Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Twitter Video Camera Youtube
الحوثيين ليسوا حزب الله
الحوثيين ليسوا حزب الله
كان يمكن للقائد السعودي أن يقدم قصة أفضل لو أنه وضع حداً لحربه الوحشية التي لا يمكن كسبها
كان يمكن للقائد السعودي أن يقدم قصة أفضل لو أنه وضع حداً لحربه الوحشية التي لا يمكن كسبها

الحوثيين ليسوا حزب الله

Originally published in Foreign Policy

يريد دونالد ترامب تصعيد الحرب بالوكالة في اليمن ضد إيران، لكن ثمة مشكلة صغيرة هي أن طهران ليس لها فعلياً وكلاء هناك.

إن الساحة الأولى التي اختارتها إدارة ترامب لمواجهة إيران هي اليمن. ما يسعد حلفاء ترامب في الخليج الفارسي، خصوصاً السعودية والإمارات العربية المتحدة، هو ما يبدو من أن فريق الرئيس لشؤون الأمن القومي ينظر إلى الحوثيين – وهي ميليشيا يمنية متجذرة في التراث الشيعي الزيدي في البلاد تقاتل حالياً إلى جانب شرائح واسعة من الجيش والمجموعات القبلية الشمالية المتحالفة مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح ضد طيف من الخصوم المحليين – تماماً كما ينظر إلى حزب الله، أي كجزء من خطة إيرانية كبرى لبناء تحالف شيعي قوي ضد عدوها الأكبر إسرائيل ومنافستها الإقليمية السعودية.

ثمة مشكلة واحدة في هذه الفرضية هي أن الحوثيين ليسوا حزب الله، ورغم أنهم يعبّرون علناً عن تعاطفهم مع الجمهورية الإسلامية، فإنهم لم يطوروا علاقة وثيقة مشابهة لتلك التي طورها الحزب مع طهران. لكن الجهود المتضافرة لواشنطن وحلفائها الخليجيين من شأنها أن تدفع الحوثيين إلى أحضان طهران.

من المفيد مقارنة نشوء الحوثيين مع نشوء حزب الله. ولد حزب الله في لبنان في خضم الغزو الإسرائيلي عام 1982 واحتلاله لذلك البلد. وتغذى على الطيف الواسع من مصادر استياء شيعة لبنان المتمثلة في ضعف تمثيلهم في النظام السياسي اللبناني، ووجود مسلحين فلسطينيين (كانوا يستخدمون جنوب لبنان كمنصة لإطلاق هجماتهم على الأراضي الإسرائيلية)، ورد إسرائيل غير التمييزي عليهم والذي كان الشيعة بين ضحاياه الرئيسيين. حدث هذا بعد ثلاث سنوات فقط من الثورة الإسلامية، عندما بدا الحرس الثوري الإيراني، الذي ارتفعت معنوياته نتيجة النصر السياسي الذي حققه خصوصاً بعد أن صد غزواً عراقياً، حريصاً على نشر أيديولوجيته على مدى اتساع العالم الشيعي.

بدأ حزب الله بوصفه تجربة إيرانية وفرصة يمكن لطهران استغلالها. لكن بمرور الوقت، أصبح شيئاً أكثر جوهرية، أي ممثلاً شعبياً حقيقياً للطائفة الشيعية في لبنان (ولو أنه لا يلقى المديح من جميع أفرادها) وميليشيا مستعدة لمواجهة التعديات الإسرائيلية على السيادة اللبنانية. وقد أكسبه هذا دعماً على مضض من قبل سُنّة ومسيحيي لبنان؛ وطالما أنه لم يقدم نفسه كلاعب طائفي، فقد حظي بإعجاب واسع في العالم العربي أيضاً. على مدى عقود، ظلت حقيقة أن حزب الله كان يتلقى ترسانته من الأسلحة من إيران عبر سورية مصدر قلق ثانوي للعرب – إلى أن أبرزت حرب 2006 بين لبنان وإسرائيل قوته العسكرية المقلقة بالنسبة لبعض الأنظمة العربية.

خلال السنوات الأربع الماضية، تغير التصور الشائع عن حزب الله بشكل جذري. تدخّله في الحرب الأهلية السورية حوله إلى شريك لا غنى عنه لإيران في المحافظة على النظام المجرم للرئيس السوري بشار الأسد، وبالتالي على الشريان الحيوي الذي يمد الحزب بالأسلحة. مع وصول التنافس بين إيران والسعودية إلى نقطة الغليان في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تبنى حزب الله النزعة الطائفية التي يزعم البعض أنها طالما كانت سمته المميزة.

تختلف أصول الحوثيين عن أصول حزب الله، لكن ثمة أوجه شبه مهمة بينهما أيضاً. تدعي المجموعة أنها تحمي الطائفة الزيدية في اليمن – وهم الشيعة الذين يعد معتقدهم الديني أقرب إلى سنة اليمن منه إلى معتنقي الشيعية الاثني عشرية التي تشكل الأغلبية في إيران، والعراق ولبنان – وبدأت المشاركة في الحياة السياسية الوطنية بوصفها حركة قاعدية إحيائية تعارض التوسع السلفي في المناطق الزيدية. في مطلع الألفية، تحول الحوثيون إلى ميليشيا تتعاطف سياسياً مع إيران وحزب الله، وتتخذ موقفاً علنياً معارضاً للولايات المتحدة، والسعودية، وإسرائيل. بين عامي 2004 و2010، انخرطوا في ست جولات من الحرب مع جيش الرئيس اليمني آنذاك علي عبد الله صالح واكتسبوا قوة خلال تلك العملية بفضل استيلائهم على مستودعات أسلحة الجيش.

لربما كان الحوثيون سيستمرون في القتال لولا اندلاع الانتفاضة اليمنية عام 2011، عندما هز الربيع العربي نظام صالح ووصل إلى أوجه في العملية الانتقالية التي توسطت في إنجازها وفرضتها جزئياً السعودية. تم استبدال صالح بنائبه، عبد ربه منصور هادي. وعلى مدى سنتين، شارك الحوثيون في اللعبة السياسية، وشاركوا في الحوار الوطني حتى مع محاولتهم ترجيح كفة التوازن العسكري في الشمال لصالحهم. عندما ترنحت عملية الانتقال السياسي، تحول الحوثيون إلى حمل السلاح وهاجموا العاصمة صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014، وبعد بضعة أشهر أقالوا هادي، الذي هرب إلى عدن وبعد ذلك بوقت قصير إلى السعودية.

كما شكل الحوثيون تحالفاً مع عدوهم السابق، صالح. الرئيس السابق رأى في الحوثيين – المقاتلين الأشداء لكن الإداريين السيئين – فرصة للانتقام من أولئك الذين انقلبوا ضده عام 2011، وربما لاستعادة السلطة. تجاوزت القوة المشتركة للحوثيين وأجزاء من القوات المسلحة التي لا تزال موالية لصالح خطاً أحمر سعودياً؛ ففي آذار/مارس 2015، أطلقت السعودية والإمارات العربية المتحدة، بمساعدة من الولايات المتحدة وبريطانيا، هجوماً جوياً، وبعد ذلك بوقت قصير هجوما برياً لعكس التقدم الذي كان تحالف الحوثي – صالح قد حققه. بعد نحو عامين من ذلك، لا زالوا يقاتلون ملحقين الدمار بأفقر بلدان العالم العربي خلال هذه العملية.

حتى الآن، وبصرف النظر عن خطاب طهران القوي المؤيد للحوثيين، لم يتم العثور على دليل ملموس يذكر على الدعم الإيراني لهم. لقد كان هناك أدلة على بعض شحنات الأسلحة الصغيرة، ومن المرجح أنه كان يتم تقديم المشورة العسكرية من قبل حزب الله وضباط الحرس الثوري الإيراني، الذين ربما ساعدوا الحوثيين في إطلاق الصواريخ على الأراضي السعودية واستهداف السفن السعودية في البحر الأحمر. في هذه الأثناء، فإن الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي والبريطاني للتحالف الذي تقوده السعودية يتجاوز بعدة مرات الدعم الذي تلقاه الحوثيون من طهران.

الحرب تقوي الحوثيين الذين باتوا يحملون الآن راية الدفاع عن الوطن ضد العدوان الخارجي. في الواقع فإن السعودية احتلت بالنسبة للحوثيين المكانة التي طالما احتلتها اسرائيل بالنسبة لحزب الله. يرى حزب الله اللبناني في إسرائيل محتلاً أجنبياً للأرض العربية وقامعاً لشعبها ويعتبر أنها، إضافة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، لديها مخططات أكبر للمنطقة. بالنسبة للحوثيين، فإن السعودية معتد خارجي، وهي أيضاً جزء من مؤامرة أمريكية – إسرائيلية للهيمنة على المنطقة.

إلا أن قصة صعود الحوثيين إلى السلطة تظهر أن دوافعهم تتركز أساساً في أجندة محلية، وليس في أجندة إقليمية. إنهم يتمتعون بدعم قوي ودائم في الشمال الزيدي. وبالتالي فإن تصعيد الحرب لن يغير ذلك، حتى مع وجود دعم أمريكي أكبر للتحالف الذي تقوده السعودية. إذا حدث ذلك في كل الأحوال، فإن الحوثيين سيكونون مستعدين للقبول بدعم عسكري ومالي إضافي يمكن أن تقدمه إيران. بالنسبة لإيران، فإن اليمن كان وسيلة غير مكلفة لاستعداء السعودية، التي أنفقت المليارات على حرب اليمن بينما اكتفت إيران بالإنفاق من موازنة محدودة جداً بالمقارنة مع ما تنفقه السعودية.

قد تنظر إدارة ترامب إلى اليمن بوصفه مجالاً مناسباً لإظهار تصميمها على مواجهة فرض إيران لوجودها دون التسبب بحرب أكبر على امتداد الشرق الأوسط. في سورية، على النقيض من ذلك، ركزت الولايات المتحدة تفكيرها بشكل حصري على تنظيم الدولة الإسلامية بدلاً من تركيزها على الفظائع التي يرتكبها نظام الأسد بحق شعبه؛ كما أن العمل العسكري الأكثر قوة ضد إيران ووكلائها هناك من شأنه أن يحمل مخاطر أكبر، بالنظر إلى تحالف إيران مع روسيا. في العراق، يمكن أن تكون الولايات المتحدة ’بحاجة‘ لإيران – على شكل ميليشيات شيعية تكون شريكاً جوهرياً للجيش العراقي الضعيف بحكم تكوينه في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي رسخ وجوده في الموصل. في الخليج، من شأن الاحتكاك بالأسطول الإيراني أن يخاطر بمواجهة مباشرة أوسع مع إيران.

وبالتالي فإن واشنطن قد تقدم دعماً عسكرياً متزايداً للتحالف الذي تقوده السعودية، بل يمكن حتى أن توجه ضربات مباشرة للأصول الحوثية في اليمن كي تكون رسالة قوية وغير مكلفة لطهران. من شأن ذلك بالتأكيد أن يسعد السعودية، التي راهن ولي ولي عهدها، محمد بن سلمان، بسمعته على كسب الحرب، وحليفتها الإمارات العربية المتحدة. ربما تأمل هذه الدول أنها بدعم من الولايات المتحدة يمكنها أن تلحق الهزيمة بتحالف الحوثي – صالح أو على الأقل أن تفرض عليه تقديم تنازلات مهمة على طاولة المفاوضات.

قد يتبين أن مثل تلك الحسابات ستشكل خطأ خطيراً. في حين أن الحوثيين مرتبطون بإيران، فإن إيران لا تسيطر على قرارهم؛ فطبقاً لعدة مقابلات أجريت مع مسؤولين أمريكيين ومع الحوثيين أنفسهم، فإن الزعماء الحوثيين تجاهلوا طهران كلياً عندما نصحتهم بعدم الاستيلاء على صنعاء. حتى الآن، يبدو أن إيران فعلت ما يكفي لاستعداء وتخويف السعوديين – وضمنت بذلك غرقهم في المستنقع اليمني، وإنفاقهم مليارات الدولارات على حرب لم يقتربوا حتى من تحقيق الانتصار فيها.

إذا اندفع ترامب إلى الحرب اليمنية، فإن هناك مخاطرة حقيقية جداً بأن يخرج الصراع عن السيطرة. يمكن أن توفر اليمن ساحة سهلة لطهران ترد فيها على السعودية. يمكن لأحد السيناريوهات المحتملة أن يكون على شكل انتفاضة بوحي من إيران في المنطقة الشرقية من السعودية، مصحوبة باندفاعة حوثية إلى نجران ومدن أخرى في الجنوب، وإطلاق صواريخ على السفن السعودية التي تعبر مضيق باب المندب. من شأن ذلك أن يشكل تهديداً جدياً للاستقرار الداخلي في السعودية.

يؤكد قادة التحالف الذي تقوده السعودية على أنهم ينبغي أن يستمروا في الحرب لأنهم لا يستطيعون القبول بكيان شبيه بحزب الله على حدودهم. إذا كان ما يشيرون إليه هو وجود ميليشيا من غير الدولة مسلحة تسليحاً ثقيلاً على حدودهم، فإن هذا قد حدث فعلاً ولن يؤدي استمرار الحرب سوى إلى تفاقم هذا الوضع وحسب. لكن إذا كانت الخشية من حليف إيراني، فإنهم ينجحون فقط في دفع مجموعة ذات أجندة تطغى عليها الشواغل المحلية إلى حضن طهران.

إن السبيل إلى التعامل مع الحوثيين لا يكمن في الاستمرار في حرب لا يمكن الانتصار فيها. بدلاً من ذلك، ينبغي دفع الأطراف اليمنية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. إذا كانت السعودية وحلفاؤها يدعمون فعلاً قيام إدارة لا مركزية حقيقية وحكماً تشارك فيه جميع الأطراف، فإن الحوثيين يمكنهم أن يضعفوا أنفسهم وحسب، حيث لأيديولوجيتهم جاذبية محدودة، ولا يمتلكون مهارات في الحكم، ومن المحتم أن حزب صالح والمجموعات المتحالفة مع السعودية ستشكل ثقلاً يحقق التوازن معهم. لا تستطيع الولايات المتحدة والسعودية الخروج من حرب اليمن عن طريق القتال، لكن إذا كانتا تتمتعان بالدهاء الاستراتيجي الذي تتمتع به إيران، فإن بوسعهما السماح للحوثيين بالغرق في العملية السياسية الفوضوية التي ساعدوا هم أنفسهم في إطلاقها.

Contributors

Project Director, Gulf and Arabian Peninsula
Program Director, Middle East and North Africa
JoostHiltermann

كان يمكن للقائد السعودي أن يقدم قصة أفضل لو أنه وضع حداً لحربه الوحشية التي لا يمكن كسبها

Originally published in The Washington Post

الرياض، السعودية – ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي يصل إلى واشنطن هذا الأسبوع، لديه مهمة كما أن لديه حكاية يرويها. إنها رواية مشوقة ولو إنها منمقة قليلاً؛ وهي حكاية تتحدث عن رؤيته الاقتصادية، ورغبته بتشجيع وترويج نسخة أكثر اعتدالاً للإسلام، والاعتراف بحقوق المرأة وتمكين الجيل الشاب. لكنها رواية لا ينبغي أن تُسكت رواية أخرى أقل وردية عن التدخل العسكري السعودي في اليمن. مع اقترابها من الذكرى الثالثة لانطلاقها هذا الشهر، فإن الحملة التي شنتها الرياض، والتي باتت جزءاً من الحرب الأهلية في جارتها المعدمة، كانت كارثة بكل معنى الكلمة.

وتتجلى هذه المأساة على ثلاثة مستويات؛ فقد كانت التبعات الإنسانية للحرب دراماتيكية؛ إذ إنها فاقمت الوضع الذي كان انخراط السعودية يهدف إلى معالجته؛ وعلى عكس الصراعات المدمرة الأخرى الدائرة في الشرق الأوسط، كان من الممكن التوصل إلى حل تفاوضي واقعي له. لقد كانت الحرب قروسطية بوحشيتها؛ حيث وصل ثمانية ملايين يمني، من أصل 22.2 مليون نسمة إلى حافة المجاعة وبات جميع السكان بحاجة إلى المساعدات الإنسانية؛ وهي أرقام تساوي تقريباً، وعلى التوالي، إجمالي سكان ولايتي فيرجينيا وفلوريدا الأميركيتين. ومع وجود أكثر من مليون حالة يشتبه بأنها حالات مرض الكوليرا، فقد شهدت البلاد أسوأ انتشار لهذا المرض في التاريخ الحديث. نصف المرافق الصحية اليمنية فقط لا يزال يعمل؛ وحتى تلك التي لا تزال تعمل تفتقر إلى الأدوية الضرورية والمعدات والموظفين. ولا شك أن ثمة أعداداً كبيرة من الضحايا لا يتم الإبلاغ عنها في ظل هذه الظروف؛ لكن تشير التقديرات إلى وفاة أكثر من عشرة آلاف مدني، وهو رقم أعلنته أولاً الأمم المتحدة في كانون الثاني/يناير 2017. وقد وصف مدير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الوضع بأنه أشبه بـ "قيام الساعة،" محذراً من أنه ما لم تتغير الأمور، فإننا "سنشهد أسوأ كارثة إنسانية عالمية منذ 50 عاماً".

لا تتحمل السعودية وحدها المسؤولية عن هذا الوضع. إلا أن إعاقتها المتكررة لوصول المساعدات الإنسانية والشحنات التجارية، وإغلاقها لمطار صنعاء الدولي وقصف الأهداف المدنية – بما في ذلك المنازل، والأسواق، والمدارس والبنية التحتية الحيوية – لعبت جميعها دوراً كبيراً في ذلك.

وفي الوقت نفسه فإن هذه الحرب لم تقرّب الرياض من تحقيق أهدافها المعلنة؛ فالسعودية باتت أقل أمناً اليوم مما كانت قبل ثلاث سنوات. والمتمردون الحوثيون الذين تحاربهم يقومون بتوغلات يومية في الأراضي السعودية. لقد أجروا تحسينات على تكنولوجيا الصواريخ التي يمتلكونها – بشكل أساسي بفضل إيران – ويطلقون الصواريخ إلى عمق جارتهم الشمالية. وقد وصل اثنان من هذه الصواريخ إلى الرياض. في حين تدعي السعودية أنها دخلت الحرب لكبح جماح التوسع الإيراني، فإن تدخلها يؤدي إلى العكس تماماً، حيث يزيد التحالف الحوثي الإيراني وثوقاً بينما يوفر لطهران وسيلة منخفضة التكاليف لإغراق خصمها في وحول بلد لا تكترث إيران كثيراً لشأنه.

كما هي العادة بالنسبة للمسؤولين من جميع البلدان المنخرطة في عمليات عسكرية من هذا النوع – بما في ذلك الولايات المتحدة – فإن السعوديين سيقولون إن المسألة مسألة وقت. ويشيرون إلى خسائر الحوثيين وإلى المكاسب التي يحققها حلفاؤهم هم. أخبرونا في الرياض أن هذا العام سيكون عام الحسم – تماماً كما قالوا في العام 2015، و2016 و2017. إلا أن الأبحاث الميدانية التي تجريها مجموعات الأزمات في اليمن توضح عدداً من الأمور. نعم، لا يحظى الحوثيون بالشعبية حتى في معاقلهم الشمالية، لكنهم يشكلون قوة شديدة البأس تقاتل على أرضها وتتمتع بالمهارة في ممارسة السياسات القبلية وحرب العصابات. وقد منحتهم الحرب موارد أكبر، مالياً وعسكرياً، أكثر مما كان لديهم في أي وقت من الأوقات. كما أن عمليات القصف المكثف التي يمارسها التحالف الذي تقوده السعودية يثير استياءً عميقاً في الشمال، ما يمنح غطاءً وطنياً للأفعال التي يقوم بها الحوثيون، الذين لا يعتزمون الاستسلام.

حتى لو أحرز التحالف الذي تقوده السعودية – (والذي تعد الإمارات العربية المتحدة المشارك الكبير الآخر فيه) تقدماً على ساحل البحر الأحمر، كما يبدو أنه يفعل، فإن الجبهة الحوثية لن تنهار. إن أقصى ما يمكن للسعوديين أن يأملوا به هو قيام حرب عصابات طويلة الأمد في المرتفعات الشمالية الصعبة. إن سيناريو الوضع الأفضل عسكرياً سيستمر في استنزاف السعودية مالياً، ويضعف مكانتها الدولية ويعمق العداوة اتجاه المملكة وحليفتها الولايات المتحدة في هذه المناطق، ويفاقم طوال ذلك الوقت من بؤس اليمنيين.

ما يجعل الوضع أكثر مأساوية ويبعث أكثر على الأمل في الوقت نفسه هو أن الرياض تمتلك المفاتيح لحل واقعي من شأنه أن يحقق مصالحها. في مقابلات مع محللين من مجموعة الأزمات، شخصياً وعبر وسائط التواصل الاجتماعي، قال الحوثيون إنهم يريدون التفاوض مع الرياض. قد يكون هذا لأنهم يشعرون بالمزيد من الجرأة بعد أن قتلوا حليفهم السابق، الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، ولم يعد يترتب عليهم القلق من أنه قد يتوصل إلى صفقة من وراء ظهورهم. وقد يكون السبب هو أنهم، كما يشير أعداؤهم، باتوا أضعف في أعقاب عملية اغتيال حشدت المعارضة ضدهم وجعلتهم يرغبون في التوصل إلى اتفاق وهم يتمتعون بموقع متقدم. بصرف النظر، فإن رغبتهم في المحادثات تعد نقطة بداية.

وهذا يوفر فرصة لمحمد بن سلمان. أولاً، يمكن لولي العهد أن يسمح وبشكل غير مشروط بوصول المساعدات الإنسانية والسلع التجارية، دون إعاقة، لجميع الموانئ اليمنية. بعد فرضها لحصار كامل في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 رداً على إطلاق الحوثيين لصاروخ على الرياض، خففت السعودية من القيود التي تفرضها، وسمحت بفتح جزئي لميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيون، شريطة تجديد ذلك الإجراء كل 30 يوماً. لكن يمكن فعل المزيد لمعالجة حالات التأخير وضمان فتحه بشكل دائم. وسيكون هذا هو الإجراء الصحيح لتخفيف معاناة المدنيين بينما يتحول العبء إلى الحوثيين لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي يسيطرون عليها. كما ينبغي عليه أن يسمح باستئناف الرحلات الجوية التجارية المحدودة إلى مطار صنعاء، ما يمنح المدنيين الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون شريان حياة يربطهم بالعالم الخارجي. يمكن معالجة المخاوف الأمنية المشروعة للسعودية من خلال تعزيز آلية التفتيش الموجودة لدى الأمم المتحدة حالياً والتي تعالج السلع التجارية التي تدخل الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون وضمان إجراء عمليات تفتيش أمنية للرحلات التجارية من وإلى صنعاء في السعودية أو في بلد آخر يتم تحديده.

الخطوة التالية تتمثل في إمكانية انخراط ممثليه مع الحوثيين لوضع مجموعة من المبادئ التي من شأنها أن تسمح للسعودية بإنهاء التدخل العسكري للتحالف وأن تدعم مفاوضات شاملة بين اليمنيين يقودها مبعوث الأمم المتحدة الجديد إلى اليمن. سيترتب على الحوثيين قطع علاقتهم العسكرية بطهران، وتأمين الحدود، ووقف الضربات الصاروخية وتسليم الأسلحة الثقيلة تدريجياً – وخصوصاً الصواريخ – لحكومة ائتلافية يمنية جديدة يكونون جزءاً منها. بالمقابل، يمكن للرياض أن تقبل بالتفكيك التدريجي لجميع الميليشيات من غير الدولة (الحوثيين لكن أيضاً الحلفاء المحليين للرياض) والموافقة على أن يتمتع الحوثيون بحصة كبيرة في حكومة وجيش البلاد.

قد لا يفضي مثل هذا الاتفاق إلى وضع حد للعنف. لقد أدت ثلاث سنوات من القتال إلى تعميق الانقسامات المناطقية والطائفية في البلاد، وغذت الصراعات المحلية ومكنت جملة من الميليشيات. لقد بات البلد مجزءاً؛ حتى إنه قد ينقسم بشكل دائم إلى دول منفصلة. لكن في الحد الأدنى، فإن من شأن التوصل إلى اتفاق أن يمنح اليمنيين مساحة للسعي إلى تسوية محلية تفاوضية. كما أن المخاطرة بقيام الحوثيين بإطلاق صواريخ على الرياض أو تعطيل الملاحة في البحر الأحمر، وربما إثارة مواجهة إقليمية أوسع، ستتقلص. إن الانتقال من الحرب إلى السياسة سيقلص مساحة المناورة المتاحة لإيران وسيوفر فرصاً لتقويض قدرات المتشددين الحوثيين في الحركة بينما سيؤدي إلى تمكين أولئك الذين يسعون إلى تحقيق أهداف محلية أكثر براغماتية. كما أنه سيوفر للرياض مخرجاً من حرب ألحقت الضرر بأمنها، وسمعتها الدولية وكذلك على نحو متزايد بمكانتها لدى واشنطن.

يمكن للرئيس ترامب أن يلعب دوراً مهماً، إذا كان مستعداً للعبه. ينبغي أن يستعمل لقاءه بولي العهد السعودي كي يوضح أن استمرار الدعم الأميركي للتحالف لن يكون قابلاً للاستمرار ما لم توقف السعودية هجماتها على المدنيين والأهداف المدنية، وما لم توقف إعاقتها لإيصال المساعدات الإنسانية والسلع التجارية الأخرى إلى اليمن، وأن تتحرك نحو مبادرة سلمية طبقاً لهذه المبادئ.

رداً على مثل هذه المقترحات، يشكو السعوديون بشكل دائم من أنهم ليسوا هم من بدأ هذا الصراع، وأن إيران تفاقم من التوترات الإقليمية، وأن طهران تساعد الحوثيين، وأن الحوثيين على الأقل مسؤولين بالتساوي وأن أهوال الحرب في سورية أسوأ بكثير. وقد يكون كل ذلك صحيحاً، لكن معظمه خارج الموضوع. الولايات المتحدة تفرض عقوبات على إيران، وتقدم للسعودية أسلحة بقيمة مليارات الدولارات وتقدم المساعدات المباشرة لعمليات التحالف الذي تقوده في اليمن. السعودية حليف أميركي، وليس حليفاً قليل الأهمية. وينبغي أن يكون التحالف باتجاهين. عندما يتعلق الأمر بمصالح الولايات المتحدة ومصير الشعب اليمني، فإن الاتجاه الذي اتخذته الرياض في اليمن لا يشكل ببساطة الاتجاه الصحيح.

Read the full article on The Washington Post's website.

Contributors

President & CEO
Rob_Malley
Project Director, Gulf and Arabian Peninsula