشر شهراً من القمع على أيدي نظام شرس، والذين يصعب عليهم مقاومة غزيرة الانتقام بشكل يمكن تفهمه، فإن هذه الأسئلة قد تبدو لا مبالية وغير ذات صلة ومؤذية لمشاعرهم ربما. إلا أن طرح هذه الأسئلة ضروري إذا أُريد للمرحلة الانتقالية التي يكافحون من أجلها أن تستحق التضحيات التي بذلوها للوصول إليها.

دمشق/بروكسل، 1 آب/أغسطس 2012

Jihadists of former al-Qaeda affiliate Hayat Tahrir al-Sham block demonstrators from approaching the Bab al-Hawa crossing between Turkey and Syria’s north-western Idlib province on 20 September 2019. Omar HAJ KADOUR / AFP

في إدلب السورية، فرصة واشنطن لإعادة تصوّر مكافحة الإرهاب

The “terrorist” label affixed to Idlib’s strongest rebel group undermines a crucial ceasefire and blocks potential paths to avert a military showdown. It also reflects a gap in Western policy. Creative ideas from Washington could help break the impasse and set a useful precedent.

إذا كانت إدارة بايدن تتطلع إلى تصحيح سياسة واشنطن الخارجية المفرطة في العسكرة، فإن إحدى الفرص لإعادة رسم استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب تكمن في إدلب، وهي المنطقة التي وصفها المسؤولون الأمريكيون ذات مرة بأنها "أكبر ملاذ آمن للقاعدة منذ 11 أيلول/سبتمبر". لم تعد المحافظة الواقعة في شمال غرب سورية كذلك لأسباب نوضحها أدناه. لكن، من نواحٍ أخرى، فإنها بقيت كما كانت في معظم فترات الحرب السورية: ملجأً مزدحماً لثلاثة ملايين مدني، وموقعاً محتملاً لكارثة إنسانية وشيكة، وآخر معقل لجماعات المعارضة المسلحة السورية. وقد يكون مصيرها محورياً أيضاً بالنسبة مستقبل الجماعات الإسلامية المسلحة في المنطقة وسياسة الولايات المتحدة اتجاهها.

إن الأخطار في إدلب معروفة جيداً. في عام 2019، شن النظام السوري، بدعم من الطيران الروسي، هجمات دفعت قوات المعارضة المسلحة للتقهقر، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 1,600 مدني وتهجير 1.4 مليون آخرين من منازلهم. إن وقف إطلاق النار الروسي-التركي مستمر منذ عشرة أشهر. إذا انهار هذا الوقف، يمكن للنظام أن يشن هجوماً آخر من شأنه أن يؤدي إلى خسائر مدنية هائلة وتشريد مئات الآلاف نحو الحدود التركية (وربما أبعد من ذلك)، بينما يشتت مقاتلي المعارضة المسلحة في أماكن واسعة وبعيدة. بعبارة أخرى، قد يبرز الصراع السوري، المحصور إلى حد كبير الآن في مواجهة مضطربة، كمركز لعدم الاستقرار الدولي.

هذا السيناريو الأسوأ ليس حتمياً ولكنه لا يزال ممكناً للغاية. لقد أدى توسع الدور العسكري التركي في إدلب خلال العام الماضي إلى شراء الوقت. فقد انفصلت هيئة تحرير الشام، الفرع السابق لتنظيم القاعدة، وهي جماعة المعارضة المسلحة المهيمنة في إدلب، عن الشبكات الجهادية العابرة للحدود وتسعى الآن للدخول إلى مجال المشاركة السياسية في مستقبل سورية. من الناحية النظرية، يجب أن يفتح هذا التطور الفرص لتجنب تجدد العنف.

HTS’s continued status as a “terrorist” organisation presents a major obstacle.

لكن من الناحية العملية، فإن استمرار تصنيف هيئة تحرير الشام كمنظمة "إرهابية" (كما صنفتها الولايات المتحدة، وروسيا، ومجلس الأمن الدولي وتركيا) يمثل عقبة رئيسية. كما أن له تأثير رادع على الدعم الغربي لتوفير الخدمات الأساسية في إدلب، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية. كما حال هذا التصنيف دون إجراء مناقشات مع هيئة تحرير الشام نفسها حول سلوكها ومستقبل المنطقة التي تسيطر عليها؛ حيث تتجنب الدول الغربية والأمم المتحدة الاتصال نهائياً بينما تحصر تركيا اتصالاتها في الحد الأدنى المطلوب لتسهيل وجودها العسكري في إدلب. يقوض غياب التواصل وقف إطلاق النار ويمنع القوى الخارجية من الضغط على هيئة تحرير الشام لاتخاذ المزيد من الخطوات البناءة.

ثمة حاجة ملحة لأفكار إبداعية حول كيفية الحفاظ على الهدوء الهش، بما في ذلك من خلال معالجة مسألة وضع هيئة تحرير الشام مباشرة. لكن من الصعب تخيّل انبثاق مثل هذه الأفكار من الأطراف الموجودة في شمال غرب سورية: أنقرة مترددة في التعامل دبلوماسياً مع هيئة تحرير الشام في ظل غياب دعم الدولي؛ وتفضل موسكو ودمشق انتصاراً عسكرياً كاملاً على الجماعة. بينما تركز هيئة تحرير الشام نفسها على الدفاع عن إدلب ضد المزيد من تقدم النظام. ثمة فراغ سياسي، وواشنطن الآن في وضع يمكّنها من ملئه.

ينبغي أن تعمل إدارة بايدن مع حلفاءها الأوروبيين وتركيا للضغط على هيئة تحرير الشام لاتخاذ المزيد من الإجراءات التي تعالج الهواجس المحلية والدولية الرئيسية، ولتحديد معايير واضحة (إذا تم الوفاء بها) من شأنها أن تمكّن هيئة تحرير الشام من التخلص من تصنيفها كمنظمة "إرهابية".

من خلال القيام بذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تقلل من خطر اندلاع أعمال عنف في شمال غرب سورية مع معالجة تحديين سياسيين إضافيين في الوقت نفسه. فمن خلال التعاون مع أنقرة في هذه القضية ذات الاهتمام المشترك، يمكن لواشنطن تحسين العلاقات المتوترة مع حليف رئيسي في حلف الناتو. علاوة على ذلك، يمكن لإدارة بايدن أن تضع نهجاً جديداً لمكافحة الإرهاب يعطي وزناً للأدوات الدبلوماسية يساوي الوزن الذي تعطيه للأدوات العسكرية. سيكون لمثل هذا النهج قيمة أوسع؛ إذ يمكن أن يحدد ملامح خارطة الطريق المشروطة للجماعات الأخرى في ساحات القتال اليوم، والتي تم تصنيفها على أنها "إرهابية" لكنها تظهر استعداداً للتخلي عن سعيها لتحقيق أجندة عابرة للحدود وشن هجمات على المدنيين، من بين معايير أخرى.

A view from Idlib looking over the Turkish border CRISISGROUP

مبررات الانخراط الأمريكي

لقد تجنب المسؤولون الأمريكيون حتى الآن إلى حد كبير مواجهة التحديات السياسية التي تمثلها إدلب. بينما تستمر المساعدات الإنسانية الأمريكية – وتستمر أيضاً الضربات المتفرقة للطائرات المسيرة على الأفراد الذين يُزعم أنهم مرتبطون بالقاعدة والمتحالفون مع الجهاديين المنافسين لهيئة تحرير الشام - يسود شعور في الدوائر السياسية في واشنطن بأنه ليس هناك الكثير مما يمكن للولايات المتحدة، أو ينبغي لها، أن تفعله لمواجهة خطر تجدد التصعيد العسكري. هذا الاستنتاج، رغم أنه مفهوم، إلا أنه قصير النظر. ينزع الاستنتاج إلى الاعتماد على مزيج من ثلاثة افتراضات: أن استيلاء النظام عسكرياً على إدلب قد يكون مرغوباً به من منظور مكافحة الإرهاب؛ وأن مثل هذه الاستيلاء أمر لا مفر منه ؛ أو كبديل عما سبق، أن انخراط تركيا الآن في إدلب كافٍ لردع هجمات النظام ومعالجة معضلة هيئة تحرير الشام ، دون مساعدة الولايات المتحدة. جميع الافتراضات الثلاثة خاطئة.

الافتراض الأول هو الأسهل دحضاً. فببساطة، إذا حدث هجوم كبير للنظام، سيؤدي إلى تفاقم تحديات مكافحة الإرهاب بشكل حاد. إذ أتاح الهدوء الذي أوجده وقف إطلاق النار في آذار / مارس 2020 مساحة وحوافز لهيئة تحرير الشام لتكثيف حملتها على الجهاديين العابرين للحدود، وتعقب ما تبقى من خلايا داعش وإضعاف فصيل حراس الدين المرتبط بالقاعدة. طالما أن هيئة تحرير الشام قادرة على حكم إدلب - وهي أولويتها القصوى المعلنة - فسيكون لديها سبب كاف لقمع العناصر التي تعارض وقف إطلاق النار أو تهدد الاستقرار المحلي. إلا أن تجدد هجمات النظام سيقلل من قدرة الهيئة على الحفاظ على هذا الجهد، حيث ستتحول أولويتها إلى تعبئة جميع المقاتلين المتاحين للدفاع عن نفسها وعن إدلب.

علاوة على ذلك، إذا تقدمت قوات النظام في عمق المحافظة، فإن الهجوم سيدفع في نهاية المطاف المعارضة المسلحة في إدلب إلى التحول من الدفاع عن الأرض إلى تكتيكات حرب العصابات، وبالتالي إضفاء أهمية جديدة على كبار الشخصيات في القاعدة وفروعها، الذين انتقدوا هيئة تحرير الشام منذ فترة طويلة بسبب إعطائها الأولوية للسيطرة على إدلب بدلاً من محاربة النظام وكذلك لتخليها عن قضية الجهاد العابر للحدود. بدلاً من إنهاء الحرب، من المرجح أن يفسح مثل هذا التقدم الذي يحققه النظام المجال لمرحلة جديدة من التمرد الناشئ في مناطق غير خاضعة للسيطرة، مع انتشار قوات النظام على مساحات تفوق طاقتها، وعدم قدرتها على السيطرة على المناطق الحدودية الجبلية في إدلب، والتي كانت أولى المناطق التي أفلتت من قبضة النظام في عام 2012. وما تزال موطناً للعديد من خصومه الأكثر تشدداً في عدائه.

أما بالنسبة للافتراضين الثاني والثالث، فإن الوضع ليس ميؤوساً منه كما يقترح القدريون ولا مستقراً كما يقول المتفائلون. فمزيد من الهجمات وسيطرة النظام ليست حتمية، حيث أتاح دور تركيا في إدلب إمكانية الهدوء المستمر في شمال غرب سورية. ومع وجود ما يقرب من أربعة ملايين لاجئ سوري في تركيا بالفعل والاستياء الشعبي المتزايد من العبء المترتب على ذلك، تتعامل أنقرة مع تهديد تحقيق المزيد من تقدم النظام باعتباره هاجساً رئيسياً لأمنها القومي، مدركة أن ذلك قد يدفع مئات الآلاف من السوريين عبر حدودها. وهكذا، أطلقت تركيا تدخلاً مضاداً أوقف هجوم النظام في أوائل عام 2020، ونجح في إقناع روسيا بالتفاوض على وقف إطلاق النار. ونشرت تركيا منذ ذلك الحين حوالي 12,000 جندي على طول الخطوط الأمامية في إدلب. لقد أكدت هذه الإجراءات التركية لدمشق وداعميها أن أي هجمات مستقبلية ستترتب عليها مخاطر وتكاليف أعلى.

ومع ذلك، لا يزال وقف إطلاق النار هشاً، وقد يكون دور تركيا في نهاية المطاف غير كافٍ لتفادي استئناف هجمات النظام الرئيسية في الأشهر والسنوات المقبلة. فقد توقفت الدوريات التركية-الروسية المشتركة على طول الطريق السريع M4 بشكل أساسي منذ آب/أغسطس؛ ويستمر القصف المتبادل عبر الخطوط الأمامية؛ واستأنفت روسيا الضربات الجوية من حين لآخر. علاوة على ذلك، فإن وضع هيئة تحرير الشام كتنظيم "إرهابي" يقوض صمود الهدنة. اتفاق آذار/مارس 2020 بين روسيا وتركيا يدعو كلا الجانبين صراحة إلى "محاربة الإرهاب بجميع أشكاله، والقضاء على جميع الجماعات الإرهابية في سورية على النحو المحدد من قبل [مجلس الأمن الدولي]". أشارت موسكو مراراً وتكراراً إلى تصنيف هيئة تحرير الشام من قبل مجلس الأمن لتبرير هجمات النظام السابقة على إدلب، مؤكدة أن الحملات العسكرية ضد التنظيم يجب أن تستمر وأن وقف إطلاق النار ترتيب مؤقت.

If the Biden administration is willing to sharpen its diplomatic engagement on Idlib, its role could be essential to averting an unnecessary escalation of destabilising violence.

بالمقابل، تدرك أنقرة أن هيئة تحرير الشام راسخة جداً بحيث لا يمكن هزيمتها عسكرياً دون التسبب بخسائر إنسانية كبيرة وتعجيل خروج موجة كارثية من اللاجئين، وأن التزام هيئة تحرير الشام بوقف إطلاق النار - وضغطها على الجماعات الأخرى لفعل الشيء نفسه - يعد منفعة قصوى. كل هذا يدفع المسؤولين الأتراك إلى تفضيل حل سياسي لمشكلة هيئة تحرير الشام، لكنهم قلقون من أن الانخراط الأحادي لتحقيق هذه الغاية قد يعرضهم للاتهامات بتبييض سمعة التنظيم ودعم الجهاديين. يتعامل المسؤولون الأتراك أيضاً في وقت واحد مع مجموعة من الملفات السورية والإقليمية المعقدة، مما يترك لأنقرة مجالاً ضيقاً للنظر أبعد من إدارة الأزمات الفورية في إدلب.

ومما يثير القلق أن الحوار الروسي-التركي بشأن مستقبل إدلب وصل إلى طريق مسدود، والمحادثات السورية التي تيسرها الأمم المتحدة تحتضر. في الواقع، لا توجد عملية دبلوماسية ذات مغزى لمعالجة الاختلاف بين المواقف الروسية والتركية بشأن هيئة تحرير الشام أو لتعزيز وقف إطلاق النار سياسياً.

باختصار، الوضع قابل للإنقاذ لكنه هش. وإذا كانت إدارة بايدن على استعداد لتقوية مشاركتها الدبلوماسية في إدلب، فقد يكون دورها ضرورياً لتجنب تصعيد غير ضروري للعنف المزعزع للاستقرار. وتتمثل الخطوة الأولى في تقديم أفكار وحوافز لإيجاد طرق سياسية لحل عقدة هيئة تحرير الشام في إدلب.

أمتعة القاعدة التي تحملها هيئة تحرير الشام

في سورية، وفي العواصم الأجنبية، يرتكز التخوف من هيئة تحرير الشام على هواجس حقيقية. فهيئة تحرير الشام هي أحدث نسخة من فصيل كان يُعرف أصلاً بجبهة النصرة، والذي شارك مؤسسه السوري (زعيم هيئة تحرير الشام الآن) أبو محمد الجولاني في التمرد العراقي بعد عام 2003 كعضو في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق (الذي أصبح الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وفي عام 2011 نسق مع قيادة التنظيم لإنشاء فرع له في سورية. على الرغم من اختلاف نهج الجولاني عن نهج الدولة الإسلامية في العراق، إلا أنه لم يقطع العلاقات مع التنظيم الذي يقوده عراقيون حتى عام 2013. حتى حينذاك، أبقى فصيله داخل الوسط الجهادي بإعلان ولائه لزعيم القاعدة أيمن الظواهري، حتى انفصل عن ذلك التنظيم العابر للحدود في عام 2016.

في هذه الأثناء، أصبحت جبهة النصرة مخيفة للعديد من السوريين (بما في ذلك داخل الانتفاضة المناهضة للنظام) بسبب تكتيكاتها العدوانية في وقت مبكر من الصراع، والسلوك الوحشي لبعض أعضائها، وتسلطها على فصائل معارضة منافسة لها. في عام 2012، على سبيل المثال، انتقدت جماعات المعارضة السورية غير الجهادية نسف النصرة لمنشآت وقوات امنية تابعة للنظام في المناطق الحضرية، مدركة أنها تقوض الجهود الرامية إلى توسيع قبول المعارضة والدعم الدولي لها. استمرت جبهة النصرة في استخدام التفجيرات الانتحارية ضد أهداف عسكرية في السنوات التي تلت ذلك، الأمر الذي وفر لها ميزة تكتيكية على الفصائل غير الجهادية، لكنه ساهم أيضاً في ظهور التصورات المحلية والدولية بأن المعارضة المسلحة تتحول إلى مشروع إسلامي متشدد. كما تورط أعضاء جبهة النصرة في بعض من أبشع الأعمال التي ارتكبتها قوات المعارضة المسلحة، بما في ذلك الإعدام واحتجاز الرهائن أثناء الهجمات على قرى علوية عام 2013، وحادثة عام 2015 التي قام فيها قائد ميداني تونسي في جبهة النصرة (تم اعتقاله وطرده من التنظيم لاحقاً) بقتل أكثر من عشرين من سكان قرية درزية في إدلب. بين أواخر عام 2014 (تحت اسم جبهة النصرة) وأوائل عام 2019 (تحت اسم هيئة تحرير الشام)، فكك التنظيم تدريجياً أو همّش أو سيطر على معظم فصائل المعارضة المسلحة الرئيسية في شمال غرب سورية، مع تقليص مساحة تحرك المجتمع المدني، في محاولة ناجحة لتوطيد أركانه كتنظيم مهيمن.

هيئة تحرير الشام اليوم

من خلال سلسلة من التحولات الداخلية وفرض النظام بشكل أمني، نأت هيئة تحرير الشام بنفسها عن الحركة السلفية الجهادية في الوقت الذي قلصت فيه مساحة العمل في شمال غرب سورية للجهاديين العابرين للحدود. وبعيداً عن جذورها الجهادية، أعادت قيادة هيئة تحرير الشام بشكل مطرد تشكيل الجماعة باعتبارها جهة فاعلة سورية محلية قادرة على حكم إدلب وعلى استعداد لضمان عدم استخدام المسلحين الخارجيين للمنطقة كمنصة انطلاق لعملياتهم. هذا التطور لا يمحو الماضي. كما أنه لا يعالج مخاوف العديد من السوريين الذين يواصلون التنديد بحكم التنظيم الاستبدادي وسلوكه القمعي.

لكن يبدو أنه أكثر من مجرد إعادة تسمية. بل إنه يعكس سنوات من التباعد الأيديولوجي والاستراتيجي المتزايد تدريجياً عن القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية حول قضايا رئيسية محدِّدة، بما في ذلك معارضة هيئة تحرير الشام للعمليات الجهادية العابرة للحدود؛ وإعطائها الأولوية للسيطرة على الأراضي والحكم بدلاً من حرب عصابات ضد النظام؛ وموقفها التسووي حيال فرض حكم إسلامي متشدد في إدلب.

يبدو اعتراض قيادة هيئة تحرير الشام على استخدام سورية كنقطة انطلاق للعمليات الدولية محورياً في سلسلة انفصال التنظيم عن الجهاديين العابرين للحدود. في محادثة أجريت مؤخراً، أخبرنا الجولاني روايته للقصة؛ وهي أن رفضه للهجمات الدولية ظهر كخط صدع رئيسي بينه وبين الدائرة المتطرفة المحيطة بزعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق أبو بكر البغدادي (قبل انفصال جبهة النصرة عن المنظمة التي يقودها عراقيون في عام 2013)، ولا سيما عندما رفض الجولاني وحلفاء يشاطرونه التفكير طلباً لتنظيم الدولة في العراق بتفجير تجمع للمعارضة السورية في اسطنبول. وأضاف الجولاني أن ديناميكية مماثلة حدثت في وقت لاحق وسط العملية الطويلة لفك الارتباط  مع الظواهري، عندما جدد المتشددون في جماعته الذين عارضوا قرار عام 2016 بقطع العلاقات مع القاعدة دعواتهم لشن هجمات خارج سورية. ويجادل بأنه على الرغم من أن المدافعين عن مثل هذه الهجمات لعبوا أدواراً داخل جبهة النصرة، إلا أنهم فشلوا في فرض أجندتهم وانفصلوا بشكل مطرد عن الجماعة أو طردوا منها. على الرغم من استحالة تأكيد تفاصيل رواية الجولاني، إلا أن السجل العام يبدو واضحاً: في حين جعل كل من تنظيم الدولة في العراق والشام والقاعدة العمليات الدولية مركزية في هوياتهما واستراتيجياتهما، فإن هيئة تحرير الشام نأت بنفسها عن الهجمات العابرة للحدود والمسلحين الذين يؤيدونها. يدرك المسؤولون الأمريكيون هذه الاختلافات والفروقات الرئيسية، مما يساعد في تفسير سبب استهداف ضربات الطائرات المسيرة في إدلب عادة الجهاديين العاملين خارج هيئة تحرير الشام وليس التنظيم نفسه.

HTS has proved willing to compromise ideologically and militarily in order to preserve its control over Idlib.

يتركز الخلاف الجوهري الآخر بين هيئة تحرير الشام والجهاديين العالميين على قرار هيئة تحرير الشام إعطاء قيمة أكبر للسيطرة على الأرض بدلاً من شن هجمات حرب عصابات على النظام وداعميه. وأثبتت هيئة تحرير الشام استعدادها للتنازل أيديولوجياً وعسكرياً من أجل الحفاظ على سيطرتها على إدلب، على سبيل المثال من خلال وقف هجماتها إلى حد كبير على النظام وداعميه خلال حالات وقف إطلاق النار التركية-الروسية والترحيب بنشر قوات تركية في إدلب. بينما تحافظ هيئة تحرير الشام على خطابها المناهض للنظام، فإنها تركز اليوم على تحقيق تجميد مطول للنزاع، وتعزيز حكمها في المناطق التي تسيطر عليها، واكتساب بعض أشكال الشرعية الدولية من خلال التعامل مع تركيا وأملها في التعامل مع دول أخرى تعتبرها حاسمة من أجل بقاء إدلب. على النقيض من ذلك، فإن زعيم القاعدة الظواهري، وبالإضافة إلى انتقاده بشدة لهيئة تحرير الشام لنأيها عن الجهاد العابر للحدود، فإنه حذر من أن التدخل التركي خطير ودعا إلى التحول إلى حرب عصابات واستنزاف لإضعاف النظام وداعميه. ووجه جهاديون سلفيون بارزون آخرون انتقادات مماثلة، كما فعل الموالون للقاعدة داخل سورية. من جانبهم، أصبح قادة هيئة تحرير الشام واضحين بشكل متزايد بشأن الانقسامات الأيديولوجية والاستراتيجية التي تفصلهم عن المنافسين الأكثر تطرفاً، على سبيل المثال من خلال مهاجمة أبرز منتقديهم السلفيين الجهاديين.

 ولم تنفصل هيئة تحرير الشام عن الجماعات الجهادية المتشددة فحسب، بل إنها تقاتلهم في إدلب؛ حيث تخوض الهيئة حرباً ضد تنظيم الدولة الإسلامية منذ عام 2014؛ ومنذ وقف إطلاق النار في آذار/مارس 2020، صعّدت من مداهماتها واعتقالاتها بهدف إحباط محاولات تنظيم الدولة بناء شبكة سرية من الخلايا في إدلب بعد فقدانه السيطرة على مناطق شرق سورية. في غضون ذلك، احتوت هيئة تحرير الشام جهاديين أجانب من غير تنظيم الدولة، ومنذ آذار/مارس 2020 قامت بتفكيك العناصر التي تعارض التزام هيئة تحرير الشام بالهدنة التركية-الروسية بالقوة - لا سيما حراس الدين، وهو فصيل مرتبط بالقاعدة يهيمن عليه أفراد انشقوا عن هيئة تحرير الشام بسبب براغماتيتها النسبية وعارضوا الانفصال عن القاعدة. بعد انتهاج سياسة الاحتواء تجاه حراس الدين في البداية، وجهت هيئة تحرير الشام بنادقها نحو التنظيم في منتصف عام 2020 بعد أن حاول الأخير توطيد تحالف مع المنشقين عن الهيئة والفصائل المتشددة الأخرى المعارضة لوقف إطلاق النار. وداهمت الهيئة مقر التنظيم واعتقلت بعض قياداته وأجبرته وشركاءه على إغلاق قواعده ونقاط تفتيشه وتسليم الأسلحة الثقيلة والانسحاب من الجبهات. وقد قلصت هذه الإجراءات بشدة من قدرة حراس الدين على انتهاك وقف إطلاق النار، وإن لم تقضِ عليها بشكل كامل.

بينما استخدمت هيئة تحرير الشام هيمنتها العسكرية والهدوء النسبي لقمع الجهاديين العابرين للحدود، فقد امتنعت عن فرض نسخة قاسية من الحكم الإسلامي. وحتى الآن على الأقل، فإن شكل الحكم الذي تطبقه هيئة تحرير الشام و"حكومة الإنقاذ" (الإدارة المدنية التي تدعمها) إسلامي، لكنه ليس مفرطاً في التشدد. على سبيل المثال، وعلى عكس جماعات مثل تنظيم الدولة أو طالبان، لم تفرض هيئة تحرير الشام مناهجها الخاصة في المدارس (رغم أنها تفرض الفصل بين الجنسين في المدارس والجامعات). ولم تطبق أقسى تفسيرات الشريعة الإسلامية. كما أنها لم تجبر النساء على إخفاء وجوههن أو تحظر التجمعات المختلطة في المطاعم. وتقول قيادتها (بفخر واضح) إن النساء يشكلن نسبة كبيرة من آلاف الطلاب في جامعة إدلب الرئيسية. وفي وصف نهجهم تجاه الحكم الإسلامي، يؤكد قادة هيئة تحرير الشام على أهمية الحفاظ على التوافق مع التقاليد والعادات الدينية السائدة في سورية. على حد تعبير الجولاني: "يجب أن تكون الحوكمة متوافقة مع الشريعة الإسلامية، ولكن ليس وفقاً لمعايير داعش أو حتى السعودية". بالطبع، هذه عتبة منخفضة للغاية - وسيصر العديد من السوريين في إدلب وخارجها عن حق على ضرورة الضغط على هيئة تحرير الشام لإتاحة مساحة أكبر للحريات الشخصية. (لمزيد من المعلومات حول حوكمة هيئة تحرير الشام وتطورها الأوسع، انظر أعمال زميلينا باتريك هايني وجيروم دريفون وتقريرهما الذي سيصدر قريباً.)

لنكن واضحين: فرع سابق للقاعدة يحكم ثلاثة ملايين سوري ويشترك في الحدود مع إحدى الدول الأعضاء في حلف الناتو يمثل إشكالية عميقة. من المفهوم أن العديد من المراقبين المحليين والدوليين ما زالوا متشككين بشدة في تطور هيئة تحرير الشام، بالنظر إلى قمع التنظيم للخصوم والغموض المستمر بشأن الكيفية التي ينوي بها - على المدى المتوسط إلى الطويل - تحقيق التوازن بين أولويته المباشرة المتمثلة في حماية إدلب وأولويته النهائية المتمثلة بهدف إنهاء حكم بشار الأسد على سورية. علاوة على ذلك، فإن حقيقة انفصال هيئة تحرير الشام وتميزها عن تنظيم الدولة والقاعدة وطالبان لا تجعلها "معتدلة" أو ديمقراطية. في الواقع، يسلط التحدث إلى المسيحيين في إدلب الضوء على محدودية تطور هيئة تحرير الشام: فخلال زيارة حديثة، سمعنا تفاؤلاً حذراً من المسيحيين بأن السلطات المحلية قد حسّنت معاملتها للسكان منذ أن عززت هيئة تحرير الشام حكمها، لكن لمسنا أيضاً الإحباط من أن الفصائل المسلحة (بما في ذلك عناصر هيئة تحرير الشام) لم تُعد بعد العديد من الممتلكات التي استولت عليها في السنوات السابقة.

نحو مقاربة سياسية أمريكية جديدة

مع استقرار إدارة بايدن، ينبغي على الولايات المتحدة إعادة النظر في نهجها تجاه إدلب للتأكد من أنها تأخذ في الاعتبار عدة عوامل. وتشمل هذه العوامل أهمية ما هو على المحك للاستقرار الإقليمي إذا انهار وقف إطلاق النار؛ ودور معضلة هيئة تحرير الشام في تقويض وقف إطلاق النار؛ وعدم وجود مبادرة دولية وإرادة سياسية لمعالجة المشكلة؛ وجوهر ومحدودية تطور هيئة تحرير الشام حتى الآن.

يتعين على واشنطن أيضاً أن تأخذ بعين الاعتبار فراغاً داخلياً أوسع ساد على مدى عدة إدارات: إذ ليس للولايات المتحدة سياسة واضحة - في الواقع، ولا حتى دليل عمل - للتعامل مع الجماعات المصنفة "إرهابية" والتي تظهر علامات على استعدادها للتخلي عن التكتيكات والمواقف التي تم تصنيفها في الأصل، والقدرة على فعل ذلك. هذا النقص صارخ. ينبغي أن يكون الأمر مزعجاً بشكل خاص للعاملين في دوائر السياسة الخارجية الذين يريدون من الولايات المتحدة تقليل اعتمادها على الوسائل العسكرية في الأساس للتعامل مع الجهاديين الذين يمثلون أطرافاً فاعلة بارزة في الحروب في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا.

في إدلب، وربما في أماكن أخرى، يمكن لواضعي السياسات الاستفادة من خيارات إضافية بخلاف ما إذا كان سيتم شن هجمات بطائرات مسيرة أم لا. إن عدم وجود مسارات مشروطة وواضحة للجماعات المصنفة للخروج من صندوقها "الإرهابي" قد يثنيها عن التحرك في اتجاه أكثر ملاءمة للمصالح الغربية والهواجس المحلية. في الواقع، أخبرنا قادة هيئة تحرير الشام أن الشخصيات المرتبطة بتنظيم الدولة ولاحقاً بالقاعدة جادلت بأن الامتناع عن الهجمات الدولية لا جدوى منه لأن الغرب سيعاملهم على أنهم إرهابيين بغض النظر.

تستدعي هذه الديناميكيات سياسة أمريكية جريئة وأكثر مبادرة تختبر ما إذا كانت هيئة تحرير الشام مستعدة للبناء على الخطوات البناءة التي اتخذتها حتى الآن. وينبغي أن تبدأ إدارة بايدن العمل مع تركيا والحلفاء الأوروبيين على الخطوات الآتية:

  1.  تحديد معايير مشتركة فيما يتعلق بما يجب أن تفعله هيئة تحرير الشام لكي تتوقف دول الناتو في نهاية المطاف عن معاملتها أو تصنيفها على أنها منظمة إرهابية؛ ودعم تغيير مماثل في الأمم المتحدة؛ والدخول في محادثات معها حول مستقبل المنطقة. يجب أن تكون هذه المعايير ملموسة بشكل كافٍ لتزويد هيئة تحرير الشام بوضوح بما هو متوقع تحديداً، وقابلة للقياس بشكل كافٍ لتمكين الولايات المتحدة وتركيا وأوروبا من الاستجابة بسرعة إذا ومتى وطالما تم تحقيقها. 
  2.  استخدام سياسة العصا والجزرة التي تهدف إلى تشجيع هيئة تحرير الشام ليس فقط على تلبية تلك المعايير، بل للقيام بذلك على أساس مستمر (متوسط إلى طويل الأجل) مع اتخاذ المزيد من الخطوات لمعالجة المخاوف المحلية والدولية بشأن حكمها الاستبدادي وسلوكها القمعي. على سبيل المثال، يمكن للدول الغربية أن تعرض زيادة دعم الاستقرار للخدمات الحيوية في إدلب بشكل مشروط (تم قطع جزء كبير منه بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على المحافظة في عام 2019)، طالما أوقفت هيئة تحرير الشام حملات القمع ضد منتقديها المدنيين، ووسعت المجال لمنظمات المجتمع المدني المستقلة والمدعومة غربياً للعمل، وأظهرت التزاماً واضحاً بالتعددية السياسية والدينية.
  3.  بمجرد أن تتوصل الولايات المتحدة وتركيا والشركاء الأوروبيون إلى توافق حول هذه الخطوات، يتعين على واشنطن فتح حوار مع موسكو في محاولة لتحديد تدابير إضافية يمكن أن تعالج المخاوف الروسية المحددة بشأن الهجمات التي تنطلق من إدلب على قاعدتها العسكرية في غرب سورية أو المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، مع تجنب التصعيد العسكري.

هذه الخطوات لاختبار تطور هيئة تحرير الشام ليست عصا سحرية. صحيح أنها يمكن أن تقلل من خطر المزيد من العنف في إدلب، لكنها لن تمنع بحد ذاتها هجوماً جديداً للنظام، وقد تفشل بشكل كبير في تغيير رغبة روسيا في إعادة سيطرة النظام على إدلب. وفي حين أن التعاون مع تركيا في هذا النهج يمكن أن يساعد في تحسين العلاقات الأمريكية مع حليف رئيسي في حلف الناتو، إلا أن هذا الجهد قد يثير انتقادات من حلفاء الولايات المتحدة الآخرين في المنطقة الذين يعارضون أنقرة ويفضلون توسيع تعريف "الإرهاب" ليشمل نطاقاً أوسع بكثير من الإسلاميين. (بما في ذلك في بعض الحالات الإخوان المسلمين).

ومع ذلك فأن الفوائد المحتملة تفوق السلبيات؛ وتبدو المخاطر في نهج قائم على شروط واضحة ضئيلة للغاية. فمن خلال فتح الباب للمناقشات المباشرة والحوافز المشروطة، ستكتسب الولايات المتحدة وأوروبا ثقلاً ونفوذاً في منطقة من سورية لا تمتلك فيها أياً من ذاك في الوقت الحالي. سيعطون أنفسهم فرصاً حقيقية ومباشرة لتقليل خطر تحول إدلب إلى نقطة انطلاق لنشاط المقاتلين الدوليين، وتحسين ظروف سكانها البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة، ومنعها من أن تصبح مصدراً رئيسياً جديداً للاجئين (والمتشددين الفارين أيضاً).

ومن شأن هذا النهج أن يساعد واشنطن أيضاً على تحديد واختبار أدوات جديدة لسياسة ’الدبلوماسية أولاً‘ لمكافحة الإرهاب. وإذا نجحت في إدلب، يمكن للولايات المتحدة أن تطبق ’كتاب قواعد لعب‘ مشابه تجاه اي مجموعات مصنفة أخرى تظهر علامات على التخلص من أعباء الجهادية العابرة للحدود ، والتي تظهر استعدادها لاتخاذ خطوات جادة في هذا الاتجاه. بالنسبة للمسؤولين الأمريكيين المهتمين بإنهاء "الحرب الأبدية"، مع اعتمادها المفرط على الوسائل العسكرية، فإن الوضع في إدلب يشكل فرصة لبدء تطوير أدوات سياسية عملية تتوافق مع خطابهم.

Contributors

Senior Analyst, Syria
dkhalifa
Former Senior Analyst, Syria
NoahBonsey