كركوك وصمام الأمان الأمريكي
كركوك وصمام الأمان الأمريكي

كركوك وصمام الأمان الأمريكي

فيما تستعد القوات الأمريكية لمغادرة العراق في ظل غياب حل في الأفق بشأن المناطق المتنازع عليها في العراق، يزداد احتمال حدوث توترات متصاعدة على طول ما يسمى بخط الزناد. فبينما تحسن التواصل والتعاون بين الجيش العراقي وقوات حرس الاقليم الكردية، إلا أنهم لا يزالون يتواجهون عبر خط التماس الغير محدد والذي يتعرج على طول الأراضي الغنية بالتنوع العرقي، وكما شاء القدر بالنفط أيضا، ويمتد خط التماس من الحدود السورية إلى الحدود الإيرانية. قد تنهار علاقتهم الهشة عندما يتحول الوجود الأمريكي بينهم من وجود عسكري إلى وجود مدني في نهاية هذا العام

في شهر مايو آيار، وفي آخر تذكير لأي مدى لا يزال الوضع متفجراً، قتلت القنابل العشرات في كركوك، المدينة والمحافظة الواقعة في جوهر الصراع. لدى كل من المجموعات العرقية في كركوك ادعاءات متضاربة بشأن الأحقية بها: إذ يرغب الأكراد في ضمها إلى إقليم كردستان المجاور؛ فيما يود التركمان أن تصبح منطقة قائمة بذاتها لا تخضع لا لسيطرة بغداد ولا أربيل، أما أغلبية العرب فتفضل الوضع الراهن المتمثل في محافظة واقعة تحت حكم بغداد مباشرة. وفي ضغط هذه المجموعات لنيل مطالبهم، أضحت الديموغرافية - من لديه الحق في العيش والتصويت في- كركوك- ساحة المعركة الرئيسية. لو كان النفط غائباً من المعادلة، لكانت مسألة وضع كركوك أقل إلتهابا بكثير، ولتلاشت أهمية تركيبة المنطقة العرقية وأرقامها إلى حد كبير، ولما كان هناك حاجة لنشر قوات أمن متناحرة

نجح الوجود العسكري الأمريكي في الإبقاء على الغطاء محكما فوق التوترات التي لا تتوقف عن الغليان تحت السطح. ولهذا السبب دعا ساسة كركوك على اختلاف مشاربهم إلى تمديد وجود القوات الأمريكية في العراق، ولكن حتى الآن لم ترسل حكومة المالكي أي إشارة عن استعدادها لمواجهة تداعيات دعم مثل هذه الدعوة والتفاوض من جديد على اتفاقية لتنسيق وضع القوات. ولانعدام الثقة المتبادلة، والشك في دوافع كل منهما للآخر، وبسبب التلاعب بهم من قبل قوى ذات نفوذ أكبر من خارج كركوك، لم يتمكن هؤلاء السياسيين من التوصل إلى اتفاق أولي حتى حول كيفية الحكم في المنطقة ناهيك عن وضعها

وتأجلت انتخابات المحافظة لأجل غير مسمى، في حين تعثرت العملية المتوخاة بموجب المادة رقم 140 من الدستور العراقي، والتي تتناول مسألة المناطق المتنازع عليها: فلا تزال معظم النزاعات حول الملكية تنتظر تسوية؛ وعانى التعداد السكاني من تأجيلات متكررة، ولم يبدأ أحد حتى الحديث بجدية بشأن الاستفتاء على وضع كركوك القانوني. لم يطرأ أية تطورات إيجابية سوى تعيين شخصية تركمانية لمنصب رئيس مجلس محافظة كركوك في شهر مايو، الأمر الذي أزال الخلاف بين الرئيس السابق (الكردي) والمحافظ (الكردي أيضا) فيما وفر قدر أكبر من التنوع العرقي على مستوى القيادة، والتوصل الى اتفاق بشأن الكهرباء في شهر أغسطس وفر الكهرباء في كركوك على مدار الساعة للمرة الأولى منذ عام 2003

يتطلب الوضع الحالي وساطة دولية، وقد قامت الأمم المتحدة خلال الربيع الماضي بعملية جس النبض لتحديد ما إذا كان بإمكانها أن تلعب دورا حقيقيا في حث الأطراف على بدء المحادثات ووضع الخطوط العريضة لخارطة الطريق .إلا أن عدم إحراز أي تقدم يعكس مدى هشاشة الائتلاف الحاكم في بغداد ومدى تعقيد القضايا ذات الصلة. من المرجح ألا يتغير الكثير قبل انسحاب القوات الأمريكية، وقد بدأت كافة الأطراف التحضير لهذا الاحتمال

كان الاكراد أول من تحرك بالإشارة إلى هواجسهم الأمنية. فقد نشروا خلال عيد الأضحى المبارك الماضي، في أواخر عام 2010 أفراد من الأمن في جميع أنحاء مدينة كركوك مما أثار غضب العرب والتركمان. وأرسلوا في فبراير قوات إلى بوابة المدينة الجنوبية، منتهكين بذلك ترتيبات أمنية مع شركائهم العراقيين والأمريكيين في إطار ما يسمى بالآلية الأمنية المشتركة وهي نظام نقاط تفتيش ودوريات مشتركة للحفاظ على السلم. يدعي القادة الأكراد أنهم حصلوا على الضوء الأخضر من رئيس الوزراء نوري المالكي، إلا أنه من المرجح أن يكون المالكي ضبط على حين غرة وهو قلق بشأن مظاهرات واسعة النطاق على غرار النموذجين المصري والتونسي، ولم يكن في وضع يسمح له بمقاومة هذه الخطوة. بعد تهديدات واشنطن بأنها ستوقف تدريبها للأكراد وإمدادهم بالمعدات، انسحبت القوات الكردية بعد شهر. إلا أن حدة التوتر ارتفعت مجددا في أغسطس آب عندما قام الأكراد بمحاولة مماثلة في محافظة ديالي

تم تفسير حزم الأكراد العسكري على نطاق واسع على انه محاولة لفحص مدى تصميم خصومهم. قد تكون النتيجة شدت عزيمتهم، إلا أنه من الخطأ تفسير تخاذل المالكي في فبرايرشباط وآب على أنه مستعد لقبول استيلاء الأكراد على كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها فور انسحاب القوات الأمريكية التي لن تبقى هناك لإبعاد الأكراد

ولا يمكن لأي زعيم عربي في العراق أن يأمل بالنجاة سياسيا إذا أُعتبر أنه سلم كركوك للأكراد، وبالعكس، سيفقد القادة الأكراد كل ما لديهم من المصداقية إذا فشلوا في الوقوف في وجه محاولة الجيش العراقي لطرد الأكراد من كركوك. مما يعني أنه إذا استمرت المواجهة الحالية، فمن دون شك ستؤدي التحركات الأحادية الجانب من قبل أي من الطرفيين إلى نزاعات مسلحة بمجرد إزالة صمام الأمان المتمثل بالوجود الأمريكي

ليس هناك بديل سلمي لمفاوضات تفضي إلى تسوية توافقية مستدامة بشأن وضع كركوك. وفيما تجري هذه العملية، يمكن التخفيف من وطأة الأسئلة الكبرى مثل الأمن، والديموغرافيا، والنفط إذا تمكن القادة في بغداد وأربيل وكركوك من التركيز على إيجاد حلول محلية براغماتية. بدلا من معالجة مسألة وضع كركوك مباشرة، ينبغي عليهم أن يعملوا على تحسين الحكم والتنمية، الأمر الذي من شأنه بناء الثقة المهمة لإحراز تقدم في مسالة وضع كركوك. ولإزالة وزن التركيبة السكانية ينبغي أن يتفق الجانبان على أن يكون أي حل لمسألة وضع كركوك على أساس تفاوضي وليس نتيجة لاستفتاء على أساس عرقي. وفي غياب قانون موحد ينظم مسألتي النفط والغاز، ينبغي أن تسعى بغداد واربيل إلى اتفاق لتقاسم كل من إدارة وإيرادات الثروة النفطية في المنطقة. والاتفاق الذي أبرمه مؤخرا سياسيين من مختلف الأعراق والمشارب السياسية بشان الكهرباء يدفع بذلك الاتجاه إذ أنه أدى إلى تحسين أحوال المواطنين المعيشية. كما يجب بناء قوى شرطة محلية تكون متنوعة عرقيا وقابلة للحياة كبديل لوجود الجيش العراقي وقوات حرس الإقليم الكردية

من خلال العمل معا لتحسين حياة الناس اليومية، قد يساعد زعماء كركوك المدينة في استعادة شيء فقدته منذ زمن طويل، شيء لا تزال الأجيال الأكبر سنا تذكره بحنين واضح وهو مفهوم التعايش الذي ساد قبل ستينيات القرن المنصرم، وفي جعله أساس لسلام دائم

العراق: تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار المتنازع عليه

لم يتعافَ قضاء سنجار بعد من الخراب الذي أصابه في عام 2014، عندما أخضع تنظيم الدولة الإسلامية سكانه لحملة رعب شرسة. ما يزال آلاف السكان نازحين. ومن أجل إقناعهم بالعودة، ستحتاج الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان مساعدة السكان المقيمين هناك لتحسين الحوكمة والأمن.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

ما الجديد؟ في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وقّعت بغداد وأربيل اتفاقاً يهدف إلى تحقيق الاستقرار في قضاء سنجار العراقي من خلال إدارة وهيكلية أمنية جديدتين من شأنهما أن تسمحا بعودة المهجرين. إلا أن الاتفاق لم يُنجز إلا جزئياً. فتركيا تكثف قصفها لحزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به في المنطقة.

ما أهمية ذلك؟ مع مرور الوقت دون التوصل إلى ترتيب عملي لحكم سنجار وتحقيق الأمن فيه، فإن الحوافز بالنسبة لأهل سنجار المهجرين الذين يعيشون في مخيمات بائسة للعودة إلى بيوتهم باتت تتضاءل. وفي هذه الأثناء، فإن تصاعد حدة العنف يخاطر بجر القضاء إلى صراع القوى بين تركيا وإيران.

ما الذي ينبغي فعله؟ ينبغي على بغداد وأربيل تنفيذ أحكام الحوكمة، والأمن وإعادة الإعمار في اتفاق سنجار في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن تعالجا إخفاقهما، عند التوصل إلى الاتفاق، في تأمين مشاركة وموافقة المجموعات العراقية المسلحة الفاعلة على الأرض من خلال استشارتها واستشارة ممثلي المجتمع المدني السنجاري حول كيفية إنجاح الاتفاق.

بعد نحو سبع سنوات من تمكّن تحالف غير وثيق مكوَّن من مجموعات مسلحة وقوات من إقليم كردستان وبغطاء جوي أميركي من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من سنجار، فإن الوضع هناك ما يزال متوتراً. سنجار، الذي كان في وقت من الأوقات قضاءً هادئاً في الزاوية الشمالية الغربية البعيدة من العراق، بات يصارع، مع افتقار إدارته المحلية للشرعية، وإخفاق خدماته العامة في تلبية التوقعات وتوقف عملية إعادة الإعمار فيه. ثمة مجموعة متفرقة من الجماعات المسلحة تبقي المنطقة غير آمنة، وهو الوضع الذي يترك 70 بالمئة من سكانه في حالة نزوح. وتنتشر الأغلبية العرقية – الدينية الإيزيدية، التي استُهدفت في هجوم أقرب إلى الإبادة الجماعية شنه تنظيم الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، في سائر أنحاء الشمال الغربي (وفي المنفى) وتعاني من الانقسام السياسي. في عام 2020، توصلت الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان إلى اتفاق لتحقيق الاستقرار في سنجار، لكن المتابعة تباطأت، وهددت الصدامات التي جرت في أيار/مايو بين الجيش وإحدى الميليشيات المحلية إلى تقويضه بشكل كامل. سيتعين على أطراف الاتفاق العمل مع سكان سنجار لتعزيز الدعم للاتفاق والإشراف على تنفيذه، بشكل يسمح بعودة المهجرين.

حتى قبل وصول تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2014، كان قضاء سنجار رهينة مواجهة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بسبب وضع الإقليم كمنطقة متنازع عليها (أي منطقة تدعي كلا الحكومتان السلطة عليها). ينص الدستور العراقي لعام 2005 على عملية مصممة لتسوية الادعاءات المزدوجة بالحق بالمناطق المتنازع عليها. إلا أن حكومة كردستان، وخصوصاً المكوّن الأكثر قوة فيها وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، سعت منذ وقت طويل إلى السيطرة على المناطق المتنازع عليها، بما في ذلك سنجار، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان. ودخل مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البشمركة التابعة له إلى سنجار في عام 2003، واستمالوا ووظفوا النخب المحلية لأداء مهام الحوكمة الروتينية. إلا أن الحزب لم يحقق شعبية تذكر هناك. وبوجه خاص، عامل الإيزيديين بوصفهم أكراداً، وبذلك حرمهم فعلياً من الهوية المميزة للجماعة وزرع بذور الاستياء في أوساطهم.

حوَّل هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في آب/أغسطس 2014، سنجار إلى بؤرة تجمّع لطيف واسع من الجماعات المسلحة. وتمثلت إحدى هذه الجماعات في حزب العمال الكردستاني – وهو مجموعة كردية متمردة تصنفها تركيا (وكذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) تنظيماً إرهابياً. كان حزب العمال الكردستاني قد بحث عن مكان آمن في شمال العراق، رغم أن وجوده كان يقتصر بشكل عام على جبال قنديل قبل عام 2014 ومنطقة من قضاء مخمور حيث يقع مخيم للاجئين الأكراد من تركيا. لكن عندما سحب الحزب الديمقراطي الكردستاني قوات البشمركة التابعة له عندما شن مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً على المنطقة، تدخلت جماعات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بغطاء جوي أميركي – وتمكنت من إنقاذ الناجين وصد تنظيم الدولة الإسلامية تدريجياً. ثم، في أواخر عام 2015، أرسلت الولايات المتحدة مرة أخرى طائراتها الحربية لمساعدة خليط من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (وحدات حماية الشعب السورية، ووحدات مقاومة سنجار التي أسست حديثاً) والبشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على طرد تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كامل. وعلى مدى العامين التاليين، ظل إقليم سنجار بشكل عام تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي هيمن على الشمال الشرقي وأيضاً على بلدة سنجار، وحزب العمال الكردستاني، الذي تركز وجوده في جبل سنجار والشمال الغربي.

في عام 2017، تغير الوضع في شمال العراق مرة أخرى، حيث أعاد تصعيد الحملة المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة القوات الاتحادية العراقية إلى الشمال، وانضمت إليها مجموعات الحشد الشعبي شبه العسكرية التي تتكون بشكل رئيسي من عراقيين من أجزاء أخرى من البلاد. فتمت استعادة الموصل، آخر مدينة كانت واقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية. ثم مضى الحشد أبعد من ذلك. فبعد أن أحدث استفتاء على الاستقلال نظمته حكومة إقليم كردستان رد فعل عكسي، تم إخراج الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار والاكتفاء بتعاون مضطرب مع مكونات الحزب وفروعه والمجموعات المرتبطة به المقيمة هناك.

تتسم ترتيبات الحوكمة الناجمة عن ذلك بالعشوائية وانعدام الفعالية. إذ يتمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بتفويض رسمي لحكم سنجار، لكنه يمارس هذا التفويض من خارج القضاء، وحتى من خارج محافظة نينوى التي تقع فيها سنجار، أي من محافظة دهوك المجاورة. داخل سنجار، عيّن الحشد قائم مقام بديل ومدراء نواحٍ دون مباركة الحكومة الاتحادية، في حين أنشأت وحدات حماية الشعب، التي تتكون غالباً من إيزيديين عراقيين إضافة إلى عدد قليل من العرب الذين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ذراعاً حاكماً – "الإدارة الذاتية في سنجار" – تسعى لأداء بعض الوظائف البيروقراطية، لكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على أدائها.

في هذه الأثناء، وبسبب المجموعات المسلحة التي يستضيفها قضاء سنجار فإن القضاء يجد نفسه على نحو متزايد في وسط المواجهة بين تركيا وإيران. إيران تدعم الحشد، في حين أن تركيا تسعى إلى القضاء على حزب العمال الكردستاني الذي ترى فيه تهديداً لأمنها القومي. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في محاربة حزب العمال الكردستاني – فقدت شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وهكذا صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها أصلاً على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وضربت قواعد لوحدات حماية الشعب تستضيف كوادر من حزب العمال الكردستاني في سنجار أيضاً. من وجهة نظر تركيا، فإن القادة الكبار في وحدات حماية الشعب هم أنفسهم أعضاء في حزب العمال الكردستاني. وقد أصبحت هذه الهجمات سمة منتظمة لبيئة أمنية هشة أصلاً. وقد أوجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع المجموعات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني – الحشد لأنه يسعى إلى الحصول على موطئ قدم أكثر ثباتاً في الشمال، فإنه يعد الوجود العسكري التركي هناك احتلالاً ويرفض ادعاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بحقه في سنجار، وحزب العمال الكردستاني لأنه يسعى إلى العثور على ملاذ آمن في شمال العراق.

وسعياً من الأمم المتحدة إلى وضع القضاء على مسار أفضل، فإنها توسطت في التوصل إلى اتفاق في تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل يهدف إلى ملء الفراغ الأمني والإداري في مرحلة ما بعد وجود تنظيم الدولة الإسلامية من خلال الجمع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً في إدارة سنجار، وتحت السلطة الكلية لبغداد. لكن حتى الآن دخلت أجزاء فقط من الاتفاق حيز التنفيذ، بالنظر إلى أنه أخفق في أن يأخذ بالحسبان المناظير المختلفة للجهات الفاعلة المسيطرة على الأرض – أي وحدات حماية الشعب ومجموعات الحشد المختلفة. وحدات حماية الشعب، بما في ذلك الإدارة الذاتية لسنجار، ترفض الاتفاق، الذي لا يكتفي بعدم ذكر دورها في القضاء، بل يحظر وجودها بشكل كامل. وفي حين أن الحشد، الذي يخضع رسمياً لسلطة رئيس الوزراء العراقي، طرف منفذ للاتفاق، فإن الكثير من المجموعات الشيعية التي تكوّن النواة الصلبة للحشد تنظر إلى الحكومة على أنها منحازة ضدها في السعي إلى نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات النظامية الخاضعة لوزارتي الدفاع والداخلية. اتضحت الطبيعة العاجلة لتسريع التنفيذ الكامل للاتفاق في أيار/مايو، عندما اندلعت اشتباكات بين الجيش ووحدات حماية الشعب في إحدى النواحي التابعة لقضاء سنجار. وفي حين أن مثل تلك المواجهات تبدو متقطعة، فإنها تكشف عن تحدٍ لم تتم معالجته، والمتمثل في مصير وحدات حماية الشعب، التي وإن كانت مرتبطة بمجموعة خارجية فإن حزب العمال الكردستاني يتكون أفراده هو نفسه من سنجاريين، أي مواطنين عراقيين لديهم هواجس محلية مشروعة. وهكذا، فإن هذا الملف يستحق معالجة حساسة، وليس إلى لجوء الجيش إلى استخدام المطرقة في كل مكان يرى فيها مسماراً أعوج.

ومن أجل معالجة التأخير الخطير في إنفاذ اتفاق سنجار فعلياً، ينبغي على بغداد وأربيل العمل باتجاه درجة أكبر من قبول الاتفاق من قبل طيف واسع من الجماعات المسلحة المحلية وممثلي المجتمعات المعنية. فيما يتعلق بالجانب المدني، ينبغي على الحكومة أن تعين مكلفاً بأعمال القائم مقام حالياً، وإجراء مشاورات وثيقة مع سلطات أربيل وقادة المجتمع المحلي في سنجار لتعيين شخص إيزيدي مناسب وغير منحاز سياسياً من سنجار. على الجبهة الأمنية، ينبغي على الحكومة الاتحادية الابتعاد عن مقاربتها القتالية، والانخراط في حوار مباشر مع وحدات حماية الشعب بشأن تحديات مثل إنشاء قوة شرطة محلية والسعي إلى إدماج مقاتليها (وأعضاء المجموعات المسلحة الأخرى) في قوات الدولة. ويمكن لبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق أن تساعد في إنجاح هذه الإجراءات من خلال إرسال مراقبين مدنيين دوليين ومستشارين تقنيين للإشراف على العملية.

بغداد/بروكسل، 31 أيار/مايو 2022

Subscribe to Crisis Group’s Email Updates

Receive the best source of conflict analysis right in your inbox.