Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Twitter Video Camera Youtube
الحوثيين ليسوا حزب الله
الحوثيين ليسوا حزب الله
صنعاء، مدينة تتسم بالكبرياء لكن تعاني من الجوع ومن حصار يحقق آثاراً عكسية
صنعاء، مدينة تتسم بالكبرياء لكن تعاني من الجوع ومن حصار يحقق آثاراً عكسية

الحوثيين ليسوا حزب الله

Originally published in Foreign Policy

يريد دونالد ترامب تصعيد الحرب بالوكالة في اليمن ضد إيران، لكن ثمة مشكلة صغيرة هي أن طهران ليس لها فعلياً وكلاء هناك.

إن الساحة الأولى التي اختارتها إدارة ترامب لمواجهة إيران هي اليمن. ما يسعد حلفاء ترامب في الخليج الفارسي، خصوصاً السعودية والإمارات العربية المتحدة، هو ما يبدو من أن فريق الرئيس لشؤون الأمن القومي ينظر إلى الحوثيين – وهي ميليشيا يمنية متجذرة في التراث الشيعي الزيدي في البلاد تقاتل حالياً إلى جانب شرائح واسعة من الجيش والمجموعات القبلية الشمالية المتحالفة مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح ضد طيف من الخصوم المحليين – تماماً كما ينظر إلى حزب الله، أي كجزء من خطة إيرانية كبرى لبناء تحالف شيعي قوي ضد عدوها الأكبر إسرائيل ومنافستها الإقليمية السعودية.

ثمة مشكلة واحدة في هذه الفرضية هي أن الحوثيين ليسوا حزب الله، ورغم أنهم يعبّرون علناً عن تعاطفهم مع الجمهورية الإسلامية، فإنهم لم يطوروا علاقة وثيقة مشابهة لتلك التي طورها الحزب مع طهران. لكن الجهود المتضافرة لواشنطن وحلفائها الخليجيين من شأنها أن تدفع الحوثيين إلى أحضان طهران.

من المفيد مقارنة نشوء الحوثيين مع نشوء حزب الله. ولد حزب الله في لبنان في خضم الغزو الإسرائيلي عام 1982 واحتلاله لذلك البلد. وتغذى على الطيف الواسع من مصادر استياء شيعة لبنان المتمثلة في ضعف تمثيلهم في النظام السياسي اللبناني، ووجود مسلحين فلسطينيين (كانوا يستخدمون جنوب لبنان كمنصة لإطلاق هجماتهم على الأراضي الإسرائيلية)، ورد إسرائيل غير التمييزي عليهم والذي كان الشيعة بين ضحاياه الرئيسيين. حدث هذا بعد ثلاث سنوات فقط من الثورة الإسلامية، عندما بدا الحرس الثوري الإيراني، الذي ارتفعت معنوياته نتيجة النصر السياسي الذي حققه خصوصاً بعد أن صد غزواً عراقياً، حريصاً على نشر أيديولوجيته على مدى اتساع العالم الشيعي.

بدأ حزب الله بوصفه تجربة إيرانية وفرصة يمكن لطهران استغلالها. لكن بمرور الوقت، أصبح شيئاً أكثر جوهرية، أي ممثلاً شعبياً حقيقياً للطائفة الشيعية في لبنان (ولو أنه لا يلقى المديح من جميع أفرادها) وميليشيا مستعدة لمواجهة التعديات الإسرائيلية على السيادة اللبنانية. وقد أكسبه هذا دعماً على مضض من قبل سُنّة ومسيحيي لبنان؛ وطالما أنه لم يقدم نفسه كلاعب طائفي، فقد حظي بإعجاب واسع في العالم العربي أيضاً. على مدى عقود، ظلت حقيقة أن حزب الله كان يتلقى ترسانته من الأسلحة من إيران عبر سورية مصدر قلق ثانوي للعرب – إلى أن أبرزت حرب 2006 بين لبنان وإسرائيل قوته العسكرية المقلقة بالنسبة لبعض الأنظمة العربية.

خلال السنوات الأربع الماضية، تغير التصور الشائع عن حزب الله بشكل جذري. تدخّله في الحرب الأهلية السورية حوله إلى شريك لا غنى عنه لإيران في المحافظة على النظام المجرم للرئيس السوري بشار الأسد، وبالتالي على الشريان الحيوي الذي يمد الحزب بالأسلحة. مع وصول التنافس بين إيران والسعودية إلى نقطة الغليان في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تبنى حزب الله النزعة الطائفية التي يزعم البعض أنها طالما كانت سمته المميزة.

تختلف أصول الحوثيين عن أصول حزب الله، لكن ثمة أوجه شبه مهمة بينهما أيضاً. تدعي المجموعة أنها تحمي الطائفة الزيدية في اليمن – وهم الشيعة الذين يعد معتقدهم الديني أقرب إلى سنة اليمن منه إلى معتنقي الشيعية الاثني عشرية التي تشكل الأغلبية في إيران، والعراق ولبنان – وبدأت المشاركة في الحياة السياسية الوطنية بوصفها حركة قاعدية إحيائية تعارض التوسع السلفي في المناطق الزيدية. في مطلع الألفية، تحول الحوثيون إلى ميليشيا تتعاطف سياسياً مع إيران وحزب الله، وتتخذ موقفاً علنياً معارضاً للولايات المتحدة، والسعودية، وإسرائيل. بين عامي 2004 و2010، انخرطوا في ست جولات من الحرب مع جيش الرئيس اليمني آنذاك علي عبد الله صالح واكتسبوا قوة خلال تلك العملية بفضل استيلائهم على مستودعات أسلحة الجيش.

لربما كان الحوثيون سيستمرون في القتال لولا اندلاع الانتفاضة اليمنية عام 2011، عندما هز الربيع العربي نظام صالح ووصل إلى أوجه في العملية الانتقالية التي توسطت في إنجازها وفرضتها جزئياً السعودية. تم استبدال صالح بنائبه، عبد ربه منصور هادي. وعلى مدى سنتين، شارك الحوثيون في اللعبة السياسية، وشاركوا في الحوار الوطني حتى مع محاولتهم ترجيح كفة التوازن العسكري في الشمال لصالحهم. عندما ترنحت عملية الانتقال السياسي، تحول الحوثيون إلى حمل السلاح وهاجموا العاصمة صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014، وبعد بضعة أشهر أقالوا هادي، الذي هرب إلى عدن وبعد ذلك بوقت قصير إلى السعودية.

كما شكل الحوثيون تحالفاً مع عدوهم السابق، صالح. الرئيس السابق رأى في الحوثيين – المقاتلين الأشداء لكن الإداريين السيئين – فرصة للانتقام من أولئك الذين انقلبوا ضده عام 2011، وربما لاستعادة السلطة. تجاوزت القوة المشتركة للحوثيين وأجزاء من القوات المسلحة التي لا تزال موالية لصالح خطاً أحمر سعودياً؛ ففي آذار/مارس 2015، أطلقت السعودية والإمارات العربية المتحدة، بمساعدة من الولايات المتحدة وبريطانيا، هجوماً جوياً، وبعد ذلك بوقت قصير هجوما برياً لعكس التقدم الذي كان تحالف الحوثي – صالح قد حققه. بعد نحو عامين من ذلك، لا زالوا يقاتلون ملحقين الدمار بأفقر بلدان العالم العربي خلال هذه العملية.

حتى الآن، وبصرف النظر عن خطاب طهران القوي المؤيد للحوثيين، لم يتم العثور على دليل ملموس يذكر على الدعم الإيراني لهم. لقد كان هناك أدلة على بعض شحنات الأسلحة الصغيرة، ومن المرجح أنه كان يتم تقديم المشورة العسكرية من قبل حزب الله وضباط الحرس الثوري الإيراني، الذين ربما ساعدوا الحوثيين في إطلاق الصواريخ على الأراضي السعودية واستهداف السفن السعودية في البحر الأحمر. في هذه الأثناء، فإن الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي والبريطاني للتحالف الذي تقوده السعودية يتجاوز بعدة مرات الدعم الذي تلقاه الحوثيون من طهران.

الحرب تقوي الحوثيين الذين باتوا يحملون الآن راية الدفاع عن الوطن ضد العدوان الخارجي. في الواقع فإن السعودية احتلت بالنسبة للحوثيين المكانة التي طالما احتلتها اسرائيل بالنسبة لحزب الله. يرى حزب الله اللبناني في إسرائيل محتلاً أجنبياً للأرض العربية وقامعاً لشعبها ويعتبر أنها، إضافة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، لديها مخططات أكبر للمنطقة. بالنسبة للحوثيين، فإن السعودية معتد خارجي، وهي أيضاً جزء من مؤامرة أمريكية – إسرائيلية للهيمنة على المنطقة.

إلا أن قصة صعود الحوثيين إلى السلطة تظهر أن دوافعهم تتركز أساساً في أجندة محلية، وليس في أجندة إقليمية. إنهم يتمتعون بدعم قوي ودائم في الشمال الزيدي. وبالتالي فإن تصعيد الحرب لن يغير ذلك، حتى مع وجود دعم أمريكي أكبر للتحالف الذي تقوده السعودية. إذا حدث ذلك في كل الأحوال، فإن الحوثيين سيكونون مستعدين للقبول بدعم عسكري ومالي إضافي يمكن أن تقدمه إيران. بالنسبة لإيران، فإن اليمن كان وسيلة غير مكلفة لاستعداء السعودية، التي أنفقت المليارات على حرب اليمن بينما اكتفت إيران بالإنفاق من موازنة محدودة جداً بالمقارنة مع ما تنفقه السعودية.

قد تنظر إدارة ترامب إلى اليمن بوصفه مجالاً مناسباً لإظهار تصميمها على مواجهة فرض إيران لوجودها دون التسبب بحرب أكبر على امتداد الشرق الأوسط. في سورية، على النقيض من ذلك، ركزت الولايات المتحدة تفكيرها بشكل حصري على تنظيم الدولة الإسلامية بدلاً من تركيزها على الفظائع التي يرتكبها نظام الأسد بحق شعبه؛ كما أن العمل العسكري الأكثر قوة ضد إيران ووكلائها هناك من شأنه أن يحمل مخاطر أكبر، بالنظر إلى تحالف إيران مع روسيا. في العراق، يمكن أن تكون الولايات المتحدة ’بحاجة‘ لإيران – على شكل ميليشيات شيعية تكون شريكاً جوهرياً للجيش العراقي الضعيف بحكم تكوينه في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي رسخ وجوده في الموصل. في الخليج، من شأن الاحتكاك بالأسطول الإيراني أن يخاطر بمواجهة مباشرة أوسع مع إيران.

وبالتالي فإن واشنطن قد تقدم دعماً عسكرياً متزايداً للتحالف الذي تقوده السعودية، بل يمكن حتى أن توجه ضربات مباشرة للأصول الحوثية في اليمن كي تكون رسالة قوية وغير مكلفة لطهران. من شأن ذلك بالتأكيد أن يسعد السعودية، التي راهن ولي ولي عهدها، محمد بن سلمان، بسمعته على كسب الحرب، وحليفتها الإمارات العربية المتحدة. ربما تأمل هذه الدول أنها بدعم من الولايات المتحدة يمكنها أن تلحق الهزيمة بتحالف الحوثي – صالح أو على الأقل أن تفرض عليه تقديم تنازلات مهمة على طاولة المفاوضات.

قد يتبين أن مثل تلك الحسابات ستشكل خطأ خطيراً. في حين أن الحوثيين مرتبطون بإيران، فإن إيران لا تسيطر على قرارهم؛ فطبقاً لعدة مقابلات أجريت مع مسؤولين أمريكيين ومع الحوثيين أنفسهم، فإن الزعماء الحوثيين تجاهلوا طهران كلياً عندما نصحتهم بعدم الاستيلاء على صنعاء. حتى الآن، يبدو أن إيران فعلت ما يكفي لاستعداء وتخويف السعوديين – وضمنت بذلك غرقهم في المستنقع اليمني، وإنفاقهم مليارات الدولارات على حرب لم يقتربوا حتى من تحقيق الانتصار فيها.

إذا اندفع ترامب إلى الحرب اليمنية، فإن هناك مخاطرة حقيقية جداً بأن يخرج الصراع عن السيطرة. يمكن أن توفر اليمن ساحة سهلة لطهران ترد فيها على السعودية. يمكن لأحد السيناريوهات المحتملة أن يكون على شكل انتفاضة بوحي من إيران في المنطقة الشرقية من السعودية، مصحوبة باندفاعة حوثية إلى نجران ومدن أخرى في الجنوب، وإطلاق صواريخ على السفن السعودية التي تعبر مضيق باب المندب. من شأن ذلك أن يشكل تهديداً جدياً للاستقرار الداخلي في السعودية.

يؤكد قادة التحالف الذي تقوده السعودية على أنهم ينبغي أن يستمروا في الحرب لأنهم لا يستطيعون القبول بكيان شبيه بحزب الله على حدودهم. إذا كان ما يشيرون إليه هو وجود ميليشيا من غير الدولة مسلحة تسليحاً ثقيلاً على حدودهم، فإن هذا قد حدث فعلاً ولن يؤدي استمرار الحرب سوى إلى تفاقم هذا الوضع وحسب. لكن إذا كانت الخشية من حليف إيراني، فإنهم ينجحون فقط في دفع مجموعة ذات أجندة تطغى عليها الشواغل المحلية إلى حضن طهران.

إن السبيل إلى التعامل مع الحوثيين لا يكمن في الاستمرار في حرب لا يمكن الانتصار فيها. بدلاً من ذلك، ينبغي دفع الأطراف اليمنية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. إذا كانت السعودية وحلفاؤها يدعمون فعلاً قيام إدارة لا مركزية حقيقية وحكماً تشارك فيه جميع الأطراف، فإن الحوثيين يمكنهم أن يضعفوا أنفسهم وحسب، حيث لأيديولوجيتهم جاذبية محدودة، ولا يمتلكون مهارات في الحكم، ومن المحتم أن حزب صالح والمجموعات المتحالفة مع السعودية ستشكل ثقلاً يحقق التوازن معهم. لا تستطيع الولايات المتحدة والسعودية الخروج من حرب اليمن عن طريق القتال، لكن إذا كانتا تتمتعان بالدهاء الاستراتيجي الذي تتمتع به إيران، فإن بوسعهما السماح للحوثيين بالغرق في العملية السياسية الفوضوية التي ساعدوا هم أنفسهم في إطلاقها.

Contributors

Project Director, Gulf and Arabian Peninsula
Program Director, Middle East and North Africa
JoostHiltermann
Women walk on a bridge in the old quarter of Yemen's capital Sanaa, on 9 April 2016. REUTERS/Khaled Abdullah.

صنعاء، مدينة تتسم بالكبرياء لكن تعاني من الجوع ومن حصار يحقق آثاراً عكسية

Our Arabian Peninsula Senior Analyst April Longley Alley finds pride, resilience and an eagerness to end the conflict during field research and many conversations in Sanaa, Yemen’s capital. She concludes that isolating one side or making the famine and suffering worse will only prolong the war.

صنعاء، اليمن – يتمثل أحد الأوجه الأكثر إثارة للإحباط في العمل على الصراعات الدائرة في اليمن في مدى صعوبة زيارة البلاد. قضيت خمسة أشهر في الحصول على الموافقات والتصاريح الأمنية لزيارتي. الآن، في النهاية، أنا على متن رحلة للأمم المتحدة من عمان إلى صنعاء. هذه زيارتي الأولى للبلاد منذ غادرتها قبل أربعة أيام من شروع التحالف الذي تقوده السعودية، بدعم من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بعمليات القصف التي  بدأتها في آذار/مارس 2015 لإعادة حكومة عبد ربه منصور هادي، التي كانت قد أطيح بها على يد المتمردين الحوثيين المتحالفين مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

تتضح الأضرار التي تخلفها الحرب مع شروع الطائرة بالهبوط، حيث إن المطارين المدني والعسكري في صنعاء متجاوران وقد دُمر الجزء العسكري بشكل كامل تقريباً. نتجاوز هياكل المروحيات والطائرات الحربية ومن ثم البقايا المدمرة للطائرات المدنية التابعة لشركة الطيران اليمنية السابقة أريبيا فيليكس. ننتقل إلى مبنى البوابة الذي مزقته الشظايا وبات مهجوراً تماماً في مشهد يتناقض مع تقاطعات الطرق المزدحمة التي أذكرها. منذ انهارت محادثات السلام في آب/أغسطس 2016، فإنها وحدها الرحلات الجوية الإنسانية التي تنظمها الأمم المتحدة هي التي تصل إلى صنعاء كل أسبوع. يقترب باص وحيد ليفرغ حفنة من المسافرين في البوابة المهجورة. أنا، من جهتي، يرحب بي عضو من أنصار الله (أي التيار الحوثي) وممثل عن وزارة الخارجية في صنعاء حضرا للتأكد من عدم وجود مشاكل أمام دخول الزائرة الوحيد من أمريكا ومن منظمة دولية غير حكومية على الرحلة.

لا تزال المدينة نابضة بالحياة

لكن مع دخولي المدينة، فإني أجد مفاجأة بانتظاري. في البداية لم أرَ المعاناة الإنسانية التي أعرف أنها موجودة. على السطح، تبدو المدينة بنفس الشكل الذي تركتها به تقريباً يملؤها الزحام والضوضاء والحياة. هناك زحمة مرورية خاصة في ميدان التحرير – في مؤشر على أن الوقود يجد طريقه إلى المدينة. لا تزال مباني صنعاء الشهيرة، المرتفعة ذات الزخارف المعقدة المبنية من اللبن واقفة، كما لا تزال المدينة القديمة على حالها بشكل عام، رغم وجود كميات أكبر من النفايات في الشوارع وصور الشهداء وشعارات الحوثيين ملصقة في كل مكان. الناس يتابعون حياتهم اليومية؛ حيث تبدو الشوارع نابضة بالحياة، والمحلات التجارية مفتوحة، وهناك مواد غذائية على رفوفها. يخبرني سائق السيارة التي استقلها بأن المدينة أكثر ازدحاماً من المعتاد بسبب استيعابها للنازحين من مناطق القتال المحيطة بها. كل ما أراه يذكرني بشكل دائم بأن صنعاء عانت أقل من غيرها، مقارنة بمدن أخرى في الشمال، من عمليات القصف التي شنها التحالف الذي تقوده السعودية وكذلك من التهديد المتنامي الذي تشكله المجاعة. يخبرونني أن مدناً مثل الحديدة، وصعدة وحجة أسوأ حالاً بكثير.

.لا تتمثل المشكلة في عدم توافر الغذاء – على الأقل في صنعاء حتى الآن – بل بعدم امتلاك المال اللازم لشرائه

هناك شيئ آخر أيضاً. إنني أشعر بالأمان رغم أنني أتنقل بسيارة أجرة عادية. صحيح أنني أرتدي العباءة السوداء والنقاب الأسود التقليدي الذي يغطي الوجه، ما يعني أن لا أحد يستطيع أن يرى سوى عيني. لكن الملفت هو وجود عدد قليل من نقاط التفتيش في المدينة وقدر ضئيل من الوجود الأمني الصريح في الشوارع. أعود لأرى منزل صديق، حيث كنت أعيش، وأجد أن كل شيء لا يزال موجوداً، ولو كان مغطى بالغبار. لم ألمس من خلال أحاديثي حدوث عمليات نهب واسعة النطاق أو انتشار لانعدام القانون.

بل إن هناك جانب إيجابي للمصاعب التي يواجهها السكان؛ فقد ألهمت الانقطاعات الدائمة للكهرباء بإيجاد ابتكارات جديدة، وتحولت العديد من المنازل والشركات إلى الطاقة النظيفة. أرى عدداً أكبر من ألواح الطاقة الشمسية مما كان موجوداً على ما أذكر. لا تستطيع الحكومة أن توفر الكثير من الكهرباء، أو الكثير من أي شيء آخر، وهذا يجبر الناس على فعل كل ما بوسعهم ليبدعوا ويبتكروا.

لكن مع تعرفي أكثر على المكان والاتجاهات، أرى المباني التي قصفت وقد سويت بالأرض في كثير من الأحيان وسط بيئة حضرية مزدحمة. وهذه في معظمها مبانٍ حكومية أو مبانٍ سكنية تعود إلى الرئيس السابق صالح، أو عائلته أو المسؤولين في حزبه، المؤتمر الشعبي العام. الفجوة التي أحدثت الصدمة الأكبر عندي في المشهد الحضري كانت الإطار المعدني لما كان أكبر صالة اجتماعات في صنعاء، التي قال السعوديون أنهم قصفوها بالخطأ في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2016، فقتلوا 140 شخصاً وجرحوا أكثر من 600 شخص كانوا يحضرون عزاءً.

أزور الموقع بعد عدة أيام من وصولي لأعاين الأضرار بشكل مباشر. أرى الصور التي بهتت لأولئك الذين قضوا نحبهم في جحيم ذلك اليوم وقد ألصقت في محيط الباب. أرى صورة أحد الأصدقاء، وهو قائد محلي يحظى بالاحترام، هو عبد القادر هلال. كان من أوائل الذين كنت سأراهم في هذه الزيارة لأعرف منه آفاق التوصل إلى تسوية. لكنه، مع كثيرين غيره ممن كنت أعتمد عليهم في الماضي لأخرج بفهم أفضل للأحداث، إما قتلوا، أو يعيشون في الخارج أو باتوا في أجزاء أخرى من هذا البلد المقسّم.

لا تشكل حقيقة أن التحالف يستهدف قوات الحوثي/صالح عزاءً يذكر لليمنيين الذين التقيهم؛ فمنازل مسؤولي حزب المؤتمر الشعبي العام التي تستهدفها الضربات الجوية موجودة في معظم الأحيان في أحياء سكنية ذات كثافة سكانية عالية، ما يجعل الأضرار الجانبية أمراً لا مفر منه. في كل مكان يحدثونني عن القتلى: عائلة من ستة أفراد في منزل مجاور قتل جميع أفرادها، فتاة شابة قتلت، أم أحرقت حتى الموت. يتحدث الناس عن "كوارث مزدوجة"؛ عندما يهرع المنقذون للمساعدة بعد غارة أولى، تلقي طائرات التحالف موجة ثانية من القنابل، فتقتل المنقذين وكل من قد يصادف وجوده في المكان. لم أسمع ولا مرة عن مسؤول كبير في المؤتمر الشعبي العام أو عن مسؤول حوثي قتل في مثل تلك الغارات.

خلال الأيام الستة التي قضيتها في المدينة لم تحدث أية غارات؛ لكن من وقت لآخر، أسمع الهدير البعيد لطائرات الاستطلاع. أصدقائي اليمنيون، الذين باتوا متنبهين تماماً لوجودها، يدلونني عليها. بعد بضعة أيام من مغادرتي، تقصف الطائرات من جديد، وتصيب، كما تفعل في معظم الأحيان، نفس المنشآت العسكرية في الجبال المحيطة بالمدينة.

جوع مخبأ

لا أرى طوابير من الناس يصطفون للحصول على الغذاء؛ حيث لا تزال الأفران والمطاعم مفتوحة، وهناك خضار وفواكه على البسطات. لكن هناك يأس كامن تحت السطح النابض بالحياة في صنعاء. لقد كان الفقر موجوداً دائماً في المدينة، لكن هناك أعداد أكبر بكثير من الناس مما أذكر في الماضي ينبشون أكوام القمامة بحثاً عن شيء يأكلونه أو يبيعونه.

لا تكمن المشكلة في عدم توافر الغذاء – على الأقل في صنعاء حتى الآن – بل بعدم امتلاك المال اللازم لشرائه. بعد عامين من الحرب، فإن الاقتصاد في حالة انهيار وأسهمت الأزمة بين الفصائل اليمنية المتصارعة على البنك المركزي إلى نشوء وضع لم تُدفع فيه رواتب موظفي الخدمة المدنية بشكل ثابت منذ آب/أغسطس 2016. كل من تحدثت إليه أشار إلى موضوع الصعوبات الاقتصادية: السياسيون، والأصدقاء، والحراس، وسائقو سيارات الأجرة، والعاملون في الفنادق، وكل من تعرفت عليهم بالصدفة.

April Longley Alley meets with Mohammed al-Dailimi, Executive Director of the Rehabilitation Fund and Care of Handicapped Persons, in Sanaa, Yemen, on 24 April 2017. CRISISGROUP/April Longley Alley

تتفاقم المعاناة الصامتة تحت واجهة الحياة الطبيعية. يتحدث الناس عن الإنفاق من مدخراتهم حتى استنزافها. ويقول مالكو المنازل إنهم لم يعودوا يجمعون أجرة منازلهم لأن المستأجرين لا يستطيعون الدفع. وبات الناس يعتمدون بشكل متزايد أكثر من أي وقت مضى على شبكات علاقاتهم الشخصية، حيث يتلقون الأموال من أقاربهم الذين يعيشون في الخارج عبر شركات تحويل الأموال.

النساء هن أول من يعاني، حيث إن العادات المحلية تجعل من الصعب عليهم الخروج وطلب المساعدة بأنفسهم. يخبرني أحد الأصدقاء عن جارة اختفى زوجها: لم تسمع شيئاً عن مصيره، ولم يكن لديها دخل، ولا عائلة ممتدة، وخياراتها محدودة جداً في إطعام ستة أطفال. في منزل آخر، التقيت أسرة مكونة من 14 امرأة وطفلاً في غرفتين. أجسادهم نحيلة بشكل مخيف، فقد غدوا جلداً على عظم. لكنهم يتسمون بالكبرياء، ولا يتحدثون كثيراً عن احتياجاتهم الملحة.

نحن وهم

قد يكون الشعور بالصمود والكبرياء هو أكثر ما يقلل التحالف الذي تقوده السعودية والمدعوم من الولايات المتحدة من شأنه. حتى الأشخاص الذين لا يعدون مؤيدين طبيعيين للتحالف القائم بين ميليشيا الحوثي والرئيس السابق صالح يشعرون بنوع من التضامن نتيجة الحرب، والحصار الذي فرض عليهم، والأضرار الأوسع التي ألحقها بهم القصف والحصار. لو شعر الناس أن المستهدفين كانوا فقط المقاتلين الحوثيين، فإنهم كانوا سيشعرون بشكل مختلف؛ لكن مقتل المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، وتفاقم الصعوبات الاقتصادية يجعل الناس يشعرون أنهم جميعاً مستهدفون. وبالفعل، فإن أحد أقوى الانطباعات التي خرجت بها من زيارتي كان رؤية الغضب من الطريقة التي تدمر بها الحرب حياة الناس العاديين.

.إن عقلية ’نحن ضد هم‘ التي تضع صنعاء في مواجهة مع السعودية تنعكس داخل اليمن في عدد من الانقسامات الداخلية

هذا لا يعني عدم وجود إحباط أو غضب موجهين نحو الحوثيين، الذين يحمّلهم العديد من اليمنيين المسؤولية عن إطلاق دائرة العنف والآن جراء عدم قدرتهم على إدارة حكومة فعالة. إلا أن الجزء الأكبر من الغضب، وحتى الكراهية، موجه نحو السعودية، البلد الذي لليمنيين معه تاريخ طويل ومعقد من التنافس. رغم أن قوات الحوثي/صالح لا تمتلك سوى الأسلحة الخفيفة وتفتقر إلى القوى الجوية، فإن هذا يوجِد مقاومة عنيدة يمكن اختصارها بالآتي: "إذا كان الخيار هو: 'الاستسلام أو الموت جوعاً' فإننا سنحارب". أحد الشيوخ القبليين يخبرني أن "اليمنيين لن يكونوا عبيداً للسعودية". كما أن هناك كراهية متنامية وواسعة الانتشار للولايات المتحدة بسبب دعمها للحرب، وهو ما يجد اليمنيون صعوبة في فهمه. كأمريكية، فقد يكون السؤال الذي يطرح عليَّ بشكل أكثر تكراراً هو: "لماذا تهاجمنا الولايات المتحدة؟"

إن احتمال غزو تقوده السعودية لأهم الموانئ الشمالية، وهو ميناء الحديدة، يثير مشاعر معادية للسعودية والولايات المتحدة، وكذلك شعوراً بالتضامن في صنعاء. ثمة إجماع على فهم الهجوم على أنه محاولة لممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادي على الشمال لإجبار تحالف الحوثي/صالح على الاستسلام أو الموافقة على تسوية بشروط أقل ملاءمة لهم. وهذا ما يسمح لسياسيي الحوثي/صالح بالمزايدة حول القضية، والادعاء بأنهم مستعدون لبذل كل ما هو ضروري من الدماء دفاعاً عن الحديدة وتوسيع الحرب إلى الأراضي السعودية رداً على ذلك.

إن عقلية "نحن ضد هم" التي تضع صنعاء في مواجهة مع السعودية تنعكس داخل اليمن في عدد من الانقسامات الداخلية. في صنعاء، أرى تضامناً قوياً، رغم الاختلافات، ضد ما ينظر إليه على أنه "عدوان أجنبي". لكن في أجزاء أخرى من البلاد، تختلف رواية الحرب بشكل جذري. من خلال الأشخاص الذين أعرفهم في اليمن الجنوبي السابق، الذي كان دولة منفصلة قبل عام 1990 وحيث لا تزال الرغبة بالاستقلال قوية، أسمع أن جبهة الحوثي/صالح غزاة خارجيون وأن التحالف الذي تقوده السعودية محق في تدخله العسكري. في محافظة مأرب الشمالية، وهي منطقة قبلية سنية تاريخياً تتمتع بموارد نفطية وغازية كبيرة، يقف العديد ممن يرتبطون بالأيديولوجية الرئيسية لعدو الحوثيين المتمثل في حزب الإصلاح الإسلامي السني مع السعودية ويعملون بشكل مستقل عن صنعاء وأيضاً عن حكومة هادي المعترف بها دولياً. هادي نفسه يتخذ له مقراً رسمياً في عدن، لكنه يحظى بدعم أقل بكثير مما يحظى به القادة الانفصاليون المحليون. المناطق الخاضعة حالياً لسيطرة الحوثي/صالح تتقاطع في كثير من الأحيان مع المرتفعات الشمالية/الزيدية، مع استثناءات بارزة مثل ميناء الحديدة، وهو واقع قسم البلاد فعلياً على أساس طائفي.

سواء في صنعاء أو في عدن، فإن اليمنيين لديهم فكرة بأن المكان الآخر سيء وفوضوي، وهو ما يعمق الانقسام المفاهيمي في البلاد. لم أزر عدن مؤخراً، وبالتالي لا أستطيع أن أخبر أصدقائي في صنعاء بالمزيد عما يذكر من معدلات الحوادث المميتة الأعلى بكثير في مركز الخصم. في صنعاء، العديد من الناس مقتنعون بأن الوضع سيء في عدن إلى حد أنه مهما كانت مشاكلهم، فإنهم راضون عما يشعرون به أنه وضع أمني أفضل لديهم. يحبون أن يقولوا: "نحن لسنا 'كالمناطق المحررة'" (المناطق الواقعة اسمياً تحت سيطرة حكومة هادي).

يسارع أنصار الحوثي/صالح في صنعاء على تشجيعي على الاجتماع بطيف واسع من الأشخاص في العاصمة، أي مع يمنيين من سائر أنحاء البلاد ومن مختلف الأحزاب السياسية. باستثناء الإصلاح، الحزب الذي تقبع قيادته إما في السجن أو تحت المراقبة الوثيقة، أستطيع فعل هذا. لكنني أشعر بأن هذا التنوع والتسامح يتعرض لتهديد خطير. في حين أن قيادة الحوثي/صالح تريد تشجيع فكرة التنوع الذي لا يزال موجوداً في العاصمة، فإنهم يقوضون ذلك بحملة الاعتقالات التي يشنونها. في اجتماع التقيت فيه مجموعة متنوعة من ممثلي الأحزاب والنشطاء المستقلين، قال ممثل للحوثيين إن هناك احترام للآراء المختلفة في صنعاء. ضحك بعض الموجودين ومن ثم سرد أمثلة عن عمليات اعتقال غير قانونية وعن مضايقة للصحفيين. من المثير رؤية أن اليمنيين ما زالوا مستعدين للتعبير عما يجول في أذهانهم، لكن من الواضح أن الفضاء المتاح لذلك يتقلص باستمرار.

السلطة في صنعاء

في صنعاء، يبدو أن الحوثيين قد باتت لهم اليد العليا على صالح في المسائل العسكرية والأمنية. إلا أن قدرتهم في الميدان لا توازيها كفاءتهم في الحكم، وهي ديناميكية تعيد إحياء شعبية صالح وحزبه، حزب المؤتمر الشعبي العام، بل وتزيدها.

كان لقاء الزعيم اليمني الشهير أحد أبرز الأحداث غير المتوقعة في هذه الزيارة. بوصفه الهدف الأول للتحالف، لم أكن أخطط للمخاطرة بالاجتماع به. لكن وصول خبر زائر أجنبي نادر انتشر، ما جعله يعرّج على مكان كنت أزوره. ونحن نسير في فناء المبنى ونناقش الحرب، لاحظت أن طاقته لم تتراجع، وأنه لا يزال يطمح لإعادة حزبه، المؤتمر الشعبي العام، إلى السلطة في اليمن إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً.

الحوثيون أنفسهم يعترفون بأن الحكم ليس إحدى نقاط قوتهم. في الواقع، فإنهم يديرون دولة بوليسية، ولا يجدون ضرورة لتبرير ذلك، يقول لي أحد زعمائهم: "نحن في حرب". ليس هناك نظام قضائي يعمل، ولا آلية فعالة للجوء إلى العدالة، ما ينتج عنه انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان. إذا اعتقد تحالف الحوثي/صالح أنك عدو، فأنت في خطر أن يزج بك في السجن. لقد تقلصت أعداد أعضاء حزب الإصلاح نتيجة الاعتقالات الجماعية. الناس ببساطة "يختفون"، بما في ذلك زعيم حزب الإصلاح محمد قحطان. الأسر لا تعرف بالتأكيد لماذا أو أين احتجز أقاربها. البهائيون، وهم طائفة انشقت عن التيار الرئيسي للإسلام، يتعرضون للقمع أيضاً. في أوقات متفرقة فقط تسمع عن حالات تنجح فيها العلاقات القبلية أو الشخصية مع الحوثيين بإطلاق سراح أحد الأشخاص. ثمة لازمة شائعة تسمعها من أولئك الذين يعارضون الحوثيين، بما في ذلك في أوساط حزب المؤتمر الشعبي العام بزعامة صالح، وهي أن الحرب تقوي الحوثيين وتطيل حياتهم السياسية، حيث لا يستطيع أحد تحديهم طالما ظلوا القوة الأساسية التي تحارب ضد "العدوان الخارجي".

خلال زيارتي القصيرة، لم أرى علامة ظاهرة في صنعاء على الدعم الإيراني الذي يعتقد البعض أنه يلعب دوراً جوهرياً في صمود الحوثيين. يتلقى الحوثيون دعماً دبلوماسياً وإعلامياً، إضافة إلى بعض المساعدة العسكرية من الإيرانيين، إلا أن أهمية ونطاق المساعدة العسكرية موضع تشكك. كدليل على الدعم السياسي، فإن السفارة الإيرانية هي إحدى البعثات الدبلوماسية القليلة التي ظلت مفتوحة. لكن مما رأيته، فإنها كانت أبعد ما تكون عن كونها مركزاً يعج بالنشاط. إنها محاطة بحواجز إسمنتية مرتفعة بعد تفجير بسيارة مفخخة تعرضت له في عام 2014 ويديرها قائم بأعمال السفير وعدد قليل من الموظفين.

.تصعب المبالغة بالأثر الذي يحدثه عزل تحالف الحوثي/صالح، وإلى أي حد أصبحت صنعاء تردد صدى هذا الأثر

الأحاديث في صنعاء تسخر من النفوذ الإيراني بقدر ما تسخر من السعودية. إحدى العبارات الشائعة التي يسمعها المرء رداً على اتهامات دول الخليج بالدعم القوي الذي تقدمه إيران للحرب هي: "أرونا جثة جندي واحد في الحرس الثوري الإيراني". القادة الحوثيون يقولون إنهم يتخذون قراراتهم بشكل مستقل عن المشورة الإيرانية، رغم إعجاب الكثيرين في التيار بالدور السياسي الإقليمي الذي تلعبه إيران ويتشاطرون مع المؤسسة السياسية الإيرانية عداءً عميقاً للوهابية (وهي تفسير صارم للمذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي تطور في السعودية في أواسط القرن الثامن عشر). داعمو الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام على حد سواء يقولون إن إيران لا تفي بالدعم المالي الذي وعدت به الحوثيين، وهي حصيلة تصيب التيار بالإحباط. عضو في المؤتمر الشعبي العام يقول إن على إيران "أن تدعم الحوثيون [مالياً] أو أن تصمت ... إيران تتحدث كثيراً، لكنها تعطي قليلاً". كل هذا لا يعني القول إن العديد من اليمنيين في صنعاء، خصوصاً أولئك الذين ينتقدون الحوثيين، لا يخشون انخراطاً إيرانياً أكبر وأيضاً أن يصبحوا عالقين على نحو أكبر في الخصومة السعودية – الإيرانية وضحايا لهذه الخصومة. إنهم يخشون ذلك فعلاً. لكن بصرف النظر عن أهمية ذلك، فإن الرواية التي يسمعها المرء في صنعاء مختلفة جداً عن الرواية التي يسمعها في الخليج، أو الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة.

منذ انهيار محادثات السلام في آب/أغسطس 2016، بات حزب المؤتمر الشعبي العام والحوثيون يتعاونون بشكل غير مريح في حكومة إنقاذ وطني. رغم العزلة السياسية شبه الكاملة والافتقار إلى الموارد، فإن هذه الحكومة تحاول المحافظة على مظاهر الحكم. لا يزال وزير الخارجية يذهب إلى العمل في وزارته، رغم أن معظم أجزاء البناء مترامي الأطراف فارغة. النظام في حالة انعاش معلقة والمؤسسات في حالة انهيار فعلي. دون رواتب، فإن عدداً قليلاً من الموظفين مستعد للعمل، ولا أحد يقوم بصيانة المباني وتنمو الأعشاب بين شقوق الأبنية.

ثمة إحساس عميق بالعزلة. وزير الخارجية، غير المعترف به دولياً، مقاطَع، باستثناء الحضور الدبلوماسي لإيران، وروسيا وقلة من الدول الأخرى. الأجانب الوحيدون الآخرون في المدينة هم جميعاً من العاملين مع الأمم المتحدة.

كما التقيت برئيس البرلمان، وهو عضو في حزب المؤتمر الشعبي العام بزعامة صالح. يغتنم فرصة زيارة نادرة من قبل أجنبي ليملاً القاعة بالبرلمانيين والصحفيين. كالكثيرين في صنعاء، هو متشوق لإيصال رسائله حول الكلفة الإنسانية لاستمرار الصراع، والطريقة التي يفاقم بها الغرب من انقسامات اليمن من خلال الانحياز والاعتراف بالطرف الآخر للصراع بوصفه الحكومة "الشرعية".

تصعب المبالغة بالأثر الذي يحدثه عزل تحالف الحوثي/صالح، وإلى أي حد أصبحت صنعاء تردد صدى هذا الأثر. ما من شك في أن هذا التحالف يتمتع بشعبية كبيرة في صنعاء، وفي المناطق الخاضعة لسيطرته. لكن مع الحد الأدنى من الاتصالات الدبلوماسية أو انعدامها على الإطلاق، فإن الجسور بين الحكام الفعليين لشمال اليمن والعالم الخارجي محدودة  جداً. لقد عزز الحوثيون من عزلتهم باحتجاز الأجانب، خصوصاً الأمريكيين، وقد رفض الحوثيون وقوات صالح على حد سواء الاجتماع مع مفاوضي الأمم المتحدة و/أو منعوهم من الدخول.

April Longley Alley meets with the speaker of parliament Yahya Ali al-Raee in Sanaa, Yemen, on 22 April 2017. CRISISGROUP/April Longley Alley

من الواضح أن هذه العزلة تزيد من التشدد ضد المفاوضات والتسويات. كما أن إغلاق مطار صنعاء على نحو خاص يعزز عقلية الحصار هذه. على كل من يرغب بالمغادرة أن ينظم رحلة تدوم يوماً كاملاً ويتعرض للمخاطر عبر خطوط الجبهة إلى عدن، الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. تستغرق الرحلة ضعف الوقت الذي كانت تستغرقه قبل الحرب؛ ويخضع المسافر للمضايقة على نقاط التفتيش العسكرية؛ ولا يمكن لأي شخص يعمل في السياسة أن يشعر بالأمان بأنه سيصل إلى مقصده. لم يعد الشماليون مرحباً بهم في الجنوب، والعديد من الأشخاص الذين تحدثت معهم في صنعاء تعرضوا للمضايقة و/أو الاحتجاز في الجنوب.

لسبب أو لآخر، فإن الناس في صنعاء محتجزون ولا يستطيعون المغادرة ما لم يشعروا بأنهم مجبرين على اتخاذ مخاطرة حقيقية، سواء للعلاج الطبي، أو لأسباب عائلية أو للدراسة. إذا كان هناك أمر واحد يريد كل من التقيته أن يراه، فإنه إعادة فتح المطار. إلا أن الناس لا يريدون الهرب بالضرورة. في الواقع، فإن كثيرين محتجزون في الخارج ويريدون العودة.

البحث عن السلام

بمرور الأيام بسرعة، أعود إلى طبيعتي إلى درجة أنني أخطئ في تاريخ مغادرتي. أحاول تمديد إقامتي إلا أن الإجراءات الإدارية المعقدة تجعل من هذا أمراً مستحيلاً. لا أريد المغادرة. أذكر كيف أن الحرب أجبرتني على الخروج من قبل، وأشعر بالقلق بأنه سيمر وقت طويل جداً قبل أن أتمكن من العودة.

زحام الاجتماعات والانطباعات تجعلني أشعر بأن النسيج الاجتماعي اليمني تعرض لضغط وتوتر كبيرين لكنه لم يتمزق بشكل كامل. المجتمعات المحلية تعمل معاً على المستوى المحلي لإطعام المحتاجين. فكرة تنوع الآراء والرغبة بها موجودة في صنعاء، رغم ضآلة التعددية في الوقت الراهن. النساء أيضاً يلعبن دوراً متزايد الأهمية، خصوصاً فيما يتعلق بالانقسام الخطير بين الحوثيين والإصلاح. نساء الإصلاح، على سبيل المثال، يقومون بالعمل الشاق المتمثل في متابعة حالات اختفاء أو سجن أعضاء حزب الإصلاح. لأن الناس يثقون بالنساء أكثر ويخافون منهن أقل، فإن مشاركتهن يمكن أن تخفف حدة التوترات. العديد من اليمنيين العاديين يسبحون ضد التيارات القوية المتمثلة بالطائفية والتشظي الاجتماعي الذي يحدق بالبلد والمنطقة.

يتوق اليمنيون لإيجاد مخرج من الحرب. وسيكون من الصعب العثور على حل للجانب الذي أسهم الانخراط الإقليمي في تشوشه واختلاطه، والذي ينبغي أن يعالج المخاوف والشواغل السياسية والأمنية السعودية وفي الوقت نفسه عدم الدوس على شرف اليمنيين أو تجاوز خطوطهم الحمراء المختلفة في السياسة أو الأمن. السعودية، كالكثير من اليمنيين، متخوفة من أن إيران تكتسب موطئ قدم في البلاد من خلال الحوثيين. كما أنهم قلقون من الوضع الأمني على حدودهم، ومن المرجح أنهم يرغبون بأن يكون لهم نفوذ كبير على أي حكومة جديدة في صنعاء. وكتلة الحوثي/صالح حساسة حيال أي حل يمكن أن يعتبر استسلاماً للسعودية أو لحكومة هادي. عليهم أن يعملوا مع المكونات المحلية التي تتشوق للانتقام من جارها الشمالي. ثم هناك القضية المنفصلة لكن ذات الصلة المتمثلة بالتوصل إلى تسوية بين مراكز القوى المتنافسة باليمن، وهو تحدٍ ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع الجديد في البلاد والمتمثل في اللامركزية والحكم الذاتي للأقاليم. في حين أن ثمة تحديات كبيرة تواجه المفاوضين، فإن أحاديثي في صنعاء دفعتني إلى الاعتقاد أن هناك على الأقل بعض التدابير العملية الممكنة. المتحدثون معي من الحوثيين والمؤتمر الشعبي العام يناقشون وسائل التوصل إلى تسوية لمنع امتداد الحرب إلى الحديدة، والعثور على حل لدفع الرواتب على مستوى البلاد وتحقيق تقدم في المحادثات السياسية. ثمة مجال سياسي لعمل المعنيين على الأرض، لكن إيجاد هذا الفضاء يتطلب انخراطاً مستمراً وأكثر اتساعاً، بما في ذلك في صنعاء.

في طريق عودتي إلى المطار المهشم والفارغ، أشعر بالحزن لقصر الوقت. كما أن رؤية ذلك المزيج من المعاناة، والعزلة والتحدي في صنعاء يجعلني أدرك مدى الحاجة للاستكشاف الفعال لكل طرف من أطراف المأساة اليمنية. إن عزل طرف أو آخر يعيق الدبلوماسيين أو منظمة تعمل على منع الصراعات، كالمنظمة التي أعمل فيها، من المساعدة على جسر بعض تلك الخلافات. قد يكون الجزء الأكثر إثارة للمشاعر في زيارتي ما حدث بعد هبوط الطائرة التي استقلها في الأردن؛ حيث وصلني سيل من الرسائل النصية من أصدقائي والأشخاص الذين تحدثت إليهم تخبرني – وأنا شخص لا أتمتع بأي سلطة لاتخاذ القرار – بأن زيارتي – "أحيت الآمال".