الحوثيين ليسوا حزب الله
الحوثيين ليسوا حزب الله

الحوثيين ليسوا حزب الله

يريد دونالد ترامب تصعيد الحرب بالوكالة في اليمن ضد إيران، لكن ثمة مشكلة صغيرة هي أن طهران ليس لها فعلياً وكلاء هناك.

إن الساحة الأولى التي اختارتها إدارة ترامب لمواجهة إيران هي اليمن. ما يسعد حلفاء ترامب في الخليج الفارسي، خصوصاً السعودية والإمارات العربية المتحدة، هو ما يبدو من أن فريق الرئيس لشؤون الأمن القومي ينظر إلى الحوثيين – وهي ميليشيا يمنية متجذرة في التراث الشيعي الزيدي في البلاد تقاتل حالياً إلى جانب شرائح واسعة من الجيش والمجموعات القبلية الشمالية المتحالفة مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح ضد طيف من الخصوم المحليين – تماماً كما ينظر إلى حزب الله، أي كجزء من خطة إيرانية كبرى لبناء تحالف شيعي قوي ضد عدوها الأكبر إسرائيل ومنافستها الإقليمية السعودية.

ثمة مشكلة واحدة في هذه الفرضية هي أن الحوثيين ليسوا حزب الله، ورغم أنهم يعبّرون علناً عن تعاطفهم مع الجمهورية الإسلامية، فإنهم لم يطوروا علاقة وثيقة مشابهة لتلك التي طورها الحزب مع طهران. لكن الجهود المتضافرة لواشنطن وحلفائها الخليجيين من شأنها أن تدفع الحوثيين إلى أحضان طهران.

من المفيد مقارنة نشوء الحوثيين مع نشوء حزب الله. ولد حزب الله في لبنان في خضم الغزو الإسرائيلي عام 1982 واحتلاله لذلك البلد. وتغذى على الطيف الواسع من مصادر استياء شيعة لبنان المتمثلة في ضعف تمثيلهم في النظام السياسي اللبناني، ووجود مسلحين فلسطينيين (كانوا يستخدمون جنوب لبنان كمنصة لإطلاق هجماتهم على الأراضي الإسرائيلية)، ورد إسرائيل غير التمييزي عليهم والذي كان الشيعة بين ضحاياه الرئيسيين. حدث هذا بعد ثلاث سنوات فقط من الثورة الإسلامية، عندما بدا الحرس الثوري الإيراني، الذي ارتفعت معنوياته نتيجة النصر السياسي الذي حققه خصوصاً بعد أن صد غزواً عراقياً، حريصاً على نشر أيديولوجيته على مدى اتساع العالم الشيعي.

[T]he combined efforts of Washington and its Gulf allies could still drive the Houthis into Tehran’s arms.

بدأ حزب الله بوصفه تجربة إيرانية وفرصة يمكن لطهران استغلالها. لكن بمرور الوقت، أصبح شيئاً أكثر جوهرية، أي ممثلاً شعبياً حقيقياً للطائفة الشيعية في لبنان (ولو أنه لا يلقى المديح من جميع أفرادها) وميليشيا مستعدة لمواجهة التعديات الإسرائيلية على السيادة اللبنانية. وقد أكسبه هذا دعماً على مضض من قبل سُنّة ومسيحيي لبنان؛ وطالما أنه لم يقدم نفسه كلاعب طائفي، فقد حظي بإعجاب واسع في العالم العربي أيضاً. على مدى عقود، ظلت حقيقة أن حزب الله كان يتلقى ترسانته من الأسلحة من إيران عبر سورية مصدر قلق ثانوي للعرب – إلى أن أبرزت حرب 2006 بين لبنان وإسرائيل قوته العسكرية المقلقة بالنسبة لبعض الأنظمة العربية.

خلال السنوات الأربع الماضية، تغير التصور الشائع عن حزب الله بشكل جذري. تدخّله في الحرب الأهلية السورية حوله إلى شريك لا غنى عنه لإيران في المحافظة على النظام المجرم للرئيس السوري بشار الأسد، وبالتالي على الشريان الحيوي الذي يمد الحزب بالأسلحة. مع وصول التنافس بين إيران والسعودية إلى نقطة الغليان في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تبنى حزب الله النزعة الطائفية التي يزعم البعض أنها طالما كانت سمته المميزة.

تختلف أصول الحوثيين عن أصول حزب الله، لكن ثمة أوجه شبه مهمة بينهما أيضاً. تدعي المجموعة أنها تحمي الطائفة الزيدية في اليمن – وهم الشيعة الذين يعد معتقدهم الديني أقرب إلى سنة اليمن منه إلى معتنقي الشيعية الاثني عشرية التي تشكل الأغلبية في إيران، والعراق ولبنان – وبدأت المشاركة في الحياة السياسية الوطنية بوصفها حركة قاعدية إحيائية تعارض التوسع السلفي في المناطق الزيدية. في مطلع الألفية، تحول الحوثيون إلى ميليشيا تتعاطف سياسياً مع إيران وحزب الله، وتتخذ موقفاً علنياً معارضاً للولايات المتحدة، والسعودية، وإسرائيل. بين عامي 2004 و2010، انخرطوا في ست جولات من الحرب مع جيش الرئيس اليمني آنذاك علي عبد الله صالح واكتسبوا قوة خلال تلك العملية بفضل استيلائهم على مستودعات أسلحة الجيش.

لربما كان الحوثيون سيستمرون في القتال لولا اندلاع الانتفاضة اليمنية عام 2011، عندما هز الربيع العربي نظام صالح ووصل إلى أوجه في العملية الانتقالية التي توسطت في إنجازها وفرضتها جزئياً السعودية. تم استبدال صالح بنائبه، عبد ربه منصور هادي. وعلى مدى سنتين، شارك الحوثيون في اللعبة السياسية، وشاركوا في الحوار الوطني حتى مع محاولتهم ترجيح كفة التوازن العسكري في الشمال لصالحهم. عندما ترنحت عملية الانتقال السياسي، تحول الحوثيون إلى حمل السلاح وهاجموا العاصمة صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014، وبعد بضعة أشهر أقالوا هادي، الذي هرب إلى عدن وبعد ذلك بوقت قصير إلى السعودية.

كما شكل الحوثيون تحالفاً مع عدوهم السابق، صالح. الرئيس السابق رأى في الحوثيين – المقاتلين الأشداء لكن الإداريين السيئين – فرصة للانتقام من أولئك الذين انقلبوا ضده عام 2011، وربما لاستعادة السلطة. تجاوزت القوة المشتركة للحوثيين وأجزاء من القوات المسلحة التي لا تزال موالية لصالح خطاً أحمر سعودياً؛ ففي آذار/مارس 2015، أطلقت السعودية والإمارات العربية المتحدة، بمساعدة من الولايات المتحدة وبريطانيا، هجوماً جوياً، وبعد ذلك بوقت قصير هجوما برياً لعكس التقدم الذي كان تحالف الحوثي – صالح قد حققه. بعد نحو عامين من ذلك، لا زالوا يقاتلون ملحقين الدمار بأفقر بلدان العالم العربي خلال هذه العملية.

Saudi Arabia has become to the Houthis what Israel has long been to Hezbollah.

حتى الآن، وبصرف النظر عن خطاب طهران القوي المؤيد للحوثيين، لم يتم العثور على دليل ملموس يذكر على الدعم الإيراني لهم. لقد كان هناك أدلة على بعض شحنات الأسلحة الصغيرة، ومن المرجح أنه كان يتم تقديم المشورة العسكرية من قبل حزب الله وضباط الحرس الثوري الإيراني، الذين ربما ساعدوا الحوثيين في إطلاق الصواريخ على الأراضي السعودية واستهداف السفن السعودية في البحر الأحمر. في هذه الأثناء، فإن الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي والبريطاني للتحالف الذي تقوده السعودية يتجاوز بعدة مرات الدعم الذي تلقاه الحوثيون من طهران.

الحرب تقوي الحوثيين الذين باتوا يحملون الآن راية الدفاع عن الوطن ضد العدوان الخارجي. في الواقع فإن السعودية احتلت بالنسبة للحوثيين المكانة التي طالما احتلتها اسرائيل بالنسبة لحزب الله. يرى حزب الله اللبناني في إسرائيل محتلاً أجنبياً للأرض العربية وقامعاً لشعبها ويعتبر أنها، إضافة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، لديها مخططات أكبر للمنطقة. بالنسبة للحوثيين، فإن السعودية معتد خارجي، وهي أيضاً جزء من مؤامرة أمريكية – إسرائيلية للهيمنة على المنطقة.

إلا أن قصة صعود الحوثيين إلى السلطة تظهر أن دوافعهم تتركز أساساً في أجندة محلية، وليس في أجندة إقليمية. إنهم يتمتعون بدعم قوي ودائم في الشمال الزيدي. وبالتالي فإن تصعيد الحرب لن يغير ذلك، حتى مع وجود دعم أمريكي أكبر للتحالف الذي تقوده السعودية. إذا حدث ذلك في كل الأحوال، فإن الحوثيين سيكونون مستعدين للقبول بدعم عسكري ومالي إضافي يمكن أن تقدمه إيران. بالنسبة لإيران، فإن اليمن كان وسيلة غير مكلفة لاستعداء السعودية، التي أنفقت المليارات على حرب اليمن بينما اكتفت إيران بالإنفاق من موازنة محدودة جداً بالمقارنة مع ما تنفقه السعودية.

قد تنظر إدارة ترامب إلى اليمن بوصفه مجالاً مناسباً لإظهار تصميمها على مواجهة فرض إيران لوجودها دون التسبب بحرب أكبر على امتداد الشرق الأوسط. في سورية، على النقيض من ذلك، ركزت الولايات المتحدة تفكيرها بشكل حصري على تنظيم الدولة الإسلامية بدلاً من تركيزها على الفظائع التي يرتكبها نظام الأسد بحق شعبه؛ كما أن العمل العسكري الأكثر قوة ضد إيران ووكلائها هناك من شأنه أن يحمل مخاطر أكبر، بالنظر إلى تحالف إيران مع روسيا. في العراق، يمكن أن تكون الولايات المتحدة ’بحاجة‘ لإيران – على شكل ميليشيات شيعية تكون شريكاً جوهرياً للجيش العراقي الضعيف بحكم تكوينه في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي رسخ وجوده في الموصل. في الخليج، من شأن الاحتكاك بالأسطول الإيراني أن يخاطر بمواجهة مباشرة أوسع مع إيران.

وبالتالي فإن واشنطن قد تقدم دعماً عسكرياً متزايداً للتحالف الذي تقوده السعودية، بل يمكن حتى أن توجه ضربات مباشرة للأصول الحوثية في اليمن كي تكون رسالة قوية وغير مكلفة لطهران. من شأن ذلك بالتأكيد أن يسعد السعودية، التي راهن ولي ولي عهدها، محمد بن سلمان، بسمعته على كسب الحرب، وحليفتها الإمارات العربية المتحدة. ربما تأمل هذه الدول أنها بدعم من الولايات المتحدة يمكنها أن تلحق الهزيمة بتحالف الحوثي – صالح أو على الأقل أن تفرض عليه تقديم تنازلات مهمة على طاولة المفاوضات.

If Trump rushes headfirst into the Yemeni war, there is a very real risk that the conflict will spiral out of control.

قد يتبين أن مثل تلك الحسابات ستشكل خطأ خطيراً. في حين أن الحوثيين مرتبطون بإيران، فإن إيران لا تسيطر على قرارهم؛ فطبقاً لعدة مقابلات أجريت مع مسؤولين أمريكيين ومع الحوثيين أنفسهم، فإن الزعماء الحوثيين تجاهلوا طهران كلياً عندما نصحتهم بعدم الاستيلاء على صنعاء. حتى الآن، يبدو أن إيران فعلت ما يكفي لاستعداء وتخويف السعوديين – وضمنت بذلك غرقهم في المستنقع اليمني، وإنفاقهم مليارات الدولارات على حرب لم يقتربوا حتى من تحقيق الانتصار فيها.

إذا اندفع ترامب إلى الحرب اليمنية، فإن هناك مخاطرة حقيقية جداً بأن يخرج الصراع عن السيطرة. يمكن أن توفر اليمن ساحة سهلة لطهران ترد فيها على السعودية. يمكن لأحد السيناريوهات المحتملة أن يكون على شكل انتفاضة بوحي من إيران في المنطقة الشرقية من السعودية، مصحوبة باندفاعة حوثية إلى نجران ومدن أخرى في الجنوب، وإطلاق صواريخ على السفن السعودية التي تعبر مضيق باب المندب. من شأن ذلك أن يشكل تهديداً جدياً للاستقرار الداخلي في السعودية.

يؤكد قادة التحالف الذي تقوده السعودية على أنهم ينبغي أن يستمروا في الحرب لأنهم لا يستطيعون القبول بكيان شبيه بحزب الله على حدودهم. إذا كان ما يشيرون إليه هو وجود ميليشيا من غير الدولة مسلحة تسليحاً ثقيلاً على حدودهم، فإن هذا قد حدث فعلاً ولن يؤدي استمرار الحرب سوى إلى تفاقم هذا الوضع وحسب. لكن إذا كانت الخشية من حليف إيراني، فإنهم ينجحون فقط في دفع مجموعة ذات أجندة تطغى عليها الشواغل المحلية إلى حضن طهران.

إن السبيل إلى التعامل مع الحوثيين لا يكمن في الاستمرار في حرب لا يمكن الانتصار فيها. بدلاً من ذلك، ينبغي دفع الأطراف اليمنية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. إذا كانت السعودية وحلفاؤها يدعمون فعلاً قيام إدارة لا مركزية حقيقية وحكماً تشارك فيه جميع الأطراف، فإن الحوثيين يمكنهم أن يضعفوا أنفسهم وحسب، حيث لأيديولوجيتهم جاذبية محدودة، ولا يمتلكون مهارات في الحكم، ومن المحتم أن حزب صالح والمجموعات المتحالفة مع السعودية ستشكل ثقلاً يحقق التوازن معهم. لا تستطيع الولايات المتحدة والسعودية الخروج من حرب اليمن عن طريق القتال، لكن إذا كانتا تتمتعان بالدهاء الاستراتيجي الذي تتمتع به إيران، فإن بوسعهما السماح للحوثيين بالغرق في العملية السياسية الفوضوية التي ساعدوا هم أنفسهم في إطلاقها.

Contributors

Former Deputy Program Director, Middle East and North Africa
Program Director, Middle East and North Africa
JoostHiltermann
Huthi (Ansar Allah) security forces stop in Marran, Saada, north Yemen. January 2014.

اختبار الهدنة: الحوثيون وحرب السرديّات في اليمن

 

يقول خصوم المتمردين الحوثيين في اليمن إن هؤلاء لن يفاوضوا أبداً بنية طيبة. آخرون يعتقدون أنهم قد يفعلون إذا قُدِّم لهم المزيج المناسب من الحوافز. الآن، ومع وجود هدنة تشمل سائر أنحاء البلاد، يتعين على الدبلوماسيين إعطاء الفرضية الثانية فرصة.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ تمثل هدنة الشهرين وإعادة تشكيل السلطات التنفيذية في حكومة اليمن المعترف بها دولياً فرصة، إن لم يكن من أجل السلام، فعلى الأقل من أجل إجراء مفاوضات تهدف إلى تحقيقه. إلا أن الوصول إلى المفاوضات سيتطلب التغلب على عقبة يرى كثيرون أن لا سبيل إلى تذليلها، وهي الحوار مع المتمردين الحوثيين.

ما أهمية ذلك؟ يبقى الحوثيون لغزاً للكثير من غير اليمنيين لكنهم أساسيون في التوصل إلى حل تفاوضي. حتى الآن، لم يظهروا علامات تذكر على أنهم سيقدمون التنازلات الضرورية لإنهاء الحرب، لكن فرص نجاح الجهود الرامية إلى الحوار معهم أكبر من فرص فرض المزيد من العزلة عليهم لإقناعهم بتقديم تلك التنازلات.

ما الذي ينبغي فعله؟ سيحتاج الدبلوماسيون إلى العصا والجزرة معاً لإقناع الحوثيين بالانخراط في الحوار. وينبغي على الجهات المعنية الدولية تشكيل مجموعة عمل للتواصل مع صنعاء والتحضير لمفاوضات يمنية – يمنية شاملة لرسم مسار الخروج من الصراع.

Executive Summary

لقد فتحت عاصفة من الأحداث نافذة لفرصة صغيرة، إن لم يكن من أجل تحقيق السلام، فللتحول من التنافس العنيف إلى المفاوضات السياسية في اليمن. تشكل اللحظة الراهنة اختباراً لفرضيتين بشأن المتمردين الحوثيين الذين يسيطرون على العاصمة اليمنية، صنعاء، منذ عام 2014. الفرضية الأولى، التي قدمها خصومهم، تقول إن الجماعة عبارة عن تنظيم متطرف تابع لإيران وغير قادر على الانخراط بنيّة طيبة، ناهيك عن تقديم التنازلات المطلوبة لإنهاء الحرب. أما الفرضية الثانية فتقول إن الحوثيين (الذين يُعرفون أيضاً بأنصار الله)، سيتوجهون إلى طاولة المفاوضات إذا قُدم لهم المزيج المناسب من الحوافز والمقترحات الواقعية لتحقيق السلام، على الأقل لمنح أنفسهم استراحة من القتال والحرمان الاقتصادي. في كل الأحوال، فإن الحقيقة هي أن الحرب لن تنتهي دون موافقة الحوثيين. وبوجود هدنة تشمل البلاد بأسرها، ينبغي على الدبلوماسيين التواصل مع الحوثيين للحصول على موافقتهم على تمديد الهدنة والمشاركة في مفاوضات يمنية – يمنية شاملة تهدف إلى وضع حدٍ للصراع المريع المستمر منذ سبع سنوات.

أعلنت الأمم المتحدة أنها كانت قد توسطت للتوصل إلى الهدنة في 1 نيسان/أبريل بعد أن أوصلت التحولات الجارية على الأرض المواجهة العسكرية إلى ما يشبه التوازن للمرة الأولى منذ عدة سنوات. بعد أقل من أسبوع، رتبت المملكة العربية السعودية تنحية الرئيس اليمني المعترف به دولياً، عبد ربه منصور هادي، الذي كان قد تحول على مدى مسار الصراع من حاضن لشرعية الدولة إلى عقبة تحول في الوقت نفسه دون متابعة الحرب وأيضاً دون إيجاد السبل المفضية إلى السلام. استبدال هادي بمجلس رئاسي يتكون جزئياً من قادة بارزين ضالعين في محاربة الحوثيين، إضافة إلى نخب سياسية مقربة من الرياض وأبو ظبي قدم للحوثيين تأكيداً للنفوذ السعودي على الحكومة، وأيضاً نظيراً تفاوضياً أكثر مصداقية، مع سعي الأمم المتحدة لترجمة الهدنة إلى حوار بشأن إنهاء الحرب. بعد أيام من تعيين المجلس، زار مبعوث الأمم المتحدة، هانس غروندبيرغ، صنعاء في محاولة لتمديد الهدنة وتحضير الأرضية للمفاوضات السياسية.

في وقت سابق من عام 2022، كان الحوثيون قد احتلوا عناوين الأخبار بإعلان مسؤوليتهم عن الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على الإمارات العربية المتحدة رداً على المكاسب التي حققتها القوات المعادية للحوثيين والمدعومة إماراتياً في ميدان المعركة. وشكلت الضربات تذكيراً بأنه، وبعد سقوط أكثر من 100,000 قتيل، فإن الحرب ما تزال تشكل تهديداً لحياة ملايين الناس داخل اليمن وأيضاً لاستقرار منطقة الخليج. كما أنها أعادت إثارة نقاش بشأن طبيعة التيار الحوثي. خصوم الحوثيين يقولون إن التيار وكيل لإيران يقوده رجال الدين ويحكم من خلال الخوف وإن لديه تطلعات توسعية. الحوثيون يصورون أنفسهم على أنهم ثوريين ومستضعفين شجعان يقاومون حرباً عدوانية سعودية. ويدّعون أنهم صادقين في جهودهم لإنهاء الحرب، وأنهم طرحوا شروطهم بوضوح، لكن المقترحات المقابلة التي يتقدم بها خصومهم غير واقعية.

لا تقدم أي من السرديتين صورة كاملة للحوثيين أو للحياة في المناطق التي يسيطرون عليها. يروي الحوثيون قصة لثورة ذات نوايا ديمقراطية أحبطتها الضربات الجوية التي تقودها السعودية والحرب القائمة على الحصار. لكن حرب اليمن حرب أهلية أولاً وقبل كل شيء. فالحوثيون لا يذكرون أن الكثير من اليمنيين ليسوا إلى جانبهم وأن أولئك الذين يقاتلون ضدهم على الأرض يقاومون حكمهم وليسوا مجرد بنادق مستأجرة. خصوم الحوثيين، من جهتهم، يقولون إن الجماعة عازمة على تأسيس نظام سياسي طبقي يحكمه رجال الدين، ويشيرون إلى هجمات الحوثيين على المناطق المأهولة بالسكان وإلى تكتيكات الدولة البوليسية التي يستخدمونها كأمثلة على تطرفهم. لكنهم يقللون من شأن الخسائر البشرية للحرب في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون وتجاوزات القادة المحليين في المناطق الخاضعة للسيطرة الاسمية للحكومة. أما داعموهم المتمثلين في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة فيركزون على هجمات الحوثيين العابرة للحدود، ويطالبون بأن تساعدهم الولايات المتحدة على وضع حد للتهديد الحوثي (والإيراني، كما يقولون) لأمن الخليج. لكنهم يسعون أيضاً للحصول على تبرئة من المذابح التي تسبب فيها قصفهم.

مكاسب الحوثيين الأخيرة – وخسائرهم – على الأرض، وهجماتهم الأخيرة على الإمارات والسعودية، والهدنة، والاندفاع نحو التوصل إلى تسوية سياسية شحنت الأسئلة المتعلقة بهوية الحوثيين، وما يريدونه وكيفية إحضارهم إلى طاولة المفاوضات بدرجة متجددة من الإلحاح. بالنسبة للبعض، يتمثل الجواب في عزلهم والضغط عليهم عسكرياً واقتصادياً. أما بالنسبة لآخرين فيتمثل في إيجاد الحوافز المناسبة لإخراجهم من عزلتهم، على سبيل المثال بتلبية مطالب الحوثيين القديمة برفع القيود المفروضة على ميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر وإعادة فتح مطار صنعاء الدولي أمام الرحلات التجارية.

وقد تحقق كلا هذين الشرطين الآن كجزء من الهدنة، ولو بشكل محدود؛ حيث يسمح الاتفاق بهبوط رحلتين جويتين أسبوعياً في صنعاء وبتخفيف الحصار على شحنات الوقود الواصلة إلى الحديدة. أما ما إذا كان هذا كافياً لإحضار الحوثيين إلى طاولة المفاوضات فهو ما سيتم اختباره. ينبغي على الحوثيين، من جهتهم، تقديم تنازلات لاستدامة وتمديد الهدنة؛ إذ ينبغي عليهم استعادة إمكانية الوصول عبر الطرق إلى مدينة تعز التي يحاصرونها منذ سبع سنوات.

مهما يحدث تالياً، ينبغي على الجهود الرامية لإنهاء الحرب أن تعالج أربعة اعتبارات رئيسية ترتبط بالحوثيين. يتمثل الأول في حقيقة أنه، وحتى مطلع عام 2022، بدا وكأنهم يكسبون في الحرب الرامية إلى السيطرة على المرتفعات الشمالية في اليمن وأنهم ما يزالون القوة المهيمنة في المناطق الأكثر كثافة سكانية في البلاد، بما في ذلك صنعاء. الاعتبار الثاني هو أن المخاطرة في حدوث المزيد من الضربات الحوثية للسعودية والإمارات – والتهديد الذي تتعرض له التجارة البحرية حول اليمن – ستبقى ماثلة طالما ظلت الحرب مستمرة. والاعتبار الثالث هو أنه حتى لو كانت الحرب صراعاً متعدد الأطراف يمكن إنهاؤه من خلال عملية سلام أوسع وحسب، فإنه لا يمكن إنهاء الحرب دون التوصل إلى تفاهم بين السعودية والحوثيين، حيث إن السعودية لا تقبل بتسوية تترك للتنظيم السيطرة المطلقة، وأن يظل متحالفاً على نحو وثيق مع إيران ومسلحاً بأسلحة متوسطة وطويلة المدى.

العامل الرابع والأخير هو أن خصوم الحوثيين المحليين يرفضون فكرة العيش في دولة يهيمن عليها الحوثيون، وفي كثير من الحالات، تعهدوا بالاستمرار في القتال في حال لم تعالج التسوية هواجسهم. حتى أكثر اليمنيين تشدداً في معاداة الحوثيين يدركون أنه قريباً قد لا يكون أمامهم خيار سوى التوصل إلى نوع من التسوية معهم تحافظ على الوضع القائم، بالنظر إلى أنه من المفهوم على نطاق واسع أن الرياض عازمة على إيجاد مخرج من الصراع. لكن في غياب تحول في التكتيكات العسكرية والسياسية للحوثيين، فإن كثيرين في هذا المعسكر يتوقعون أنه بدلاً من أن يفضي التوصل إلى نوع من التسوية المؤقتة إلى عملية سلام، فإنه لن يتعدى كونه مقدمة إلى مرحلة جديدة من الحرب.

نهاية المرحلة الراهنة من الحرب قد تكون في المتناول، لكن ليس بالضرورة نهاية الحرب الأهلية في اليمن.

بعبارة أخرى، فإن نهاية المرحلة الراهنة من الحرب قد تكون في المتناول، لكن ليس بالضرورة نهاية الحرب الأهلية في اليمن. ولذلك، سيتعين على الجهات الفاعلة الخارجية أن تستخدم الحوافز والضغوط على حد سواء لإحضار جميع الأطراف إلى طاولة المفاوضات. لكن من الصعب رؤية كيف يمكن إقناع الحوثيين، بوجه خاص، بالتفاوض دون إنهاء ما يرون فيه حصاراً تقوده السعودية للمناطق التي يسيطرون عليها. لكن مع تخفيف هذه القيود مؤقتاً الآن كجزء من الهدنة، ينبغي على الوسطاء القيام بحشد دبلوماسي على صنعاء لضمان أن يشعر التنظيم بأنه تم الاستماع إلى هواجسه وأيضاً لإبلاغه بتوقعات العالم الخارجي منه.

ومن المهم معايرة أهداف هذه الجهود بعناية. إذ سيترتب على الدبلوماسيين أن يكونوا واقعيين بشأن حدود قدرة الحوثيين على تقديم التنازلات، خصوصاً فيما يتعلق بتقاسم السلطة وبعلاقتهم بإيران. ولا ينبغي أن يكون الهدف المباشر التوصل إلى صفقة شاملة يتم ترتيبها على عجل والاندفاع إلى لتسوية قضايا الحرب الأكثر إثارة للانقسام، والهواجس الأمنية الإقليمية والدولية. بدلاً من ذلك، ينبغي أن يكون الهدف جعل الحوثيين جزءاً من حوار يمني – يمني لا يشمل السياسيين المفضلين لدى الجهات الفاعلة الإقليمية وحسب، بل النطاق الواسع للمكونات الاجتماعية القادرة على بناء السلام.

صنعاء/نيويورك/بروكسل، 29 نيسان/أبريل 2022