Members of the military personnel arrive to take part in a parade calling for parliamentary and presidential election, at Martyr's square in Tripoli, Libya February 12, 2022. REUTERS/Nada Harib

مساعدة ليبيا على تجاوز مفترق طرق خطر آخر

مرة أخرى، يضع الخلاف حول كيفية الخروج من مأزق سياسي ليبيا أمام خطر الانقسام إلى كيانين. وتتمثل الأولويات الآن في اتفاق المعسكرين على طريق إلى الأمام وأن تظل القوى الخارجية موحّدة في دعم أي خيار سلمي يتبناه الليبيون.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ كان من المقرر إجراء انتخابات في كانون الأول/ديسمبر 2021 تمثل خطوة حاسمة في انتقال ليبيا بعيداً عن سنوات من الحكم الاستبدادي لمعمر القذافي والانقسام السياسي الذي تلاه. إلا أن السلطات أجّلت الانتخابات إلى أجل غير مسمى وسط نزاعات متواصلة. والآن ثمة نزاع متصاعد بين حكومتين متنافستين تدّعي كل منهما الشرعية.

ما أهمية ذلك؟ دون التوصل إلى توافق بشأن الطريق إلى الأمام، يمكن أن تصل العملية الانتقالية التي طال انتظارها إلى طريق مسدود قبل الأوان، مع انقسام البلاد مرة أخرى بين حكومتين متنافستين. وفي حين لا تبدو العودة إلى الصراع وشيكة، فإن تجدد العنف محتمل إذا استمرت الفجوة بين المعسكرين السياسيين بالاتساع.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على السياسيين الليبيين إيقاف مبادرة أحد المعسكرين إلى تنصيب حكومة جديدة وأن يسعوا إلى التوصل إلى توافق بشأن الطريق إلى الأمام. وبتشجيع من القوى الخارجية، ينبغي أن يعودوا إلى طاولة المفاوضات وإما أن يتفقوا على حكومة جديدة أو، بمساعدة الأمم المتحدة، يرسموا خريطة طريق انتخابية جديدة.

بعد أكثر من عشر سنوات على سقوط معمر القذافي، دخلت ليبيا مرحلة أخرى تتسم بانعدام اليقين، حيث تختلف الفصائل السياسية حول طبيعة المسار إلى المستقبل. في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021، كان المقرر أن تجري البلاد انتخابات رئاسية وبرلمانية تشكل معلماً أساسياً في تاريخها – فيما يعد خطوة محورية في التحول إلى نظام ديمقراطي أكثر استقراراً. إلا أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أجّلت عملية الاقتراع إلى وقت غير محدد، بسبب ما قالت إنها عقبات سياسية وقانونية. وضع المعسكران السياسيان الرئيسيان في ليبيا استراتيجيات متعارضة للخروج من المأزق. فأحدهما يريد تنصيب حكومة جديدة برئاسة وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، الذي فاز بالتصويت البرلماني الإشكالي بمنح الثقة في 1 آذار/مارس، ومن ثم التحول إلى كتابة الدستور في الوقت الذي تتأجل فيه الانتخابات. المعسكر الآخر يرفض حكومة باشاغا ويريد أن يبقى رئيس الوزراء المؤقت الحالي عبد الحميد الدبيبة في منصبه بينما يتم إجراء الانتخابات البرلمانية – وهذا كله قبل الانتقال إلى الإصلاحات الدستورية والانتخابات الرئاسية. ينبغي على الطرفين الخصمين، وبدعم من القوى الخارجية، التوصل إلى صفقة توافقية بشأن حكومة يدعمانها كلاهما أو التفاوض على خريطة طريق انتخابية جديدة.

يخاطر التشظي السياسي الجديد في ليبيا بإحداث انقسام في الحكومة المؤقتة الموحدة التي شُكلت في الأشهر التي تلت وقف إطلاق النار الذي أعلن في تشرين الأول/أكتوبر 2020. جمعت تلك الحكومة مركزي القوى المتناحرين في ليبيا، أحدهما في طرابلس والثاني في طبرق، واللذان تشكَّلا بعد انتخابات برلمانية اختُلف على نتائجها وقسمت البلاد إلى معسكرين في عام 2014. قبل أن يتم تأجيل الانتخابات التي كان من المقرر إجراؤها في 24 كانون الأول/ديسمبر، كان هناك توافق واسع بشأن التقدم إلى الأمام. كان الطرفان قد اتفقا على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في الوقت نفسه على أساس القوانين الانتخابية النافذة حالياً ودون أن يكون هناك دستور متفق عليه. إلا أن التأجيل دفع بعضهم إلى إعادة النظر.

يهيمن على المشهد السياسي الآن معسكران. مجموعة تدعم الحكومة الجديدة برئاسة باشاغا وخريطة طريق تبناها مجلس النواب، وهو البرلمان الذي انتخب عام 2014 ويتخذ من المنطقة الشرقية في البلاد مقراً له، ويعطي الأولوية لصياغة الدستور. المعسكر الآخر يدعو إلى التمسك بحكومة الدبيبة، ويدفع قُدماً نحو إجراء انتخابات برلمانية وتعليق المسار الدستوري والانتخابات الرئاسية. لقد صارعت الجهات الفاعلة الخارجية للتكيف مع الديناميكيات الناشئة. فمستشارة الأمم المتحدة الخاصة كانت تفضل إجراء الانتخابات لكنها من حيث المبدأ لا تعارض تنصيب حكومة جديدة. لكن بعد أن ألقت النزاعات القانونية بظلالها على التصويت بمنح الثقة بباشاغا في المجلس في آذار/مارس، عبّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن تحفظاته بشأن التعيين. في حين لا يقضي دور الأمم المتحدة بالاعتراف رسمياً بحكومة جديدة، فإن انتقادها للتصويت بمنح الثقة أحدث أثر الدومينو على مقاربة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة للمسألة. فحتى هذه اللحظة، وباستثناء روسيا، لم ترحب أي دولة أجنبية بالحكومة الجديدة.

بالنسبة للقوى داخل ليبيا والقوى الخارجية على حد سواء، فإن الخيار يتمثل إما في دعم ميثاق بين النخب لتوجيه المرحلة الانتقالية إلى مرحلة أبعد قليلاً أو التحول فوراً إلى المشاركة الشعبية من خلال الانتخابات. ثمة جهات قوية تدفع في كلا الاتجاهين. فمجلس النواب أعلن تحدياً من نوع ما عندما قرر تجاهل الإشكاليات المحيطة بالتصويت بمنح الثقة في 1 آذار/مارس وأجرى مراسم حلف اليمين لحكومة باشاغا المكونة من 39 عضواً، وكلفه بالحلول مكان الدبيبة كرئيس وزراء مؤقت. الدبيبة، من جهته، مدعوماً بالهيئة الاستشارية التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، والمتمثلة في المجلس الأعلى للدولة، رفض هذا التحرك. وقد ظل باشاغا ووزراؤه حتى الآن في شرق البلاد، لكنهم يتعهدون بتولي مناصبهم في العاصمة طرابلس قريباً جداً.

ليس هناك رغبة في البلاد لإراقة الدماء بسبب نزاع سياسي.

المخاوف من أن يؤدي المأزق إلى عودة إلى الصراع مفهومة؛ إذ يمكن لكل طرف أن يعتمد على المسلحين الموالين له. فمجلس النواب والحكومة الجديدة اللذان يتخذان من المنطقة الشرقية مقراً لهما يتمتعان بدعم المشير خليفة حفتر، قائد القوات التي حاصرت طرابلس عام 2019، وفصائل مسلحة أخرى تدعم باشاغا. ويتمتع الدبيبة وحلفاؤه بدعم باقي القوى المسلحة الليبية في غرب ليبيا. لكن ليس هناك رغبة في البلاد لإراقة الدماء بسبب نزاع سياسي، ويبدو شركاء ليبيا الأجانب غير مستعدين حالياً لدعم تجدد العنف.

رغم ذلك، ثمة مخاطر. ففي حين تعهد باشاغا بعدم استخدام القوة لفرض نفسه رئيساً للوزراء، يمكن للمواجهة السياسية المتنامية أن تدفع الفصائل المسلحة المتحالفة معه إلى التعبئة والحشد لإزاحة حكومة الدبيبة وتنصيب الحكومة الجديدة. علاوة على ذلك حتى لو لم يؤدِ ذلك إلى صراع مفتوح، فإن الانقسام السياسي في ليبيا الذي لم تتم تسويته يمكن أن يزرع بذور أزمة أعمق. وسيعاني الاقتصاد، وكذلك سبل عيش السكان. ويمكن لمحاولات توحيد الجيش أن تتعثر، مع اعتماد الخصوم السياسيين على المسلحين الموالين لهم واستخدامهم كميليشيات خاصة. كما يمكن للتوازن غير المستقر بين الدول الأجنبية ذات الوجود العسكري في ليبيا أن يتداعى.

بدلاً من التمسك بالمواقف المطالِبة بالحد الأقصى والأمل بأن يقبل الطرف الآخر بها، يتعين على الفصائل السياسية الليبية العودة إلى طاولة الحوار والتوصل إلى مسارٍ توافقي إلى الأمام. وينبغي على مجلس النواب أن يأخذ علماً بالتحفظات التي عبرت عنها العواصم الأجنبية فيما يتعلق بتعيين الحكومة الجديدة والامتناع عن دفع هذه الحكومة إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات الرامية إلى تثبيت نفسها في طرابلس. بدلاً من ذلك، ينبغي أن يقبل بالعودة إلى المفاوضات المدعومة من الأمم المتحدة، والتي رفضها البرلمان حتى الآن، للتوصل إلى خريطة طريق جديدة تحظى بدعم سياسي واسع.

في بيئة ما بعد الصراع اليوم التي تسودها ذهنية ’الفائز يأخذ كل شيء‘، يبقى إجراء انتخابات رئاسية منفردة خياراً خطراً.

من الناحية العملية، يمكن أن تُعقد المفاوضات بغرض الاتفاق على واحد من خيارين. بموجب الخيار الأول، يمكن أن تهدف المفاوضات إلى التوصل إلى صفقة أخرى بين النخب حول حكومة جديدة تتعهد الفصائل الليبية المتنافسة بدعمها. وإذا أخفقت جهود التوصل إلى مثل ذلك الاتفاق، يمكن للخيار الآخر أن يتمثل في العودة إلى نقاشات ترمي إلى التوافق على خريطة طريق جديدة. فيما يتعلق بقضية أي انتخابات (برلمانية أو رئاسية) ينبغي أن تجرى وبأي تتابع، ما يزال هناك استقطاب في أوساط الرأي العام والفصائل السياسية وفرص التوصل إلى حل مقبول للجميع ضئيلة. في بيئة ما بعد الصراع اليوم التي تسودها ذهنية ’الفائز يأخذ كل شيء‘، يبقى إجراء انتخابات رئاسية منفردة خياراً خطراً. كما يخاطر فرض صياغة الدستور قبل الانتخابات أيضاً بنشوء عملية طويلة تعزز قوة الوضع الراهن. الخيار الأكثر منطقية، رغم أنه ليس الأكثر شعبية، سيكون إجراء انتخابات برلمانية لتجديد الهيئة التشريعية والسماح لهيئة جديدة بتعيين حكومة جديدة.

رغم ذلك، ليس هناك طريقة صحيحة أو خاطئة للخروج من هذا المأزق. الأولوية الآن هي أن تتوصل الفصائل الليبية المتنافسة إلى مسارٍ توافقي إلى الأمام. علاوة على ذلك، وبصرف النظر عن أي من هذين الخيارين يتبناه الليبيون، من الجوهري أن تبقى العواصم الأجنبية موحدة في دعمها لقرارهم. وينبغي على الطرفين ألا يسمحا بأن تتحول انتخابات 24 كانون الأول/ديسمبر التي أُجهضت إلى ذريعة لتنصيب حكومة جديدة تتحول من حكومة تَعِد بإكمال معالجة ندوب الجراح القديمة، إلى حكومة تفتح جراحاً جديدة.

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.