Arrow Down Arrow Left Arrow Right Arrow Up Camera icon set icon set Ellipsis icon set Facebook Favorite Globe Hamburger List Mail Map Marker Map Microphone Minus PDF Play Print RSS Search Share Trash Twitter Video Camera Youtube
ماذا بعد المعركة الدموية للسيطرة على حلب؟
ماذا بعد المعركة الدموية للسيطرة على حلب؟
Residents escape Assad regime bombardment in Al Moyaser neighbourhood of Aleppo, Syria on 29 November, 2016. ANADOLU AGENCY/Jawad al Rifai

ماذا بعد المعركة الدموية للسيطرة على حلب؟

رغم الحملة الفعالة بوحشية التي شنها النظام السوري لاستعادة حلب، فإنه لا يستطيع الاحتفال بالنصر بعد. في هذه السلسلة من الأسئلة والأجوبة، يتحدث كبير المحللين نوح بونسي حول العوامل التي من المرجح أن تغذي قدراً أكبر من العنف، وزيادة في حدة التطرف والنزوح على نطاق أوسع.

ما هي المضامين المباشرة لانتصار النظام في حلب؟

أوضحت معركة حلب الحالة القاتمة للحرب السورية بعد أكثر من خمس سنوات على بداية الصراع. يلحق النظام وحلفاؤه الهزيمة بفصائل المعارضة المسلحة بتنفيذ نسخة موسعة من استراتيجيتهم العسكرية المفضلة والمتمثلة في العقاب الجماعي، بما في ذلك تكتيكات الحصار والقصف الشرس الذي يستهدف المدنيين. بدعم حيوي من القوات الجوية الروسية والمقاتلين الأجانب المدعومين من إيران، فإن هذه التكتيكات مكنت النظام من التعويض، في الوقت الراهن على الأقل، عن النقص في عدد أفراد جيشه والقاعدة المحدودة من المقاتلين السوريين الذين يمكنه الركون إليهم.

هذه الاستراتيجية مكنت النظام من تحقيق مكاسب عسكرية وسياسية كبيرة بالحد الأدنى من الكلفة بالنسبة له. لا يمكن تخيّل المعاناة الإنسانية التي تفرضها هذه التكتيكات، سواء من حيث النطاق أو الشدة، خصوصاً في أوساط المدنيين في مناطق المعارضة، كما تذكرنا الصور التي تأتينا من حلب. بيد أن النظام وحلفاؤه لا يكترثون، في أفضل الأحوال، للضحايا بين المدنيين، وفي أسوئها هم عازمون على زيادتها. وفي ذلك لديهم أهداف متعددة تتمثل في دفع المدنيين المحليين للضغط على المقاتلين المقيمين بينهم للاستسلام؛ وإرسال رسالة للسوريين في مناطق أخرى تذكرهم بثمن استمرار المقاومة؛ وتهجير السكان الموالين للمعارضة الذين يمكن أن يشكلوا تحديات لحكم النظام في المستقبل. في هذه الأثناء، يرى النظام وحلفاؤه بوضوح أن داعمي المعارضة و "المجتمع الدولي" الأوسع غير مستعدين أو غير قادرين على التصرف بطريقة ترفع من ثمن مقاربة الأرض المحروقة هذه، رغم كل سفك الدماء، والتهجير، والنزوع نحو التطرف الذي تولده. بالنظر إلى تلك الحوافز، المتمثلة في المردود العالي، والتكاليف التي لا تذكر بالنسبة لهم، لا غرابة في أن النظام، وروسيا، وإيران والمجموعات الأخرى التي تحارب بالوكالة والمتحالفة معهم استخدموا هذه الاستراتيجية الوحشية بشكل متكرر. لقد نجحت هذه المقاربة في المنطقة المحيطة بدمشق وحمص، ونجحت الآن في حلب، ومن المفترض أنهم سيسعون إلى استخدامها مرة أخرى، في المرة القادمة ربما في إدلب، أو في الغوطة الشرقية [خارج دمشق]. ما نراه في حلب لا يمثل كارثة إنسانية لا حدود لها بحد ذاتها وحسب، بل يعطي أيضاً لمحة عما من المرجح أن يحدث لاحقاً.

ما هي الأهمية الخاصة لحلب في إطار الصراع في سورية؟

يُعتقد أن النصف الشرقي من حلب كان المعقل الاستراتيجي الأكثر أهمية للمعارضة، بالنظر إلى حجم المدينة، وثقلها الاقتصادي، وقربها من الحدود التركية. مع تطور الصراع، أصبحت مدينة حلب وأجزاء من الريف المحاذي لها أيضاً الجزء من الشمال السوري الذي ظلت الفصائل غير الجهادية هي القوى المحلية المهيمنة فيه، حتى مع فرض جبهة النصرة (التي باتت تعرف الآن بفتح الشام) هيمنتها على جزء كبير من محافظة إدلب المجاورة. تشكل خسارة حلب ضربة قوية للجزء غير الجهادي من طيف المعارضة، وبالتالي للطموحات السياسية للمعارضة بشكل عام.

لقد كانت استراتيجية النظام منذ مدة طويلة تهدف إلى شل المعارضة غير الجهادية عسكرياً وإفقادها أهميتها السياسية. منذ عام 2014، أبرزنا في مجموعة الأزمات أهمية حلب، وأشرنا إلى أن سيطرة النظام على المدينة ستعرض للخطر، وبشكل جذري، أي احتمال مستقبلي لنهاية تفاوضية للصراع، كما أنه من المرجح أن يعزز قوة المجموعات الجهادية. إن الشرط اللازم الذي ينبغي أن يتوفر لأي تسوية قابلة للحياة هو أن يكون هناك معارضة غير جهادية براغماتية بما يكفي للتوصل إلى اتفاق وقوية بما يكفي على الأرض لتنفيذه. إن إضعاف الفصائل غير الجهادية في الشمال سيكون على نحو متزايد لمصلحة المنظمات الجهادية مثل فتح الشام. كما إنه سيوفر فرصاً جديدة لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي يحظى بازدراء واسع النطاق لدى الشرائح المتبقية من المعارضة المسلحة، لكن مع فقدان هذه المعارضة لزخمها، فإنه قد يجد مجالات لفرض نفسه بل إعادة بناء بعض المصداقية لدى القاعدة الشعبية المعادية للنظام.

إلى أين تمضي المعارضة من هنا؟

تعكس حلب مشاكل مقيمة وقديمة داخل المعارضة وبين الدول الداعمة لها أضعفت قدرتها على الدفاع عن الأرض. أدى ضعف التنسيق وتضارب الأولويات بين الدول الداعمة إلى تقويض حلفائها السوريين بشكل مستمر. ولم تكن الشهور القليلة الماضية استثناءً على ذلك، حيث السعودية غارقة في مستنقع في اليمن، وتركيا عالقة في صراع عابر للحدود مع قوات كردية، والولايات المتحدة تركز على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية بينما تنخرط في جولات غير مثمرة من الدبلوماسية مع موسكو.

وهذا ترك المعارضة لتتصرف على هواها في حلب، فأسأت التصرف في الأوراق السيئة التي تمتلكها أصلاً، فانزلقت إلى الاقتتال الداخلي في أسوأ الأوقات، وأسأت إلى قضيتها بقصف الجزء الغربي من حلب الذي يسيطر عليه النظام دون تمييز بين مقاتلين ومدنيين. كانت فصائل المعارضة المسلحة ستواجه مصاعب في الدفاع عن مناطقها في المدينة في كل الأحوال، بالنظر إلى اتساع وكثافة الهجوم الذي شنه النظام وحلفاؤه، لكن لابد من ملاحظة أن الجهد الإجمالي للمعسكر المؤيد للمعارضة كان أقل من مجموع قدرات أجزائها.

إذاً، ما الذي تبقى للمعارضة على الأرض؟ إنها تواجه خريطة قاتمة، إذ إن البقعة التي يُعقد عليها أكبر الأمل هي شمال شرق حلب، حيث استعادت الفصائل غير الجهادية العاملة مباشرة مع القوات التركية من تنظيم الدولة الإسلامية منطقة واسعة من الأرض على الحدود، وتحاول الآن الاستيلاء على مدينة الباب، الواقعة على بعد حوالي 35 كم شرق حلب. أنقرة هي التي ترسم مسار هذا الجهد المشترك، المعروف بدرع الفرات، والذي يهدف بشكل أساسي إلى إبعاد تنظيم الدولة عن الحدود التركية ومنع وحدات حماية الشعب (القوات الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني) العاملة على الأراضي السورية من وصل الأراضي الواقعة تحت سيطرتها شرق نهر الفرات مع كانتون عفرين الذي تسيطر عليه شمال حلب. المشاركة في درع الفرات تنطوي على تكاليف كبيرة بالنسبة للمعارضة، حيث إن القوات المنتشرة هناك كان يمكن أن تساعد في تعزيز الجهود التي بذلت للدفاع عن الجزء الشرقي من حلب. كما أن حاجة تركيا للمحافظة على النوايا الطيبة لموسكو، من أجل منع تدخل القوات الجوية الروسية، قيَّد قدرتها على مساعدة المعارضة المسلحة في الرد على حملة النظام وحلفائه هناك. إلا أن الفوائد كبيرة أيضاً، حيث إن المكاسب التي حققتها العملية وفرت فضاءً وأهمية جديدين لعناصر المعارضة غير الجهادية التي تواجه تهديدات وجودية في مناطق أخرى من الشمال.

لقد كانت محافظة إدلب الشمالية موضوعاً لنقاشات كثيرة بوصفها الوجهة التالية للصراع في الشمال، فهل تستطيع المعارضة أن تحشد قواها هناك؟ 

جهود إخلاء المدنيين والمقاتلين من حلب بدأت يوم الخميس (١٥ كانون الأول/ديسمبر)، بعد تأخير تكرر مراراً، حيث تتوجه القوافل نحو إدلب، المعقل الذي تبقّى للمعارضة في الشمال الغربي. الوضع في إدلب أكثر ديناميكية وقابلية للانفجار. قد يسعى النظام وحلفاؤه إلى التصعيد هناك بعد حلب، وستستخدم تكتيكات مشابهة من حيث الوحشية ضد المدن والبلدات التي تبقى مكتظة بالمدنيين، بما في ذلك العدد الكبير من المهجرين من مناطق أخرى. سيطرة المعارضة المسلحة في المنطقة تنقسم بشكل أساسي بين جبهة فتح الشام (وهي فصيل سلفي جهادي كانت ترتبط حتى وقت قريب بعلاقات رسمية مع القاعدة) وأحرار الشام، وهو فصيل يضم طيفاً من الإسلاميين واتخذ لنفسه موقعاً بين فتح الشام والفصائل الأكثر اعتدالاً في الطيف السياسي والأيديولوجي للمعارضة المسلحة. يعد هذان الفصيلان الأكثر قوة في المعارضة المسلحة في الشمال السوري، ومن المرجح أن يكونا في وضع أفضل للدفاع عن مناطقهما من نظرائهما في حلب. بيد أن برامجهما الإسلامية الصريحة وصلات فتح الشام بالقاعدة قد تحد من الاحتجاجات الدولية على هجمات النظام وحلفاءه على المناطق الخاضعة لسيطرتهما. (ولكن قد تكون هذه نقطة ليست ذات أهمية، بالنظر إلى أن الاحتجاجات الدولية لم يكن لها دور يذكر في تقييد النظام وحلفائه في مناطق أخرى.) في هذه الأثناء، فإن انقساماً أيديولوجياً وسياسياً وشخصياً قديماً بين المعسكرين البراغماتي والمتشدد داخل أحرار الشام قد تعمق مؤخراً. وإذا حدث الانفصال بين المعسكرين فإنه قد يكون صحياً للمعارضة على المدى المتوسط والبعيد، لكن من المرجح أنه سيضعف قدراتها الدفاعية في المستقبل المباشر.

هل للمعارضة آمال أفضل بالعودة للانبعاث في الجنوب؟

لقد حصلت المعارضة في جنوب سورية على مكاسب مختلطة من التفاهمات. تستمر الفصائل غير الجهادية هناك بالسيطرة على مناطق واسعة من الأرض، لكن تفاهماً ظاهرياً بين روسيا والأردن، الذي تعتمد عليه المعارضة المسلحة في الإمداد، جمد تلك الجبهة في الوقت الحاضر، مع استثناءات متقطعة. وقد وفر هذا درجة من التهدئة بالنسبة للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، لكنه أيضاً مكن معسكر النظام من تحويل الموارد نحو التصعيد ضد جيوب المعارضة الأخرى ــ وبالمقابل، وطبقاً لبعض التقارير، أضعف معنويات المعارضة المسلحة في الجنوب.

في مناطق أخرى، تقتصر سيطرة المعارضة على جيوب منعزلة، أبرزها في ضاحية دمشق المحاصرة المتمثلة في الغوطة الشرقية، التي تسيطر عليها بشكل أساسي فصائل غير جهادية ولا يزال فيها عدد كبير من السكان المدنيين. يعد فرض سيطرة النظام على كامل منطقة العاصمة أحد أولوياته منذ وقت طويل، ويبدو أن نجاح النظام في حلب سيزيد من رجحان شنّه لحملة مدمرة مماثلة للاستيلاء على ما تبقى من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة في الغوطة.

نظرياً، ومن أجل تجنب الكلفة الإنسانية والسياسية المحتملة لهجمات كبيرة يشنها النظام وحلفاؤه تستهدف الغوطة الشرقية أو أجزاء من إدلب، فإنه قد يكون من مصلحة الفصائل غير الجهادية والدول الداعمة لها السعي بشكل مشترك إلى شيء يقارب ترتيبات عدم الاعتداء التي سادت بشكل عام في الجنوب. نظرياً أيضاً، فإن مثل هذا التفاهم قد يكون جذاباً بالنسبة لروسيا – التي بدت قلقة أحياناً من القدرة المحدودة للنظام على الاحتفاظ بالأراضي التي يستعيدها والتي يعد دعمها الجوي حاسماً في تمكين النظام من شن هجمات جديدة. وقد تأكدت مخاوف موسكو عندما استعاد تنظيم الدولة الإسلامية السيطرة على تدمر مؤخراً، بعد تسعة أشهر فقط من الحملة العسكرية المدعومة من روسيا التي كانت قد نجحت في طرد التنظيم منها. بيد أنه، ومن حيث الممارسة، لا يبدو أن ثمة شهية تذكر للتوصل إلى ترتيب عدم اعتداء بوجود الخلافات داخل المعارضة وبين داعميها. كما يصعب تخيل اختيار روسيا، ناهيك عن النظام وإيران، وقف التقدم ضد المعارضة المسلحة الآن وهم يتمتعون بمثل هذا الزخم. حتى لو عانت المعارضة من استمرار خسارة الأراضي، فإن ذلك لن يشكل نهاية للمقاومة المسلحة ضد النظام. بل إنه لن يترك أولئك الراغبين بالاستمرار في القتال خياراً سوى الانتقال إلى استراتيجية بعيدة المدى تتمثل في اتباع العمل العسكري غير المتناظر (اي حرب العصابات)، وهو سيناريو سيكون أيضاً لمصلحة السلفيين الجهاديين، وسيزيد الصعوبات التي تواجهها المعارضة المسلحة في جمع قيادة سياسية متماسكة وعملية وذات مصداقية.

هل يتوجه النظام لإثبات أن هناك حلاً عسكرياً لهذا الصراع في المحصلة؟

لقد مضى النظام بعيداً في تفكيك خصومه غير الجهاديين داخل البلاد، مسلحين ومدنيين، وهو ما كان هدفاً قديماً ومستمراً للنظام يعيق أي مسار نحو انتقال سياسي متفاوض عليه في المستقبل المنظور. لكن رغم الزخم الحالي، فإنه لا يتجه نحو نصر عسكري كامل. لا يزال هناك نقاط ضعف حاسمة داخل المعسكر الموالي للنظام. من بين نقاط الضعف الجوهرية هناك التراجع الكبير في عدد عناصر الجيش السوري الفعالين، والقاعدة المحدودة التي يمكن للنظام أن يستقدم منها مقاتلين سوريين ملتزمين يمكنه الركون إليهم. من أجل بسط سيطرته على مناطق إضافية بينما يحتفظ بما لديه الآن، بات النظام يعتمد بشكل ثابت ومتزايد على المقاتلين الأجانب الشيعة بتيسير من إيران، مثل حزب الله اللبناني، والميليشيات العراقية، و"المتطوعين" الأفغان والباكستانيين الذين يتم استقدامهم من تجمعات اللاجئين في إيران. لقد لعبت هذه المجموعات، إضافة إلى القوة الجوية الروسية المكثفة، دوراً محورياً في تمكين النظام من تحقيق مكاسب مستمرة. لكن على المدى المتوسط والبعيد، فإنها لا توفر وسيلة مستدامة للتمسك بالأرض في المعاقل المأهولة بالسكان والمعادية للنظام وسط استمرار المقاومة المسلحة ضده، ناهيك عن تحقيق الاستقرار في هذه المعاقل. 

"من غير المرجح، في ضوء غياب تسوية حقيقية، أنه سيتمكن من استعمال مثل هذه التكتيكات الوحشية لتحقيق نصر كامل في الحرب."
في الواقع، حتى على المدى القصير، فإن التمسك بالأرض يعد تحدياً جدياً. توضح إعادة استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على تدمر في مطلع الشهر الجاري هذا الأمر بجلاء. مع تركيز حلفائه الأجانب ومعظم مقاتليه السوريين الموثوقين على جبهات أخرى، وأبرزها حلب، فإن قوات النظام المكلفة بالاحتفاظ بتدمر لم تكن كافية لمواجهة هجوم مفاجئ من قبل تنظيم الدولة، فخسرت المدينة خلال ثلاثة أيام رغم الدعم الجوي الروسي. حقيقة أنه كان من الممكن حدوث انهيار للنظام بهذه السرعة في تدمر، وهي موقع تراثي مشهور على مستوى العالم وموقع استراتيجي مهم، كانت إعادة السيطرة عليها في آذار/مارس الماضي قد احتفي بها في حملة دعائية روسية كبيرة، توفر مؤشراً كافياً على المشكلة التي يواجهها النظام فيما يتعلق بالقوى البشرية. إذا استمرت القوات الموالية للنظام بالسيطرة على المزيد من الأراضي، وعندما تفعل ذلك، فإن المخاطر التي تواجهها في الانتشار على بقعة أوسع من قدرتها على السيطرة ستزداد.

جزء من التحدي الذي يواجهه داعمو النظام، بمن فيهم إيران، هو أنهم يعملون بشكل يتعارض مع التركيبة الديموغرافية لسورية، في سائر أنحاء البلاد، وفي الشمال الغربي على نحو خاص. وهذا اختلاف بارز بين سورية والعراق، حيث إن فرض إيران لهيمنتها في العراق تسهله تحالفات مع قوى سياسية وعسكرية متجذرة ومستمدة من الأغلبية الشيعية في البلاد. نظرياً، في سورية يمكن للنظام وحلفائه محاولة التغلب على هذا التحدي بتوسيع وتكثيف جهودهم الرامية لإفراغ المناطق من سكانها في أجزاء من البلاد حيث يُعتقد أن المشاعر المعادية للنظام واسعة وعميقة على نحو خاص. وهذا إن حصل فسيزيل أي خط فاصل ظل قائماً بين مواجهة المعارضة المسلحة عن طريق تكتيكات الأرض المحروقة من ناحية، والتطهير الطائفي الممنهج من ناحية أخرى. كما أن من شأن ذلك أن يؤدي إلى مقتل المدنيين، والنزوح، والنزوع نحو التطرف بشكل أسوأ من الأهوال التي شهدتها سورية حتى الآن. بالنظر إلى المدى الذي ذهب إليه النظام وحلفاؤه حتى الآن، وفي غياب أي رادع عسكري خارجي منظور، من المحزن أنه لا يمكن استبعاد ذلك.

ما هي القوة النسبية لتنظيم الدولة الإسلامية الآن؟ رغم استعادة سيطرته على تدمر، هل إن التنظيم لم يعد مهدَداً في مدينة الرقة شمال سورية؟

لقد تذبذبت حظوظ تنظيم الدولة الإسلامية بين مد وجزر، حتى خلال الأسبوعين الماضيين، لكن بشكل عام يبدو أنه يتراجع. لكن حتى لو تحققت نجاحات عسكرية أخرى ضد التنظيم، فإن ذلك وحده لن يحل المشكلة.

إن جزءاً كبيراً من الحديث في الغرب حول سورية يركز على فصائل جهادية محددة، على رأسها تنظيم الدولة وفتح الشام. إلا أن ذلك مضلل ويحقق نتائج عكسية تماماً. كما رأينا في العراق على مدى سنوات، فإن دفع جماعة جهادية إلى ما وراء ما يبدو أنه حافة الهزيمة سيشكل نجاحاً قصير الأمد وحسب إذا ظلت الظروف التي تتغذى عليها قائمة، أو عادت إلى الظهور. كما أن تصفية قيادات الجماعات ليس ضمانة على أن الجهاديين قد هزموا؛ حيث قتل ثلاثة من قادة القاعدة في العراق، فقط ليتم استبدالهم بالقادة الحاليين لتنظيم الدولة الإسلامية. ستتطور الجماعات مع تراجعها، وقد يختفي بعضها وتظهر مجموعات جديدة. إن هذه الجماعات تمثل أعراضاً وليس أسباباً للمشاكل الأعمق في سورية والعراق وما حولهما. من بين تلك المشاكل الرئيسية هناك القوة الهائلة التي تنزع نحو مزيد من التطرف والتي تولدها التكتيكات العسكرية الوحشية المستخدمة من قبل جميع العناصر المسلحة في البلاد، لكن التي تمت ممارستها بالشكل الأكثر اتساعاً ومنهجية من قبل النظام السوري وحلفائه.

عندما ننظر إلى مستويات العنف التي عانى منها السوريون، وتلك المجتمعات (السنية في معظمها) التي لحقت بها أسوأ الآثار، من الواضح أن الاستيلاء على الأرض من تنظيم الدولة أو غيرها من الجماعات الجهادية لن يعالج بحد ذاته المشكلة بشكل مستدام. ينبغي أن يكون الهدف تحقيق الاستقرار والإدارة ذات المصداقية داخل هذه المناطق. وهذا يعني أن الأسئلة المتعلقة بكيفية إدارة مدينة معينة بعد إخراج تنظيم الدولة منها، ومن قبل من، أكثر أهمية من السرعة التي يتم فيها إخراج التنظيم من تلك المنطقة. 

وبالتالي، فإن ثمة خطراً حقيقياً في أن تخطئ الولايات المتحدة بالاندفاع لترتيب حملة للاستيلاء على الرقة تقودها، عملياً وإن لم يكن من حيث الخطاب، قوات حماية الشعب الكردية. أولاً، بسبب اعتراض أنقرة الشديد على تحقيق وحدات حماية الشعب لأية مكاسب إضافية، ووسط استمرار العنف بين تركيا وحزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب على جانبي الحدود التركية السورية، فإن الفائدة المؤقتة لإخراج تنظيم الدولة من المدينة يمكن أن تتلاشى بالمقارنة مع تكاليف زعزعة الاستقرار المتزايدة على اتساع قوس التوتر هذا. ثانياً، وبالنظر إلى المقاربة التي تتبعها وحدات حماية الشعب في الإدارة، والمتمثلة بتفويض مسؤوليات قليلة جداً للهيئات المحلية بينما تحتفظ بشكل واضح بالسلطات الأكثر أهمية في أيدي الكوادر الكردية لوحدات حماية الشعب، من الصعب تخيل تحقيق المنظمة لأي إدارة مستدامة ذات مصداقية في مدينة ذات أغلبية عربية ساحقة بحجم مدينة الرقة. 

كيف تتطور الأمور بالنسبة لتركيا وحلفائها في معركة الاستيلاء على مدينة الباب من تنظيم الدولة الإسلامية؟

كما لاحظت سابقاً، فإن تركيا وحلفاءها في المعارضة المسلحة بدأت عملية درع الفرات بهدفين مباشرين: 1) الاستيلاء من تنظيم الدولة الإسلامية على الأراضي المتاخمة للحدود التركية، 2) منع وحدات حماية الشعب من وصل الأراضي التي تسيطر عليها في شمال شرق سورية مع كانتون عفرين الذي تسيطر عليه شمال حلب. وحتى الآن، حققت تركيا الهدف الأول وباتت على وشك تحقيق الثاني. إذا استولت على الباب، وعندما يحدث ذلك، فإنها ستكون قد قطعت تماماً الطريق على وحدات حماية الشعب للسيطرة على شريط متصل من الأراضي. جدير بالذكر أن السيطرة على الباب ستوفر أيضاً لتركيا وشركائها في المعارضة المسلحة موطئ قدم في مركز سكاني كبير لا يبعد سوى 35 كم عن مدينة حلب، وأقل من 10 كم عن أقرب منطقة يسيطر عليها النظام، وهو ما يفسر إشارات دمشق المتكررة إلى اعتراضها على تقدم درع الفرات للاستيلاء على المدينة. وهكذا فإن معركة الباب تدور بين الفصائل المسلحة التي تدعمها تركيا وتنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن تداعياتها أوسع بكثير.

لكن إذا نجحت تركيا وحلفاؤها في درع الفرات في الاستيلاء على مدينة الباب، وعندما يحصل ذلك، ثمة مخاطرة حقيقية في حدوث المزيد من التصعيد. إن وصل كانتون عفرين بالمناطق التي تسيطر عليها في الشمال الشرقي هي الأولوية القصوى لوحدات حماية الشعب في سورية، وقد أشار مسؤولوها إلى أن المنظمة مستعدة للرد بقوة على المحاولات التركية لمنع ذلك. في هذه الأثناء، فإن القيادة التركية اقترحت علناً أنه يمكن لدرع الفرات أن يبني على النصر في الباب للتحرك شرقاً نحو منبج، وهي مدينة موضع نزاع منذ استولت عليها وحدات حماية الشعب وحلفاؤها المحليون من تنظيم الدولة الإسلامية في آب/أغسطس، متخذة خلال العملية خطوة أولية نحو وصل كانتوناتها. لم تكن تركيا راضية عن هذا التطور، وفهمت من الولايات المتحدة حينذاك أن وحدات حماية الشعب ستنسحب من منبج بعد الاستيلاء عليها وستسلم السيطرة للسلطات المحلية. لم يحدث ذلك، فقد سحبت وحدات حماية الشعب بعض أصولها لكنها احتفظت بأصول أخرى؛ وفي كل الأحوال ليس هناك تعريف مشترك بين تركيا، ووحدات حماية الشعب والولايات المتحدة للحد الفاصل الذي تنتهي عنده وحدات حماية الشعب وتبدأ السلطات المحلية. (ما يعقد المسألة هو تكتيك حزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب في إنشاء هيئات محلية مستقلة رسمياً تبقى عملياً تحت سلطة المنظمة.) الحد الأدنى هو أن المبادرة إلى تحديد ترتيبات مقبولة بشكل مشترك في منبج سيكون مفيداً لكل هذه الأطراف، أي لتركيا ووحدات حماية الشعب والولايات المتحدة. إذا حاولت تركيا تسوية المسألة من خلال اندفاعة عسكرية في ذلك الاتجاه، فإنها قد توسع امتداد قوات درع الفرات أكثر من طاقتها خلال هذه العملية، ما يوفر فرصاً لتنظيم الدولة، او لوحدات حماية الشعب، أو حتى لقوات النظام الموجودة في الجوار لتستغلها. بل إن من شأن ذلك أن يطلق شرارة دورة تصعيدية بين تركيا وحزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب على طرفي الحدود. كما يمكن للنتيجة نفسها أن تنجم عن أي تصعيد لوحدات حماية الشعب ضد القوات التركية والقوات الحليفة لها في الباب أو في أماكن أخرى. في الواقع، عند هذه اللحظة يستحسن أن تقبل وحدات حماية الشعب بأن وصل كانتوناتها من خلال الوسائل العسكرية ليس هدفاً واقعياً، وأن أية محاولة لتحقيق تلك الغاية يمكن أن تحقق أثراً عكسياً يتمثل في إثارة رد تركي موسع.

بالنظر إلى كل هذه الديناميكيات الخطيرة، ما هي آفاق تخفيف حدة العنف المتصاعد في سورية؟
 
يمكن أن تتمثل الخطوة الأولى في أن يكون جميع اللاعبين واقعيين حيال ما يمكن أن يحققوه عسكرياً. خلال مسار هذه الحرب، كان صناع القرار لدى جميع الأطراف يبالغون، وبشكل متكرر، بما يمكنهم تحقيقه والمحافظة عليه، أي أن وضعهم لأهداف مبالغ بها جعلهم ميالين إلى الذهاب أبعد مما يستطيعون تحقيقه. وقد كان هذا صحيحاً بالنسبة للمعارضة وداعميها عندما توفر لها الزخم في مرحلة مبكرة من الصراع، وينطبق أيضاً على النظام وحلفائه الآن حيث يتمتع بهذا الزخم. لقد كسب النظام معركة حلب، بكلفة تمثلت في دمار هائل، وعزلة دولية، ومعاناة مريعة للمدنيين. من غير المرجح، في غياب تسوية حقيقية، أن يكون قادراً على استخدام مثل هذه التكتيكات الوحشية لتحقيق نصر كامل في الحرب.

يأمل المرء أن تكون الأطراف الضالعة في الصراع أكثر واقعية وبذلك تتجنب معارك تلحق الضرر بها جميعاً. وهذا المبدأ ينطبق ليس على منبج والباب وحسب، بل أيضاً على إدلب، حيث يخاطر النظام بتوسيع المنطقة التي يسيطر عليها أكثر مما سيكون باستطاعته الاحتفاظ به.

يظهر النشاط الدبلوماسي التركي ـ الروسي الأخير الإمكانيات الكامنة المتاحة كي يحقق كل طرف نتائج أفضل، لنفسه ولحلفائه، من خلال التفاوض على ترتيبات لعدم الاعتداء من شأنها أن تمنع حدوث حرب شاملة للسيطرة على إدلب، أو في أماكن أخرى. إن اتفاقاً بين تركيا وروسيا لا يكفي بالطبع، كما رأينا هذا الأسبوع في حلب، عندما بدا أن الميليشيات المدعومة من إيران أفشلت اتفاق الاخلاء الذي ساعدت أنقرة وموسكو على التوصل إليه. لكن الدبلوماسية بين الطرفين يمكن أن توفر بداية واعدة. 

رغم ذلك، فإن العقبات الماثلة أمام مثل هذا الاتفاق تبقى هائلة؛ حيث إن النظام وإيران كانا يفضلان دائماً التصعيد العسكري الفوري على الجهود التفاوضية الروسية؛ وتبدو موسكو نفسها راضية بالاستمرار في تحقيق الميزة العسكرية الراهنة للقوى الموالية للنظام؛ أما فتح الشام التي تسيطر على جزء كبير من إدلب، فهي تفضل أن تبقى المعارضة المسلحة في حالة هجوم، ومن المرجح أن تسعى إلى إفشال أي ترتيب لعدم الاعتداء؛ وهناك حدود لإرادة وقدرة تركيا على دفع حلفائها في المعارضة المسلحة حيال قضية تتلاشى في أهميتها أمام التحديات التي يشكلها حزب العمال الكردستاني/وحدات حماية الشعب.

في هذا الوقت، يبدو تخفيف حدة التصعيد من قبيل التفكير الرغبوي، لكن يمكن تحقيقه إذا كانت القوى الرئيسية الضالعة في القتال مستعدة للعودة قليلاً إلى الوراء وإعادة تقييم موقفها استناداً إلى مصالحها الأبعد مدى. بالتطلع إلى الأمام، في المرحلة القادمة، من المرجح أن يتمثل اللاعبون الخارجيون الأكثر محورية في روسيا وتركيا وإيران، خصوصاً وأن الإدارة الأمريكية القادمة تبدو الآن ميالة إلى الحد من انخراطها في سورية. تخطط مجموعة الأزمات الدولية لتناول هذه الديناميكيات في تقريرها القادم.

Russian Foreign Minister Sergei Lavrov reacts as he attends a news conference after a meeting with his German counterpart Frank-Walter Steinmeier in Moscow, 23 March 2016. REUTERS/Sergei Karpukhin

خيار روسيا في سوريا

Many questions surround Moscow’s surprise announcement of a force reduction in Syria. Yet it clearly enhanced Russia’s leverage over the regime and provided a much-needed dose of credibility to the nascent political process. Avoiding further regional unravelling and spiralling radicalisation, however, and pushing the conflict toward an initial settlement will require further adjustments in Russia's strategy, including addressing the Assad conundrum.

  • Share
  • Save
  • Print
  • Download PDF Full Report

I. Overview

In announcing Moscow’s intent to withdraw the “main part“ of the military assets that it deployed to Syria since last September, President Vladimir Putin again caught much of the world off-guard, this time allies and adversaries alike. Having decla­red victory while maintaining its war-fighting capacity in Syria, Russia has left key questions unanswered: will it actually reduce its military role and, if so, to what extent, where and against whom. But if it implements the announcement in a meaningful way, this could create the best opportunity in years to push the conflict toward an initial settlement, especially on the heels of Moscow’s decision to help implement a “cessation of hostilities”.

This much is clear: Putin’s announcement underlined crucial points distinguishing Russian aims from those of the Assad regime and enhanced Moscow’s leverage over Damascus. It also, for the moment at least, increased Russia’s investment in the fledgling, fragile political process it is co-sponsoring with the U.S.

This much is unclear: having battered Syria’s non-jihadist rebels nearly to the brink of defeat but not over it, what sort of political and military arrangements will Moscow seek? Will it aim to cement battlefield gains, while maintaining a less aggressive posture in the hope that reduced violence will encourage the U.S. to drop any active opposition to President Bashar al-Assad’s rule and to increase coordination with Moscow against jihadist groups? This option is consistent with Russia’s general approach to the conflict, but would entail an open-ended military commitment, offer little prospect of improved stability and possibly play to the jihadists’ advantage.

Alternatively, will Moscow push for a more robust settlement that has a chance of stabilising the country – at least those parts the regime and non-jihadist rebels control? That would require an additional, political outlay: most importantly, delinking its own interests in Syria from the person of Assad – and, ultimately, convincing Iran to do the same. If Moscow wishes to avoid further regional unravelling and spiraling radicalisation, this is an investment worth making.

Istanbul/New York/Brussels, 29 March 2016