icon caret Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Line Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Crisiswatch Alerts and Trends Box - 1080/761 Copy Twitter Video Camera  copyview Whatsapp Youtube
القتال في المنطقة النفطية يهدد ليبيا بالانهيار الاقتصادي
القتال في المنطقة النفطية يهدد ليبيا بالانهيار الاقتصادي
الحاجة إلى موقف دولي موحّد لمنع انقسام ليبيا
الحاجة إلى موقف دولي موحّد لمنع انقسام ليبيا
Burned equipment, including a charred and flattened crude oil tank in the background, is seen at the Ras Lanuf crude oil tank farm near Ras Lanuf, Libya, 17 October 2016. CRISIS GROUP/Claudia Gazzini

القتال في المنطقة النفطية يهدد ليبيا بالانهيار الاقتصادي

من شأن الصدامات الدائرة للاستيلاء على حقول النفط الليبية أن تدمر ما تبقى من الاقتصاد الهش للبلاد. إضافة إلى تقديم المساعدات الأمنية، على اللاعبين الدوليين أن يدعموا التسويات بين الفصائل المتناحرة فيما يتعلق بتمويل الدولة واستعادة ليبيا من حافة الهاوية.

لقد رأى الليبيون بوادر أمل في الشهور الأخيرة، مع ازدياد الصادرات النفطية والانتكاسات التي تعرض لها جهاديو تنظيم الدولة الإسلامية. بيد أن تجدد القتال حول الهلال النفطي في البلاد أحدث خللاً في التوازنات غير المستقرة ويهدد البلاد بحدوث انهيار اقتصادي خطير.

بدأت الاضطرابات الجديدة في 7 كانون الأول/ديسمبر، عندما أطلق تحالف للميليشيات هجوماً للاستيلاء على منشآت تصدير النفط في خليج سرت، وهي منطقة تعرف بـ "الهلال النفطي" الذي يشكل أحد شرايين الحياة الاقتصادية لليبيا. انطلقت القوات المهاجمة من الجفرة، جنوب سرت، وتقدمت إلى بن جواد، على بعد حوالي 30 كلم إلى الغرب من أكبر منصة ليبية لتصدير النفط. القوات الموالية للمشير خليفة حفتر، التي تسيطر على المنطقة، ردت بضربات جوية ودفعت القوات المهاجمة إلى العودة إلى الجفرة.

الحكومة الضعيفة في طرابلس، أي المجلس الرئاسي الذي يرأسه رئيس الوزراء فائز السراج والمدعوم من الأمم المتحدة وعدة قوى غربية، نأت بنفسها عن العملية وقالت إنها لم تلعب أي دور في حشد تلك القوة. مجموعة الأزمات حذرت في أيلول/سبتمبر وتشرين الثاني/نوفمبر من أن مثل هذا الهجوم سيكون خطيراً.

بيد أن العديد من الليبيين، بمن فيهم أفراد في الوحدات التي شنت الهجوم، يدّعون بأن العملية تمت بقيادة المهدي البرغثي، وزير الدفاع في حكومة السراج. لقد حذر المسؤولون المقيمون في طرابلس على مدى أشهر من استعدادات تجري لمثل ذلك الهجوم، وزعموا أن البرغثي كان يوفر الغطاء القانوني والأموال للعملية، وينسق استقدام الرجال لها ويقدم الأسلحة.

كان الهجوم يهدف بوضوح إلى توجيه ضربة للقوات التي يقودها حفتر، التي تتحمل عدة مجموعات في طرابلس سيطرتها على الهلال النفطي على مضض، بما في ذلك أعضاء المجلس الرئاسي. استولى حفتر على الهلال النفطي في أيلول/سبتمبر. ومنذ ذلك الحين عزز موقعه التفاوضي، حيث كان قد أسس أصلاً الجيش الوطني الليبي الذي يقوده بصفته القوة السياسية – العسكرية المهيمنة في شرق ليبيا وبسط سيطرته على جزء كبير من بنغازي على مدى عام 2016. بالنسبة للقوات المهاجمة، فإن استعادة السيطرة على الهلال النفطي لن تعني فقط السيطرة على المنصات النفطية هناك، بل أيضاً فتح طرق الإمداد الاستراتيجية إلى بنغازي، حيث تعرضت القوات المتحالفة مع المجلس ضد حفتر لهزائم متتالية منذ بداية العام.

إلا أن استيلاء حفتر على آبار النفط سمح أيضاً بتحقيق زيادة مقدارها 50% في صادرات ليبيا النفطية في وقت تنضب فيه احتياطيات العملة الأجنبية في ليبيا بشكل خطير. كما أن تجدد القتال يأتي في الوقت الذي رحب فيه الليبيون بتحرير سرت من تنظيم الدولة الإسلامية، حيث تم الاستيلاء على الكتل القليلة الأخيرة في المدينة الساحلية التي كانت تحت سيطرة المجموعة الجهادية في 5 كانون الأول/ديسمبر.

سياسياً، تكشف عملية 7 كانون الأول/ديسمبر عن مزيد من الانقسام في الائتلاف الداعم للمجلس الرئاسي ومن المرجح أنه سيزيد من صعوبة التوصل إلى حل تفاوضي للصراع الليبي. على وجه الخصوص، فإن ما يظهر من دور للبرغثي في الهجوم أمر يثير الانقسامات. كان عدد من أعضاء المجلس الرئاسي، إضافة إلى القوة العسكرية الرئيسة في الغرب من مدينة مصراتة، قد عارضوا مثل هذا التصعيد. كما أنه يطرح سؤالاً حول ما إذا كان المجلس الرئاسي ضعيف أصلاً، ويواجه تحديات متزايدة في معسكره، وقد فقد السيطرة على وزارة الدفاع التابعة له. كما أنه يوفر لخصومه في الشرق فرصة الإمعان في تقويض مصداقيته. في 8 كانون الأول/ديسمبر، اليوم التالي للهجوم على المنصات النفطية، ردت القوات المتحالفة مع حفتر بمهاجمة قاعدة براك الجوية، جنوب سرت، مقتربة من مواجهة مع قوات مصراتة المتحالفة مع المجلس الرئاسي التي تسيطر الآن على سرت.

الهجوم على الهلال النفطي

Crisis Group on the Ground Crisis Group's Senior Analyst for Libya, Claudia Gazzini, walks through destroyed crude oil storage tanks in the Sidra tank farm, near Ras Lanuf, Libya, 16 October 2016. مجموعة الأزمات/كلوديا غازيني

هجوم 7 كانون الأول/ديسمبر نفذته جهة تسمي نفسها "غرفة عمليات تحرير الحقول والموانئ النفطية".

طبقاً لمصادر مطلعة على العملية، فإن قوة صغيرة بشكل مدهش تتكون من حوالي 600-800 رجل استقدم معظمهم من بين الأفراد السابقين في مجلس شورى ثوار بنغازي، وهو تحالف عسكري معادٍ لحفتر، ومجموعة عسكرية أخرى تسمى "سرايا الدفاع عن بنغازي". كلاهما ميليشيا يهيمن عليهما الإسلاميون أخرجتا من المدينة الشرقية في وقت سابق من هذا العام. كما أنها تضم رجالاً موالين لإبراهيم جضران، القائد السابق لحرس المنشآت النفطية في المنطقة، التي كان يسيطر عليها قبل استيلاء حفتر عليها في أيلول/سبتمبر. كما شارك أشخاص مقربون من البرغثي بفعالية في العملية؛ مثل إدريس موسى بو قويطين، قائد غرفة العمليات، وأسامة العبيدي، وهو عقيد ألقى الجيش الوطني الليبي القبض عليه في 7 كانون الأول/ديسمبر ونقله إلى مقره في المرج. البرغثي أبلغ المجلس الرئاسي بأنه لم يأمر بالهجوم. إلا أن ثمة أدلة قوية تشير إلى العكس. طبقاً لمصادر في وزارة الدفاع، فإن البرغثي نسق على مدى الشهور الثلاثة الماضية مع السياسي الإسلامي المقيم في قطر إسماعيل الصلابي، وهو أيضاً من بنغازي، وأفراد سرايا الدفاع عن بنغازي في طرابلس استعداداً للهجوم. كما تزعم هذه المصادر أنه كان يأخذ الأموال من موازنة وزارة الدفاع (أموال غير مخصصة لمثل هذه العملية) في حين حصل الصلابي على أموال إضافية من قطر لتجنيد المقاتلين. مصادر في مصراتة تضيف أن البرغثي ومساعديه كانوا يشترون الأسلحة من سوق السلاح المحلية (وهي ممارسة شائعة حتى بالنسبة للمسؤولين في ليبيا، حيث إن حظراً على السلاح يمنع شراءه قانونياً من الخارج).

مصداقية المجلس الرئاسي ووزير دفاعه على المحك. إذا كان صحيحاً أن المجلس لم يكن على علم بالتخطيط للهجوم، وهو ما قاله علناً في بيان أصدره في 7 كانون الأول/ديسمبر، فإن هذا الهجوم يؤكد على ضعفه وعدم قدرته على السيطرة على ما يحدث في المنطقة التي يسيطر عليها (حيث إن الهجوم تم التخطيط له واستقدام المقاتلين الذين شاركوا فيه في طرابلس). من غير المرجح ألا يكون للمجلس أي علم بالهجوم، حيث إن التحضيرات له كانت سراً ذائعاً. في الواقع، قد يكون المجلس، أو بعض أعضائه، من الداعمين السريين للهجوم لتقويض سلطة حفتر واستعادة الهلال النفطي الحيوي. وهذا يؤشر إلى سذاجة سياسية وعسكرية، حيث إن مثل هذا الهجوم كان من غير المرجح نجاحه دون دعم المجموعات المسلحة المصراتية، وهي الأكثر قوة في غرب ليبيا، وكطريقة لمواجهة تفوق حفتر الجوي.

"إننا نموت من الجوع"

مبانٍ دمرت خلال موجات من اندلاع القتال على جانب أحد شوارع بنغازي، 19 تموز/يوليو 2016. مجموعة الأزمات/كلوديا غازيني

بيد أن أكبر التداعيات ذات طبيعة اقتصادية. منذ استولى حفتر على الهلال النفطي في أيلول/سبتمبر، سمح باستئناف الصادرات النفطية من المنصات وبإصلاح المنشآت المتضررة. عائدات هذه المبيعات، التي تقوم بها المؤسسة الوطنية للنفط ومقرها طرابلس تُدفع إلى مصرف ليبيا المركزي. كلا المؤسستان، اللتان سعى المجتمع الدولي إلى الدفاع عن وحدتهما منذ بداية الصراع، تعترفان بالمجلس الرئاسي وتعملان معه. حاولت الحكومة الشرقية الداعمة لحفتر تأسيس فرعان خاصان بها للمؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي، إلا أن حفتر نفسه عمل حتى الآن من خلال رئيس المؤسسة الوطنية للنفط ومقره طرابلس.

الآن، حتى لو توقف هجوم 7 كانون الأول/ديسمبر، فإنه أخلّ أصلاً بالتوازن الدقيق الذي سمح للمؤسسة الوطنية للنفط بالتعاون مع قوات حفتر في الهلال النفطي والتعاون مع المجلس الرئاسي أيضاً. بوسع حفتر الادعاء بأن المجلس سمح باستخدام أموال الدولة لتمويل الهجوم، ومن ثم وقف التعاون مع المؤسسة الوطنية للنفط، وقد يلجأ أيضاً إلى وقف التصدير مرة أخرى.

حتى الآن لم يقم حفتر بمثل هذا التحرك. لكن يبدو أن استمرار تعاونه مشروط بعدم قيام مصرف ليبيا المركزي بدفع الأموال للمجلس الرئاسي من خلال إجراءات خاصة، وهو ما يطلب المجلس وداعموه في المجتمع الدولي من المصرف المركزي فعله. في الوقت الحاضر، مثل هذه الإجراءات مجمدة بسبب الخلافات السياسية بين الكيانات السياسية الليبية المتنافسة – وهو ما قد يكون أحد أسباب حدوث عملية 7 كانون الأول/ديسمبر في المقام الأول.

إذا قام حفتر بالفعل بتقليص الصادرات، فإن هذا سيفرض قيوداً جديدة كبيرة على الاقتصاد الليبي الذي يعاني أصلاً. لقد أدت خسارة الصادرات النفطية بسبب إغلاق الموانئ (عندما كان يسيطر عليها جضران) وإغلاق بنى تحتية حيوية للنفط والغاز في أمكنة أخرى على مدى السنوات الثلاث الماضية قلصت إنتاج النفط بشكل كبير. من ارتفاع بلغ 1.8 مليون برميل يومياً في عهد الزعيم الراحل معمر القذافي، ظل الإنتاج تحت 400,000 برميل يومياً لمعظم عام 2016. منذ فرض حفتر سيطرته على الحقول، بدأ الانتاج بالانتعاش، فوصل إلى 600,000 برميل يومياً في تشرين الثاني/نوفمبر. لقد أدى انخفاض إنتاج النفط، وانخفاض الأسعار والصادرات إلى عجز مالي قُدر بـ 56% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2015، والمتوقع أن يبقى هو نفسه لعام 2016.

على هذا المعدل، يمكن أن تفلس ليبيا مع حلول نهاية عام 2017. يقدر بأن احتياطيات ليبيا من العملة الأجنبية أقل من 40 مليار دولار حالياً، مقارنة بـ 75 مليار في آذار/مارس 2015، وهو آخر رقم معلن رسمياً. حتى لو عاد الإنتاج، طبقاً للسيناريو المتفائل للمؤسسة الوطنية للنفط، إلى 1 مليون برميل يومياً بسعر 50 دولاراً للبرميل، فإن البلاد بالكاد ستتعافى. إنها تعاني أصلاً من أزمة سيولة حادة، مع لجوء المصارف التجارية إلى تقليص السحوبات النقدية. يضطر الليبيون للوقوف لساعات كي يسحبوا 300 دولار يومياً كحد أقصى؛ وتمر أسابيع أحياناً دون وجود سيولة نقدية في المصارف. يباع الدولار الأمريكي بأربعة أضعاف سعره الرسمي في السوق السوداء والتضخم يرتفع باستمرار، حيث إن معظم السلع الغذائية والاستهلاكية مستوردة.

لقد بلغ الإحباط الشعبي حداً جعل امرأة تتسلق إلى أعلى نافورة في مركز مدينة طرابلس، وتخلع نقابها وتصرخ: "إننا نموت من الجوع. هل تريدوننا أن نبيع شرفنا لإطعام أطفالنا؟"

معالجة الانقسام

الغيوم تتناثر في السماء فوق المرج، شرق ليبيا، 16 تموز/يوليو 2016. مجموعة الأزمات/كلوديا غازيني

لم يبذل ما يكفي من الاهتمام بمعالجة انقسام المؤسسات الاقتصادية الليبية الرئيسية، الذي لم ينهه الاتفاق السياسي الليبي الموقع في كانون الأول/ديسمبر 2015. انهارت العلاقة التي طرأ عليها التحسن بين المحافظين المتنافسين لمصرف ليبيا المركزي، الصديق الكبير، ومقره طرابلس، وعلي الحبري، ومقره البيضاء في الشرق، في مطلع حزيران/يونيو عندما سمح الحبري بتوزيع الأوراق النقدية التي طبعت في روسيا. لم يفعل المجلس الرئاسي شيئاً يذكر لمعالجة هذه القضية، وفي تشرين الثاني/نوفمبر، تدخل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ومسؤولين دوليين آخرين بشكل شخصي لتحسين العلاقات المتدهورة على نحو متزايد بين الكبير والمجلس الرئاسي. وعلى نحو مماثل، فإن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله ومقره طرابلس، ونظيره ناجي المغربي ومقره بنغازي، واللذان كانا قد اتفقا على العمل معاً هذا الصيف، لم يتواصلا منذ تشرين الأول/أكتوبر. ويواجه صنع الله مشاكله الخاصة في التعامل مع المجلس.

"في هذا السياق السياسي الفوضوي، من الجوهري تحقيق الاستقرار في اقتصاد البلاد ومنع المزيد من تدمير المنشآت النفطية والغازية. حتى في غياب تسوية سياسية شاملة ثمة خطوات مهمة يمكن اتخاذها."

أولاً، على المجلس الرئاسي وداعميه الدوليين أن يقوموا على نحو عاجل بمنع أي تصعيد إضافي في خليج سرت. يتمثل أحد سبل فعل ذلك بإطلاق المجلس الرئاسي لتحقيق في هجوم 7 كانون الأول/ديسمبر بهدف تحديد المسؤول عن تنظيم محاولة الهجوم على منصات النفط. يمكن لمثل هذه الخطوات أن تساعد في تخفيف حدة التوتر، وإعادة فرض سلطة المجلس وتمكين التوصل إلى إجماع من ضمان عودة التدفقات المالية إليه.

"في هذا السياق السياسي المضطرب، من الجوهري تحقيق الاستقرار لاقتصاد البلاد ومنع المزيد من تدمير منشآت النفط والغاز."

ثانياً، فيما يتعلق بالاعتبارات الاقتصادية، على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يعيد فرض حظره الصارم، الوارد في قرار مجلس الأمن رقم 2146 على بيع النفط خارج القنوات القانونية. وينبغي أن يصر على المبدأ القائل بوجوب أن تسمح القوات العسكرية التي تسيطر على منشآت النفط والغاز بوصول المؤسسة الوطنية للنفط، دون عوائق، إلى مثل تلك المنشآت وتشغيلها. من شأن الالتزام بهذا المبدأ أن يقلص التوتر المتنامي لدى المجلس الرئاسي حيال وضعه المالي الصعب والمساعدة في منع احتمال حدوث كارثة اقتصادية في العام القادم.

ثالثاً، على الأمم المتحدة وداعمي العملية الدبلوماسية في ليبيا، الآن أكثر من أي وقت آخر، دراسة ضرورة وجود مسار اقتصادي جدي يشجع الفصائل المختلفة، حتى لو استغرقت وقتاً للتوصل إلى تسوية سياسية، على اتخاذ إجراءات مؤقتة لمعالجة التحديات الاقتصادية العاجلة.

عسكرياً، اتسم الصراع في ليبيا، بالمقارنة مع سياقه الإقليمي، بأنه ذو شدة متدنية نسبياً. إن إبقاءه على هذا النحو، وتعزيز هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في سرت والمتطرفين في أماكن أخرى، وتسوية الصراع في النهاية، يتطلب معالجة الانقسامات السياسية، وهي عملية تبين أنها محبطة جداً وواجهت العديد من العقبات خلال العام الماضي. ينبغي لوسيلة جديدة لإنعاش الأمل بالتوصل إلى تسوية سياسية أن تبدأ بمعالجة المشاكل الاقتصادية التي تلوح في الأفق قبل أن تصبح أكثر خطورة، والتوصل إلى تسويات اقتصادية تساعد في حل المشاكل العاجلة في الحوكمة. بعبارة أخرى، وسط التركيز الضروري على النجاح في تحقيق التوازنات الأمنية في ليبيا، على صناع السياسات ألا ينسوا معالجة القاعدة الاقتصادية للبلاد.

Contributors

Consulting Senior Analyst, Libya
ClaudiaGazzini
Former Project Director, North Africa
boumilo
Libya's security forces parade at the Martyrs' Square in the capital Tripoli on February 17, 2022, as Libyans commemorate the 11th anniversary of the uprising that toppled longtime strongman Muammar Kadhafi. Mahmud Turkia / AFP

الحاجة إلى موقف دولي موحّد لمنع انقسام ليبيا

Libya again has two rival administrations pressing claims to be the rightful government. Both sides have armed loyalists. Outside powers should join hands to help stop them from clashing once more.

تقف ليبيا مرة أخرى على مفترق طرق خطير. ففي 1 آذار/مارس، صوّت برلمان البلاد الذي يتخذ من طبرق مقراً له، مجلس النواب الليبي، بالمصادقة على حكومة مؤقتة جديدة يرأسها وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، ليعطيها بذلك الضوء الأخضر لتولي السلطة بدلاً من رئيس الوزراء الحالي، عبد الحميد الدبيبة. يصر أنصار التصويت أن الإجراء كان سليماً، بينما تقول فصائل في العاصمة طرابلس إنه كان حافلاً بالتزوير. وترفض هذه الفصائل الحكومة الجديدة وتعارض تعيين سلطة تنفيذية جديدة بشكل مطلق. ومع تصلب موقف المعسكرين، باتت نُذُر تجدد القتال واضحة للمرة الأولى منذ أنهى وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2020 ست سنوات من النزاعات السياسية والصراعات المتقطعة. لقد قامت مجموعات مسلحة متحالفة مع الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها فعلاً بإغلاق المجال الجوي الليبي لمنع الوزراء الحاليين من السفر إلى طبرق للمشاركة في مراسم أداء اليمين لباشاغا. ومع استعداد فصائل أخرى للمواجهة، فإن ما سيحدث تالياً سيعتمد إلى حد بعيد على رد فعل القوى الأجنبية. إذ إن رداً دولياً منقسماً من شأنه أن يشجع على الانقسام المؤسساتي والتعبئة العسكرية. في حين أن إدانة دولية موحدة لاستخدام القوة، مصحوبة بدعوة الليبيين للتوصل إلى مسارٍ توافقي إلى الأمام بمساعدة الأمم المتحدة من شأنها أن تجنبهم هذا السيناريو.

يخاطر تصويت 1 آذار/مارس بتقسيم الحكومة المؤقتة الموحدة التي تشكلت في الأشهر التي تلت وقف إطلاق النار الذي أعلن في تشرين الأول/أكتوبر 2020. جمعت تلك الحكومة مركزي القوى المتنافسين في البلاد، ذاك الموجود في طرابلس والآخر الموجود في طبرق، اللذان تَشكلا بعد أن أدت انتخابات برلمانية طُعن بنتائجها إلى انقسام البلاد إلى قسمين في عام 2014. ولقد بُذلت جهود لتنصيب حكومة جديدة منذ مطلع عام 2022، لكن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أجّلت انتخابات رئاسية كان من المقرر إجراؤها في 25 كانون الأول/ديسمبر إلى أجل غير مسمى، متذرعة بوجود خلافات قانونية تتعلق بالمرشحين لأعلى منصب في البلاد.

طرح المعسكران السياسيان المتنافسان الرئيسيان أفكاراً متعارضة للخروج من المأزق.

ومنذ ذلك الحين، طرح المعسكران السياسيان المتنافسان الرئيسيان أفكاراً متعارضة للخروج من المأزق. المجموعة التي تتخذ من طبرق مقراً لها، والتي تضم رئيس البرلمان عقيلة صالح، والمشير خليفة حفتر (الذي قاد القوات التي حاصرت طرابلس عام 2019) والفصائل التي تتخذ من طرابلس مقراً لها والتي تريد إسقاط الدبيبة، قالت إنه ينبغي على السياسيين تشكيل حكومة جديدة وتعديل مسودة للدستور قبل الانتخابات الجديدة. أما المجموعة الأخرى، التي تضم الكتل السياسية الرئيسية في غرب ليبيا، فتريد إبقاء الدبيبة في السلطة إلى أن يتم انتخاب هيئة تشريعية جديدة تستطيع اختيار سلطة تنفيذية جديدة. حتى الشخص الذي يسعى للوصول إلى الرئاسة، سيف الإسلام القذافي، ابن الديكتاتور الراحل، المختلف تاريخياً مع المعسكر الثاني، عبّر عن الحاجة إلى إبقاء حكومة الدبيبة في منصبها والمضي قدماً في إجراء انتخابات تشريعية.

تعمق الاستقطاب بين هذين المعسكرين الواسعين بعد 10 شباط/فبراير، عندما عين المجلس باشاغا رئيس وزراء مكلفاً بتشكيل حكومة بحلول نهاية الشهر. وأتى هذا التعيين نتيجة لاتفاق بين باشاغا، وصالح، وحفتر وحلفاء كل منهم في المجلس. في البداية، حظي الاتفاق بموافقة خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، وهو المجلس الخصم الذي يتخذ من طرابلس مقراً له. إلا أن المشري سحب دعمه في أواخر شباط/فبراير، فيما يبدو تحت ضغوط من عدة أعضاء في المجلس الرئاسي الذي يرأسه، الذين عارضوا التحرك نحو تنصيب حكومة جديدة. رد المعسكر الموالي للدبيبة على مناورات المجلس بإعلان أن الحكومة كانت تعمل بموجب خارطة طريق خاصة بها لإجراء انتخابات تشريعية في حزيران/يونيو. وقالوا إنه لا يحق لبرلمان طبرق تعيين سلطة تنفيذية جديدة وإن الدبيبة سيسلم السلطة فقط لخليفة يحظى بالتأييد في انتخابات شعبية.

وقد عكست الانقسامات بين الجهات الفاعلة الخارجية الانقسامات الليبية. فالقاهرة وموسكو منحتا مباركتهما الأولية لجهود المجلس في تنصيب حكومة جديدة، اعتقاداً منهما على ما يبدو بأن ليبيا ستستفيد من وجود تحالف بين أعداء سابقين مثل باشاغا وحفتر. وبداية بمطلع عام 2022، دعم المسؤولون المصريون بشكل فعال التوصل إلى تفاهم بين المعسكرين والمضي إلى تنفيذ الخطة استناداً إلى اتفاقهما. تركيا، وفي حين أنها تحتفظ بعلاقات ودية مع باشاغا، تمسكت بالدبيبة ودعت إلى إجراء انتخابات جديدة، معوّلة على أن تشكل الانتخابات ضمانة أفضل للاستقرار طويل الأمد. الإمارات العربية المتحدة دعمت الدبيبة، في حين أن خصمها الخليجي، قطر، أجرت اتصالات حذرة مع باشاغا بينما استمرت في تقديم الدعم المالي لحلفائها التقليديين المتحالفين مع الدبيبة. في الواقع، فإن تحالفات الأنظمة الملكية الخليجية تغيرت؛ فقبل ما لا يزيد عن عام، كانت أبو ظبي تدعم حفتر عسكرياً، في حين كانت الدوحة تقدم دعماً دبلوماسياً ومالياً للسلطات التي تتخذ من طرابلس مقراً لها. وسط هذه التغيرات السريعة، تبنت الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى موقف: 'لننتظر ونرى'.

لم تعارض الأمم المتحدة محاولة استبدال الحكومة. لكن المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفاني ويليامز، فرضت شروطاً للقبول بهذا التحرك. أولاً، قالت إنه ينبغي أن يكون تعيين الحكومة الجديدة "توافقياً" وأن يشارك فيه المجلس الأعلى للدولة. ثانياً، ينبغي أن يكون التصويت بمنح الثقة برئيس الوزراء الجديد شفافاً وأن يحقق المتطلبات القانونية – رغم أن مكتبها لم يوضح ماهية هذه المتطلبات. وقال دبلوماسيون أجانب إن التصويت سيكون شرعياً فقط إذا دعم 50% من أعضاء المجلس زائداً واحداً الحكومة الجديدة. لكن أعضاء المجلس قدموا تفسيراتهم الخاصة. نقطة أخرى تفتقر إلى الوضوح كانت العدد اللازم من أعضاء المجلس لتحقيق النصاب. فالكثير من أعضائه الأصليين البالغ عددهم 200 كانوا قد انشقوا والتحقوا بالسلطات التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، وقالوا إنهم سيقاطعون الإجراءات أو كانوا قد استُبدلوا أصلاً. وقدم المشرعون تقديرات متناقضة للأمم المتحدة بشأن العدد المتبقي من البرلمانيين، حيث يتراوح بين 164 و188. ونتيجة لذلك، تراوحت تقديرات النصاب اللازم للتصويت بمنح الثقة بين 82 و94. وبعد أن سحب المجلس الأعلى للدولة دعمه، عرفت وليامز أن شرطها الأول لن يتحقق ولم تكن متأكدة من أن شرطها الثاني سيتحقق أيضاً.

التصويت البرلماني الذي جرى في 1 آذار/مارس لمنح الثقة جعل الأمور أسوأ. طبقاً للعد الذي أجراه رئيس المجلس، بلغ عدد الحاضرين 101 عضواً، صوّت 92 منهم لصالح الحكومة. كان هذا العدد قريباً من التقديرات السابقة للنصاب أو أعلى منها. إلا أن مقطع فيديو أظهر أن عدد الحاضرين كان أقل من 101، وتمت قراءة 88 اسماً فقط خلال المناداة بالأسماء من أجل التصويت. ولم يكن عدد البرلمانيين الذين لفظوا كلمة "ثقة" واضحاً لأنهم لم يتحدثوا في الميكروفونات. في 2 آذار/مارس، أوضح البرلمان أن التباين في الأعداد كان ناجماً عن أن ثمانية أعضاء في البرلمان كانوا قد اتصلوا من مواقع بعيدة لأسباب أمنية أو صحية، في حين فضّل آخرون التصويت دون إعلان أسمائهم بعد تلقيهم تهديدات من مجموعات مسلحة داعمة للدبيبة. كما غيّر المجلس العدد الكلي لأولئك الذين صوتوا لصالح الحكومة الجديدة فرفعه إلى 96، ما أضاف إلى عدم الوضوح. قال باشاغا إن التصويت كان "واضحاً وشفافاً" وتعهد بمباشرة مهام منصبه في طرابلس "بطريقة سلمية". لكن في اليوم التالي، وصف الدبيبة التصويت بمحاولة "انقلاب" جرت من خلال التزوير. في 3 آذار/مارس، أدى باشاغا ومعظم وزرائه اليمين لاستلام مناصبهم في طبرق. وفي تلك المناسبة، ذكر رئيس المجلس أسماء النواب الـ 96 الذين كانوا قد أيدوا الحكومة الجديدة، في محاولة أخيرة لتبديد الشكوك بشأن التصويت بمنح الثقة.

[هذا الصراع على السلطة] يخاطر بتقويض جهود إعادة الإعمار والاقتصاد بشكل عام.

يمكن لهذا الصراع على السلطة أن يعطل الهدوء الذي تمتعت به ليبيا منذ وقّعت الفصائل على اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2020. ويخاطر بتقويض جهود إعادة الإعمار والاقتصاد بشكل عام. كما أن الخصوم السياسيين باتوا أكثر اعتماداً على الولاءات المسلحة. إذ يُذكر أن المسلحين المتحالفين مع حكومة طرابلس احتجزوا وزيرين، ومنعوهما من القيام بواجباتهما. ومن غير الواضح كيف سترد القوات التي يقودها حفتر، والتي تسيطر على شرق البلاد والمتحالفة مع حكومة باشاغا. فخطر الحرب يعتمد على الإجابة على هذا السؤال وعلى ما يقرر الداعمون الخارجيون للطرفين فعله. حتى الآن، يبدو من غير المرجح أن يحمل الخصوم في الحرب الأهلية السلاح من جديد بسبب الإعياء العام من الحرب. ولا يبدو أن القوى الخارجية راغبة بتجدد الصراع. رغم ذلك، فإن العداء المتزايد بين الحكومتين يمكن أن يغير هذه الحسابات.

كما يمكن للتحولات الجيوسياسية أن تؤثر أيضاً في التوترات في ليبيا. فالتوازن القلق بين تركيا وروسيا، ولكلتيهما طواقم عسكرية في ليبيا، يمكن أن يتغير بسرعة. تركيا متحالفة مع حكومة طرابلس. وروسيا نشرت طائرات مقاتلة ومتعاقدين عسكريين خاصين من مجموعة فاغنر لدعم القوات التي يقودها حفتر في الحرب التي دارت بين عامي 2019 و2020، وفي حين أنها نقلت لاحقاً بعض أصولها إلى مناطق أخرى، فإنها تحتفظ بوجود على الأرض إلى جانب حفتر. ومع اشتداد حدة القتال في أوكرانيا، يصبح ثمة خطر من امتداد الصراع وجر ليبيا إلى حرب جديدة بالوكالة. حتى الآن، فإن موسكو هي العاصمة الأجنبية الوحيدة التي رحبت رسمياً بحكومة باشاغا. إن مواجهة الكرملين مع الغرب بشأن أوكرانيا تجعل من استراتيجيته في ليبيا غير قابلة للتنبؤ.

أما العواصم الأخرى فقد احتفظت بصمت يصم الآذان، ربما بانتظار معرفة طبيعة ردّ الأمم المتحدة. في 2 آذار/مارس، قال الأمين العام للأمم المتحدة إن التصويت "لم يحقق المعايير المتوقعة في الشفافية والإجراءات وشمل أعمال تخويف قبل انعقاد الجلسة". ومن المرجح أن تدفع هذه الصياغة القوى الأجنبية باتجاه رفض الاعتراف بالحكومة الجديدة، الأمر الذي من شأنه أن يشكل ضربة لداعمي الاتفاق بين باشاغا وحفتر.

رغم انقسامات الجهات الفاعلة الأجنبية، فإنها ينبغي أن تتحدث بصوت واحد في الضغط على جميع الأطراف الليبية لإظهار ضبط النفس وإدانة الاحتجاز القسري لأنصار الحكومة الجديدة. ينبغي أن يكون هذا الحد الأدنى من التوافق الدولي قابلاً للتحقق، بالنظر إلى أن القوى الخارجية لها مصلحة مشتركة في منع العودة إلى ليبيا مقسمة أو الانزلاق إلى حرب أهلية في لحظة تشهد اضطرابات جيوسياسية كبيرة. ينبغي على الطرفين في ليبيا القبول بوساطة الأمم المتحدة للخروج من مأزقهما والعودة إلى التفاوض على خارطة طريق سياسية واقعية للتقدم إلى الأمام. ولا بد من الإقرار بأن التوصل إلى التوافق بين الحكومتين المتنافستين ليس سهلاً، لكن لدى كل منهما أسباب ودوافع تجعلهما يقبلان الوساطة الخارجية. فحكومة باشاغا لن تعمر طويلاً إذا لم تحظَ باعتراف دولي واسع أو تتمكن من الوصول إلى أموال الدولة (وكلا الأمرين سيكون صعباً دون دعم الأمم المتحدة). وتخاطر حكومة الدبيبة بالخسارة إذا بدأت الدول الأعضاء بمنح اعترافها للحكومة الجديدة. ينبغي على مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني ويليامز دعوة الطرفين للامتناع عن ممارسة العنف وحثهما على القبول بمسعاها للوساطة. وعلى الحكومات الأجنبية أن تحذو حذوها في الدعوة إلى المفاوضات.