Arrow Left Arrow Right Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Twitter Video Camera Youtube
استغلال الفوضى: القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية
استغلال الفوضى: القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية
الضربات العسكرية لا تشكل رداً بسيطاً على صعود القاعدة في اليمن
الضربات العسكرية لا تشكل رداً بسيطاً على صعود القاعدة في اليمن
Kobani’s central market destroyed by mortars from the Islamic State, December 2014. MAGNUM/Lorenzo Meloni

استغلال الفوضى: القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

الملخص التنفيذي

بات تنظيم الدولة الإسلامية، والمجموعات المرتبطة بالقاعدة، وبوكو حرام وغيرها من الحركات المتطرفة لاعبين رئيسيين في أخطر الأزمات الراهنة، ما يعطل الجهود المبذولة لإنهائها. لقد استغلت هذه المنظمات الحروب، وانهيار الدول والاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، واكتسبت أكثر من موطئ قدم في أفريقيا وباتت تشكل تهديداً متنامياً في مناطق أخرى. إن عكس المكاسب التي حققتها هذه المجموعات يتطلب تحاشي الأخطاء التي ساعدت على ظهورها في المقام الأول. وهذا يعني التمييز بين المجموعات ذات الأهداف المختلفة؛ واستخدام القوة بشكل أكثر حكمة؛ وطرد المسلحين فقط عندما يكون هناك خطة قابلة للحياة لما سيحدث بعد ذلك؛ ومحاولة فتح خطوط اتصال، حتى مع المتشددين. كما أن من الحيوي أيضاً وقف تصاعد الأزمات التي تتغذى هذه التنظيمات عليها، ومنع أزمات أخرى من الظهور، وذلك بحثّ القادة على الانخراط في الحوار، وإشراك جميع الأطراف، والقيام بإصلاحات والرد بتعقل على الهجمات الإرهابية. الأكثر أهمية هو ألاّ تصرف الإجراءات المتخذة ضد "التطرف العنيف" الاهتمام عن التهديدات الأكثر خطورة أو تعميقها، خصوصاً مفاقمة التنافس بين القوى الرئيسية والإقليمية.

لقد اتسع وصول "الجهاديين" (وهو مصطلح تستخدمه مجموعة الأزمات كارهة لكنه مصطلح تستخدمه المجموعات التي يغطيها هذا التقرير للتعريف عن نفسها؛ وثمة شرح أوفى لاستخدامه في الصفحة 2) بشكل دراماتيكي على مدى السنوات القليلة الماضية. باتت بعض الحركات قوى متمردة قوية، تسيطر على الأراضي، وتحلّ محل الدولة وتحكم بمزيج محسوب من الإكراه والاستمالة. ليس هناك ما يشير إلى أنه يمكن هزيمتها بالوسائل العسكرية وحسب. لكنها تتبنى، وبدرجات متفاوتة، أهدافاً لا تتوافق مع نظام الدولة – الأمة، ويرفضها معظم الناس في المناطق المتأثرة، ويصعب القبول بها في التسويات التفاوضية. يبدو معظمها قادراً على البقاء وعلى التكيّف مع الديناميكيات المتغيرة. إن جغرافيا الأزمة اليوم تعني أن مجموعات مماثلة ستشعل العديد من حروب الغد.

لقد أعاد تنظيم الدولة الإسلامية تشكيل المشهد الجهادي؛ حيث إن استراتيجيته أكثر دموية من استراتيجية القاعدة، التي انشق عنها عام 2013؛ وباتت خلافته المعلنة موجودة في جزء كبير من العراق وسورية وتستولي على شريط ساحلي في ليبيا؛ ويتطوع للقتال فيها آلاف الأجانب وعشرات الحركات؛ وتشن هجماتها في العالم الإسلامي والغرب. بانخراط التنظيم في القتال على جبهات متعددة – ضد حلفاء إيران، والأنظمة السنية والغرب – فإنه نسج معاً الخيوط الطائفية، والثورية والمعادية للإمبريالية في الفكر الجهادي. قيادة التنظيم عراقية على الأغلب، إلاّ أن قواعده متنوعة؛ حيث يضم مقاتلين أجانب ومحليين يؤمنون بحلول نهاية العالم، ويشكل بالنسبة للبعض مصدراً للحماية، وللبعض الآخر وسيلة للارتقاء الاجتماعي، ولغيرهم مصدراً لغاية يعملون على تحقيقها، مع وجود شرائح فيه تهدف إلى تعزيز الخلافة، والاستيلاء على بغداد أو حتى على مكة، وجرّ الغرب إلى معركة تنذر بنهاية العالم. لكن بشكل أساسي، فإن ظهوره يعكس التاريخ العراقي والسوري الحديث، وإقصاء السنة، والتردي الأخلاقي بعد الغزو الأمريكي الكارثي، والمعاملة القاسية في ظل حكم رئيس الوزراء نوري المالكي، ووحشية نظام الرئيس بشار الأسد وحلفائه. ينبغي لأي رد أن يأخذ بالاعتبار الوجوه المتعددة لتنظيم الدولة الإسلامية. إلاّ أنه ينبغي، أكثر من أي شيء آخر، أن يعالج معاناة السنة في الشرق والشعور الخطير بأنهم ضحايا، وهو الشعور الذي ساعد على انتشار التنظيم في سائر أنحاء العالم العربي السني.

القاعدة، التي طغى عليها ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، تطورت هي أيضاً. لا تزال المجموعات المرتبطة بها في المغرب، والصومال، وسورية واليمن قوية، وبعضها أقوى من أي وقت مضى. التحم بعضها بالمجموعات المسلحة المحلية، وأظهر درجة من البراغماتية والحذر حيال قتل المسلمين والحساسية للأعراف المحلية. حول حوض بحيرة تشاد، تحولت بوكو حرام، وهي الأخيرة في سلسلة من الحركات الإحيائية المتجذرة في الاقتصاد السياسي المهمش والعنف البنيوي في شمال نيجيريا، من طائفة معزولة إلى تهديد إقليمي، رغم أن انضمامها الرسمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية لم يغير الكثير فيها. كما أن حركات ذات مشارب مختلفة – طالبان الأفغانية القومية إلى حد بعيد، والتي عادت إلى البروز مع انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، والمجموعات الباكستانية التي تضم حركات طائفية، والمقاتلين القبليين الذين يقاتلون الدولة المركزية والعناصر المتمركزين في كشمير أو أفغانستان والمتحالفين مع المؤسسة العسكرية الباكستانية – هذه الحركات تشكل مشهداً جهادياً متغيراً في جنوب آسيا.

إن جذور هذا التوسع تتحدى أي توصيف نوعي. تتفاوت أنماط التطرف من بلد إلى آخر، ومن قرية إلى أخرى، ومن فرد إلى فرد. لقد لعب الحكام المستبدّون، والإقصاء السياسي، والتدخلات الغربية الخاطئة، وفشل الحوكمة، وانغلاق مجالات التعبير السياسي السلمي، وانعدام الثقة بالدولة في المناطق الريفية النائية المهملة، وتراجع سلطة النخب التقليدية وانعدام الفرص المتاحة لعدد متزايد من السكان من فئة الشباب، لعب كله دوراً في ذلك. كما كان لتلاشي جاذبية الأيديولوجيات الأخرى، خصوصاً الإسلام السياسي السلمي الذي تبنته حركة الإخوان المسلمين – المنافس الأيديولوجي الرئيسي للجهاديين – التي أُضعفت بإطاحة الرئيس محمد مرسي وما تلاها من قمع في مصر. وقد ساعدت الأنشطة الدعوية للتيارات الإسلامية غير المتسامحة، في بعض الأماكن، على تهيئة الأرضية. إن التيارات الطائفية المنتشرة في جزء كبير من العالم الإسلامي تتعزز بوجود تنظيم الدولة وفي الوقت نفسه تقدم له العون.

لكن إذا كانت الجذور معقدة، فإن المحفز واضح بما فيه الكفاية. لقد وفّر انزلاق معظم الثورات العربية التي اندلعت عام 2011 إلى الفوضى فرصة كبيرة للمتطرفين. لقد حشدت هذه الحركات قواها مع تفاقم وتطور الأزمات، ومع تدفق الأموال، والأسلحة والمقاتلين، ومعها تصاعد العنف. إن تنامي العداء بين الدول يعني أن قلق القوى الإقليمية من المتطرفين أقل من قلقها من التنافس التقليدي، وأنها تستخدم الحرب ضد تنظيم الدولة ضد أعداء آخرين أو تتساهل مع الجهاديين ليحاربوا نيابة عنها. في الشرق الأوسط بشكل خاص، يشكل توسع الجهاديين نتاجاً لعدم الاستقرار أكثر منه دافعاً رئيسياً له؛ ويعود إلى التطرف الذي يحدث خلال الأزمات وليس قبلها؛ وهو مدين للاقتتال بين أعدائهم أكثر مما هو مدين لنقاط قوتهم. نادراً ما تستطيع مثل هذه الحركات تعزيز قوتها أو الاستلاء على أراضٍ خارج منطقة حرب أو دولة منهارة.

إن العوامل الجيوسياسية تعيق القيام برد متماسك. ينبغي أن تكون نقطة البداية إعادة عقارب التنافس السعودي – الإيراني الذي يدفع التطرف السني والشيعي، ويعمق الأزمات في سائر أنحاء المنطقة، ويشكل أحد أخطر التهديدات للسلم والأمن الدوليين اليوم، إلى الوراء. كما أن تخفيف حدة التوترات – بين تركيا والمقاتلين الأكراد، على سبيل المثال، وتركيا وروسيا، والأنظمة العربية المحافظة والإخوان المسلمين، والباكستان والهند، وحتى روسيا والغرب – أمر جوهري أيضاً. في ليبيا، وسورية واليمن، يتطلب التعامل مع الجهاديين تشكيل أنظمة جديدة تتسم بما يكفي من الجاذبية لاستنزاف صفوفهم وتوحيد قوى أخرى. إن أياً من هذا ليس سهلاً بطبيعة الحال. إلاّ أن مضاعفة الجهود لتضييق خطوط التصدع الأخرى سيكون أكثر حكمة من مجرد إخفائها والتوهم بالتوصل إلى إجماع ضد "التطرف العنيف".

كما أن من الحيوي التعلّم من الأخطاء التي ارتكبت منذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر (2001). رغم الصلات والروابط العابرة للقوميات التي تربط بعض الحركات، فإن كل حركة متمايزة وذات جذور محلية؛ ويتطلب كل منها رداً يتناسب مع سياقها. إلاّ أن جميع هذه الحركات يمكن أن تشكل مآزق متشابهة وأن تستثير ردود فعل خاطئة متشابهة. ينبغي على القوى الرئيسية والإقليمية والحكومات في المناطق المتأثرة القيام بما يلي:
 

  • التفريق لا الجمع: إن استعداء الإسلاميين غير العنيفين، وخصوصاً الإخوان المسلمين، المستعدين للقبول بالتعددية السياسية والدينية والانخراط في السياسة يحدث أثراً عكسياً. كما أن من المهم التمييز بين الحركات الساعية للحصول على مكان داخل النظام الدولي وتلك التي ترغب بتقويضه. حتى تنظيم الدولة الإسلامية، وفروعه المحلية والمجموعات المرتبطة بالقاعدة، ورغم انتمائها إلى الفئة الثانية، فهي ليست ذات تركيبة أحادية متشابهة. في هذه المجموعات نوى صلبة ملتزمة بأهداف عابرة للأوطان، إلاّ أن لأفرادها العاديين دوافع متنوعة، وغالباً محلية ويمكن لولاءاتها أن تتغير، بل ربما أن يتم تغييرها، بتغير الظروف. ينبغي على الحكومات التفريق حتى بين الحركات الراديكالية بهدف إنهاء العنف، بدلاً من حشر حركات أخرى تبحث عن سبب للقتال معها في نفس التصنيف.
     
  • الاحتواء في غياب خيار آخر أفضل: ينبغي أن يكون للقوى الأجنبية دائماً خطة قابلة للحياة للخطوة التي تعقب طرد المسلحين؛ وينطبق الأمر ذاته على سياسات  الحكومات  تجاه أراضيها النائية.
    إن الاستراتيجية المتبعة اليوم في العراق، والمتمثلة بتدمير المدن لإلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة على أمل أن يستعيد الزعماء السنة في بغداد شرعيتهم المفقودة من خلال إعادة الإعمار، من غير المرجح أن تعالج مظالم السنة أو توفر الظروف التي يمكنهم فيها تشكيل هوية سياسية جديدة. في ليبيا، ستكون عمليات القصف العنيفة أو نشر الجنود الغربيين ضد تنظيم الدولة دون تسوية سياسية أوسع أمراً خاطئاً، ومن المرجح أن يعمق حالة الفوضى. في كلتا الحالتين، سيحمل إبطاء العمليات العسكرية مخاطر جسيمة لكن، دون وجود بديل عملي، فإنه يشكل الخيار الأسلم – بالنسبة لأولئك الذين يفكرون بالتدخل وأولئك الموجودين في المناطق المتأثرة على حد سواء.
     
  • استخدام القوة بشكل أكثر حكمة: رغم أن القوة ينبغي أن تكون عادة جزءاً من الرد، فإن الحكومات تسرعت بالشروع في الحرب. إن الحركات المتجذرة في المجتمعات المحلية، التي تستغل مظالم حقيقية وفي بعض الأحيان تتلقى دعماً أجنبياً يصعب اقتلاعها، مهما كانت أيديولوجيتها غير جذابة. تظهر الحروب في الصومال وأفغانستان نواقص تعريف الأعداء على أنهم إرهابيون أو متطرفون عنيفون ومضافرة الجهود لبناء مؤسسات دولة مركزية من خلال العمل العسكري ضدهم في غياب استراتيجية سياسية أوسع تشمل المصالحة. كما لا يمكن تكرار مقاربة الأرض المحروقة التي اتبعتها روسيا في الشيشان – حتى بصرف النظر عن الكلفة البشرية – في المناطق المتأثرة اليوم، بالنظر إلى الحدود القابلة للاختراق، والدول المنهارة والحرب بالوكالة.
     
  • احترام القواعد: في كثير من الأحيان، فإن العمل العسكري ضد المتطرفين يساعدهم في تجنيد المقاتلين أو يترك مجتمعات محلية عالقة بين حكمهم القاسي والعمليات التي تُشن ضدهم دون تمييز بين مدنيين ومقاتلين. تُعد قدرة الجهاديين على توفير الحماية من افتراس الأنظمة، والميليشيات الأخرى أو القوى الأجنبية بين أكبر ميزاتهم، وتلعب دوراً أكثر محورية في نجاحهم مما يلعبه العامل الأيديولوجي. في حين أن هؤلاء يرتكبون الفظائع، فإنهم يقاتلون في صراعات تنتهك فيها جميع الأطراف القانون الإنساني الدولي. ينبغي أن تكون استعادة العمل بالقواعد أولوية.
     
  • الحد من عمليات القتل المستهدف: يمكن للضربات الجوية التي توجهها الطائرات بدون طيار، في بعض الأماكن، أن تعيق عمليات المجموعات وقدرتها على ضرب المصالح الغربية وحركة قادتها. لكنها تغذي الاستياء من الحكومات المحلية والغرب. تتمكن الحركات من تجاوز مقتل قادتها، وغالباً ما يكون القادة الذي يحلون محلهم أكثر تشدداً. يصعب التنبؤ بأثر عمليات القتل هذه على إقامة نظام مستقر بشكل معقول؛ أما فعل ذلك وسط حرب حضرية واقتتال بين الجهاديين – مع مواجهة القاعدة وآخرين لتنظيم الدولة – فهو مستحيل. حتى إذا وضعنا جانباً مسائل السرية، والقانونية والمساءلة، فإن عمليات القتل المستهدف لن تنهي الحروب التي يشنها الجهاديون أو تضعف معظم الحركات بشكل حاسم.
     
  • فتح خطوط اتصال: رغم الصعوبات، على الحكومات أن تكون أكثر استعداداً للتحدث، حتى مع المتطرفين. على سبيل المثال، فقد تمت إضاعة فرص في الانخراط بطرق كان من شأنها أن تؤدي إلى تخفيف حدة العنف – مع بعض قادة حركتي طالبان والشباب، وبوكو حرام وأنصار الشريعة في ليبيا. إن القرار حول ما إذا كانت مجموعة ما غير قابلة للمصالحة هو قرار قادتها، وليس قرار الحكومات. رغم أنه لا يمكن أن يكون لدى صُنّاع السياسات أية أوهام حيال طبيعة القيادات العليا لتنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، فإن فرص فتح خطوط اتصال غير رسمية، وسرية، من خلال قادة المجتمعات المحلية، والوسطاء من غير الدولة أو آخرين، تستحق المحاولة، وخصوصاً فيما يتعلق بالقضايا الإنسانية، عندما يكون هناك مصالح مشتركة.
     
  • تضييق أجندة "مواجهة التطرف العنيف": باعتبار أجندة مواجهة التطرف العنيف محاولة تصحيحية للسياسات الأمنية لما بعد 11 أيلول/سبتمبر، التي أطلقتها في معظم الأحيان أطراف عاملة في الشأن التنموي، هي محاولة قيّمة؛ وكذلك هو الاعتراف بالظروف الكامنة التي من شأنها، في بعض الأحيان، تجنيد المتطرفين وتحويل الأموال من الإنفاق العسكري إلى المساعدات التنموية. إلاّ أن استخدام أنشطة مواجهة التطرف العنيف لمعالجة "الأسباب الجذرية"، خصوصاً تلك المتعلقة بالالتزامات الأساسية للدولة حيال مواطنيها – مثل التعليم، أو التوظيف أو الخدمات المقدمة للمجتمعات المحلية المهمشة – قد تثبت أنها قصيرة النظر. إن تصوير "التطرف العنيف"، وهو مصطلح لا يُعرَّف بشكل صحيح ويبقى مفتوحاً على سوء الاستخدام، بوصفه تهديداً رئيسياً للاستقرار يخاطر بالتقليل من أهمية المصادر الأخرى للهشاشة، ونزع الشرعية عن المظالم السياسية ووصم المجموعات المحلية على أنها مجموعات من المتطرفين المحتملين. على الحكومات والجهات المانحة التفكير بعناية بالأنشطة التي تضعها تحت أجندة مواجهة التطرف العنيف، وإجراء المزيد من الأبحاث حول مسارات التطرف والتشاور على نطاق واسع مع سائر أطياف الفئات الأكثر تأثراً.
    ​​​​​​​
  • الاستثمار في منع الصراعات: يعطي التوسع الأخير لتنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة جرعة جديدة من الإلحاح لعملية الوقاية، سواء خلال الأزمات، لوقف تحولها إلى التطرف، أو عند منابعها. إن أي انهيار آخر في الحزام الممتد من غرب أفريقيا إلى جنوب آسيا من المرجح أن يجتذب عناصر متطرفة – سواء أثارت هذه الحركات نفسها الأزمات أو، وهذا الأكثر ترجيحاً، استفادت من تصاعدها. رغم أن الوصفات العامة ذات قيمة محدودة، فإن حثّ القادة على اتباع سياسات أكثر شمولية وتمثيلاً، ومعالجة مظالم المجتمعات المحلية وتبنّي ردود محسوبة بدقة على الهجمات الإرهابية يكون عادة عملاً منطقياً. بشكل عام، وبعبارة أخرى، فإن منع الأزمات سيكون له أثر أكبر على احتواء المتطرفين العنيفين مما تحدثه مواجهة التطرف العنيف على منع الأزمات.

لقد شهد ربع القرن الأخير موجة من العنف الجهادي: أولاً: في مطلع التسعينيات، عندما انضم متطوعون كانوا يشاركون في الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان إلى حالات تمرد في مناطق أخرى. القاعدة أطلقت الموجة الثانية التي بلغت ذروتها في هجمات 11 أيلول/سبتمبر. الموجة ثالثة أطلقها الغزو الأمريكي للعراق. أما الموجة الحالية الرابعة فهي أكثرها خطراً. ويعود هذا جزئياً إلى سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الأرض وإلى ابتكاراته الأيديولوجية – أي استغلاله للاستياء السني المحلي والعداء الأوسع للمؤسسات. إلاّ أن خطورته تنبع على الأغلب من التيارات التي تدفعه، خصوصاً اضطرابات الشرق الأوسط وتوتر العلاقات بين الدولة والمجتمع هناك وفي أماكن أخرى. إن لمخاوف قادة العالم ما يبررها؛ حيث إن هجمات تنظيم الدولة الإسلامية تقتل مواطنيهم وتهدد تماسك مجتمعاتهم. إنهم يواجهون ضغوطاً كبيرة كي يتصرفوا. لكن عليهم أن يفعلوا ذلك بحكمة. إن اتخاذ خطوات خاطئة – سواء تمثلت في العمل العسكري المتسرع في الخارج؛ أو القمع الداخلي؛ أو وضع تقديم المساعدات في المرتبة الثانية بعد مواجهة التطرف؛ أو توسيع الفئة التي ينطبق عليها تعريف المجموعات المتطرفة؛ أو تجاهل التهديدات الأكثر حدة في الاندفاعة لمحاربة "التطرف العنيف" – من شأنه أن يزيد من خطورة تلك التيارات الأعمق ومرة أخرى مساعدة الجهاديين على تجيير ذلك لمصلحتهم.

بروكسل، 14 آذار/مارس 2016

Yemeni security forces gather in Aden's Mansura district, where a car bomb was used by suspected al-Qaeda fighters to target the city's police chief on 1 May 2016. AFP/Saleh Al-Obeidi

الضربات العسكرية لا تشكل رداً بسيطاً على صعود القاعدة في اليمن

High civilian casualties from the latest U.S. counter-terrorism raid in Yemen risk aggravating rather than helping to resolve a conflict that is the principal reason for the growth of al-Qaeda in the devastated country. 

أول غارة جوية ضد الإرهاب أمر بتنفيذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال نهاية الأسبوع استهدفت القاعدة في اليمن. إلى أي حد كانت العملية فعالة، وماذا نعرف عن الاستراتيجية الأوسع للإدارة الجديدة حيال اليمن؟

تشكل الغارة الجوية على البيضاء، إحدى الجبهات الرئيسية في الحرب الأهلية في اليمن، حيث تشارك القاعدة في شبه الجزيرة العربية وفرعها المحلي، أنصار الشريعة، في الصراع، مثالاً جيداً على ما لا ينبغي فعله. يتسبب استخدام الجنود الأمريكيين وسقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين – حيث ذكرت المصادر المحلية مقتل عشر نساء وأطفال على الأقل - بتهييج المشاعر وتوليد الاستياء من أمريكا لدى سائر أجزاء الطيف السياسي اليمني وهو ما يصب في مصلحة القاعدة في شبه الجزيرة العربية. تتجاهل الغارة السياق السياسي المحلي، على حساب وجود استراتيجية فعالة لمحاربة الإرهاب. كان رجال القبائل الذين تم استهدافهم يرتبطون بصلات بالقاعدة في شبه الجزيرة العربية/أنصار الشريعة، لكن العديد منهم، إن لم يكن معظمهم، لا تحفزهم الأجندة الدولية للقاعدة في شبه الجزيرة العربية، بما في ذلك استهداف الغرب، بل يحفزهم أكثر صراع محلي على السلطة يُنظر فيه إلى القاعدة في شبه الجزيرة العربية على أنها حليف ضد الحوثيين (الميليشيا الزيدية/الشيعية) والمقاتلين المتحالفين مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح. على المستوى المحلي، فإن الغارة لا تعزز فقط رواية القاعدة في شبه الجزيرة العربية حول الحاجة لإبداء معارضة عنيفة لما يزعمون أنه حرب أمريكية ضد المسلمين، بل تمنح القاعدة في شبه الجزيرة العربية أيضاً فرصة لاتهام الولايات المتحدة بمساعدة قوات الحوثي/صالح في حربها للاستيلاء على البيضاء، وهو اتهام من المرجح أن يلقى صدى لدى السكان المعادين للحوثي/صالح في هذه المنطقة. وهذه مفارقة، لأن الولايات المتحدة تساعد السعودية في قصف قوات الحوثي/صالح.

من المبكر جداً تحديد ماهية الاستراتيجية الأوسع لإدارة ترامب في اليمن، إذا كان هناك في الأصل أية استراتيجية. فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب، يبدو أنه سيستمر في سياسة الرئيس السابق باراك أوباما بالاعتماد بشكل كبير على الطائرات دون طيار والعمليات الخاصة. إلا أن هجمات الطائرات دون طيار أظهرت فعالية محدودة ونزعة لإحداث آثار عكسية سياسياً عندما تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين. رغم أنها وجهت ضربات متكررة للقاعدة في شبه الجزيرة العربية بقتل قادة ودعاة ومنظرين رئيسيين فيها، فإنها أخفقت في وقف نموها السريع – لأن الفرص التي توفرها الحرب تفوق الخسائر التي تحدثها الضربات.

ما مدى جدية التهديد الذي يشكله الفرع اليمني للقاعدة؟

القاعدة في شبه الجزيرة العربية أقوى من أي وقت مضى. في حين أن تنظيم الدولة الإسلامية هيمن على عناوين الأخبار في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن القاعدة كانت قصة نجاح في اليمن. على مدى عملية الانتقال السياسي الفاشلة في البلاد، استغلت انهيار الدولة، وتبدُّل التحالفات، ونشوء اقتصاد الحرب وتنامي الطائفية لتوسيع قاعدة أنصارها، وتحدي سلطة الدولة وحكم بعض المناطق أحياناً. لقد تحولت إلى قوة معارضة مسلحة داخلية، وربطت نفسها بمعارضة "سنية" أكبر لتحالف الحوثي/صالح وتستخدم استراتيجية تعتمد على التدرج لتجنب الإساءة بعدوانية للأعراف المحلية والعمل مع المجتمعات المحلية لتحسين الخدمات والتقديم السريع للعدالة. وباتت القاعدة في شبه الجزيرة العربية جزءاً من اقتصاد حرب يشمل مختلف الفصائل السياسية، بما في ذلك مقاتلي الحوثي/صالح، وقد حصلت على موارد جديدة من خلال مداهمة المصارف، والسيطرة على ميناء المُكلا لأكثر من عام، ونهب قواعد الجيش والحصول بشكل غير مباشر على الأسلحة من التحالف الذي تقوده السعودية بدعم أمريكي والذي يدعم الحكومة اليمنية برئاسة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف بها دولياً ضد قوات الحوثي/صالح.

رغم أن القاعدة في شبه الجزيرة العربية تبنت استراتيجية "اليمن أولاً" وذلك بمعالجة المظالم المحلية والاندماج في الصراعات المحلية، فإنها تستمر بموازنة الأهداف المحلية مع أهدافها العالمية، حيث تدعو إلى هجمات، خصوصاً هجمات يقوم بها "ذئاب منفردون"، ضد الغرب. ثمة جدل حول درجة التهديد الذي يشكله التنظيم للولايات المتحدة، بوجه خاص، إلا أن التهديد بعيد المدى يظل قائماً.

من هم أصدقاء وأعداء القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن؟

للنخب السياسية اليمنية تاريخ طويل من التعاون مع المجموعات الجهادية السنية واستمالتها، بما فيها القاعدة في شبه الجزيرة العربية. وهذا يخلق عقبات أمام محاربة التنظيم، حيث إن للنخب القدرة وأحياناً المصلحة في استخدامه لتحقيق مكاسبها المالية أو السياسية الخاصة. من ناحية أخرى، وبالنظر إلى أن القاعدة في شبه الجزيرة العربية وفرعها المحلي، أنصار الشريعة، هي بشكل أساسي تنظيمات يمنية لها مظالم محلية مشروعة – مثل الافتقار إلى تقديم العدالة، والخدمات والوظائف – فإن ثمة فرصاً لإضعاف قيادتها ذات التوجه الدولي من خلال معالجة هذه الشواغل المحلية.

في حين أن جميع الأطراف اليمنية والإقليمية المتحاربة تزعم أن القاعدة في شبه الجزيرة العربية وتنظيم الدولة الإسلامية عدوّان لها، فإنها جميعاً أسهمت في صعودهما. اندفاعة جبهة الحوثي/صالح العسكرية إلى المناطق ذات الأغلبية السنية أتاحت فرصاً واسعة للقاعدة في شبه الجزيرة العربية وتنظيم الدولة الإسلامية لحشر نفسيهما وسط معارضة "سنية" أوسع. لتحالف الحوثي/صالح نزعة ذات أثر عكسي تتمثل في جمع طيف كامل من الخصوم، بما في ذلك الانفصاليون الجنوبيون، والحزب الإسلامي السني، الإصلاح، والقاعدة في شبه الجزيرة العربية، وتنظيم الدولة الإسلامية. الكتلة المعادية للحوثي من جهتها كانت تعمل على أساس مبدأ "عدو عدوي صديقي"، وكانت تنقلب على القاعدة في شبه الجزيرة العربية وتنظيم الدولة الإسلامية حالما يتم إخراج الحوثيين من منطقة معينة. لقد ركز التحالف الذي تقوده السعودية على تقدم تحالف الحوثي/صالح، الذي يعتبره جزءاً من النزعة التوسعية الإيرانية، بوصفه الأولوية القصوى، فسمح للقاعدة في شبه الجزيرة العربية أن تحكم مناطق واسعة لفترات زمنية طويلة وحصد المزايا المالية المترتبة على ذلك. في نيسان/أبريل 2016، أخرجت قوات من الإمارات العربية المتحدة في التحالف القاعدة في شبه الجزيرة العربية من المُكلا، على سبيل المثال، إلا أن التنظيم لم يهزم بل انصهر في المناطق الداخلية. في هذه الأثناء، فإن التنظيم يستفيد من استمرار الصراع، خصوصاً على الجبهات. باختصار، فإن القاعدة في شبه الجزيرة العربية في موقع يشكل مفارقة من حيث إنها تشكل عدواً لجميع الأطراف في الوقت الذي يمكن اعتبارها المستفيد الأكبر من الحرب.

الأسبوع الماضي، قدم مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد إحاطة لمجلس الأمن وأوصى بفرض وقف فوري لإطلاق النار. ما مدى قرب الأطراف من التوصل إلى أي اتفاق لوضع حد للقتال؟

ليس هناك فرصة كبيرة في التوصل إلى تسوية في الوقت الراهن، بشكل أساسي لأن التحالف الذي تقوده السعودية وحكومة هادي يبدوان مصممين على تحقيق مكاسب عسكرية على طول ساحل البحر الأحمر قبل العودة إلى محادثات ذات معنى. في تشرين الأول/أكتوبر، وافق تحالف الحوثي/صالح على التفاوض على أساس "خطة كيري"، التي جمعت تنازلات أمنية وسياسية تسمح بانسحاب الحوثي/صالح من صنعاء، ونزع السلاح على مراحل، وتشكيل حكومة وحدة وطنية يكونون جزءاً منها. لكن لم يتضح إلى أي حد سيقدمون التنازلات حول تفاصيل الانسحاب ونزع السلاح، وهي التفاصيل المهمة بالنسبة للسعوديين وحلفائهم. 

في المحصلة، تبين أن تدخّل وزير الخارجية جون كيري كان ضئيلاً ومتأخراً أكثر مما ينبغي، حيث إن حكومة هادي رفضت الخطة، فيما يعد مؤشراً على فهمها بأن إدارة أوباما كانت قد أصبحت بطة عرجاء غير قادرة على الضغط على السعوديين للتوصل إلى اتفاق سلام. الآن، باتت جهود إعادة إطلاق المفاوضات ميتة فعلياً. رغم أن الأمم المتحدة تبقى مظلة جوهرية ليتم التفاوض تحتها حول تسوية، فبعد ثلاث جولات من محادثات السلام الفاشلة والمحاولات التي لا حصر لها لوقف إطلاق النار، فإنها فقدت مصداقيتها لدى جميع الأطراف ومن غير المرجح أن تستعيد مفاوضات ذات معنى في غياب تغير في حسابات المتحاربين الرئيسيين حيال ما يشكل تسوية مقبولة.

إذا كانت احتمالات إنهاء الحرب بتسوية تفاوضية تبقى بعيدة، ما الذي يمكن فعله على المدى القصير للحد من التهديد الذي تشكله القاعدة وغيرها من التنظيمات الجهادية؟

تتمثل الطريقة الأكثر فعالية في عكس مكاسب القاعدة في شبه الجزيرة العربية وذلك بمعالجة الظروف التي جعلت هذه المكاسب ممكنة، إي بإنهاء الحرب عبر تسوية سياسية دائمة وشاملة. وبما أن هذا يبقى احتمالاً بعيداً، فإن ثمة خطوات عدة من شأنها أن تقلص من نفوذ التنظيم. بالنسبة للدول والمجموعات العاملة في المناطق التي تقع حالياً أو كانت تقع سابقاً تحت سيطرة القاعدة في شبه الجزيرة العربية، مثل حكومة هادي، والميليشيات المرتبطة بها والإمارات العربية المتحدة، فإن هذه الإجراءات تشمل: منح الأولوية للأمن الأساسي، وتقديم الخدمات والعدالة، خصوصاً تسوية النزاعات بشكل سريع وشفاف؛ وفصل المجموعات الإسلامية السنية عن بعضها بعضاً بدلاً من جمعها؛ واستخدام الأدوات العسكرية والشُرَطية بحكمة وطبقاً للأعراف والقوانين المحلية. بالنسبة للولايات المتحدة وغيرها من الحكومات المهتمة بمحاربة القاعدة في شبه الجزيرة العربية، فإن هذا يعني الاستعداد لتقييم وتقييد الشركاء المحليين والإقليميين الذين يمكن أن يتسامحوا مع أو حتى أن يشجعوا القاعدة في شبه الجزيرة العربية/تنظيم الدولة الإسلامية لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية خاصة. كما أنه يعني تجنب الأعمال العسكرية ثقيلة الوطأة خارج استراتيجية سياسية، مثل الغارة التي شنت في 29 كانون الثاني/يناير في البيضاء، والتي من المرجح أن تفاقم المشكلة بدلاً من تهدئتها. يمكن لكتلة الحوثي/صالح أن تساعد من خلال تجنب المزيد من التوغلات العسكرية في المناطق ذات الأغلبية السنية، وهي التي ألهبت التوترات الطائفية وغذت الحملة الدعائية للقاعدة في شبه الجزيرة العربية وتنظيم الدولة الإسلامية. على جميع الأطراف اليمنيين والإقليميين المتحاربين الإحجام عن تصنيف أعدائهم بعبارات طائفية فجة.