الصراع وتحوّلاته في سورية
الصراع وتحوّلاته في سورية
Table of Contents
  1. Overview
A Vital Humanitarian Mandate for Syria’s North West
A Vital Humanitarian Mandate for Syria’s North West

الصراع وتحوّلاته في سورية

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

عن بعد، يمكن للصراع في سورية أن يُشبَّه بمسارٍ بطيء وشاق ومؤلم، تعتريه تسارعات متقطعة ونقاط تحول ظاهرية، تحت تأثير النشاط الدولي. لكن إذا نظر المرء بقدر أكبر من التدقيق فإنه سيتحقق من خطأ هذا الانطباع.  فنكتشف أن المناورات السياسية/ الدبلوماسية في حقيقتها ليست إلا لامبالاة ترتدي قناع الحراك / الحركة. استعمل الغرب هذه المناورات للتظاهر بأنه يفعل أكثر مما يفعله حقيقة؛ واستغلها الروس للتظاهر بأن دعمهم للنظام السوري أقل مما هو عليه فعلاً. وفي هذه الإثناء وفي سورية، لا يرى المرء لا طرق مسدودة لا تحولات مفاجئة. في الواقع إن كل شيء يتغير لكن بإيقاع ثابت: شكل الصراع؛ وديناميكيات المجتمع المدني؛ والعلاقات الطائفية؛ وحتى طبيعة النظام الذي تسعى المعارضة للإطاحة به.

لا تسير كل الأمور في الاتجاه الخطأ؛ فقد كانت بعض التطورات تبعث بشكل مفاجئ على الأمل. لكن هناك أكثر مما يكفي من النزعات المنذرة بالشؤم، وما من نزعات أكثر إثارة للقلق من النزعات التالية: نظامٌ يتحول على ما يبدو إلى ميليشيا هائلة القوة تنخرط في قتال يائس من أجل البقاء؛ وطائفة علوية تشعر بحصار متزايد ومقتنعة بأن مصيرها مرتبط بشكل لا  مفر منه بمصير النظام؛ ومعارضة، مهددة بأشكال من التطرف، رغم الجهود البطولية في بعض الأحيان لاحتواء هذه الأشكال. كل هذه العناصر معاً يمكن أن تكون نذيراً لحرب أهلية طويلة ومدمرة و ربما أكثر استقطاباً.

من شبه المؤكد أن النظام لن يغير أساليبه، وبالتالي فإن العبء يقع على عاتق المعارضة لتقوم بفعل لا بد أن يبدو غير معقول – بالنظر إلى جسامة معاناتها – يتمثل في معالجة ظواهر العنف الانتقامي، وأعمال القتل الطائفية والأصولية التي تزحف في صفوفها؛ وإعادة النظر بالهدف الذي وضعته لنفسها والمتمثل في استئصال كامل للنظام، والتركيز بدلاً من ذلك على إعادة تأهيل المؤسسات القائمة؛ وإعادة تقييم العلاقات مع الطائفة العلوية بشكل معمق؛ والخروج بمقترحات متطلعة إلى المستقبل حول العدالة الانتقالية، والمساءلة والعفو.

بداية بالأهم، بالرغم من ان سورية أصبحت بالفعل مسرحاً للتدخل الخارجي، إلا أن التدخل كان أكثر فعالية في إدامة القتال وليس في إنهائه. المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية، كوفي أنان، سعى للتوسط، إلا أن السوريين وغير السوريين على حدٍ سواء دعموه لأسباب متعارضة وبطريقة تخدم مصالحهم الخاصة. ولأن نجاح المهمة كان يعتمد على إيجاد أرضية وسطية عندما كانت معظم الأطراف تتحرق رغبة بتوجيه ضربة قاضية للاخر، فإن قلة هم الذين رغبوا فعلاً بنجاح مهمته، لكن لا أحد يرغب بأن يظهر بمظهر الطرف الذي يعطلها.

إلا أن المواقف الدولية قد تتغير: حدوث مجزرة هائلة على نحو ملفت، أو الأمر الأكثر ترجيحاً والمتمثل في استعمال النظام للأسلحة الكيميائية أو فقدان سيطرته عليها، وهو أمر يمكن  ان يتسبب في عمل عسكري غربي؛ يمكن لتركيا أو الأردن، اللتان ترعبهما معدلات تدفق اللاجئين، أن يقيما ملاذاً آمناً على الأراضي السورية؛ وفي حالة التدخل الغربي، يمكن لإيران أو حزب الله أن يردا نيابة عن النظام. حتى الآن، تبقى مثل هذه السيناريوهات افتراضية بشكل كامل. الحد الأدنى في هذه المرحلة هو أن الصراع سيستمر وسيخضع لتأثير أطراف خارجية لكن هذه الأطراف لن تحدد نهاية الصراع؛ فهذا الدور الذي لا يمكن أن يُحسد أحد عليه سيلعبه السوريون أنفسهم.

ولهذا السبب فإن الديناميكيات الأكثر أهمية هي تلك التي تتجلى على الأرض. من المغري أن يقول المرء إن أداء النظام تميز ببرودة الدم وعدم التمييز من البداية، إلا أن الحال ليس كذلك. لقد مر الصراع بعدة مراحل: من التنازلات السياسية التي قدمها النظام، سواء التي منحها وهو متردد (والتي أطلقت العنان لمطالب شعبية أكبر) أو تلك التي كانت مصحوبة بعمليات قمع وحشية (والتي قوضت مصداقية تلك التنازلات)؛ وصولاً إلى ما يسمى بالحل الأمني (والذي، في سعيه لإجبار مجموعات كاملة من السكان على الاستسلام، أثار حيوية المعارضة ودفعها نحو المقاومة المسلحة) ؛ وأخيراً، إلى ما يسمى بالحل العسكري (سياسة الأرض المحروقة والتدمير الشامل والنهب الذي حوّل ما كان يعتبر جيشاً وطنياً إلى قوة احتلال تواجه الاستياء والإدانة على نطاق واسع).

مع كل مرحلة، كان النظام يحرق جسراً آخر، بشكل لا يترك له مجالاً للعودة إلى الوراء ولا يوفر له مخرجاً. وكما أن الحل السياسي قوض مصداقية السياسيين والحل الأمني أضعف قدرة الأجهزة الأمنية على العمل، فإن الحل العسكري قوض مصداقية الجيش.

لقد تطورت الديناميكيات الاجتماعية أيضاً إلى وضع تجلى فيه الجيد، والسيء والبشع على حد سواء. اثبت الجانب الجيد بأنه أفضل مما كان متوقعاً؛ حيث عبأ المجتمع المدني النشط والشجاع والمقاوم شبكات للمساعدة وأبقى تحت السيطرة بعض أسوأ أشكال العنف التي يمكن أن تلجأ إليها أي معارضة مسلحة تعمل في بيئة موبوءة. أخفقت الأعمال الوحشية للنظام في قمع الاحتجاجات الشعبية، وفي واقع الحال جاء رد النظام بمثابة اللقاح لها. لقد فوجئت المعارضة السورية نفسها أكثر من أي طرف آخر بإعادة اكتشافها لإحساس واسع بالتضامن، والكرامة والافتخار على الصعيدين المحلي والوطني.

أما الجانب السيء الذي يشمل خصائص مثل الطائفية، والأصولية، والمقاتلين الجهاديين أو الأجانب؛ وهو ما كان محتوماً على أي معركة طويلة أن تجتذبه وتُظهره، فقد جاء أداء النظام ليفاقمه. لقد تبنت عدة مجموعات معارضة خطاباً وسلوكاً أصولياً على نحو متزايد، وهو مسار يعكس التحول المهلك والأكثر طائفية للصراع؛ وفقدان الثقة الشعبية بالغرب، إضافة إلى التعهدات المتزايدة بتقديم الدعم من دول الخليج العربية مثل السعودية وقطر. كل هذا يمكن أن يكون أسوأ، وكان يُتوقع أن يكون أسوأ. في التجاذب الحاصل بين شياطين المجتمع وقدرته على مقاومة هذه الشياطين، فإن الوجه الذي يبعث على التفاؤل أكثر من غيره كان وعي السوريين المثير للإعجاب في بعض الأحيان، واستيعابهم للمخاطر التي تنتظرهم ومحاولاتهم لتصحيح المسار. إلا أن كل هذا لا يبرر الرضا عن الوضع القائم.

السبب هو أن البشع مرعب حقاً. منذ بداية الأزمة، اتسعت الفجوة بين المؤيدين للنظام والمؤيدين للمعارضة بشكل شاسع. كما لو كان هؤلاء يعيشون في عالمين متوازيين، فإن كل طرف يُقصي الآخر ويقاطعه ويقابله فقط في المعركة. بين المتمردين المسلحين، والنشطاء والمحتجين، تعود التحاملات العميقة والقديمة ضد العلويين (وضد الشيعة) إلى الظهور بشكل أكثر حدة بمرور الوقت؛ حيث تُعتَبر أساليب الطائفة العلوية أساليب غريبة، وعاداتها بدائية ووجودها غير طبيعي. وعلى نحو مماثل، فعند استحضار مصير أعدائهم، فإن حتى العلويين العاديين يمكن أن يلجأوا إلى استعمال لغة يقشعر لها البدن .

إن مفهوم كل طرف للماضي، والحاضر والمستقبل يقع على النقيض تماماً من مفهوم الطرف الآخر. تنزع دوائر المعارضة إلى التركيز على المظالم التي ارتكبها نظام سيطرت عليه أقلية علوية؛ ويعتبرون أن مضطهديهم الحاليين هم غالباً قوات الأمن العلوية؛ ويحتفون بثقافة أعادوا اكتشافها من التضامن والتلاحم الاجتماعي؛ ويتطلعون إلى اليوم الذي تنهار فيه الهيكلية الحالية للسلطة.

العلويون بشكل عام يسترجعون قروناً من التمييز والاضطهاد على أيدي حكام ونخب مدينية بعيدة عنهم، تتحدر غالباً من الأغلبية السنية. لا يستطيعون أن يروا شيئاً من الشعور المستعاد من الرفاقية التي أُقصوا عنها رغم خسائرهم الفادحة وآلامهم الهائلة. وسواء شاركوا في الأعمال الوحشية للنظام أو لا فإنهم يتوقعون أن يدفعوا ثمناً باهظاً إذا تمت الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، حيث سيتم القضاء بشكل كامل على الأجهزة الأمنية القائمة؛ ومن المحتمل أن يتم حظر حزب البعث؛ كما أن من المحتمل أن تجري عمليات تطهير في الوظائف الإدارية. على النقيض من الفهم السائد، فإن النظام السوري ليس نظاماً علوياً، وتلك الطائفة لا تعيش حياة رغيدة. لكنه نظام يعود له الفضل في تمكين العلويين من تجاوز مكانتهم كمواطنين من الدرجة الثانية ونجاتهم من تاريخ حافل بالمضايقات والمذابح. قد تفكر عناصر المعارضة بالنجاح والانتصار. أما العلويون فهم قلقون من أنهم سيتعرضون لعملية استئصال جماعي.

من بين جميع التغيرات الجارية، قد يكون أكثرها أهمية والأقل فهماً هو الحالة التي أصبح عليها النظام. من شبه المؤكد أن النظام الذي كان موجوداً في بداية الصراع ما كان ليتحمل عملية قتل مسؤوليه الكبار في قلب معقله التقليدي؛ ومعارك الشوارع في دمشق، وحلب وسلسلة من المدن والبلدات الأخرى؛ وخسارة معابر حدودية هامة مع تركيا والعراق؛ وحدوث كل ذلك وسط حالة من الدمار الاقتصادي شبه الكامل والمقاطعة الدبلوماسية. إن قدرة النظام، بعد عام ونصف، ليس على تحمل تلك الضربات فحسب بل على الرد بقوة وحيوية يبعث برسالة جديرة بالتفكير.

مع تفكك العمود الفقري السياسي للنظام، فإنه تقلّص إلى الجهاز القمعي الموجود داخله، في حين يتحول هذا الجهاز تدريجياً إلى كيان أشبه بالميليشيا منه بالجيش من حيث التركيب والروح القتالية. لقد تقلص النظام بشكل أساسي إلى فصيل مركزي متلاحم بشكل عام يقاتل في صراعٍ يتزايد مرارة وشراسة للمحافظة على البقاء الجماعي. إنه يتحول بطريقة تجعله يقاوم الإخفاقات السياسية والعسكرية، وغير مبالٍ بالضغوط وغير قادر على التفاوض. إن مكاسب المعارضة ترعب العلويين، الذين يقفون بشكل أكثر ثباتاً إلى جانب النظام. الانشقاقات تعزز مواقع أولئك الذين ظلوا موالين. يمكن تجاهل خسارة النظام لبعض المناطق مقابل التركيز على المناطق الجغرافية "المفيدة". أدت العقوبات إلى نشوء اقتصاد عنف حيث عمليات السلب والنهب والتهريب تضمن الاكتفاء الذاتي ولا تخضع لتأثير العقوبات. ما من شك في أن النظام قد ضعف. لكنه ضعف بطريقة تعزز من قدرته على البقاء. لهذه التحولات المتعددة تداعيات عملية. أولاً، ومن وجهة نظر عسكرية، فقد يصبح أكثر وضوحاً مع مرور كل يوم أن حصيلة الصراع ستكون أكثر فوضوية مما توقعه أيٌ من الطرفين. لن ينجح النظام في قمع الجماعات المسلحة؛ بل على العكس فإن ممارساته الشرسة ضمنت انتساب مقاتلين جدد مستعدين للقتال إلى جانب المعارضة بأي ثمن. وبالمقابل، يبدو أن النظام، عمداً، وخصومه، من خلال إهمالهم، ضمنا أن تشعر شريحة واسعة من الطائفة العلوية بأن لا خيار لديها سوى أن تَقتل أو تُقتل.

ثانياً، لا يمكن توقّع ما هو أفضل من النظام – نظام لم يكن بطبيعته دولة مؤسساتية، ولم يعد كياناً سياسياً حقيقياً – في حين لم يعد في موقع يمكنه المساومة، أو الاستجابة للضغوط أو الإغراءات أو تقديم حل قابل للحياة. وهذا يعني أن مجموعة الإجراءات الدولية التقليدية، من الانتقادات العلنية إلى الإدانة، ومن التهديدات إلى العقوبات، لن تنجح. وفي حين ما يزال بإمكان المرء أن يأمل بحصول تغيير جذري، تلك اللحظة التي ينهار فيها النظام أو يستسلم، فإن هذا الأمل ليس كبيراً أو جذاباً بأي حال.

ثالثاً، على المعارضة أن تعيد النظر بالتعامل مع أنصار النظام بشكل عام والعلويين بشكل خاص، من حيث الطريقة التي تتصرف وتتحدث وتخطط بها. لم تسجل حتى الآن أية مذبحة غير تمييزية ضد العلويين. ولكن بالنظر إلى الديناميكيات الحالية، فإن من شبه المؤكد أن مذبحة كتلك ستحدث. لقد دأبت المعارضة على التقليل من أهمية الخصائص المنفّرة فيها: إنها تحمّل مسؤولية تصاعد النزعة الطائفية لتكتيكات النظام المسببة للانقسامات؛ وتتجاهل اللهجة الدينية، إن لم تكن الأصولية في صفوفها، بوصفها آثاراً جانبية للأزمة يمكن تصحيحها؛ وتعزو الجرائم المزعومة للجماعات المسلحة لمجرد انعدام الانضباط، وتتجاهل الوجود الواضح بشكل متزايد للجهاديين والمقاتلين الأجانب ولو بشكل محدود. هناك أسباب منطقية لظهور هذه النزعات؛ لكن ما من تبرير للتقليل من شأنها. إن الإخفاق في إيجاد معالجة جادة الآن يمكن أن يستحوذ على مستقبل جميع السوريين لاحقاً. إن مخاطر الأعمال الانتقامية الطائفية واسعة النطاق، وأعمال القتل غير التمييزي والنزوح على نطاق واسع حقيقية مرعبة.

كما أن الخطاب المستعمل مهم، وكذلك الخطط الانتقالية. عندما تقول المعارضة بأنها ستطيح بالنظام، فإن ما يسمعه العلويون هو أن مصدر دخلهم ووظائفهم وحمايتهم الجسدية ستتم إزالته. عندما تستحضر المعارضة إزالة النظام وجميع مؤسساته، فإن العلويين يسمعون في ذلك إعادتهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية. عندما تتحدث المعارضة عن العدالة والمساءلة يسمع العلويون تهديداً بالانتقام الجماعي. وفي جميع هذه القضايا، على المعارضة أن تنخرط في محاولات مكثفة لتوضيح معانيها، وتطمين الأقليات وإعادة تقييم نطاق التغييرات التي تعتزم إحداثها ومدى سرعتها  في تحقيق ذلك.

بالنسبة لأولئك السوريين الذين تحملوا سبعة عشر شهراً من القمع على أيدي نظام شرس، والذين يصعب عليهم مقاومة غزيرة الانتقام بشكل يمكن تفهمه، فإن هذه الأسئلة قد تبدو لا مبالية وغير ذات صلة ومؤذية لمشاعرهم ربما. إلا أن طرح هذه الأسئلة ضروري إذا أُريد للمرحلة الانتقالية التي يكافحون من أجلها أن تستحق التضحيات التي بذلوها للوصول إليها.

دمشق/بروكسل، 1 آب/أغسطس 2012

I. Overview

At a distance, Syria’s conflict can resemble a slow, painful slog, punctuated by intermittent accelerations and apparent tipping points, influenced by international activity. Zoom in, and one can cast such impressions aside. Diplomatic manoeuvrings have ended up being little more than inertia masquerading as motion. The West used them to pretend it was doing more than it was; Russia exploited them to feign it backed the Syrian regime less than it actually did. Meanwhile, in Syria, one sees neither deadlock nor abrupt transformation; virtually everything has been changing but at a steady pace: the shape of the conflict; civil society dynamics; sectarian relations; and the very nature of the regime the opposition seeks to depose.

Not all is heading in the wrong direction; some developments have been surprisingly uplifting. But there are more than enough ominous trends, none more alarming than these: a regime seemingly morphing into a formidable militia engaged in a desperate fight for survival; an Alawite community increasingly embattled and persuaded its fate hinges entirely on the regime’s; and an opposition that, despite sometimes heroic efforts to contain them, is threatened by its own forms of radicalisation. Together, this could portend a prolonged, ever more polarised, destructive civil war.

The regime almost certainly will not change its ways, and so the burden must fall on the opposition to do what – given the immensity of its suffering – must seem an improbable undertaking: seriously address the phenomena of retaliatory violence, sectarian killings and creeping fundamentalism within its ranks; rethink its goal of total regime eradication and instead focus on rehabilitating existing institutions; profoundly reassess relations with the Alawite community; and come up with forward looking proposals on transitional justice, accountability and amnesty.

First things first: Syria indeed has become an arena for outside meddling, but the meddling has been far more effective at sustaining the fighting than ending it. The joint UN/
Arab League envoy, Kofi Annan, sought to mediate, but Syrians and non-Syrians alike backed him for opposite reasons and in entirely self-serving ways. Because the mission’s success was predicated on finding middle ground when most parties yearned for a knockout punch, few truly wished it well, even as no one wanted to be caught burying it.

International attitudes might yet change: an especially large-scale massacre or, more likely, regime use or loss of control of chemical weapons could trigger Western military action; Turkey or Jordan, alarmed at the rate of refugee inflows, could establish a safe-haven in Syrian territory; in the event of Western intervention, Iran or Hizbollah could reciprocate on the regime’s behalf. For now, such scenarios are entirely hypothetical. The bottom line at this stage is that the conflict will be sustained and influenced by outside parties but not determined by them. That unenviable role will fall on Syrians.

That is why by far the more significant dynamics are those unfurling on the ground. One is tempted to say that the regime has been uniformly cold-blooded and indiscriminate from the start, but that is not so. The conflict experienced several phases: from the regime’s political concessions, both half-hearted (which prompted stronger popular demands) and coupled with brutal repression (which further undermined their credibility); to its so-called security solution (which, by seeking to force entire communities into submission further energised the opposition and pushed it toward armed resistance); and, finally, to its so-called military solution (a scorched earth policy of rampant destruction and looting that turned what once was viewed as a national army into a broadly reviled occupation force).

With each stage, the regime burned yet another bridge, leaving it with neither way back nor way out. Just as the political solution undermined those involved in politics and the security situation wrecked the security services’ ability to operate, so did the military solution eviscerate the army’s credibility.

Social dynamics have evolved as well, a case of what one might call the good, the bad and the ugly. The good was better than anticipated: a remarkably vibrant, courageous and resilient civil society that has mobilised networks of assistance and kept in check some of the worst forms of violence to which any armed opposition operating in a poisonous environment might have resorted. Intensified regime brutality failed to subdue popular protests; if anything, it gave them a shot in the arm. Surprising none more than itself, Syria’s opposition rediscovered a sense of solidarity, community and national pride.

The bad involves those features (sectarianism, fundamentalism, jihadi and foreign fighters) that a prolonged battle virtually was bound to unearth and attract and that the regime did its utmost to exacerbate. Several opposition groups have adopted an increasingly fundamentalist discourse and demeanour, a trajectory that mirrors the conflict’s gradually deadlier and more confessional turn; popular loss of faith in the West; as well as mounting pledges of support from Gulf Arab states such as Saudi Arabia and Qatar. All this could be – and, looking back, was predicted to be – far worse. In the tug of war between society’s demons and its ability to resist them, the most encouraging aspect has been Syrians’ at times striking self-awareness, grasp of dangers ahead and attempts at course correction. Yet, this hardly justifies complacency.

That is because the ugly is truly alarming. From the start of the crisis, the gulf between pro-opposition and pro-regime constituencies has grown exponentially. As if living in parallel worlds, each ostracises the other, meeting almost only in battle. Among armed rebels, activists and protesters, deeply-rooted, atavistic anti-Alawite (and anti-Shiite) prejudice resurfaces more intensely as time goes by: the minority community’s ways are alien, their mores primitive, their presence unnatural. Likewise, when evoking the fate of their foes, even mainstream Alawites can resort to bloodcurdling language.

Whether it be their perceptions of past, present or future, the two sides stand poles apart. Opposition circles tend to focus on the injustices perpetrated by a minority, Alawite-dominated regime; identify their current oppressors as mostly Alawite security forces; celebrate a newly discovered culture of solidarity and social cohesion; and look forward to the day the present power structure will be undone.

Alawites for the most part recall centuries of discrimination and persecution at the hands of distant rulers and urban elites, often drawn from the surrounding Sunni majority. They can see nothing of the revived sense of camaraderie from which, their own tremendous losses and pain notwithstanding, they have been excluded. They experience solely the darkest side of a merciless conflict. And, whether or not they took part in regime brutality, they expect to pay a heavy price should President Bashar Assad be toppled: the existing security services will be wiped out; the Baath party probably will be outlawed; and bureaucratic purges likely will occur. Contrary to conventional wisdom, Syria’s is not an Alawite regime, and that community hardly lives in opulence. But it is a regime thanks to which the Alawites overcame their second-class status and escaped a history of harassment and massacres. Members of the opposition might contemplate triumphant success. Alawites worry about collective eradication.

Of all the ongoing changes, perhaps the most significant and least appreciated is what, over time, has become of the regime. The one that existed at the outset of the conflict almost certainly could not have survived the spectacular killing of top officials in the heart of its traditional stronghold; street combat in Damascus, Aleppo and a string of other towns; the loss of important border crossings with Turkey and Iraq; all amid near-total economic devastation and diplomatic opprobrium. That, a year and a half later, its new incarnation not only withstood those blows but vigorously counterpunched sends a message worthy of reflection.

As its political backbone disintegrates, the regime is being reduced to its repressive apparatus, while the latter itself gradually morphs into an entity more akin to a militia than an army in both make-up and ethos. The regime essentially has been stripped down to a broadly cohesive, hardcore faction fighting an increasingly bitter, fierce and naked struggle for collective survival. It is mutating in ways that make it impervious to political and military setbacks, indifferent to pressure and unable to negotiate. Opposition gains terrify Alawites, who stand more firmly by the regime’s side. Defections solidify the ranks of those who remain loyal. Territorial losses can be dismissed for the sake of concentrating on “useful” geographic areas. Sanctions give rise to an economy of violence wherein pillaging, looting and smuggling ensure self-sufficiency and over which punitive measures have virtually no bearing. That the regime has been weakened is incontrovertible. But it has been weakened in ways that strengthen its staying power.

These multiple mutations carry practical implications. First, from a military standpoint, it is becoming clearer by the day that the outcome will be much messier than either party to the conflict once hoped. The regime will not succeed in suppressing the armed groups; if anything, its ruthless practices have guaranteed a virtually limitless pool of recruits prepared to fight with the opposition at any cost. Conversely, both the regime – by design – and its opponents – through negligence – appear to have ensured that a large portion of the Alawite community now feels it has no option but to kill or be killed.

Secondly, there can be nothing more to expect from a regime that, by its very nature – never much of an institutionalised state, no longer genuinely a political entity – has ceased being in a position to compromise, respond to pressure or inducement or offer a viable solution. Which means that the traditional international panoply of actions, from public blandishments to condemnation, from threats to sanctions, is not about to work. And that, while one still can hold out hope for a “clean break”, that moment when the regime neatly collapses or surrenders, it hardly warrants holding one’s breath.

Thirdly, the opposition should rethink how it deals with pro-regime constituencies in general and Alawites in particular – how it acts, speaks and plans. No single indiscriminate massacre of Alawites has yet to be documented, but given current dynamics one almost assuredly lies around the corner. The opposition has tended to downplay its less attractive characteristics: it blames rising sectarianism solely on the regime’s divisive tactics; dismisses increasingly religious, if not fundamentalist, overtones as reversible side-effects of the crisis; attributes armed groups’ alleged crimes to mere indiscipline; and shrugs off the still-limited but increasingly visible presence of jihadis and foreign fighters. There are logical reasons for all these tendencies to appear. There is no justification for belittling them. Failing to seriously address them now could haunt all Syrians later. The danger of widespread sectarian reprisals, indiscriminate killings and large-scale displacement is frighteningly real.

Rhetoric also matters, as does the content of transition plans. When the opposition says it will topple the regime, what Alawites hear is that their source of income, employment, and physical protection will be eliminated. When it evokes the undoing of the system and all its institutions, they hear a return to second-class citizenry. When it speaks of justice and accountability, they hear the threat of collective retribution. On all these issues, the opposition should engage in intensive efforts to clarify its meaning, reassure minorities and reassess the scope and speed of the changes it intends to introduce.

For those Syrians who have endured seventeen months of repression at the hands of a ruthless regime, for whom the instinct of revenge, understandably, must be hard to suppress, these must seem callous, inappropriate, perhaps even offensive questions. Yet raising them is a necessity if the transition for which they are struggling is to be worthy of the sacrifices they will have endured getting there.

Damascus/Brussels, 1 August 2012

Workers carry boxes of humanitarian aid near Bab al-Hawa crossing at the Syrian-Turkish border, in Idlib governorate, Syria, June 30, 2021. Picture taken June 30, 2021. REUTERS/Mahmoud Hassano

تفويض إنساني حيوي لشمال غرب سورية

ينظر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في تجديد تفاهم تنقل بموجبه وكالات الأمم المتحدة المساعدات إلى إدلب، وهي منطقة تسيطر عليها المعارضة المسلحة السورية. فيما يلي من أسئلة وأجوبة يشرح خبراء مجموعة الأزمات ريتشارد غوان، ودارين خليفة وآشيش برادان لماذا ما يزال هذا الترتيب جوهرياً.

ما الرهانات في مجلس الأمن؟

من المزمع أن يصوّت مجلس الأمن الدولي قريباً على تجديد تفويض يسمح لوكالات الأمم المتحدة بتقديم المساعدات لإدلب التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة في شمال غرب سورية من خلال معبر حدودي مع تركيا دون طلب الموافقة من الحكومة السورية في دمشق. وطبقاً لحسابات الأمم المتحدة فإن ما يقارب مليونين ونصف مليون شخص يعتمدون على شريان الحياة هذا للحصول على الأغذية وغيرها من الإمدادات الجوهرية. إلا أن هذا الترتيب إشكالي. فمنذ عام 2019، تعمل روسيا، حليفة النظام السوري، على تقليص التفويض، قائلة إنه ينبغي على الأمم المتحدة أن تعمل مع دمشق بشأن تسليم المساعدات احتراماً للسيادة السورية.

في عام 2021، بذلت الولايات المتحدة جهوداً متضافرة لإقناع موسكو بإبقاء التفويض على قيد الحياة، إلا أنها لم تطلق اندفاعة مماثلة في عام 2022، بالنظر إلى أن العلاقات بين القوتين انهارت بسبب حرب روسيا في أوكرانيا. ويشعر كبار مسؤولي الأمم المتحدة بالقلق من أن روسيا قد تستعمل حق الفيتو للاعتراض على التفويض – الذي ينبغي تجديده بحلول 10 تموز/يوليو – ما سيتسبب في انخفاض كبير في المساعدات الإنسانية لإدلب وقد يفضي إلى تدفق للاجئين إلى تركيا. ما يحدث للتفويض يشكل هاجساً للأمم المتحدة، والأمر الأكثر أهمية، للناس الذين يعيشون في إدلب.

فوّض مجلس الأمن في البداية الأمم المتحدة بتقديم مساعدات عبر الحدود للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في سورية دون موافقة دمشق في عام 2014. في البداية، كان هذا التفويض يغطي أربعة معابر، ما يوفر لوكالات الأمم المتحدة إمكانية الوصول إلى جنوب وشمال شرق سورية إضافة إلى الشمال الغربي. كان تعاون أعضاء المجلس بشأن القضايا الإنسانية، رغم خلافاتهم الأوسع بشأن الحرب في سورية، نقطة مضيئة نادرة في دبلوماسية الأمم المتحدة. لكن في نقاشات عدائية في أواخر عام 2019 ومنتصف عام 2020، استخدمت روسيا والصين خلالها حق الفيتو ثلاث مرات لمنع صدور قرارات تجدد التفويض، نجحت موسكو في استصدار قرار يقضي بأن تقتصر عمليات الأمم المتحدة عبر الحدود على معبر واحد هو باب الهوى بين تركيا وإدلب. كما أوضحت روسيا أنه لا يمكن تجديد التفويض إلى ما لا نهاية.

في عام 2021، حددت إدارة بايدن استمرار توفير المساعدات لإدلب بوصفه مجالاً لتحسين العلاقات مع روسيا. وفاوض المسؤولون الأميركيون على مستقبل التفويض ثنائياً مع نظرائهم الروس في فيينا وجنيف. وفي حين أن الموقف الرسمي الأميركي كان أن المجلس ينبغي أن يفوض بفتح جميع المعابر الأصلية الأربعة – وهي حصيلة لم يعتقد كثير من مسؤولي الأمم المتحدة ودبلوماسييها أنها مرجحة الحدوث – وافقت روسيا في تموز/يوليو من ذلك العام على المحافظة على معبر باب الهوى مفتوحاً. كما طالبت موسكو أيضاً بأن تبذل الأمم المتحدة جهداً أكبر لتمرير المساعدات إلى إدلب من المناطق السورية التي تسيطر عليها الحكومة (وهي ما يشار إليها بـمساعدات "عابرة للخطوط، على عكس المساعدات العابرة للحدود من تركيا") ودعت لتوفير تمويل دولي أكبر لمشاريع "التعافي المبكر" في المناطق السورية التي تسيطر عليها الحكومة. أخيراً، أصرت روسيا على أن يضع الأمين العام للأمم المتحدة تقارير حول المساعدات عبر الخطوط في منتصف مدة التفويض في كانون الثاني/يناير 2022، في إشارة منها إلى أنها قد تحاول إعاقة استمرار التفويض عند تلك النقطة (رغم أنها لم تنفذ هذا التهديد). رغم هذه التحفظات، قدمت إدارة بايدن حقيقة أن روسيا كانت مستعدة للمحافظة على التفويض حياً – وغياب الخلافات العلنية واستعمال حق النقض في الأمم المتحدة كما فعلت في عامي 2019 و 2020 – كدليل على أن الولايات المتحدة يمكنها أن تتعامل مع الكرملين.

[يشعر] أعضاء مجلس الأمن بالقلق من أن روسيا والدبلوماسيين الغربيين سيخفقون في التوصل إلى اتفاق حول مستقبل المساعدات إلى سورية.

بعد مرور سنة على ذلك، يبدو ذلك التفاؤل جزءاً من الماضي. فمنذ هجوم روسيا على أوكرانيا في شباط/فبراير والتدهور الحاد في علاقات موسكو بالقوى الغربية، شعر أعضاء مجلس الأمن بالقلق من أن روسيا والدبلوماسيين الغربيين سيخفقون في التوصل إلى اتفاق حول مستقبل المساعدات إلى سورية. الوضع الراهن الآن هو أن مصير التفويض يبقى غامضاً رغم أن أسبوعاً واحداً فقط يفصلنا عن الموعد النهائي لتجديده.

إيرلندا والنرويج، العضوان المنتخبان في مجلس الأمن اللذان يقومان بمهمة "حاملي الأقلام" (مطلقي المبادرات الدبلوماسية) بشأن هذه القضية، قدما مشروع قرار لتجديد التفويض لإيصال المساعدات عبر باب الهوى لمدة اثني عشر شهراً في 27 حزيران/يونيو. لم تقدم روسيا حتى الآن رداً محدداً، ويتوقع أعضاء المجلس أنه قد يكون هناك نقاشات وخلافات مكثفة على النص قبل التصويت. وسيكون للنتيجة أثر رئيسي على حياة المدنيين في إدلب. كما أن ذلك سيشكل أيضاً اختباراً حيوياً للمدى الذي يمكن لروسيا والغرب أن يستمرا في العمل معاً في مجلس الأمن – ولو على مضض – مع استعار الحرب في أوكرانيا وبعد أن أصبحت سياستهما أكثر عدائية حيال بعضهما بعضاً.

ما مدى أهمية التفويض لإدلب وهل هناك بدائل؟

رغم المستوى المرتفع للتوتر في مجلس الأمن بشأن المساعدات عبر الحدود، فإن هذا التفويض منح الأمم المتحدة دعماً سياسياً جوهرياً لتوجيه العمليات الإنسانية في إدلب. وقد لعب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) على وجه الخصوص دوراً محورياً في إيصال المساعدات عبر الحدود. إذ سمح تفويض المجلس لأوتشا بتنسيق استجابات المانحين، وبقيادة المفاوضات مع السلطات المحلية، وضمان درجة كبيرة من الشفافية للمساعدات التي يتم تقديمها إلى هذه المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة. كما ساعد أوتشا المنظمات غير الحكومية الضالعة في العمل الإغاثي لتذليل العقبات القانونية والسياسية الماثلة في العمل في منطقة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، الميليشيا الإسلامية التي تدير معظم إدلب. تخضع هيئة تحرير الشام لعقوبات من قبل الأمم المتحدة وهي مصنفة من قبل روسيا، والولايات المتحدة وتركيا على أنها منظمة إرهابية.

كما قادت الأمم المتحدة مفاوضات شاركت فيها دمشق وحكومة الإنقاذ المدعومة من هيئة تحرير الشام التي تدير إدلب حول التوازن بين عمليات المساعدات عبر الحدود وعبر الخطوط. الحكومة السورية وروسيا تصران على زيادة كمية مساعدات الأمم المتحدة عبر الخطوط كبديل لتمرير المساعدات عبر باب الهوى، كجزء من محاولاتهما لإعادة فرض نفوذ دمشق على تسليم المساعدات لكل سورية. مسؤولو الأمم المتحدة والدبلوماسيون الغربيون يشكون في واقعية هذا المقترح، لاسيما بالنظر إلى سجل النظام السوري في منع وصول المساعدات لمعاقبة المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة وعدوانية خطابه حيال إدلب وسكانها. من وجهة نظر تقنية، فإن المساعدات العابرة للحدود تبقى الطريقة الأرخص، والأسرع والأكثر موثوقية لتلبية احتياجات إدلب. تقرير من الأمين العام للأمم المتحدة في حزيران/يونيو قال إن المراقبين الإنسانيين التابعين للأمم المتحدة أحصوا نحو 1,686 شاحنة تحمل الإمدادات (أربعة أخماسها أغذية) من تركيا إلى إدلب في نيسان/أبريل وأيار/مايو فقط. على النقيض من ذلك، لاحظ التقرير أن الأمم المتحدة كانت قد أشرفت على خمس قوافل فقط عبر الخطوط بين تموز/يوليو 2021 وحزيران/يونيو 2022، وسلط الضوء على إحدى هذه القوافل في أيار/مايو التي تكونت من 14 شاحنة فقط.

وافقت الولايات المتحدة وحلفاؤها على أنه ينبغي للأمم المتحدة أن تجرب إيصال المساعدات عبر الخطوط ... إلى إدلب.

رغم ذلك، وافقت الولايات المتحدة وحلفاؤها على أنه ينبغي للأمم المتحدة أن تجرب إيصال المساعدات عبر الخطوط، بشكل رئيسي كتنازل سياسي لروسيا على أمل المحافظة على موافقة موسكو على العمليات عبر الحدود. في عام 2021، وافق مجلس الأمن على "تشجيع الجهود الرامية إلى تحسين إيصال المساعدات الإنسانية عبر الخطوط" من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة إلى إدلب. تشكو موسكو من أن القرار لم يُحترَم بشكل كامل، حيث ظل تسليم المساعدات عبر الخطوط غير منتظم، في حين تصف هيئة تحرير الشام (ومجموعات المجتمع المدني في إدلب) وأيضاً العديد من موظفي الوكالات الإنسانية هذه الجهود بأنها رشوة للكرملين وليست مساعدات جدية.

كما أصبح هذا النقاش موضع خصام كبير بين القوى المحلية في إدلب. فقد وافقت هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ على مضض على بعض عمليات إيصال المساعدات عبر الخطوط، ووفرت لها الأمن وسمحت بالتوزيع الآمن. إلا أن هيئة تحرير الشام تعرضت لانتقادات حادة من شرائح من السكان ومن خصومها في المعارضة السورية بسبب "التعاون" مع النظام الذي قتل الآلاف وهجر ملايين السوريين. في المجالس الخاصة، يعبّر أعضاء هيئة تحرير الشام عن قلقهم من أن آلية إيصال المساعدات عبر الخطوط تشكل ورطة بالنسبة لهم. فإذا تعاونوا، يتعرضون للانتقادات المحلية؛ وإذا لم يتعاونوا، سيدانون دولياً. وفي كلتا الحالتين لا تلبي المساعدات العابرة للخطوط جزءاً ضئيلاً من الاحتياجات الإنسانية في إدلب. في الوقت الراهن وجدت هيئة تحرير الشام أن من الحكمة تيسير المرور الآمن لعدة قوافل مساعدات عبر الخطوط لتفادي منح موسكو ذريعة لإيقاف تفويض الأمم المتحدة العابر للحدود ولتقوية يد تركيا في المفاوضات مع روسيا. وطبقاً لهيئة تحرير الشام، سيكون هناك صعوبة أكبر بشأن تعاونها في مجال المساعدات العابرة للخطوط إذا استعملت موسكو حق النقض على تجديد التفويض عبر الحدود.

ما الذي سيعنيه الفيتو الروسي؟

إذا اعترضت روسيا على تجديد تفويض إيصال المساعدات عبر الحدود، فإن التداعيات الفورية يمكن أن تكون فوضوية. فمن غير الواضح ما إذا كان سيترتب على أوتشا أن يوقف بشكل مفاجئ عملياته بشأن سورية في تركيا أو ما إذا كان بوسعه الاستمرار في لعب وظيفة تنسيقية في الحد الأدنى خلال مرحلة انتقالية. بصرف النظر، فإن غياب البنية التحتية للمساعدات التي يوفرها أوتشا والتي لا يمكن لأي آلية أخرى أن تحل محلها والتفويض بإيصال المساعدات عبر الحدود سيقلص بشكل كبير حجم المساعدات وكفاءة استجابة المانحين. كما أن ذلك سيترك المنظمات غير الحكومية والجهات المانحة تصارع لإدارة تنسيق المساعدات والإشراف، بينما يتقلص نفوذها في التعامل مع السلطات في تركيا وإدلب. يقدر مسؤولو الأمم المتحدة أن المنظمات غير الحكومية يمكن أن توفر في أحسن الحالات 30 إلى 40% من المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة. ومن الناحية العملية فإن ذلك يعني زيادة الجوع، وعدم معالجة الحالات الطبية، وتعرض الملايين لخطر فقدانهم المأوى والمساعدات.

يوافق المتحدثون إلى مجموعة الأزمات في إدلب على أن انقطاع تدفق المساعدات من شأنه أن يدفع كثيرين من سكان المنطقة – الذين هرب كثيرون منهم من أجزاء أخرى من سورية في وقت سابق من الحرب – إلى محاولة الخروج من المنطقة، غالباً عبر محاولة الدخول إلى تركيا. أما كيف ستردّ أنقرة على الفوضى التي ستحدث على الحدود فيبقى غير واضح؛ لاسيما وأن وجود ما يقدر بـ 3.7 مليون لاجئ سوري في تركيا يشكل مصدراً لتوتر سياسي – اجتماعي، يتصاعد بسبب المشاكل الاقتصادية والانتخابات المزمع إجراؤها في حزيران/يونيو 2023. رغم أن الأحوال المعيشية في إدلب تحسنت بشكل كبير منذ توصلت موسكو وأنقرة إلى وقف إطلاق للنار بحكم الأمر الواقع في عام 2019، يبقى السكان قلقين بشأن الوضع الهش. أحد سكان إدلب قال: "حياتنا تعتمد على المزاج في الكرملين كل بضعة أشهر. وهذا أمر غير إنساني وغير مستدام".

ما فرص استمرار التفويض؟

مباشرة بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، بدا أعضاء مجلس الأمن عموماً متشائمين بشأن فرص تجديد التفويض للمساعدات العابرة للحدود في أحاديثهم مع مجموعة الأزمات. لكن الآن، فإن بعضهم متفائل بحذر بأن موسكو ستبقي التفويض حياً. والمسألة على الأغلب مسألة تكهنات. إذ تنتظر البعثة الروسية في نيويورك عادة حتى مرحلة متأخرة من المفاوضات بشأن هذا الملف لتحصل على تعليمات واضحة من موسكو حول كيفية التصرف. في المفاوضات على مسودة القرار المقدم من قبل إيرلندا والنرويج في 27 حزيران/يونيو الذي يمدد التفويض، بدا أن لا الدبلوماسيين الروس ولا الصينيين لديهم توجيهات محددة من عاصمتيهم. يأمل الدبلوماسيون الغربيون بأن موسكو ستقرر بأنها ستحتفظ بنفوذ أكبر على الأحداث في إدلب بالموافقة على تجديد التفويض – الأمر الذي سيمنحها منصة لدفع الأمم المتحدة لتعمل بجهد أكبر فيما يتعلق بالمساعدات عبر الخطوط – بدلاً من إحداث أزمة.

يأمل المسؤولون الغربيون بأن موسكو [ستحجم عن استعمال الفيتو] في هذه المناسبة.

رغم أن العلاقات بين الدبلوماسيين الغربيين والروس في مجلس الأمن تتسم بالسمّية بسبب أوكرانيا، فإن موسكو أحجمت عن استعمال الفيتو على قرارات أخرى، مثل منح تفويض جديد لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان، التي خشيت دول أخرى من أنها ستعيقها. ويأمل المسؤولون الغربيون بأن موسكو ستظهر ضبطاً مشابهاً للنفس في هذه المناسبة، لاسيما وأن الاعتراض على القرار سيصعد التوترات مع تركيا (على النقيض من ذلك، تصر مصادر تركية على أنها لا تستطيع منع روسيا من استعمال الفيتو، ويجادلون بأنه لا ينبغي توقع أن تحل أنقرة هذه المشكلة نيابة عن الولايات المتحدة والدول الأوروبية). كما أن الصين يمكن أن تساعد في تعديل حسابات روسيا. فخلال المفاوضات التي جرت في عام 2021 على التفويض الإنساني لسورية، أبلغ دبلوماسيون صينيون نظراءهم الغربيين بأنهم لم يرغبوا بتكرار النزاعات العلنية التي سادت في عامي 2019 و 2020. في عام 2022، أكدوا على الحاجة لتفادي حدوث عدد أكبر مما ينبغي من الانفجارات في مجلس الأمن في الوقت الذي تستمر فيه الحرب الروسية – الأوكرانية.

ثمة وجهات نظر مختلفة بشأن ما ستتمخض عنه مفاوضات المجلس. فبعض أعضاء المجلس يتكهنون بأن روسيا يمكن أن تقدم مطالب في اللحظة الأخيرة – على الأرجح بشأن المساعدات عبر الخطوط وتمويل التعافي – في الأيام القادمة. وفي حين من المزمع أن يصوّت المجلس على تجديد التفويض في 7 تموز/يوليو، فإنه يمكن أن يؤجل هذا الموعد، حيث تتجاوز المفاوضات ربما موعد انتهاء صلاحية التفويض في 10 تموز/يوليو. كما يتكهن مسؤولو الأمم المتحدة بأن روسيا لن تتسبب في هذا النوع من التعطيل، ما يعني أن العملية ستنتهي بتصويت سريع.

كيف يبدو المستقبل بعيد المدى للمساعدات عبر الحدود إلى سورية؟

من الواضح أن أفضل نتيجة للدبلوماسية الحالية التي تقوم بها الأمم المتحدة بشأن سورية يمكن أن تتمثل في قيام مجلس الأمن بتجديد التفويض للمساعدات عبر الحدود لمدة عام. إذ لا توجد مجموعة من الترتيبات يمكن الركون إليها تشكل بديلاً للمساعدات عبر الحدود. إذا اعترضت روسيا على التفويض، فإن التداعيات ستتسبب بمعاناة إنسانية هائلة، وعمليات تهجير إضافية، وربما اضطرابات سياسية في إدلب وما حولها. وفي حين لم تظهر موسكو اعتباراً يذكر لعدم رضا الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن بشأن حربها على أوكرانيا، فإنها قد تكون حذرة بشأن توتير علاقاتها مع أنقرة – وبشأن خلق أزمة جديدة لنفسها في سورية بينما تركز على أوكرانيا.

رغم ذلك يترتب على الأعضاء الغربيين في مجلس الأمن ومسؤولي الأمم المتحدة أن يستعدوا لانتهاء التفويض العابر للحدود، سواء في تموز/يوليو أو في تاريخ لاحق. إذ استند تفويض المجلس الأصلي للمساعدات عبر الحدود إلى سورية في عام 2014 على افتراض أن الجيوب الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة في سائر أنحاء البلاد كانت ظاهرة مؤقتة، وكذلك التفويض. في الوقت الراهن، يبدو من الأكثر ترجيحاً أن الصراع السوري يتجه إلى مأزق طويل الأمد دون تسوية عسكرية أو سياسية واضحة في الأفق. وقد تبقى مناطق شمال سورية حيث يعيش ملايين السوريين المهجرين خارج سيطرة الحكومة – وبحاجة لمساعدات خارجية كبيرة – لبعض الوقت. وما من ضمانة بأن مجلس الأمن سيستمر بتجديد التفويض بشأن المساعدات العابرة للحدود إلى ما لا نهاية.

وقد وضع المانحون، والأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية أصلاً خططاً لاحتمال انتهاء ترتيبات المساعدات عبر الحدود. وقد يتمثل أحد الخيارات – حتى لو تم تجديد التفويض – بأن ينهي أوتشا عملياته لتقديم المساعدات تدريجياً بينما يستمر بلعب دور تنسيقي أصغر والمساعدة في بناء قدرات المنظمات غير الحكومية لتوفير المساعدات لإدلب بدلاً من وكالات الأمم المتحدة. في هذه الحالة، فإن استخدام روسيا للفيتو في المستقبل سيحدث ضرراً أقل على إمدادات المساعدات مما سيحدثه اليوم. لكن في الوقت الراهن، من الجوهري أن يجدد مجلس الأمن التفويض للمساعدات عبر الحدود لتفادي حدوث كارثة إنسانية جديدة في شمال غرب سورية.

What is the longer-term future of cross-border aid to Syria?

It is clear that the best outcome of current UN diplomacy over Syria would be for the Security Council to renew the mandate for cross-border aid for a year. No credible alternative set of arrangements exists for cross-border aid. If Russia does veto the mandate, the fallout would provoke enormous humanitarian suffering, additional displacement and, potentially, political turmoil in and around Idlib. While Moscow has shown scant regard for the disapproval of other Security Council members over its war on Ukraine, it might be wary of straining its relationship with Ankara – and of creating a new crisis for itself in Syria while it is focused on Ukraine.

Nonetheless, Western members of the Council and UN officials need to ready themselves for an end to the cross-border-mandate, either in July or at a later date. The original Council mandate for cross-border aid to Syria in 2014 was based on the assumption that rebel-controlled enclaves around the country were temporary phenomena, and the mandate as well. For now, it appears more likely that the Syrian conflict is moving into an extended stalemate with no clear military or political resolution on the horizon. Areas of northern Syria where millions of displaced Syrians live might remain outside government control – and in need of significant external aid – for some time to come. There is no guarantee that the Security Council will continue to renew the authorisation for cross-border aid indefinitely.

Donors, the UN and NGOs already have plans for the eventuality that the cross-border arrangements end. One option – even if the mandate is renewed – may be for OCHA to gradually wind down its delivery operations while continuing to play a smaller coordination role and helping build up the capacity of NGOs to supply aid to Idlib in place of UN agencies. In this case, a future Russian veto would do less damage to aid supplies than it would do today. For the time being, however, it is essential that the Security Council renew the mandate for cross-border aid to avoid a fresh humanitarian disaster in north-western Syria.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.